أسفرت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، التي أُجريت في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، عن بروز أكثرية ديمقراطية مناوئة للرئيس دونالد ترامب، وتذمّرٍ داخل إدارته وحزبه الجمهوري من سياساته التي ألحقت بالحزب هذه الهزيمة الكبيرة. وقد لا تقلّ خسارة الجمهوريين في الكونغرس أهميّةً عن فوز الديمقراطيين؛ لأنّ هذه الخسارة قد تجعل مصالح الحزب تتباعد عن مصالح رئيسه. فقد أقرّ ترامب بأنّ الحرب على إيران كانت أحد أسباب الهزيمة، لكنّه أكّد أنّ قراره كان صائبًا، وأنّه كان سيتّخذه مرّةً أخرى. أمّا الطامحون إلى خلافته، وفي مقدّمتهم نائبه، جي دي فانس، فيواجهون حاجةً متزايدةً إلى إنقاذ مستقبلهم السياسي بالابتعاد عن سياساته وانتقادها علنًا؛ إذ إنّ اقتناعهم بأنّ الحرب أسهمت في خسارة أغلبيّتهم في الكونغرس عام 2026 يجعلهم يخشون أن تُسقط مرشّح الحزب للرئاسة عام 2028، إذا ظلّوا مؤيّدين لها أو ساكتين عنها.
شقوق في إدارة ترامب
برز هذا التباعد في موقف نائب الرئيس. ففي 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، حمّل فانس الحرب مسؤوليّة الهزيمة، وأعاد نشر نصيحته السابقة بإنهائها. وهذه شهادةٌ لها وزنها؛ إذ تصدر عن مسؤولٍ شريكٍ في الحكم، ومرشّحٍ محتملٍ لخلافة الرئيس. ويمكن قراءة هذا الموقف بوصفه بدايةً لحملته للانتخابات الرئاسية المقبلة، بالاعتراض على سياسات رئيسه ترامب، لكسب تأييد القاعدة الجمهورية الغاضبة من نتائجها.
تكشف الأرقام حجم الهزيمة الجمهورية والخوف من تجددها في الانتخابات الرئاسية القادمة. فحتى 5 نوفمبر/تشرين الثاني، كانت التقديرات تشير إلى إمكان حصول الديمقراطيين على نحو 250 مقعدًا أو أكثر في مجلس النواب، من دون أن يكون العدد النهائي قد حُسم. وفي مجلس الشيوخ، ضمنوا 54 مقعدًا على الأقلّ، وانتزعوا سبعة مقاعد جمهورية، منها مقاعد كنساس وتكساس وكارولاينا الجنوبية، من دون خسارة أيّ مقعدٍ كانوا يشغلونه. ووصف حاكم ولاية فلوريدا الجمهوري، رون ديسانتيس، النتيجة بأنّها تقترب من «الانقراض السياسي».
ويواجه ترامب هذه الخسارة بتأييدٍ شعبيٍّ ضعيف. فقد بلغت نسبة الرضا عن أدائه نحو 38٪، وفق متوسط «سيلفر بولتن» المنقول حتى 4 نوفمبر/تشرين الثاني، و32٪ في استطلاع رويترز/إبسوس الذي أُجري بين 29 أكتوبر/تشرين الأوّل و2 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. وتكشف الأرقام حجم الرفض: نحو 49٪ يعارضون أداءه بشدّة، مقابل 21٪ يؤيّدونه بشدّة.
كانت الحرب عاملًا بارزًا في التصويت. فقد عدّها 74٪ من الناخبين عاملًا حاسمًا أو رئيسيًّا في قرارهم، ورأى 62٪ أنّ استخدام القوّة العسكرية ضدّ إيران كان قرارًا خاطئًا. وشمل رفض القرار نحو ربع الناخبين الجمهوريين. وكان متوسط سعر غالون البنزين العادي على المستوى الوطني نحو 4.15 دولارات في 2 نوفمبر/تشرين الثاني، عشيّة الاقتراع.
لكنّ الهزيمة لا تُفسَّر بالحرب وحدها. ففي استطلاع الناخبين الذي أجرته مؤسّسة «إس إس آر إس» لمصلحة مجموعةٍ من المؤسّسات الإعلامية، قال نحو نصف الناخبين إنّ ارتفاع الأسعار كان عاملًا حاسمًا في تصويتهم، وأشارت أغلبيّةٌ محدودةٌ إلى الفساد الحكومي بوصفه عاملًا حاسمًا أيضًا. ورأى نحو ثلثي الناخبين أنّ سياسات ترامب أسهمت في زيادة التضخّم.
وتشير هذه النتائج إلى تداخل أسباب العقاب الانتخابي. فقد اجتمعت كلفة الحرب مع الغلاء والاستياء من أداء الحكم. وأسهم ارتفاع أسعار الوقود في نقل أثر الحرب إلى الحياة اليومية، فزاد العبء الاقتصادي والسياسي على الرئيس وحزبه.
قد تدفع هذه الخسارة الجمهوريين إلى اتخاذ موقفٍ علنيٍّ واضحٍ لوقف الحرب، أملًا في استعادة أسواق الطاقة عافيتها وانخفاض الأسعار في الولايات المتحدة، بما يحسّن الأحوال المعيشية للأمريكيين. وقد يلتقي الجمهوريون والديمقراطيون على هذا الهدف، في مواجهة احتمال إصرار ترامب على مواصلة الحرب رغم أعبائها الكبيرة.
إنقاذ الانتخابات الرئاسية المقبلة
هذا الخوف من تكرار الخسارة في الانتخابات الرئاسية هو ما قد يضغط على نائب الرئيس فانس للابتعاد عن سياسات رئيسه ترامب. إلّا أنّ وضعه أكثر تعقيدًا؛ فهو يحتاج إلى قاعدة ترامب ليحصل على ترشيح الحزب، وإلى توسيع التأييد خارجها ليفوز بالرئاسة. لذلك قد يسعى أوّلًا إلى تغيير سياسة الرئيس مع حفظ مكانته: إنهاء الحرب بوصفه إنجازًا لترامب، وتسويق التسوية بوصفها ثمرةً لمفاوضاته. فهذا أقلّ كلفةً من صراعٍ مفتوحٍ قد يمزّق القاعدة التي يريد وراثتها.
وقد تنشأ حول هذا المسعى مصلحةٌ مشتركةٌ داخل الإدارة والحزب. يستطيع المسؤولون الدفع نحو التفاوض، وتقديم خياراتٍ أقلّ كلفةً، والتحذير من نتائج التصعيد. ويستطيع أعضاء الكونغرس الجمهوريون الامتناع عن توفير الغطاء السياسي للحرب، والانضمام إلى جهود الرقابة عليها وتقييد تمويلها. تقييد ترامب لا يحتاج في بدايته إلى إزاحته؛ يكفي أن يتراجع استعداد حزبه للدفاع عنه.
وقد يسهّل التفاهمَ اختلافُ الأولويّات. فإذا أصبحت حماية الرئيس ترامب لنفسه وعائلته أولويّته القصوى، وأصبح وقف الحرب وتخفيف أعباء المعيشة أولويّةً لدى الديمقراطيين، فقد ينشأ مجالٌ للمقايضة. يستطيع الجمهوريون عندئذٍ التوسّط في تفاهمٍ يمنح الرئيس مخرجًا يحفظ مكانته ويخفّف المواجهة السياسية والرقابية معه، مقابل قبوله إنهاء الحرب وتقديم تنازلاتٍ تشريعيةٍ. وهذه ليست حصانةً قضائيةً مضمونةً، بل تسويةٌ سياسيةٌ محتملةٌ لا تُلزم المحاكم أو جهات الادّعاء. وقوّتها أنّ كلّ طرفٍ قد يحصل منها على ما يحتاج إليه أكثر ممّا يتنازل عنه.
لكنْ إذا اختار ترامب التصعيد والصدام مع حزبه، فقد يتّضح أنّ موقف فانس المنتقد لسياسات رئيسه كان بدايةً لحملةٍ داخل الحزب الجمهوري لكسب تأييده، ليس لخوض المواجهة مع الديمقراطيين لاحقًا فحسب، بل للضغط على الرئيس حاليًّا أيضًا. وقد يحرص فانس على إقناع الجمهوريين بأنّ الحملة الرئاسية تبدأ من الآن، بالمسارعة إلى إنهاء الحرب على إيران ليُحسب ذلك مكسبًا لهم، بدلًا من ترك ترامب يواصلها خلال نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأوّل، ثمّ ينعقد الكونغرس الجديد، ويتصدّر الديمقراطيون جهود تقييد تمويلها وإنهائها، فيحظون بالفضل السياسي، ويصبّ ذلك في مصلحة مرشّحهم للانتخابات الرئاسية المقبلة.
فإذا واصل ترامب عناده، فلا يُستبعد أن يسحب مسؤولون كبارٌ في إدارته دعمهم السياسي له، وأن يشارك أعضاءٌ جمهوريون في مسار مساءلته وعزله، إذا وُجد أساسٌ دستوريٌّ لذلك. ويقتضي هذا المسار إقرار موادّ الاتّهام بأغلبيّةٍ بسيطةٍ في مجلس النواب، ثمّ إدانته بأغلبيّة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين. فإذا أُدين وعُزل، تولّى فانس الرئاسة وفق ترتيب الخلافة الدستوري. أمّا الخلاف على سياسة الحرب وحده فلا يكفي تلقائيًّا للعزل.
لكنّ هذا السيناريو يظلّ بعيدًا، وقد يفضّل ترامب التوصّل إلى ترتيباتٍ مع قيادة إدارته وحزبه لتخفيف الضغوط عليه وعلى أقاربه، من دون أن يضمن ذلك حمايتهم من الملاحقات القضائية.
والأقرب، وفق هذا التقدير، أن يبدأ الضغط بالدفع نحو وقف الحرب أو خفض وتيرتها. ويمكن أن تظهر ثماره خلال نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأوّل، قبل بدء ولاية الكونغرس الجديد في 3 يناير/كانون الثاني 2027. وبعد ذلك، تتعزّز قدرة الديمقراطيين على الرقابة، ورفض اعتماداتٍ جديدةٍ للحرب أو السعي إلى تقييد استخدامها. لكنّ امتلاك الأغلبيّة لا يعني القدرة التلقائية على وقف العمليات؛ إذ يتوقّف ذلك أيضًا على التمويل المتاح، وصياغة القيود، والإجراءات التشريعية، وموقف الرئيس.
فرصة الهزيمة
تفتح الهزيمة نافذةً لإنهاء الحرب خلال الشهرين المقبلين، لكنّها لا تضمن ذلك.
قد لا يؤدّي ضغط الإدارة وأعضاء الكونغرس الجمهوريين على ترامب إلى وقف الهجمات على إيران بالكامل، لكنّه قد يخفّف وتيرتها ويحدّ من شدّتها، ولا سيّما الهجمات التي تمسّ البنية التحتية. فهذه الهجمات قد تدفع إيران إلى الردّ باستهداف المنشآت الحيوية في الخليج، بما قد يعطّل إنتاج النفط والغاز وتصديرهما، ويُبقي أسعار الطاقة مرتفعةً حتى بعد وقف الحرب. وقد يتحمّل الجمهوريون كلفة ذلك في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
الاختبار الحاسم هو بروز مؤشّراتٍ على رغبة ترامب في التهدئة وتغليب التفاوض، وتقليص نفوذ أنصار التصعيد داخل إدارته، ومنهم وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث، مع إبراز دور فانس وزيادة المسافة السياسية بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وهذه مؤشّراتٌ مقترحةٌ للاختبار، وليست دليلًا قاطعًا على توجّه الإدارة.
أمّا إذا دفع بأنصار التصعيد إلى الواجهة، وتشدّد في التفاوض، وكثّف التنسيق مع نتنياهو بشأن خياراتٍ عسكريةٍ جديدةٍ، فقد يرجّح ذلك اختياره التصعيد. وعندئذٍ قد تظهر تصدّعاتٌ أوسع داخل إدارته وحزبه، مع تراجع استعدادهما لتحمّل العبء السياسي لقرارات الرئيس.