قواعد واشنطن: مسار أميركا إلى الحرب الدائمة

يرى أندرو باسيفيتش في كتابه " قواعد واشنطن: مسار أميركا إلى الحرب الدائمة" أن الهدف السليم للسياسة الأميركية ليس فرض نظام عالمي محدد وبالقوة. بل إتاحة الفرصة للأميركيين لإقامة اتحاد أفضل في بلادهم ، ويعتبر أن التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية والإنسانية الناجمة عن سياسات التدخل كبيرة.
201361811541642734_20.jpg
الصدر (الجزيرة)

شغل مستقبلُ القوة الأميركية المفكرين منذ عقود، خاصة عقب سقوط الاتحاد السوفياتي، وانتقال العالم إلى نظام الأحادية القطبية وسيطرة الولايات المتحدة. ومن أهم المؤلفات الصادرة منذئذ حول الموضوع كتاب المؤرخ بول كينيدي -أستاذ التاريخ بجامعة ييل الأميركية- بعنوان «قيام وسقوط القوى العظمى»(1) وقد أكد من خلاله أن تصاعد تكاليف الإمبراطوريات بما يتجاوز عوائدها يؤدي لسقوطها، وكتاب جوزيف ناي -أكاديمي ومسؤول سابق بالبنتاغون- «حتمية القيادة الأميركية»(2) الذي طرح مفهوم الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية، وأنها بخصائصها اللينة تستطيع الاستمرار رغم تغير معطياتها الداخلية وظروف العالم الموضوعية.

وتناول المسألة أيضا المؤرخ الاقتصادي البريطاني نيال فيرغسون في كتابه «الصنم: قيام وسقوط الإمبراطورية الأميركية»(3) حيث بدا متشائما إزاء مستقبل القوة الأميركية مقارنة بكتبه المبكرة، نظرًا لعدم عقلانية السلوك الاقتصادي الأميركي في العقود الماضية وسيره نحو الفوضى، خاصة في أعقاب الأزمة المالية الأميركية العالمية أواخر عام 2008. وقدم الاقتصادي الأميركي جوزيف ستغلتز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والأستاذ بجامعة كولومبيا رؤيته في كتاب «السقوط إلى الهاوية»(4) وهو عنوان واضح الدلالة على مستقبل الرأسمالية وقلعتها.

وقد رأى مفكرون أميركيون أن علة التجربة الأميركية مشروعها الإمبراطوري، الذي يمثل نقيضا لمشروعها كجمهورية «أرض الأحرار» و« دار الشجعان»،(5) حيث تمارس نفوذها عالميًا بالمثال الديمقراطي وقيم الحرية وتقرير المصير. لكن الجذور الأولى للمشروع الأميركي حملت ملامح المشروع الإمبراطوري التوسعي التدخلي. فالدستور يعطي الرئيس صلاحيات شبه إمبراطورية، والروح الأميركية التي تستلهم «الوعد الإلهي» و«أرض الميعاد» وتمثلات أمة الإيمان و «مدينة على جبل»(6) في العهد القديم، تكرس الطبيعة التوسعية للمشروع الأميركي. ويتفاقم الأمر بنزعة التدخل القائمة على فكرة خطرة بالوجدان الأميركي تقول بفردانية وتميز الثورة الأميركية وأنها الثورة الشرعية الحقة، وبارتباط قيام الولايات المتحدة بدور هام لها في الأجندة الإلهية ومصير البشرية.

وهناك أكثر من مشروع وجهد فكري لدراسة المشروع الإمبراطوري الأميركي منذ تسعينات القرن الماضي، من بينها كتاب السياسي المحافظ والمرشح الرئاسي الجمهوري السابق باتريك بيوكانن(7)؛ ومؤلفات المفكر والأكاديمي الراحل تشالمرز جونسن (1931-2010) وهو الأبرز بهذا المجال. فقد شارك بتأسيس «مشروع الإمبراطورية الأميركية» البحثي، وله مؤلفات أخرى مثل:(8) «النكسة: تكاليف وعواقب الإمبراطورية الأميركية» و«أحزان إمبراطورية: النزعة العسكرية، والسرية، ونهاية الجمهورية»؛ و«أيام الجمهورية الأميركية الأخيرة». وشارك بتأسيس هذا المشروع المفكر توم إنغلهارت، ويصدر نشرة فكرية(9)، ونشر له(10): «نهاية ثقافة النصر: أميركا الحرب الباردة وخيبة أمل جيل»؛ و«الطريقة الأمريكية في الحرب: كيف أصبحت حروب بوش حروبا لأوباما»، وضمت صفحة تقريظ الأخير أسماء المفكرين المعارضين للنزعة الإمبراطورية مثل آدم هوتشايلد، ريبكا سولنِت، جوان كول، ووفي صدارتهم أندرو باسيفيتش مؤلف الكتاب الذي نعرضه. ويلاحظ أن هؤلاء المفكرين تتفاوت مواقفهم الفكرية بين محافظ وليبرالي ويساري، لكنهم لا يتمتعون بالقبول في الأوساط الصهيونية، خاصة اللوبي الإسرائيلي وأنصاره بالكونغرس والبيت الأبيض.

مبدأ حديقتنا أولا

مؤلف الكتاب أندرو باسيفيتش أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة بوسطن، وعقيد متقاعد من الجيش الأميركي. وهو مؤلف كتاب «النزعة العسكرية الأميركية الجديدة»، ولديه كتب أخرى. ونشرت دراساته بمجلات مثل «فورين أفيرز» و«أتلانتيك منثلي» و«نيشن»، وصحف مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال».

يقول باسيفيتش إن العالم -كما يقال باستمرار- أصبح أصغر من أي وقت مضى، وأكثر تعقيدا وخطورة. لذلك يصبح ضروريا للدولة أن تكثف الجهود المبذولة «للحفاظ على أمن أميركا» ودعم قضية السلام العالمي في آن واحد. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف أن تخصص الولايات المتحدة مزيدا من الأموال لوزارة الدفاع لتطوير وسائل جديدة للحصول على القوة، ولتكون متأهبة لحملات جديدة تعتبر ضرورية لإحلال السلام (أو لتحرير) أحد الأماكن المضطربة في العالم. ويمكن ببعض الصعوبة حساب تكلفة هذه الجهود، حيث تصرف مليارات الدولارات، لتضاف سنويا إلى الدَيْن القومي، وعدد الجنود الأميركيين القتلى والجرحى.

وضمن  مستوى أعمق، نجد أن التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية والإنسانية الناجمة عن سياسات واشنطن الإمبراطورية والتدخلية أضخم وأفدح من أن يتم قياسها. فهناك عائلات مزقها فقدان أحد أفرادها؛ وجنود يحملون ندوب القتال الجسدية أو النفسية؛ واستمرار بيروقراطية ثقيلة الوطء تقتات على جو السرية والمواراة والخداع الصريح وتشويه الأولويات القومية. حيث تمتص كبريات الشركات والمصالح الصناعية العسكرية الموارد القومية وتحرفها عن الضرورات والأولويات، بالإضافة إلى التدمير البيئي الذي يأتي نتاجا ثانويا للحرب والاستعداد لها؛ وإضعاف ثقافة الحياة المدنية لصالح عسكرة المجتمع. وينتج هذا عندما يتحمل الجنود وحدهم أعباء شن الحروب الدائمة، بينما تدعي غالبية المواطنين تبجيلهم، حتى لو كانوا يتجاهلونهم أو ينتفعون بخدمتهم.

المبرر الذي يمكن تقديمه في هذا السياق هو أن واجبات قيادة الولايات المتحدة العالمية تتطلب أن تتولى بنفسها معالجة مشكلات تعاني منها باكستان واليمن والصومال، بالقدر الذي يفرض عليها التصدي لمشكلات تعاني منها أفغانستان والعراق. وبينما هناك أدلة قليلة تشير لاحتمال جدوى هذه الجهود، لا دليل مطلقا يشير إلى أن جهود أميركا ستدعم السلام العالمي. أما إن كان هدف واشنطن الحقيقي -كما يظن كثيرون- أقرب للسيطرة والهيمنة، فسنجد أدلة وفيرة تظهر أنه مشروع هزيمة للذات.

يتساءل منتقدو السياسات الأميركية عن جدوى محاولة إعادة تشكيل العالم قسرا على صورة أميركا. فهم يعتقدون أن مجرد المحاولة مسعًى فاسدٌ وشكل إمبريالي ونزوع نحو العسكرة، مما يقوض المؤسسات الجمهورية بالبلاد. ليس هذا رأي حزب واحد، بل هنالك وجهات نظر كثيرة تتبنى هذا الرأي، وتصر على أنه إذا ما كان للولايات المتحدة مهمة ما، فهي أن تكون نموذجا للحرية لا أن تفرض هذا النموذج.

ومن المعارضين جورج كينان الدبلوماسي الشهير(11) الذي تحول لاحقا إلى مؤرخ، وهو محافظ ثقافيا، وكذلك السيناتور وليم فولبرايت ليبرالي عالمي التوجه. وهناك أيضا الناقد الاجتماعي المؤثر كريستوفر لاش، وهو يقدم نفسه كمفكر راديكالي، وأيضا مارتن لوثر كنغ، الذي يمكن القول إنه الشخصية الأخلاقية الأكثر تأثيرا في القرن الأميركي الماضي.

كتب كينان إلى أحد معارفه أثناء الحرب الكورية قائلا إن الأميركيين يعرضون بلادهم ومصالحهم للأذى لفترة طويلة جدا. وكان قد كتب «يبدو لي أن بلدنا تشوهه عيوب كثيرة -بعضها خطير جدا- ونحن مدركون لوجودها بشكل شامل، لكننا نفتقر إلى التصميم وقوة المجتمع المدني اللازمين لتصحيحها»، وهنا الخطر الحقيقي. وأضاف أن «ما يجب أن يكون على المحك هو واجبنا تجاه أنفسنا وتجاه مُثلِنا القومية». وفي إحدى محاضراته قبل فترة، عاد كينان إلى هذا الموضوع حيث قال إن المراقبين من الخارج يرون أميركا بلا هدف اجتماعي ملموس أعلى من الإثراء الذاتي للفرد، حيث يحدث هذا الإثراء أولا في سلع مادية وأدوات تثار الشكوك حول فائدتها في تحقيق رضا أعمق بالحياة، وهذه رؤية تفشل في بث الحماسة والثقة في المستقبل.

وكان كينان يؤمن أنه بدلا من الهوس بشأن الخطر الذي يمثله الاتحاد السوفياتي، تحتاج الأمة الأميركية لترتيب بيتها من الداخل، بإظهار القدرة على رعاية «علاقة سليمة حقيقية بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان ونفسه». يمكن للأميركيين «عندها وللمرة الأولى أن يكون لديهم ما يقولونه للناس في أي مكان آخر»، وربما يصيرون أيضا «مصدر إلهام للآخرين».

بعد عِقد على مقولات كينان، وفي خضم حرب أخرى مثيرة للشكوك، يقيّم السيناتور فولبرايت تداعيات الاعتقاد بأن رخاء ورفاه الولايات المتحدة نفسها يتطلب التدخل المستمر بشؤون الدول. فكتب أنه «ليس واجبًا ولا حقًا للولايات المتحدة أن تصنف مشكلات العالم بأن حلها يحتاج لتطبيق قواعد واشنطن». وكتب فولبرايت -رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ- أنه «تحدث أشياء كثيرة بأماكن كثيرة، وهي إما أنها لا تخصنا أو تعنينا أو هي على أي حال خارج نطاق قوتنا أو مواردنا أو حكمتنا». لقد مضى وقت طويل جدًا بالنسبة للولايات المتحدة لتكرّس نفسها فقط لفعل الخير في العالم، سواء بالجهود المباشرة أو بقوة القدوة والمثال الذي تقدمه. وأن تتخلى عن «فكرة التبشير الحافلة بمزاعم كونها شرطيَّ العالم».

ووافقه على ذلك كريستوفر لاش الذي قضى عشرات السنين في تشريح الثقافة الأميركية بجرأة، قائلا إن «الوعد الحقيقي الذي تقدمه الحياة الأميركية نجده في الأمل في أن تكون الجمهورية التي تمثل مصدرا لإلهام بقية العالم أخلاقيًا وسياسيًا، وليست مركزا لإمبراطورية العالم الجديدة».

وذهب مارتن لوثر كنغ أبعد من ذلك. ففي خطابه ربيع عام 1967، عن الحرب في فيتنام، أصر على أن الوقت حان «لكل من لديهم ضمير كي يدعوا أميركا للعودة إلى الوطن». وقبل أن تحاول أميركا إنقاذ الآخرين، ينبغي لها الاعتراف بخطاياها وأوجه قصورها وتصحيحها.

وبالنسبة لأي من هؤلاء الرجال، فإن العودة إلى الوطن لا تعني السلبية أو العزلة. إنها تعني إعادة النظر في الأولويات القومية. وطغيان النزعة العسكرية على السياسة الأميركية، والمتمثلة قبل كل شيء بحرب فيتنام، حوّل انتباه البلاد عن مواصلة دعوتها الحقيقية. فلا يزال العمل الشاق لتكوين مجتمع حر أبعد ما يكون عن الانتهاء. ولن تتمكن الولايات المتحدة من التعامل مع ما أشار إليه مارتن لوثر كنغ بـ«الثالوث العملاق: العنصرية، والمادية، والعسكرة»، إلا بالابتعاد عن الحرب.

يستحق المبدأ الأساسي الذي يؤمن به كل من هؤلاء الرجال أن يجدد فيه النظر اليوم، وهذا المبدأ هو أحد أشكال القناعات التي وضعها لأول مرة المؤسسون لمبدأ "زراعة حديقتنا أولا». وجوهر هذا المبدأ هو أن تحقق أميركا ذاتها وتتمثل قيمها التأسيسية، وتسعى لإنجاز التطلعات التي تمت صياغتها في إعلان الاستقلال والدستور الأميركي، بحسب تأويلاتها المتواترة والمتتابعة لاحقا، وفي ضوء خبرات تم اكتسابها.

ومن ثم فإن الهدف السليم للسياسة الأميركية ليس تخليص البشرية أو فرض نظام عالمي محدد، ولا العمل شرطيًا لكوكب الأرض بقوة السلاح. بل إتاحة الفرصة للأميركيين لتأكيد حقهم في تحديد اختياراتهم وغاياتهم وسعيهم لإقامة اتحاد أفضل في بلادهم. وأي سياسة تعرقل هذا المشروع، كما تفعل الحرب المفتوحة، تعد سياسة ضالة وخبيثة.

ومن خلال إظهار جدوى تأسيس منهج للحياة قائم على القيم الإنسانية الليبرالية، قد تساعد الولايات المتحدة على إضاءة الطريق أمام من يسعون إلى الحرية. أو كما صاغها راندولف بورن(12) بقوله إن «التحول في الداخل أساسي لنتمكن من العطاء بدون مقابل». إلا أن سمة «العطاء بدون مقابل» تعد فائدة إضافية- مكافأة- وليست الغاية المركزية للحياة الأميركية.

وإذا كانت الولايات المتحدة لديها مهمة إنقاذ، فهي قبل كل شيء إنقاذ نفسها. وفي هذا الشأن، تحتاج قائمة الشرور (العنصرية والمادية والعسكرة) التي سجلها الدكتور مارتن لوثر كنغ إلى شيء من التغيير والتبديل. إن عدد الخطايا التي تتطلب التكفير عنها حاليا يتجاوز الثلاث خطايا. ومع ذلك فإن كنغ -بإصراره أن على أميركا شفاء روحها أولا- يظل اليوم هو الحكيم الذي يحسن الأميركيون صنعا بالإصغاء إليه.

الثالوث البديل

بحسب باسيفيتش، هنالك أيضًا تقليد بديل يمكن للأميركيين أن يلوذوا به، إذا ما اختاروا ذلك. و يرجع هذا المبدأ إلى أصول الجمهورية المضادة للإمبريالية، التي كاد يطويها النسيان. و يتلخص هذا المبدأ في شعار «لا تعبث بمصيري»، وهو تقليد يحث على عدم السعي لإثارة المشكلات، لكن يصر على منح الآخرين الاحترام الواجب للولايات المتحدة. وليتم تحديثه بما يتناسب مع العصر الحالي، يمكن ترجمة هذا الشعار إلى البديل التالي للثالوث المقدس الذي شخّصه مارتن لوثر كنغ.

أولاً: إن غاية الجيش الأميركي ليس محاربة الشر أو إعادة تشكيل العالم، بل الدفاع عن الولايات المتحدة ومصالحها الأكثر حيوية. ومع أن القوة العسكرية تظل ضرورية، لكنها بذاتها ليست جيدة ولا مرغوبة. فأي دولة تُعرّف نفسها من خلال هيمنتها العسكرية، تضع نفسها على طريق الهلاك، وهو ما أدركته الأجيال السابقة من الأميركيين بالفطرة. أما التفوق العسكري، فإن الدروس المستفادة بشأنه من الماضي واضحة تماما، فهو وهم والسعي وراءه دعوة للفساد. لذلك، ينبغي للولايات المتحدة الحفاظ فقط على القوات اللازمة لإنجاز مهمة الدفاع الأساسية للمؤسسة العسكرية.

ثانيًا: موقع العمل الرئيسي للجندي الأميركي هو أميركا. ولا ينبغي للجيش الأميركي أن يتحول إلى شرطي في العالم أو قوة احتلال. إلا أن أسبابا عديدة قد تستدعي إقامة وجود عسكري بالخارج مؤقتًا. وبدلا من أن يصير هذا هو القاعدة، وجب على الأميركيين أن يعتبروا ذلك شذوذًا يستلزم نقاشًا عامًا وتفويضًا مسبقًا من الكونغرس. ويُعد تفكيك الشبكة الواسعة من قواعد البنتاغون العسكرية القائمة عملية طويلة. حيث ينبغي إعطاء أولوية التفكيك لمناطق جغرافية يكلف فيها الوجود الأميركي كثيرًا ويحقق قليلاً. ووفقا لهذه المعايير، ينبغي للقوات الأميركية الانسحاب فورًا من الخليج ووسط آسيا.

ثالثًا: اتفاقًا مع مبدأ الحرب العادلة، ينبغي للولايات المتحدة عدم استخدام القوة إلا عندما تكون هي الحل الأخير، على أن يكون هذا في حالة الدفاع عن النفس فقط. أما مبدأ الرئيس السابق بوش (الابن) الخاص بالحرب الوقائية -يحق للولايات المتحدة منح نفسها حقًا حصريًا باستخدام القوة ضد تهديدات مزعومة حتى قبل تجسد هذه التهديدات- فهو مبدأ غير مقبول أخلاقيًا واستراتيجيًا، وهو النقيض الفعلي للحكمة السياسية المستنيرة. لقد فرض جورج بوش (الابن) هذا المبدأ مسبقًا ليبرر غزوًا مضللاً بلا ضرورة للعراق عام 2003. ولا يزال هذا المبدأ ينتظر إلغاء صريحًا من سلطات واشنطن. وعلى الولايات المتحدة ألا تشن مرة أخرى  «حرب اختيار» في ضوء أوهام تقول إن العنف يوفر طريقًا مختصرًا لحل تعقيدات التاريخ.

وعندما يصبح هذا الثالوث البديل أساسًا لصنع السياسة بواشنطن، ستليها تغيرات هائلة في موقف الأمن القومي للولايات المتحدة. وسيتم حينها خفض الإنفاق العسكري بشكل ملموس؛ وسيتقلص تواجد وزارة الدفاع الأميركية عالميًا، وستنخفض أرباح مصانع الأسلحة، كما ستغلق الشركات «الاستشارية» بمحيط واشنطن -والتي تقدم خدماتها للحكومة- أبوابها. كما ستتضاءل صفوف مراكز الأبحاث المتخصصة بشؤون الدفاع. وستضيِق هذه التغيرات بدورها مجال الخيارات المتاحة لاستخدام القوة، وستلزم صناع السياسات بمزيد من ضبط النفس إزاء التدخل في الدول الأخرى. ومع التخلص من تخصيص موارد لإعادة إعمار بغداد أو كابول، فإن قضية إعادة إعمار كليفلاند وديترويت قد تجذب أخيرًا الاهتمام.

اختيار

كان الرئيس ليندون جونسن يأمل أن يكون الإرث الذي يتركه، برنامج الإصلاح الداخلي الطموح المعروف بـ«المجتمع العظيم». لكن بدلاً من ذلك، ترك جونسن لخلفه أمة منقسمة بمرارة، تعاني مشكلات كثيرة ويشيع فيها التشاؤم. وكان اتباع نهج مختلف سيتطلب من جونسن الخروج عن قواعد واشنطن. حيث افتقد جونسن كغيره من الرؤساء الشجاعة اللازمة لذلك.

هنا يكمن المغزى الحقيقي -وربما المأساوي أيضا- في قرار الرئيس باراك أوباما، خلال سنته الرئاسية الأولى، بتصعيد الجهد الحربي الأميركي بأفغانستان. وعندما أبقى أوباما روبرت غيتس وزيرًا للدفاع وعيّن جنرالاً مستشارًا للأمن القومي وآخر مديرًا للمخابرات، أكد أنه لا يفكر في التحول عن النمط القائم لسياسات الأمن القومي، بقصد أو بغير قصد. فقد قدم الرئيس بهذه القرارات ولاءه الكامل لـ«إجماع واشنطن»، وأزال أي شكوك عالقة بشأن استمرارية هذا الولاء.

وبرر أوباما في خطابه الذي ألقاه مطلع ديسمبر/ كانون الأول عام 2009— حين شرح لطلاب أكاديمية «ويست بوينت» العسكرية أسبابًا تجعله يشعر بضرورة توسيع حرب دخلت عامها التاسع أنه «كما لم تفعل أي دولة أخرى، تعهدت الولايات المتحدة بضمان الأمن العالمي لأكثر من ستة عقود، وهو وقت شهد انهيار الأسوار وفتح الأسواق وإنقاذ الملايين من الفقر، وتقدمًا علميًا غير مسبوق، وآفاقا متقدمة لحرية الإنسان». وأراد أوباما أن يعرف الجميع أنه بإرسال قوات إضافية بعشرات الآلاف للقتال بأفغانستان، تستكمل إدارته عملاً بدأه أسلافه، وأن سياساتهم سياساته.

العقود الستة التي أشار إليها أوباما في تقديمه الذي يجمل التاريخ الحديث ببراعة، هي سنوات صعود العقيدة الأميركية والثالوث الأميركي المقدس (العنصرية والمادية والعسكرة) إلى موقع تفوق وسيطرة بلا جدال. هذا ما فعله الرئيس الذي جاء إلى السلطة متعهدا بتغيير طريقة عمل واشنطن، لقد أعرب عن نيته في إبقاء هذا العنصر بالغ الأهمية والموروث من الإدارات السابقة دون مساس. ومثل جونسن الذي تبنى أجندة إصلاح داخلي جريئة، لكنه اضطر للتوافق مع الواقع القائم، اختار أوباما أيضا التوافق مع إجماع واشنطن.

ويتضح أن أي تصوّر حول تسامح واشنطن مع أي منهج يعيد التفكير بقواعد واشنطن، يعد مشاركة في الخداع المتعمد للذات. فواشنطن لديها الكثير لتخسره إذا فعلت ذلك. وإن كان للتغيير أن يأتي يومًا، فيجب أن يأتي من الشعب. وطالما لم يدرك الأميركيون الحقيقة، فستستمر واشنطن في طريقها.

لذلك فإن الحاجة إلى التعليم -استدعاء الأميركيين لتحمل مسؤوليات المواطنة الفاعلة المرتبطة بقضايا الأمة- أصبحت حاجة ماسة. وبالنسبة لباسيفيتش، فقد صار التعليم ممكنًا منذ زمن طويل. أما مواجهة الأوهام (بما فيها أوهامه الشخصية) -وتشريح المتناقضات المحيطة بالسياسة الأميركية- فهي عملية مؤلمة وصعبة. لكنها تضمنت لحظات ابتهاج عظيم، كما حررته من الأوهام. إن الوعي الذاتي والقدرة على رؤية الأشياء هبة عظيمة. 

يعتقد المؤلف أن على الأميركيين اليوم أن يحسبوا حساب التعارض متفاوت النسب والأقدار. فمن خلال وعودها بالازدهار والسلام، تدفع قواعد واشنطن بالولايات المتحدة نحو الحروب المتواصلة والإفلاس. وفي الأفق يلوح حطام سفينة أسطورية. ويرى أن الاعتراف بالخطر الذي تواجهه البلاد يعني أن نجعل التعليم ممكنًا، وربما تغيير المسار ممكنًا أيضًا. أما تجاهل الخطر بشكل إرادي فيعني التواطؤ على تدمير ما يعلن معظم الأميركيون اعتزازهم به. نحن أيضا علينا أن نختار، بحسب باسيفيتش.

معلومات الكتاب
عنوان الكتاب: قواعد واشنطن: مسار أميركا إلى الحرب الدائمة
Washington Rules: America’s Path To Permanent War
المؤلف: أندرو باسيفيتش
عرض: د. مازن النجار - كاتب وباحث ومترجم عربي
السنة: 2010
الناشر: كتب متروبوليتان، هنري هولت وشركاه، أغسطس/آب 2010
عدد الصفحات: 304
_____________________________
إحالات
1- Paul Kennedy, The Rise and fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000, New York: Random House; 1987.
2- Joseph S. Nye, Bound To Lead: The Changing Nature Of American Power, New York: Basic Books, 1991 2
3- Niall Ferguson, Colossus: The Rise and Fall of the American Empire, New York, London: Penguin Books, 2004
4- Joseph E. Stiglitz, Free Fall: America, Free Markets, and the Sinking of the World Economy, New York: W.W.Norton & Company, 2010
5-  تمثل هذه التعبيرات جوهر المضمون القيمي والمغزى الأخلاقي للتجربة الأميركية في جانبها الإيجابي، وهي موجودة في النشيد القومي الأميركي: “The land of the free.” “The home of the brave.”
6- حول الدين والسياسة في أميركا، انظر: طارق متري، مدينة على جبل: عن السياسة والدين في أميركا، بيروت: دار النهار، 2004.
7- Patrick J. Buchanan, A Republic, Not an Empire: Reclaiming America's Destiny, Washington D.C.: Regnery Publishing, Inc. An Eagle Publishing Company, 2001.
8- Chalmers Johnson, Blowback: The Costs and Consequences of American Empire, New York: Henry Holt & Co. 2004; Chalmers Johnson, The Sorrows of Empire: Militarism, Secrecy, and the End of the Republic, New York: Henry Holt & Co, 2005; Chalmers Johnson, Nemesis: The Last Days of the American Republic, Henry Holt & Co. 2008.
9- The Nation Institute's TomDispatch.com
10- Tom Englehardt, The End of Victory Culture: Cold War America and the Disillusioning of a Generation, Boston: University of Massachusetts Press, 1995; Tom Englehatdt, The American Way of War: How Bush’s Wars Became Obama’s, Chicago:  Haymarket Books, 2010.
11- جورج كينان هو الدبلوماسي الشهير بمرحلة الحرب الباردة، وهو الذي كتب المقال الشهير الذي خطّ سياسة احتواء الاتحاد السوفياتي بتوقيع «X»، ونشر بأحد أعداد مجلة «فورين أفيرز» سنة 1949.
12- راندولف بورن  (1886-1918) صحافي وكاتب أميركي تقدمي ومفكر يساري مناهض للنزعة التدخلية، ولد في بلومفيلد، نيوجرسي، وتخرج من جامعة كولومبيا، وعرف بكتابه «الدولة» الذي نشر بعد وفاته.