تمثيل المرأة في البرامج الحوارية التليفزيونية بالمغرب

تناقش الدراسة طريقة بناء هوية المرأة المغربية في البرامج الحوارية التي توفر مساحة تثير الرغبة في الاستقصاء البحثي لما تنطوي عليه من مهمة توجيهية في المجتمع، وتسهم في إضفاء الصبغة الاجتماعية على وسائل الإعلام عبر بث الأفكار والقيم للجمهور.
32df29edff8d4ef7a0590bd2722e4d22_18.jpg
(المصدر: موقع القناة الثانية 2M وقناة ميدي 1 تي في على الإنترنت)

تُعَدُّ الدراسة جزءًا من المشروع البحثي المشترك بين مركز الجزيرة للدراسات وجامعة كامبريدج، والذي يتناول "الإعلام في مراحل الانتقال السياسي: الحالة المغربية نموذجًا". وتستقصي الدراسة تمثُّلات المرأة وصورتها في البرامج الحوارية التلفزيونية بالمغرب.

مقدمة

تبحث الدراسة مسألة تَمْثِيل المرأة وصورتها في البرامج الحوارية في التلفزة المغربية. ويرتبط استخدام عبارة "التَّمْثِيل" بالمفهوم الوارد في أعمال الباحث في الدراسات الثقافية، ستيوارت هال (Stuart Hall)، الذي يرى أن مفهوم الهوية مفهوم سيَّال متغير، يتشكَّل تبعًا لواقع المجتمع. ووفق تعريف هال، فإن التمثيل يشير إلى اللغة والصور التي تتشكَّل بأساليب مختلفة (من بينها الإعلام) بغرض تقديم خرائط مفاهيمية للعالم، ولبناء الثقافات.

ظلت مسألة تمثيل المرأة في وسائل الإعلام المغربية حاضرة في جدول أعمال حركة حقوق المرأة في المغرب على مدار عقود. فقد شهدت فترة الثمانينيات حراكًا قويًّا للمطالبة بحقوق المرأة، كما أن ثلثي الجمعيات التي نادت بحقوق المرأة في المغرب قد تأسَّست في الفترة ما بين العام 1980 و1995 (1).

تعالج هذه الدراسة مسألة تَمْثِيل المرأة وصورتها في البرامج الحوارية في التلفزة المغربية. وهنا، نشير إلى أن التلفزة في المغرب تُعَدُّ وسيطًا اجتماعيًّا بالغ الأهمية لاسيما في ظل حالة الانقسام الرقمي التي تشهدها البلاد؛ فحتى الأشخاص القادرون على القراءة والكتابة لا يُحسنون التعامل مع الوسائط الرقمية، ومن ثم فإن التلفزة تُمثِّل الوسيلة الإعلامية الأكثر أهمية في المغرب. ونظرًا لوجود شرائح كبيرة وغير متجانسة من الجمهور تستهلك المحتوى السمعي-البصري، فإن قطاعي الإذاعة والتلفزة يحظيان بتنظيم أكبر يفوق قطاع الإنترنت(2).

وفي ضوء الأهمية والشعبية التي تحظى بها التلفزة كوسيط اجتماعي، فإن تحليل البرامج الحوارية يوفر مساحة مثيرة للبحث والاستقصاء بغرض الكشف عن الصلة بين وسائل الإعلام والهوية. وما تعالجه الدراسة في هذا السياق تحديدًا هو طريقة بناء هوية المرأة من خلال الصور التي تظهر لها في البرامج التي تُبث على قناتين تليفزيونيتين مختلفتين وظيفيًّا: وهما "ميدي1 تي في" (Medi1 TV)، وهي قناة خاصة شبه حكومية تراعي المساهمين وأدوارهم في القطاع العام، والقناة الثانية (2M)، وهي محطة تليفزيونية عمومية.

تعتمد الدراسة التحليل النصي منهجًا لسبر أغوار معاني النصوص وإيحاءاتها. واستنادًا إلى جيسون بينبريدج (JasonBainbridge(3) يتم التحليل النصي عبر تفكيك التأطيرات النصية (وفي هذه الحالة، فإننا نعني تفكيك البرامج الحوارية كل على حدة) من خلال البحث في مبدأين هما: (1) "هيكلة الغيابات" وهي "العناصر التي يوجد لها معنى ومغزى في النص بالرغم من استبعادها أو بسبب استبعادها"؛ (2) "الاستغراب المهيمن"، وهي "عملية تصبح بموجبها الأفكار السائدة شــديدة الوضوح بحيث لا تجذب الانتباه لذاتها وإنما تبدو وكأنها من المسـلمات"، علمًا بأننا سـنقوم -في المحاور الآتية- بمناقشة الإطار النظري لموضوع تَمْثِيل المرأة، وسرد معلومات أساسية مهمة حول الموضوع ذاته في السياق المغربي بوجه خاص، قبل أن نتناول بالوصف والتحليل كل برنامج حواري والشريحة التي يستهدفها.

الجندر ووسائل الإعلام

أوضحت دراسات الجندر أن الثنائيات "الجندرية" القائمة على الفهم البيولوجي الجوهري للهوية قد رصدت فروقًا بين الرجل والمرأة، وتُستخدم هذه الفروق عادة في تبرير المعاملة غير المتكافئة، والتمييز بين الجنسين، وسيطرة أحدهما على الآخر(4). وقد ساهم ذلك في إيجاد أنماط طبيعية لطريقة تَمْثِيل المرأة وتصويرها في وسائل الإعلام على المستوى العالمي، مع الأخذ في الاعتبار أنّ نسبة وأسلوب تمثيل المرأة في الإعلام يختلفان من بلد لآخر. وقد حددت ميدا ييغينو غلو (Meyda Ye?eno?lu)(5) الاستدلالات الرئيسة لتمثيل المرأة الشرقية من الجنوب العالمي، حيث تضمنت صورة المرأة المحجبة التواقة إلى الخلاص، والراقصة الشرقية المثيرة.

وفيما يخص الإعلام العربي، يعيد نعمان صقر إلى الواجهة قضية السماح بظهور المرأة على شاشات التلفزة بغية تحقيق إيرادات إعلانية، مشيرًا إلى أن زيادة أعداد السيدات في الحقل الإعلامي لا يمكن بالضرورة أن يُفسَّر باعتباره تغييرًا في المحتوى المقدم، كما لا يعني بالضرورة إحراز تقدم في الأجندة المتعلقة بالمرأة(6). ويلفت الباحث الانتباه إلى أن بعض الإجراءات المتخذة حيال المرأة – كظهورها على شاشات التلفزة وتوظيفها في المؤسسات الإعلامية- ما هي إلا إيحاءات مُضَلِّلَة تُوظَّف للتغطية على عدم إشراكها في صناعة الأخبار.

وبالنظر إلى الحالة المغربية، تشير الباحثة نادية لمهيدي إلى وجود فجوة بين النساء والرجال العاملين في مؤسسات إعلامية كالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ووكالة المغرب العربي للأنباء؛ إذ إن أعداد السيدات اللائي يشغلن مناصب قيادية وإدارية في هاتين المؤسستين منخفضة للغاية بالرغم من ارتفاع نسبة السيدات العاملات بهما (تُمثِّل السيدات نسبة 42% من موظفي الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة)(7). وعلاوة على ذلك، فقد وثَّق بعض الباحثين عددًا من الحالات لظهور السيدات في وسائل الإعلام المغربية سواء كمقدمات برامج أو ضيفات، كمؤشر على حاجتهن للتعبير عن ذواتهن، ليس بين أوساط النساء فحسب بل وأيضًا بين الأشخاص الذين لهم ميول متشددة(8).

لا يزال موضوع تمثيل المرأة في وسائل الإعلام المغربية من المجالات التي لم تنل حظًّا وافرًا من البحث والدراسة، كما أن المنح الدراسية المقدمة باللغة الإنجليزية تحديدًا لا تزال قاصرة في هذا المجال، والموضوعات التي تتناولها الدراسات والتقارير الحالية تشير إلى وجود ميل قوي إلى التعاطي مع صور التمثيل النمطية فقط (تقرير الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب والمنشور في العام 2000؛ وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن)(9).

وبحسب التقرير الذي أعدته نادية لمهيدي لوزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن في العام 2007، فإن المسلسلات التلفزيونية تُقدِّم صورًا سلبية عن المرأة من خلال مقارنتها بالحيوانات، وتصويرها باعتبارها كائنًا خرافيًّا، فضلًا عن عرض حالات الإذلال والإهانة والسب والضرب التي تتعرض لها المرأة من قبل الرجال، وهذه الصورة المجازية الأخيرة تضفي صبغة طبيعية على العنف القائم على الجندر. ومن جهة أخرى، فإن وسائل إعلامية -كالصحافة النسائية (10) ومجلات المرأة(11) والسينما المغربية المعاصرة- تشير إلى آمال محتملة لتعزيز تمثيل المرأة وتحسين صورتها.

قامت بعض الناشطات في مجال حقوق المرأة -ممن أسَّسْن اتحاد العمل النسائي- بإصدار أول صحيفة للمناداة بحقوق المرأة بشكل صريح ووضع أجندة خاصة بقضية المرأة في المغرب، وكانت هذه الصحيفة هي "8 مارس" الناطقة باللغة العربية؛ والتي تأسست في العام 1983 بجهود تطوعية، وواصلت عملها منذ ذلك الحين وحتى العام 1995(12). وعند صدورها، أعلنت الصحيفة بكل جرأة أن الهدف من تأسيسها هو "المشاركة في خلق الظروف المواتية لبروز حركة نسوية جماهيرية"، كما جاء على لسان مديرتها عائشة لخماس(13)، وبالتالي فإن الموضوع الرئيسي في أجندتها هو زيادة الوعي العام بهدف حشد الجماهير للمطالبة بحقوق المرأة. وقامت هذه الصحيفة(14) بدور رائد من خلال التغطية الإخبارية للدعوات التي طالبت بتغيير المدونة (قانون الأحوال الشخصية) في المغرب في أوائل التسعينيات؛ إذ قامت -على سبيل المثال لا الحصر- بإعداد تقارير حول عريضة حملة المليون توقيع، والموائد المستديرة، والنقاشات التي دارت حول هذا الموضوع.

قامت الباحثتان فيكتوريا كورزينيوفسكا (Victoria Korzeniowska) ولبنى الصقلي(15) بالبحث في محتوى المجلتين المعنيتين بقضية المرأة في المغرب؛ وهما فام دي ماروك (Femmes du Maroc) وسيتادين (Citadine) الناطقتين باللغة الفرنسية. تأسست هاتان المجلتان في العام 1995 ولعبتا دورًا كبيرًا في الترويج للتقدم الذي تحقق في مجال المساواة بين الجنسين خلال فترة تعديل المدونة. ومن خلال تحليلها لأداء المجلتين خلال العامين 2003 و2004، توصلت كورزينيوفسكا إلى أن المجلتين تبنَّتا لهجة تقدمية وتحررية في التعاطي مع قضية المرأة، وأنهما تتطلعان إلى خلق "مساحة جديدة للهوية" تقف عند حد وسط بين التقاليد والحداثة(16). وبالرغم من كونهما مجلتين استهلاكيتين تُعنيان بتعزيز معايير الجمال العالمية وإضفاء الطابع المثالي على قضايا المرأة من خلال إنشاء قاعدة قراء خياليين من السيدات الخارقات، إلا أنهما ساهمتا في تقديم صورة إيجابية عن المرأة، فضلًا عن كسر المحظورات ومناقشة موضوعات غير مطروقة مثل "هجر الأمهات من قبل الأبناء"، بحسب الباحثة الصقلي التي أشارت -أيضًا- إلى أن محتوى المجلتين -رغم ذلك- لم يسلم من مقص الرقابة الداخلية(17).

وفيما يتعلق بالسينما المغربية، تشير دراسات حديثة إلى وجود آمال محتملة لتمثيل المرأة في الأفلام المعاصرة، في ظل تصوير المرأة على أنها ضحية للظروف الصعبة التي تمر بها، وأنها قادرة على تجاوز الظلم الذي تتعرض له وإيجاد مخرج من هذه الظروف(18). وعلى نفس المنوال، تشير دراسة لزاهية إسماعيل الصالحي حول السينما المغربية إلى أن الأفلام قادرة على كسر حاجز الصمت لدى المرأة وتحويل صوتها الغائب إلى صوت حاضر ومسموع(19).

وعلى النقيض من السينما، كان تَمْثِيل المرأة في التلفزة المغربية تمثيلًا سلبيًّا -كما ورد في تقرير نادية لمهيدي السالف ذكره حول المسلسلات التليفزيونية- أو تمثيلًا غامضًا على نحو ما ورد في دراسة محمد الدباغ حول القنوات التليفزيونية المغربية، والتي قام خلالها بتحليل أداء قناتين رئيسيتين بالمغرب -القناة الأولى والثانية- وخلص إلى نتيجة عامة مفادها أن تغطية القناتين تحتوي على عناصر لتمكين المرأة، وأخرى لتقويضها وهضم حقوقها(20).

فالبرامج الإخبارية التي تُقدَّم باللغة العربية على القناتين الأولى والثانية تتعرض لقضية المرأة بعبارات إيجابية من قبيل وصفها بالقوية والناجحة والقائدة، وكانت تلك التغطية أوضح ما تكون خلال اليوم العالمي للمرأة، والذي استفاد أيضًا من التغطية المتزايدة. "...وبتحليل المواد الإخبارية الصادرة عن القناتين تبيَّن أن المرأة نادر ما يُشار إليها كمتحدثة أو ناطقة بالحقائق أو معبرة عن آرائها، كما أنها لا تظهر كمتحدث رسمي بنفس القدر الذي يظهر به الرجل حتى في تلك الفعاليات التي تتصل اتصالًا مباشراً بالمرأة"(21).

لكن من ناحية أخرى -والكلام على لسان الدباغ- فإن معدل التمثيل لمصادر المرأة كان دون المستوى بنسبة وصلت إلى 29.47%، في مقابل 70.52% لمعدل تمثيل مصادر الرجال. ويشير الدباغ إلى أن من يُسمح بدعوتهن للتحدث كضيوف في البرامج الإخبارية هن عادة من المطالبات بحقوق المرأة، وهذا أمر مثير للاهتمام(22).

أما الباحث زايد بوزيان(23) فقد ذهب هو الآخر مذهب من بحث في نسبة تمثيل المرأة مقابل الرجل في القناة الأولى والثانية، ليخلص إلى أن نسبة تمثيل المرأة في التلفزة تصل إلى أقل من الثلث من إجمالي الضيوف ومقدمي البرامجالذين يظهرون على شاشة القناتين. ومن جانبها، أجرت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري -وهي الجهة المعنية بتنظيم قطاع البث- دراسة خلال العامين 2010-2011 أشارت خلالها إلى انخفاض أعداد السيدات اللائي يتم استضافتهن في البرامج الحوارية بالقنوات التليفزيونية الثلاث: القناة الأولى، والقناة الثانية، وقناة ميدي1 تي في، حيث وصلت النسبة الإجمالية للسيدات اللائي شاركن في تلك البرامج إلى 10.52% فقط!

البرامج الحوارية

تتيح البرامج الحوارية مساحة تثير الرغبة في الاستقصاء البحثي لما تنطوي عليه من مهمة توجيهية في المجتمع، وتسهم في إضفاء الصبغة الاجتماعية على وسائل الإعلام من خلال بث الأفكار والقيم والأعراف في عقول المشاهدين. ومن ثم، يتيح هذا النوع من البرامج مساحة مهمة لمناقشة المشكلات الاجتماعية، بل "... وتعتبر لونًا سياسيًّا خاصًّا من ألوان الإعلام نظرًا لهيكلها الديمقراطي الظاهري"(24). فعلى المستوى النظري، تتيح البرامج الحوارية فرصة لعرض اتجاهات رأي مختلفة، والأهم من ذلك أنها تفسح المجال للأصوات المهمَّشة كي تُسمع.

يبدو أن كل دولة بالمنطقة تفضل لونًا مختلفًا عن غيرها من ألوان البرامج الحوارية؛ ففي تركيا مثلًا طالعَنا تحليل صولن سانلي (Solen Sanli)(25) لبرامج أسمتها "صوت المرأة" لأنها ترمي إلى عرض مساحة للتعبير عن "رأي المرأة التركية العادية". في المقابل، وبتحليل البرامج الحوارية التونسية المتلفزة، تفيد زوي بيتكاناس (Zoe Petkanas) بأن تلك البرامج مصممة وفق نسق يفضل أجواء الصراع والمناظرة والتوتر؛ فقد اشتملت الحلقات التونسية التي شملها التحليل على حالات من الصياح والشتائم ومقاطعة المتحدثين، وهو ما أشارت إليه الباحثة بلفظ "العنف الحواري"(26).

وأما في المغرب فإن البرامج الحوارية التي تُمثِّل المرأة وتناقش موضوعاتها ومشكلاتها فيمكن تصنيفها إلى فئتين: (1) برامج تستهدف جمهورًا عامًّا، وتنطوي على مناقشات لحقوق المرأة ومشكلاتها متى قام داعٍ لذلك، كما في المناسبات الوطنية والدولية ليوم المرأة وخلافه؛ و(2) برامج تستهدف جمهورًا نسويًّا خاصًّا وتقدمها سيدات. وفي هذا السياق، ثمة برامج تستهدف جمهورًا عامًّا وتنطوي على مناقشات موسمية عن حقوق المرأة؛ ومنها برامج شهيرة مثل "قضايا وآراء"، و"مباشرة معكم"، "60 دقيقة لكي نفهم/لو دوبريف"، و"ملف للنقاش". ومن أشهر البرامج الحوارية التليفزيونية "قضايا وآراء"، وهو برنامج يُعْرَض على القناة الأولى الرسمية؛ يُعِدُّه عبد الرحمن العدوي ويُخْرِجُه محمد بداري. يُقدَّم البرنامج المذكور باللغة العربية، ويُعرض يوم الثلاثاء كل أسبوعين، ويستضيف سياسيين وقادة وأعضاء من النقابات ومنظمات المجتمع المدني على مائدة واحدة لمناقشة موضوعات راهنة؛ مثل خطابات الملك، ونتائج الانتخابات، والرحلات الملكية في الدول الأجنبية، وتهديد الإرهاب، واليوم العالمي لعيد العمال، ويوم المرأة العالمي. كما يمتاز البرنامج بجانب محافظ كونه يميل إلى دعوة رجال لمناقشة القضايا السياسية. ويتيح هذا البرنامج فرصة للمشاهدين -من مختلف المدن والقرى المغربية- لطرح الأسئلة على الضيوف من خلال مراسلة البرنامج عبر البريد الإلكتروني.

أما برنامج "مباشرة معكم" فيُقدَّم بالعربية على قناة التلفزة العمومية "2M"، ويستأثر الرجال فيه بالإخراج (عبد العالي بويطة) والتقديم (جامع كلحسن). ويتاح للمشاهدين المشاركة في البرنامج بإرسال رسائل نصية قصيرة للتعبير عن آرائهم. وبالرغم من حصول البرنامج على جائزة من "المنتدى العربي الدولي للمرأة" في القاهرة ضمن فئة أفضل برنامج مخصص للمرأة العربية في 2015، لاسيما عن حلقته التي أذيعت بتاريخ 4 مارس/آذار 2015 تحت عنوان "المرأة بعد الربيع العربي"، إلا أن الضيوف في دراسة أجرتها الهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري وجهوا سهام النقد إلى البرنامج؛ لأنه عرض صورة نمطية في السابق عن المرأة، ولم يوجه الدعوة لسيدات ضمن ضيوف حلقاته لمناقشة الشأن السياسي المغربي (HACA 2012).

استهل برنامج لو دوبريف (Le Debrief) حلقاته ببداية تكاد تتطابق مع بداية "مباشرة معكم"، وذلك إبان حمله الاسم الأصلي "60 دقيقة لكي نفهم"، فكانت البداية بمقدم رجل للبرنامج ولاستهداف جمهور عام، مع مناقشة حقوق المرأة بصفة موسمية. ثم جاءت حنان الحراث لتقدم البرنامج، وقد دعت المشاهدين للمشاركة بالتعليق عبر "فيسبوك" أو "تويتر" نظرًا لعدم وجود جمهور في الأستوديو. كما يظهر شريط أسفل الشاشة لعرض أسئلة المشاهدين وتعقيباتهم. ومنذ أن تولت حنان الحراث مهمة تقديم البرنامج، لم تبث حلقة واحدة تتعامل مع قضايا "جنسانية". ولذلك، لم تحرز مقدمة البرنامج حتى الآن أي تأثير بوصفها امرأة من حيث اختيار الموضوعات -وهذه وضعية مماثلة لما يحصل في برنامج "ملف للنقاش"؛ فهو برنامج حواري يُبث عبر شاشة "ميدي 1 تي في" وتُقَدِّمه امرأة، لكنه برنامج هزيل من حيث المحتوى "الجنساني". وهنا تجدر الإشارة إلى أن برنامج "لو دوبريف" يبث بالفرنسية، وبذلك لا يستهدف سوى الجمهور المثقف (لأن الفرنسية هي اللغة الثانية في المغرب ولابد للعامة من الانتظام المدرسي لتعلمها). ومن ثم، تستهدف برامج "قضايا وآراء" و"مباشرة معكم" و"لو دوبريف" -في مجموعها- نخبة مثقفة كونها ترمي إلى استجلاء أحدث الأخبار لتمكين المشاهد من الإحاطة بفهم أوفى لقضايا الساعة.

في المقابل، تُقدِّم مذيعات برامج "الخيط الأبيض" و"قصة الناس" و"صباحيات 2M" و"بدون حرج" و"مع الناس"، وهي برامج موجهة للأسرة والمرأة تحديدًا. وهناك ثلاثة برامج جديدة تركز على الأسرة أيضًا، هي "كيف الحال" و"بصراحة"، وهو ما يعني إتاحة أفق ممكن لمزيد من الشهرة والذيوع. أما برنامج "متألقات"، الذي يُبث على القناة الأولى، مساء السبت باللغة العربية، فيُقدِّم تصورًا إيجابيًّا ملفتًا عن مفاهيم الأنوثة؛ وفيه تستضيف المذيعة أسماء بن الفاسي امرأة ناجحة، وتعرض موجزًا عن إنجازاتها.

يوجد -أيضًا- برنامجان يستهدفان الأسرة تحديدًا بغية الوصول إلى المرأة العاملة بكثافة باعتبارها مكونًا اجتماعيًّا مهمًّا؛ لكنهما ألغيا على التوالي بفاصل أشهر معدودات في 2016، وذلك بعد بث استمر لسنوات. والبرنامجان هما: "الخيط الأبيض" و"قصة الناس". الأول كانت تُقدِّمه نسيمة الحر، فقدَّمت للجمهور برنامجًا ثقافيًّا محبوبًا يدعو المواطنين -من الرجال والنساء القرويين الأميين في الغالب- إلى البوح بمشكلاتهم الشخصية. وعلى شاكلة برنامج جيري سبرينغر (Jerry Springer) الأميركي، احتفى البرنامج بالمواطن الذي يجهر بخبيئة نفسه على الملأ لمجابهة مشكلاته، ليشكل بذلك صدمة للجمهور. ومن ثم، تقمصت نسيمة الحر في برنامج "الخيط الأبيض" دور الوسيط لتحقيق مصالحة من شأنها الجمع بين أطراف متخاصمة (مثل: زوجين متخاصمين). غير أن البرنامج ألغي لتراجع نسب المشاهدة على ما يبدو، وهو ما يعزى إلى تكرار الموضوعات و"بث المشكلات المخجلة من أوساط المغاربة الفقراء [أي من الطبقة العاملة]"، فضلًا عن تكرار الكلام نفسه في معظم الحلقات دونما تغيير أو ابتكار(27). ورغم ذلك، حاز برنامج "الخيط الأبيض" شهرة واسعة، علمًا بأن نسيمة الحر دأبت على العمل لنحو 25 عامًا لدى القناة الثانية. شهد العام 2014 إقدام خطيب مسجد في طنجة على مهاجمة نسيمة الحر متهمًا إياها بـ"اتباع سلوك غير أخلاقي". عندئذٍ ردت القناة الثانية بالتعبير عن المساندة غير المشروطة للمذيعة، ووصفت كلام الخطيب على أنه "هجوم خطير على شخص المذيعة" بل و"هجوم علينا جميعًا"(28). وليس من الواضح ما إذا كان للواقعة تأثير في إذكاء الأجواء الدينية التي أعقبت انتخاب حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، أو ما إذا كان البرنامج نفسه قد أخفق في اجتذاب جمهور جديد وأصغر عمرًا؛ وهي الشريحة التي ربما زهدت في هذه النوعية من البرامج باستبدالها بالإنترنت والترفيه المتاح عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأما برنامج "قصة الناس" فقد اعتاد -أيضًا- بث اعترافات عوام المغاربة عبر قناة "ميدي 1 تي في"، علمًا بأن مهام التقديم والإنتاج في البرنامج كانت بيد سيدتين هما: نهاد بنعكيدة ونجاة كوبي. كان الضيوف الذين يدلون باعترافاتهم من عوام المغاربة القرويين والأميين في الغالب من النساء والرجال، وقد أذيعت الحلقة الأخيرة في 29 من يناير/كانون الثاني 2016؛ علمًا بأن البحث في الأخبار العربية والفرنسية على شبكة الإنترنت لم يكشف عن سبب (أسباب) الإلغاء، غير أنه من الوارد أن يكون السبب مماثلًا للأسباب التي تأثر بها برنامج "الخيط الأبيض".

حقق برنامج "صباحيات 2M" الصباحي نجاحًا قويًّا، فهو موجه للنساء تحديدًا عبر أثير القناة الثانية، وتُقدِّمه المذيعة سميرة البلوي لمدة ساعة يوميًّا. تمتاز المذيعة بصغر السن، وهي حاسرة الرأس، وتدير البرنامج على هيئة حوار وفق معايير المجلات؛ وذلك بتضمين فقرات عن الصحة والجمال والطهي والديكور المنزلي والأزياء. ويستضيف البرنامج كذلك خبراء في مجالات القانون والطب وعلم النفس للردّ على تساؤلات المشاهدين. غير أن البرنامج تعرض في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 لانتقادات حادة على شبكات التواصل الاجتماعي، وقنوات التلفزة العربية، وفي مقالات إخبارية عربية إلكترونية لاشتماله على فقرة في يوم المرأة العالمي عن العنف ضد المرأة وأساليب إخفاء آثار العنف المنزلي باستخدام أدوات التجميل. واشتملت تلك الفقرة على جلسة استضيفت فيها ممثلة على وجهها كدمات زائفة لتقديم بيان عملي عن كيفية الاستعانة بأساليب التجميل لإخفاء آثار العنف البدني. وفي أعقاب الهبَّة المعلنة ضد البرنامج، تقدَّمت المذيعة باعتذار على الهواء مباشرة أقرَّت فيه بأن الفقرة محلَّ النقد انطوت على سوء تقدير، ووعدت باستمرار البرنامج ليكون "صوت" المرأة المغربية(29). وكما يتجلى من التركيز على موضوعات تخص جسد المرأة ومظهرها، فإن البرنامج يُقدِّم -على وجه العموم- عرضًا تقليديًّا لمفاهيم الأنوثة في مسعى لتعزيز الأدوار الجنسانية التقليدية. ويضاف لما سبق برنامجا "بدون حرج" و"مع الناس"، وكلاهما موجه للمرأة ويحظى بتقديم نسائي، وسيأتي تناولهما بمزيد من التفصيل في القسم الخاص بالتحليل.

وأما البرامج الحوارية الأخرى فمنها برنامج ديني، "في ظلال الإسلام"، وتقدمه مذيعة محجبة، إكرام بناني، على "القناة الأولى"، وهناك أيضًا برنامج "الوسيط" الذي تُقدِّمه المذيعة المحجبة، زهور حميش، وفيه تميل إلى الرد على تعقيبات الجمهور عن خدمات التلفزة وتختار موضوعات اجتماعية لكل حلقة استنادًا إلى تعقيب المشاهدين؛ علمًا بأن موضوعات البرنامج اشتملت على خطاب ديني في صلب برامج التلفزة العامة، والتغطية المتلفزة لمؤتمر التغير المناخي 2016 التابع للأمم المتحدة (COP22) الذي انعقد في مدينة مراكش المغربية. ويُبث برنامج "الوسيط" مرة واحد فقط كل شهر على القناة الأولى.

المرأة في المغرب

إن الصور الذهنية وألوان الخطاب الإعلامي أشياء لا تقوم في الفراغ؛ ومن شأن فهم السياق الاجتماعي والسياسي لها إبراز مكانة المرأة في السياسة المغربية والمجتمع المغربي؛ فضلًا عن مكانتها في وسائل الإعلام. ومن ثم، سيبحث هذا القسم في أهم التغييرات القانونية والتاريخية والاجتماعية والسياسية التي عزَّزت مكانة المرأة في المجتمع المغربي؛ كما سيبحث في القوانين الحالية الناظمة للشأن الإعلامي وأثرها في مشاركة المرأة.

على الصعيد القانوني نجد أن من أهم التغييرات التي أحرزتها حركة حقوق المرأة في المغرب هو إقرار قانون الأحوال الشخصية المعروف محليًّا باسم "مدونة الأحوال الشخصية"، أي جملة القوانين التي تنظم حقوق الأسرة والمرأة. شهدت المدونة تغييرًا في العام 2004 لتتضمن حقوقًا جديدة مهمة من بينها: (أ) مبدأ المساواة بين الجنسين؛ و(ب) النص على سنٍّ قانونية للزواج لا يقل عن 18 عامًا لكلا الجنسين (ومع ذلك أجاز القانون للمحكمة المختصة إقرار استثناءات من ذلك)، مع تعسير تعدد الزوجات عما كانت عليه الحال في السابق؛ و(ج) تنظيم الطلاق ليصبح حقًّا مشتركًا بين الطرفين؛ و(د) إلغاء وصاية الرجل على المرأة –إذ بات بمقدور المرأة الزواج دون إذن وليها؛ و(هـ) تنظيم مآل المنقولات والممتلكات التي يشتريها الزوجان أثناء فترة الزواج؛ و(و) مدُّ الحق في تركة الجد لأطفال بناته مثل أطفال أبنائه سواء بسواء(30).وهنا يُشار إلى خوض حركة حقوق المرأة نضالًا طويلًا لِسَنِّ مثل تلك القوانين، وسرُّها ناتج ذلك النضال على وجه العموم، بالرغم من التقدم المأمول في تسوية القضايا العالقة مثل انتشار زواج القاصرات بسبب مرونة التشريع الحالي، وتأمين حقوق الأطفال المولودين خارج إطار مؤسسة الزواج، ومساواة المرأة بالرجل في الميراث (ولعل هذا الجانب هو الأكثر جدلية وصعوبة كما هو مبيَّن من التحليل أدناه لحلقة محددة من حلقات "بدون حرج").

لطالما كان إعلاء شأن المرأة في صلب السياسة المغربية؛ فقد أقرَّ المغرب في مايو/أيار 2006 "الاستراتيجية الوطنية للإنصاف والمساواة بين الجنسين"(31). ويهدف هذا النهج المؤسسي إلى تعزيز التعامل المنصف تجاه المرأة وتقوية دورها بوصفها مساهمًا رئيسًا في المجتمع المغربي، لاسيما في جوانب "التنمية المستدامة". كذلك اشتملت الاستراتيجية على تنفيذ نظام محاصصة لزيادة مشاركة المرأة السياسية في البرلمان، واعتماد مبدأ المساواة في الدستور المغربي (2011)، وإقرار الملك محمد السادس في العام 2003 يومًا وطنيًّا للمرأة، في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، وهي مناسبة مخصصة لتقييم وضع المرأة المغربية، والتذكير بالإنجازات البارزة التي حققها المغرب في مجال حقوق المرأة، لاسيما فيما يتعلق بإقرار مدونة الأحوال الشخصية في العام 2004.

يشهد المجتمع المغربي عددًا من التغييرات المؤثرة في حياة المرأة الشابة -فقد أفادت المندوبية السامية للتخطيط في 2013 بانخفاض معدل الإنجاب (2.15 في 2012) وزيادة في متوسط سنِّ الزواج (26.6 عامًا للمرأة)؛ كما تبدو معدلات الإنجاب آخذة في التراجع بسبب ارتفاع سنِّ الزواج، وزيادة أعداد النساء اللاتي يعشن وحيدات (بسبب الطلاق أو عدم الزواج) والاستعانة بوسائل تنظيم النسل. ولا تزال المرأة في المغرب تعاني من ضعف معدل إجادة القراءة والكتابة (58.8% في 2015 وفق بيانات Index Mundi)؛ ومن أسباب ذلك إخراج الفتيات في الريف من المدارس ليذهبن للعمل في المدن في الخدمة المنزلية لأسر الطبقتين المتوسطة والعليا. علاوة على ذلك، تعرض نحو 62% من النساء لنوع من أنواع العنف، من بينهن 15.2% تعرضن للعنف البدني و8.7% للعنف الجنسي في 2009 حسب تقرير للمندوبية السامية للتخطيط (HCP 2013).

بالرغم من عدم توافر إحصاءات حديثة عن العنف نظرًا لاقتصار المندوبية -على ما يبدو- على إجراء دراسة واحدة على مستوى الدولة بشأن العنف ضد المرأة في 2009، إلا أنّ الموضوع نفسه محل تغطية في وسائل الإعلام، مع العلم بأن بعض البرامج تشير إلى اعتياد العنف في المجتمع المغربي، وإلى عدم وجود تشريع مناسب لحماية ضحايا العنف أو الناجيات منه (مثال: نوقش هذا الموضوع في عدد من حلقات برنامج "قضايا وآراء" بشأن حقوق المرأة).

وعلى الصعيد السياسي، دخلت المرأة ميدان السياسة شيئًا فشيئًا بصفة المشارك. فقبل العام 1993، لم تتمكن امرأة واحدة من الفوز في الانتخابات بالرغم من خوض بعضهن معترك الترشح والتنافس في انتخابات محلية وتشريعية. ثم جاء العام 1993 إيذانًا بفوز امرأتين بمقعدين في مجلس النواب، وهما: بديعة الصقلي (من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) ولطيفة سميرس (من حزب الاستقلال)(32). وفي العام 2002، أقرّت الأحزاب السياسية نظام الحصة الانتخابية الذي زاد من مشاركة المرأة في البرلمان وفي السياسة على وجه العموم. كما شهد العام ذاته تخصيص مقاعد للمرأة، وهو ما مكَّن 35 امرأة من دخول البرلمان. علاوة على ما سبق "تعزَّز وصول المرأة للمناصب العامة المهمة في العام 2007 بفعل تعيين سبع سيدات في مناصب وزارية مهمة (...) وفي العام نفسه شهد المغرب تعيين أول مستشارة للملك، وتعيين كثيرات أخريات في السلك الدبلوماسي بشتى أنحاء العالم"(33).

بيد أن العام 2011 شهد انتكاسة لتلك الجهود؛ إذ لم تُعَيَّن سوى امرأة واحدة، هي بسيمة الحقاوي، في منصب وزاري ضمن حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي، فأدت تلك الانتكاسة إلى إدانة شعبية على شبكات التواصل الاجتماعي. ثم جاء التغيير الوزاري في 2013 لتنفذ المرأة منه إلى عدد أكبر من الحقائب الوزارية بلغ مجموعها 4 وزارات، لتتحسن بذلك الأحوال مقارنة بالعام 2011، لكنّ ذلك المجموع ظل دون سابقه المسجل في العام 2007. أما عدد المقاعد البرلمانية التي فازت بها المرأة فزادت حاليًّا بالنظر إلى تخصيص 60 مقعدًا (من أصل 375 مقعدًا) للمرأة في انتخابات العام 2011.

نص الدستور المغربي الذي أُقِرَّ في العام 2011 عقب احتجاجات حركة 20 فبراير/شباط -في سياق أحداث الربيع العربي- على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة؛ وفيه تمنح المادة رقم 19 للرجل والمرأة الحقوق نفسها وتؤكد الالتزام بتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. يضاف إلى ما سبق تصديق المغرب على اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) في 1993، مع سحب تحفظاته على المادة 9 (انتقال الجنسية للأبناء) والمادة 16 (المساواة في الزواج والطلاق).

بالرغم من كل تلك المكاسب، حلَّ المغرب في المرتبة 133 من أصل 142 دولة في العام 2014 على مؤشر الفجوة الجنسانية حسب تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE 2014)؛ إذ تعاني المرأة في المغرب من عقبات في الترقي والقيادة، بل وغالبًا ما تفتقر لمكان في عمليات صنع القرار. وفي هذا السياق، يشير المجلس إلى وجود فجوات مهمة في مستويات الأجور، فضلًا عن انخفاض أجر المرأة في القطاع العام عن الرجل بنسبة 24% وفق بيانات 2006، وبنسبة 25% في القطاع الخاص وفق بيانات 2011 (CESE 2014).

تقنين الفضاء الإعلامي

ثمة قوانين سارية لتنظيم الفضاء الإعلامي، وهي بمثابة آليات لفرض الحماية الدستورية؛ غير أن المادة الوحيدة التي تحظر التمييز على أساس الجنس (أو النوع أو الجنسية، إلخ) هي الفقرة (3أ) من المادة 2 من قانون الاتصال السمعي البصري في المغرب، علمًا بأن أثر المادة -المذكورة آنفًا- تقتصر على الوسط الإعلاني. وعلى وجه العموم، لا يشتمل القانون رقم 77 لسنة 2003 بشأن الاتصال السمعي البصري سوى على احترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان ضمن مبادئه ومواده. ثم جاءت مبادرة "الميثاق الوطني لتحسين صورة المرأة في الإعلام" الذي أقرَّته كتابة الدولة المكلفة بالأسرة والطفولة والأشخاص المعاقين في 2004 بمشاركة وزارة الاتصال، ووزارة الثقافة، والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وغيرها من ممثلي القطاعات المختلفة(34). وتمثَّلت الغاية من هذا الميثاق في تحسين صورة المرأة المغربية وتشجيعها على المشاركة في الإنتاج الإعلامي وفي صنع القرار، والأخذ بنهج مراعٍ للأبعاد الجنسانية "مقاربة النوع" في الإنتاج الإعلامي. ومع ذلك، قوبل الميثاق برد فعل ضعيف ولم يكن له تأثير يُذكر(35)؛ إذ نقمت أهم الأحزاب -ومعها المنظمات النسوية غير الحكومية، والاتحاد المغربي لناشري الصحف، ومراكز التدريب الإعلامي والأحزاب السياسية المالكة لصحف حزبية- على مصدري الميثاق لعدم مشاركتهم فيه أثناء صياغته. علاوة على ما سبق، ليس هناك أي إلزام للكيانات الإعلامية المغربية للامتثال لتوصيات الميثاق؛ لأنّه ليس قانونًا ملزمًا، كما أنّ الكثيرين في الحقل الإعلامي لم يسمعوا أصلًا بوجود الميثاق وإقراره(36).

أدرجت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية في وثيقتها للموارد البشرية قسمًا بعنوان "حالة موظفي الشركة"، وذلك ضمن المادة رقم 59 من نظامها الذي يشدد على أولوية التوظيف لعدد من الجنس الأدنى تمثيلًا متى تساوت القدرات والمهارات المطلوبة للعمل بين مرشحيْن للوظيفة. وفي يناير/كانون الثاني 2017، اعتمدت الشركة ميثاقًا للمساواة بغية تعزيز مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وبث ثقافة المساواة الجنسانية على المستوى الإداري في الإنتاج الإعلامي وفي برامج البث الإذاعي والتلفزيوني. وسبقت القناة الثانية غيرها إلى إقرار ميثاق داخلي لتثمين دور المرأة، فجاهرت باعتراضها على الصورة السلبية للمرأة في وسائل الإعلام (ومن أمارات ذلك ضعف ا

مراجع

(1)- Daoud, Zakya, “The Action Plan for the Integration of Women in Development a Revealing Case, a Virtual Debate”, Annuaire de l’Afrique du Nord 38, 1999, p. 245–257.

- Amiti, Khadija, “Women’s Press and the Institutionalization of a New Discourse on Women”, in Initiatives Feminine, edited by Aicha Belarbi, (Casablanca: Editions le Fennec, 1999), p. 51–69.

- Naciri, Rabea, “The Women’s Movement in Morocco”, Nouvelles Questions Feministes 33, 2014, p. 43–64.

- Benadada, Assia, and El Bouhsini, Latifa, The Human Rights Movement of Women in Morocco: Historical and Archival Approach, (Rabat: Kawtar Print, 2014).

(2) Zaid, Bouziane, “Morocco’s Media System in a Democratic Transition” In Media and Democratization: The African Experience, edited by Anthony Olorunnisola and Aziz Douai, (Hershey, PA: IGI Global, 2013).

(3) Bainbridge, Jason, “Textual Analysis and Media Research”, In Media and Journalism: New Approaches to Theory and Practice, edited by Jason Bainbridge, Nicola Goc, and Liz Tynan, (Australia: Oxford University Press, 2010), p. 224-237.

(4) للمزيد حول الموضوع، راجع:

- Cirksena, Kathryn, and Lisa, Cuklanz, “Male Is to Female As __ is to __: A Guided Tour of Five Feminist Frameworks for Communication Studies”, In Women Make Meaning, New Feminist Directions in Communications, edited by Lana F. Rakow, (New York: Routledge, 1992), p. 18–44.

- Lind, Rebecca Ann, and Colleen, Salo, “The Framing of Feminists and Feminism in News and Public Affairs Programs in US Electronic Media”, Journal of Communication 52, 2002, p. 211–228.

- Bordo, Susan, “Hunger as Ideology”, In Unbearable Weight: Feminism, Western Culture, and the Body, (Berkeley: University of California Press, 2003), p. 99–134.

- Shade, Leslie Regan. 2007. “Feminizing the Mobile: Gender Scripting of Mobiles in North America.” Continuum: Journal of Media and Cultural Studies 21 (2): 179–189.

(5) Ye?eno?lu, Meyda, Colonial Fantasies: Towards a Feminist Reading of Orientalism,(Cambridge: Cambridge University Press, 1998).

(6) Sakr, Naomi, Arab Television Today, (London I. B: Tauris, 2007).

(7) Lamhaidi, Nadia, “The Image of Women in Moroccan Media: Reality and Perspectives”, Ministry of Social Development, Family and solidarity, 2007, p. 91.

(8) انظر:

- Zaid, Bouziane, Public Service Television Policy and National Development in Morocco: Contents, Production, and Audiences, (Saarbrücken: VDM Verlag, 2010).

- Debbagh, Mohammed, “Discourse Analysis of the Representations of Women in Moroccan Broadcast News”, The Journal of North African Studies 17 (4), 2012, p. 653–670.

- Oumlil, Kenza, “Alternative Media, Self-Representation and Arab-American Women”, Journal of Alternative and Community Media 1, 2016, p. 41–55.

لمزيد من التفاصيل، راجع: (9)

-Debbagh, “Discourse Analysis of the Representations of Women in Moroccan Broadcast News”,op, cit.

- Skalli, Loubna H. “Constructing Arab Female Leadership Lessons from the Moroccan Media”, Gender & Society 25 (4), 2011, p. 473–495.

- High Authority of Audiovisual Communication (HACA), Report on the Image of the Woman in Audio-Visual Media, 2012.

(10) Amiti, Khadija, “Women’s Press and the Institutionalization of a New Discourse on Women”, op, cit.

(11) Korzeniowska, Victoria B. “Gender, space and identification in Femmes du Maroc and Citadine”, International Journal of Francophone Studies 8 (1), 2005, p. 3-22.

- Skalli, Loubna H. Through a Local Prism: Gender, Globalization, and Identity in Moroccan Women’s Magazines, (Lanham, Maryland: Lexington Books, 2006).

(12) Benadada, and El Bouhsini, The Human Rights Movement of Women in Morocco: Historical and Archival Approach, op, cit.

(13) Akharbach, Latifa, and Rerhaye, Narjis, Women and Media, (Casablanca: Editions le fennec, 1999).

(14) Amiti, Khadija, “Women’s Press and the Institutionalization of a New Discourse on Women”, op, cit.

(15) راجع:

- Korzeniowska, “Gender, space and identification in Femmes du Maroc and Citadine”, op, cit.

- Skalli, Loubna H. Through a Local Prism: Gender, Globalization, and Identity in Moroccan Women’s Magazines, (Lanham, Maryland: Lexington Books, 2006).

(16) Korzeniowska, “Gender, space and identification in Femmes du Maroc and Citadine”, op, cit, p. 19.

(17) Skalli, Through a Local Prism: Gender, Globalization, and Identity in Moroccan Women’s Magazines, op, cit.

(18) Dinia, Saadia, and Oumlil, Kenza, “Women in Contemporary Moroccan Cinema”, Journal of Middle East Media 12, 2016, p. 40–59.

(19) Salhi, Zahia Smail, “Maghrebi Women Film-makers and the Challenges of Modernity: Breaking Women’s Silence”, In Women and Media in the Middle East: Power through Self-Expression, edited by Naomi Sakr, (London; New York: I.B. Tauris, 2004), p. 53–71.

(20) Debbagh, Mohammed, “Discourse Analysis of the Representations of Woman in Moroccan Broadcast News”, The Journal of North African Studies 17 (4), 2012, p. 653-670.

(21) Ibid, p. 663.

(22)   يعرف الدباغ "المطالبين بحقوق المرأة" على أنهم "أشخاص يُسمح لهم بالحديث إما بصفتهم سيدات أو نيابة عن السيدات (...). ولكي يتم قبول المقترحات المقدمة في الأخبار كمقترحات معتبرة، يتم إجراء مقابلات مع ناشطات في مجال حقوق المرأة أو سيدات يتبوأن مناصب رسمية أو منظمات معنية واقتباس تصريحاتهم". المرجع السابق، ص 664.

(23) Zaid, Public Service Television Policy and National Development in Morocco: Contents, Production, and Audiences, op, cit.

(24) Petkanas, Zoe, “Negotiating Identity: Gender and Tunisian Talk Shows”, The Journal of North African Studies 19 (5), 2014, p. 695.

(25) Sanli, Solen, Women and Cultural Citizenship in Turkey: Mass Media and ‘Woman’s Voice’ Television, (London: I.B. Tauris, 2015).

(26) تحيل زوي بيتكاناس إلى عمل لوجينبوهل عن "العنف الحواري" باعتباره نمطًا من أنماط الحوار المتقد عاطفيًّا، وهو نمط يحدث عندما يقول المتحدث شيئاً "... يتسبب -سواء أكان حدوثه معتمدًا أم لا- في فرض قيود حوارية قوية على المتحدث الآخر في حديثه بسبب نوعية الحوار ودور المتحدث فيه".

Petkanas, “Negotiating Identity: Gender and Tunisian Talk Shows”, op, cit.

(27) Nasseh, Sakina, “Al Khayet Al Abyad Missing from the Programmes for the Next Television Season”, Noonpresse, 20 January 2016.

http://www.Nasseh.com/./للم-البرامج-خريطة-عن-يغيب-الأبيض-الخيط

(28) Ismaili, Ghita, “Morocco: Nassima El Horr Insulted by a Preacher, 2M Supports Her”, Yabiladi, 3 December 2014.

https://www.yabiladi.com/articles/details/24048/maroc-nassima-horr-insultee-predicateur.html

(29) “The Host of ‘Sabahiyat 2M’ Confuses Herself in Apologies”, LeSiteInfo, 28 November 2016.

http://www.lesiteinfo.com/videos/la-presentatrice-de-sabahiyat-2m-se-co….

(30)Guessous, Nouzha, “The 2004 Moroccan Family Code: History and Prospects”, Public Lecture, Al Akhawayn University in Ifrane, Morocco, 1 December 2014.

(31) Lamhaidi, “The Image of Women in Moroccan Media: Reality and Perspectives”, op, cit.

(32) Skalli, “Constructing Arab Female Leadership Lessons from the Moroccan Media”, op, cit, p. 394.

(33) Ibid, p. 479.

(34) من هؤلاء الممثلين المركز المغربي للإعلام والتوثيق والدراسات حول المرأة (CMIDEF)، والمعهد العالي للإعلام والاتصال (L’ISIC)، واتحاد وكالات الاتصال (UACC)، ومجموعة المعلنين المغاربة (GAM)، و"ريجي 3 للإعلان" (Regie 3 Advertisement)، شركة سيلف-سرفيس للإعلان (SAP)، والمركز السينمائي المغربي (CCM)، والمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (ISADAC)، والنقابة الوطنية للصحافة المغربية.

Lamhaidi, “The Image of Women in Moroccan Media: Reality and Perspectives”, op, cit.

(35) Ibid.

(36) Ibid.

(37) Kress, Gunther R., and Theo Van Leeuwen, Reading Images: The Grammar of Visual Design, (London: Routledge, 1996).

(38) Ayotte, Kevin J., and Mary E Husain, “Securing Afghan Women: Neocolonialism, Epistemic Violence, and the Rhetoric of the Veil”, NWSA Journal 17 (3), 2005, p. 112–133.

(39) Skalli, “Constructing Arab Female Leadership Lessons from the Moroccan Media”, op, cit.