توجهات السياسة الأميركية إزاء المشرق

الموقف الأميركي من إيران، هل ستوجه لها واشنطن ضربة عسكرية أم لا؟ كيف يمكن قراءة توجهات السياسة الأميركية الحالية إزاء المشرق؟ رأيان مختلفان.








                          منذر سليمان
منير شفيق


النتائج والتوصيات
دبلوماسية الصفقات آخر ما في جعبة بوش
إستراتيجية أميركية جديدة في المنطقة


النتائج والتوصيات


الباحث والمحلل بشؤون الأمن القومي الدكتور منذر سليمان يرى أن السياسة الأميركية الحالية في منطقة الشرق الأوسط تعبر عن عدم رغبة من قبل واشنطن في توجيه ضربة لإيران، وأن هذه الضربة في حال توجيهها لن تكون تقليدية.


فيما يرجح الكاتب والمفكر منير شفيق احتمالية توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية مباشرة لإيران، وهو ما تؤكده دعوة الرئيس الأميركي إلى عقد مؤتمر دولي بشأن القضية الفلسطينية.


رؤية منذر سليمان








  1. "
    لن يستقيم أمن دول الخليج العربي إلا بوضع رؤية شاملة لنظام أمني خليجي عربي يدخل في حسابه انضمام اليمن والعراق (بعد تحريره) إلى مجلس التعاون
    "
    يستبعد كل من فوكوياما، والمستشار السابق للأمن القومي بريجينسكي استخدام الخيار العسكري الأميركي ضد إيران.


  2. لا تملك واشنطن خيارا عسكريا تقليديا حاسما ضد إيران يخرج عن نطاق التدمير، ولكنها تملك خيارا عسكريا غير تقليدي، مما يعني أن أي عمل عسكري ينجم عن الاستفزاز المدبر أو عن خطأ يرتكبه أي من الطرفين، الأميركي أو الإيراني، قد يتدحرج إلى حرب تلجأ فيها واشنطن لاستخدام السلاح النووي التكتيكي لإرغام النظام في طهران على الرضوخ أو السقوط.


  3. كثفت الولايات المتحدة الأميركية اهتمامها بالمنطقة خلال الأشهر القليلة الماضية، وعبرت عن هذا الاهتمام من خلال إشارات عديدة كدعوة الرئيس الأميركي إلى مؤتمر دولي بشأن الشرق الأوسط، وزيارة كل من وزيرة الخارجية ووزير الدفاع الأميركيين إلى المنطقة، وعقد صفقات أسلحة مهمة مع عدد من دول المنطقة بالإضافة إلى الزيادة في المساعدات العسكرية لكل من إسرائيل ومصر.


  4. يرى كثير من المراقبين أن هذه التحركات هي إشارات أميركية مباشرة بدعم حلفائها في المنطقة تجاه ما تسميه الخطر الراديكالي في المنطقة.


  5. يعتبر بعض الصحفيين والمراقبين الأميركيين هذه السياسة المتبعة من قبل إدارة بوش تخليا عن سياسة نشر الحرية والديمقراطية والإصلاح في البلدان العربية الصديقة لها والعودة إلى سياسة دعم الاستقرار للأنظمة التي ينظر إليها بأنها استبدادية.


  6. بقدر ما يعبر هذا الدعم عن نية أميركية مبيتة لمهاجمة إيران، من خلال الدعم الاستباقي لدول "الاعتدال" في المنطقة تحسباً لرد فعل إيراني ضد هذه الدول في حال مهاجمة الولايات المتحدة إيران، بقدر ما يعبر كذلك –في نظر بعض المحللين- عن تعويض لفشل السياسات الأميركية في المنطقة، وسد للثغرة الأمنية التي فتحت في المنطقة نتيجة لهذه السياسات الخاطئة، ويعتبرونه دعما سياسيا أكثر منه دعما عسكريا مباشرا كما يبدو للوهلة الأولى.


  7. لن يستقيم أمن دول الخليج العربي إلا بوضع رؤية شاملة لنظام أمني خليجي عربي يدخل في حسابه انضمام اليمن والعراق (بعد تحريره) إلى مجلس التعاون.

رؤية منير شفيق







  1. "
    سقف المطالب الأميركية أعلى مما يمكن أن تصله سياسات مصر والسعودية واعتبار إيران هي العدو ومعها قوى المقاومة والممانعة يشكل مغالطة إستراتيجية وقلبا للحقيقة
    "
    تأتي الإستراتيجية الجديدة للإدارة الأميركية في المنطقة، والمتمثلة في تسليح السعودية ومصر وإسرائيل وبعض دول الخليج لمواجهة "التهديدات الإيرانية لأمنها"، بعد الفشل الذريع الذي منيت به إستراتيجية إدارة بوش خلال ست السنوات الماضية.


  2. تعتمد الإستراتيجية الجديدة على الطلب من الدول المعنية -مصر والسعودية أساسا- القبول باعتبار إيران العدو واعتبار إسرائيل "حليفا" بصورة مباشرة أو غير مباشرة.


  3. هذه السياسة -إذا ما وجدت التجاوب العربي معها- فسوف ترتد على وضع الأنظمة، ولاسيما مصر والسعودية، بمزيد من العزلة الداخلية والعربية. مما سيزيد من مخاطر تنامي تيارات التطرف والفوضى وضياع هيبة تلك الدول.


  4. في ظل هذا الاستقطاب الحاد، فإن قيام روسيا بعقد صفقات سلاح مع كل من إيران وسوريا، يعني أن بوتين يكون قد خطا خطوة أخرى باتجاه مرحلة جديدة من مراحل الصراع الدولي.


  5. إن المعادلات الداخلية والإقليمية والدولية لن تكون في مصلحة المشروع الأميركي الجديد، حتى لو انضمت له الدول المدعوة إلى ذلك، كما أن قبول روسيا والاتحاد الأوروبي والصين لهذه "الإستراتيجية الجديدة" سيقود في حال نجاحها إلى تهميش تلك الدول.


  6. إن اهتمامات شن حرب على إيران أصبحت أقوى من أي وقت مضى. وهو ما يجب أن تفسر به مبادرة بوش لعقد مؤتمر دولي بشأن الموضوع الفلسطيني، باعتبارها الطعم الذي يقدم لمحاولة الحشد العربي ضد إيران.


  7. من غير المألوف بالنسبة إلى السياسات السعودية والمصرية التجاوب مع هذه الإستراتيجية الأميركية والخروج العلني لتحدي شعبيهما والرأي العام العربي، ذلك أن سقف المطالب الأميركية أعلى من السقف الذي يمكن أن تصله سياسات مصر والسعودية، كما أن اعتبار إيران هي العدو ومعها قوى المقاومة والممانعة يشكل مغالطة إستراتيجية وقلبا للحقيقة بالإضافة إلى أن عدم السعي لرأب الصدوع الداخلية في فلسطين ولبنان والعراق أو السعي لتشجيع طرف على الأطراف الأخرى سيدفعان الأمور إلى مزيد من التأزيم لا تحتملها الأوضاع العربية بعامة والمصرية والسعودية بخاصة.

دبلوماسية الصفقات آخر ما في جعبة بوش


د. منذر سليمان



كرنفال أميركي



"
رايس: تحديث القوات المسلحة المصرية والسعودية وتطوير قدراتها العسكرية سيعزز من قدرتيهما على مجابهة خطر الراديكالية ويكرس دوريهما القيادي الإقليمي
"
في خطوات متسقة لإحداث أعلى درجة من الانتباه والتأثير الإعلامي والدبلوماسي والمعنوي، انطلق ما يشبه "الكرنفال الأميركي" الموجه نحو العالم العربي، فمن خطاب بوش الذي يدعو فيه إلى لقاء دولي في الخريف القادم برئاسة وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس "لتوفير الدعم الدبلوماسي للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في مباحثاتهما الثنائية ومفاوضاتهما"، مرفقا بجولة غير مسبوقة في تاريخ الزيارات الرسمية الأميركية لوزيري الدفاع والخارجية معا، إلى الإعلان عن نية الإدارة بتخصيص برامج معونات عسكرية ضخمة لكل من إسرائيل (30 مليار دولار) ومصر (13 مليار دولار) على مدى عشر سنوات قادمة، بالإضافة إلى بيع صفقات أسلحة لدول مجلس التعاون الخليجي (تردد وسائل الإعلام أنها تقدر بعشرين مليار دولار).

بررت الإدارة هذه المعونات والصفقات المقترحة بالأهمية التي تعلقها على "إعادة تعزيز قوة الولايات المتحدة على امتداد الشرق الأوسط، وإرسال إشارة قوية بدعم شركائها في المنطقة لمواجهة المخاطر الأمنية". ووصف مساعد وزيرة الخارجية للشؤون السياسية، نيكولاس بيرنز، الإعلان الجديد بشأن مستقبل الدعم الأمني والعسكري لكل من إسرائيل، ومصر، والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى بأنه "استجابة لحاجاتهم بالإضافة إلى كونه خطوة شاملة تخدم الأهداف السياسية الكبرى للولايات المتحدة في المنطقة".


وأضاف أنها تشكل "إجراءات لردع ومجابهة مساعي إيران لتعزيز مصالحها الإستراتيجية في المنطقة وتوسيع نطاق نفوذها". وسبق تصريحات بيرنز للصحافة توزيع بيان صادر عن الوزيرة رايس تؤكد فيه على أن إبرام اتفاقات دعم عسكري جديدة "سيعزز قوى الاعتدال ويدعم إستراتيجية موسعة لمجابهة النفوذ السلبي لكل من القاعدة، وحزب الله، وسوريا وإيران".


و"عبر حوارنا حول أمن الخليج، نساهم في تعزيز القدرات الدفاعية لشركائنا، كما سنبادر إلى الدخول في حوارات مع المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى حول صفقات مقترحة لأنظمة عسكرية متطورة تمكنهم من ضمان الأمن والاستقرار في منطقة الخليج".


وأضافت رايس في بيانها "أن تحديث كل من القوات المسلحة في مصر والسعودية وتطوير القدرات العسكرية المتبادلة سيعزز من قدرتهما على مجابهة خطر الراديكالية ويكرس دورهما القيادي الإقليمي في السعي إلى السلام في الشرق الأوسط، وضمان حرية واستقلال لبنان".


وتم تكليف بيرنز بزيارة دول المنطقة لمتابعة تفصيلات العروض المقدمة لبرامج التسليح، مما يعني أن "البازار العسكري" سيكون مفتوحا أمام دول مجلس التعاون بما يكفي من المغريات لاقتناء ما تريد طالما أنها ستدفع الفاتورة.



الهدف: جبهة موحدة ضد إيران/ إجماع إستراتيجي جديد


جرت العادة أن يتم التحفظ أو التكتم على صفقات الأسلحة الأميركية لدول مجلس التعاون حتى تنضج المداولات، في سعي لتمريرها بأقل ما يمكن من الضجيج.


ونادرا ما خاضت الإدارات الأميركية المتعاقبة معارك مكشوفة مع جماعات اللوبي الإسرائيلي المعارض تلقائيا لأي صفقة يمكن إبرامها مع الدول العربية بهدف الابتزاز وانتزاع مكاسب إضافية أو شروط على استخدام الأسلحة ومواقع تركيزها. المعركة الوحيدة جرت حول صفقة طائرات الأواكس للسعودية في مطلع الثمانينيات ونجحت إدارة ريغان في تمريرها رغم الصياح والعويل الإسرائيلي.


كما جرت العادة أيضا أن تنجح إسرائيل عبر حلفائها في الداخل الأميركي، وخاصة في الكونغرس، على تخصيص رشى لإسرائيل عبر معونات عسكرية إضافية، كتعويض مقابل الصفقات التي تبرم مع الدول العربية، مع تأكيد واشنطن المتكرر أن هذه الصفقات لن تعرض الميزان العسكري الإقليمي للخلل تجاه ميله الكاسح لصالح إسرائيل، ومع ضمان المحافظة على أمن إسرائيل وتفوقها النوعي على كل الدول العربية.


لذلك كان مستغربا وملفتا أن يتم الإعلان بصورة استعراضية مقصودة عن المعونات والصفقات، خاصة وأن كل القيود والضوابط والكوابح التي سبق للولايات المتحدة أن فرضتها على الدول العربية الخليجية في مراحل سابقة، يتم إسقاطها ولم يتم التلويح ولو بشرط واحد لإبرامها، مما دعا بعض كتاب الأعمدة في الصحف الأميركية إلى معاتبة إدارة بوش واتهامها بأنها تتخلى عن سياسة نشر الحرية والديمقراطية والإصلاح في البلدان العربية الصديقة لها والعودة إلى سياسة دعم الاستقرار للأنظمة التي ينظر إليها بأنها استبدادية.


وربما الأكثر غرابة ما جاء على لسان مساعد وزيرة الخارجية بيرنز في لقائه مع الصحفيين لشرح وتسويق الصفقات المقترحة، حين تجاوز مجرد الإشارة إلى أن منظومات التسليح المقترحة على الدول العربية ستكون دفاعية بغالبيتها (كي لا تنزعج الحكومة الإسرائيلية)، إلى الاستشهاد –وهو لا يخفي سروره– بتعليق رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت حين وصفه بالهام جدا مؤكدا أن أولمرت "في الجوهر يرمي بثقله وراء مشاريعنا الإقليمية الجديدة الشاملة لمعالجة الحاجات الأمنية الإسرائيلية وكذلك حاجات الدول العربية".


وأضاف "لقد عبر أولمرت عن تفهمه لحاجة الولايات المتحدة إلى دعم الدول العربية المعتدلة وقيام جبهة موحدة ضد إيران". لا بد للمرء من التوقف أمام اعتبار أولمرت أن الحاجات الأمنية لإسرائيل هي نفس الحاجات الأمنية للدول العربية "المعتدلة".


أما الحديث عن الجبهة الموحدة ضد إيران فيذكرنا بمقولة "الإجماع الإستراتيجي" التي حاول تسويقها ألكسندرو هيغ، وزير خارجية ريغان في أوائل الثمانينيات، والتي كانت تدعو إلى تحالف عربي إسرائيلي ضد الاتحاد السوفياتي لاحتواء ما أًطلِق عليه "نظام الملالي" في طهران. كان الهدف آنذاك من مقولة الإجماع الإستراتيجي إقناع الدول العربية بالتخلي عن اعتبار القضية الفلسطينية والتوجه لحلها على أساس الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط الـ67 أولوية، بل النظر إلى الخطر الشيوعي السوفياتي واحتمال تعاون إيران وموسكو كأولوية يتوجب مواجهة مخاطرها. ويبدو هذه المرة أن من يتصدر قيادة الشعب الفلسطيني معني كثيرا بتقديم أوراق اعتماده كجزء من "جبهة المعتدلين" أو جبهة الإجماع الإستراتيجي المنشود.


صفقات التسليح
دبلوماسية بوسائل أخرى..استبعاد العمل العسكري


للوهلة الأولى تبدو هذه الصفقات وكأنها إيذان بحتمية الشروع في العمل العسكري الأميركي ضد إيران. فقبل نشوب الحرب يتوجب تعزيز القدرات العسكرية لحلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج، ومن الطبيعي أن تتخذ الإجراءات الاحترازية لاحتمالات، لا بل ترجيحات، إمكانية تعرضها لهجمات انتقامية من إيران. خاصة وأن الولايات المتحدة ستستخدم كل قواعدها والتسهيلات العسكرية الممنوحة لها من دول الخليج العربية في أي هجمات محتملة ضد إيران.


لا شك أن هذه القراءة المقاربة تحمل تفسيرا منطقيا لا يجوز الاستهانة به. ولكن في الواقع تبدو هذه الرزمة من المعونات والصفقات وكأنها تعويض عن فشل قائم أو سد لفراغ أمني أو تغطية لانعطاف وانكفاء قادم قد ترغم إدارة بوش على الإقدام عليه، أكثر منه استعدادا واستباقا لعمل عسكري وشيك. الأكيد طبعا أن واشنطن تهدف إلى تعزيز ما تسميه بحلف المعتدلين العرب مع إسرائيل. ولكن إدارة بوش تبدو لمن يتفحص الأمور بعيدا عن ضجيج الكرنفال وكأنها تتصرف كعجوز على فراش المرض بانتظار عملية جراحية دقيقة لإنقاذه من شلل محتم، ويقوم العجوز بلم شمل الأولاد والأقارب لتوزيع حصصهم من الميراث قبل فوات الأوان.


لقد عرّف كلاوفتيز الحرب بأنها "امتداد للسياسة بوسائل أخرى"، ويبدو أننا في وضعية يمكن الاجتهاد باستعارة المنطق الكامن وراء هذه المقولة الشهيرة لإسقاط مقولة مشابهة مفادها "صفقات التسليح هي امتداد للدبلوماسية بوسائل أخرى". فبالرغم من الحجم الاستثنائي والقيمة الباهظة لهذه الرزمة من المعونات والصفقات العسكرية فإن مغزاها وجوهرها سياسي/دبلوماسي في المرحلة الراهنة وليس عسكريا. فلو افترضنا أن هذه الصفقات المقترحة قد أنجزت خلال مدة قصيرة، وتم إبرامها مع كل دولة خليجية، وأقدمت الإدارة على الإخطار الرسمي للكونغرس، وصادق عليها دون مناقشة مستفيضة، سيحتاج الأمر إلى شهور وربما سنوات لبعض أنظمة التسليح لتكون جاهزة.


ونحن نتحدث هنا عن تكهنات لما يمكن أن تشمله الصفقات (طائرات مقاتلة وعمودية ونقل وللمراقبة والإنذار المبكر، قطع بحرية لخفر السواحل والمطاردة، أنظمة دفاع جوي متطورة، ومدرعات متنوعة، وتحديث لمعدات وصيانة وقطع غيار الخ...) هذه الطلبات المقترحة ستدخل أيضا في منافسة حادة مع طلبات القوات المسلحة الأميركية نفسها التي تحتاج بعد حرب العراق وأفغانستان إلى تعويض ما خسرته في الميدان أو ما تقادم من أسلحة ومعدات بلغت سن اليأس وتحتاج إلى تبديل في أقرب فرصة ممكنة. ولن تكون مصانع الأسلحة الأميركية قادرة على الاستجابة السريعة اللازمة لهذه الطلبات رغم غبطتها الأكيدة بها، فهي ستكون ممتنة لرئيس الحرب الذي أتخم حساباتها بالأرباح الخيالية خلال سنوات حكمه ويرغب في أن يمنحها المزيد قبل مغادرته البيت الأبيض.


ولو تسلمت الدول الخليجية العربية هذه الأسلحة في فترة قريبة فستكون في حاجة إلى فترة تتجاوز فترة نهاية عهد الرئيس بوش لاستيعاب هذه الأسلحة والتدريب عليها. لذلك أستبعد اعتبار هذه الرزمة من الصفقات والمعونات بمثابة المؤشر الحاسم على حتمية اللجوء إلى الخيار العسكري الأميركي خلال فترة قريبة. والبعض يتحدث عن صيف ساخن مع أننا على وشك توديع الصيف.



صفقات الأسلحة لا تستجيب للأولويات والتحديات


هناك مفارقة تتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي التي يتم إدراجها في إطار صفقة شراء الأسلحة الأميركية دعما للاقتصاد الأميركي والمجمع الصناعي الحربي. فبالرغم من انتظامها في اتفاقيات ثنائية أمنية وعسكرية مع الولايات المتحدة وتقديمها قواعد وتسهيلات ومراكز قيادة ومخازن للمعدات، يًطلب منها أن تشتري المزيد من الأسلحة، التي يعتقد الكثيرون بأن الغبار سيتكدس عليها في المخازن أو يعلوها الصدأ. فهل تعني مثل هذه الصفقات رغبة أو نية في التخلي التدريجي عن اعتماد الوازن الضامن الأمني الخارجي الأميركي خلال فترة زمنية محددة؟


وإذا كان الإفراط في الاعتماد –المفتوح زمنيا- على الحماية العسكرية الأجنبية سياسة دائمة، فلماذا الإفراط في الإنفاق على التسلح بدلا من تعزيز وتنمية الاقتصاد الوطني وتطوير البنية التحتية وإيجاد المزيد من فرص العمل للمواطنين والاستثمار في الاقتصاد العربي؟


من حق -بل من واجب- دول مجلس التعاون الخليجي أن تفكر وتخطط وتعمل لصيانة أمنها الوطني والأمن الخليجي العربي المشترك، ولكن هل المدخل لتحقيق ذلك هو المزيد من صفقات التسلح التي تمتص جزءا كبيرا من الفائض النقدي لعائدات النفط بصورة دورية كل عشر سنوات تقريبا؟


يبدو أن أمن دول الخليج العربي لن يستقيم إلا بوضع رؤية شاملة لنظام أمني خليجي عربي يدخل في حسابه انضمام اليمن والعراق (بعد تحريره) إلى مجلس التعاون، وتكون الرؤية جزءا عضويا من رؤية أمن قومي عربي شامل. فالتحديات الاقتصادية والبيئية، مضافا إليها تحدي الإفراط في الاعتماد على العمالة الأجنبية غير العربية (بما تحمله من آثار مدمرة وخطيرة على الهوية والثقافة والتماسك الاجتماعي) تشكل بمجملها تهديدات خطيرة لا يمكن مواجهتها إلا بالعمل الجماعي المنظم.


لا شك أن البرنامج النووي الإيراني مضافا إلى نزعة إيران الطبيعية لتعزيز ميدان نفوذها الحيوي في منطقة الخليج، وتوقها للعب دور إقليمي واسع على امتداد العالم العربي والإسلامي تشكل هواجس مشروعة تستوجب التعامل معها، ولكن بمقاربة مختلفة عن ما يجري الآن أو ما يتم الترويج له أميركيا. ولنأخذ المثال الكوري الشمالي نموذجا ونتعظ منه في ضرورة إقامة إطار إقليمي لمناقشة الملف النووي الإيراني.


كما حان الوقت للمباشرة لإيجاد صيغة ثابتة وجدية للحوار الإستراتيجي العربي الإيراني يتم فيه مناقشة كل الهواجس المتبادلة والتوصل إلى تفاهمات بشأن كافة القضايا المختلف عليها. وقد يكون مفيدا ومطلوبا أيضا أن يترافق مع هذا الحوار دراسة مشاريع وتصورات لكيفية فهم كل طرف لإقامة نظام أمن إقليمي متفق عليه. كما يتوجب تطوير فكرة اللقاءات الدورية لدول الجوار للعراق إلى صيغة للحوار الإستراتيجي العربي الإيراني التركي.


هجمات تكتيكية في ظل انكفاء إستراتيجي





"
تشكل الساحات العراقية والفلسطينية واللبنانية والسورية والإيرانية والصومالية والسودانية ميادين لاختبار نجاعة هذه الهجمات التكتيكية في الحفاظ على مكانة وموقع القوى والفئات الملحقة بالمشروع الأميركي
"

ترغب إدارة بوش في محو الانطباع الذي يسود في منطقة العالم العربي وكذلك على المستوى الدولي بأنها في حالة انكفاء وتراجع إستراتيجي بسبب الفشل الذريع لمغامرتها في العراق وتعثرها الواضح في أفغانستان، وتلجأ للمكابرة والإصرار على عدم الاعتراف بالهزيمة. ويتوهم الرئيس بوش أن التاريخ سينصفه لاحقا، رغم الانتقادات الشديدة التي يتعرض لها ورغم انخفاض شعبيته إلى الحضيض.


وتقوم الإدارة بمحاولة يائسة لتأجيل الإعلان الرسمي عن الفشل، ويستخدم بوش كل ما يملك من سلطات رئاسية شبه إمبراطورية يوفرها له النظام الرئاسي في الولايات المتحدة في ظل هامش من المرونة يوفره الانقسام الحاد في المجتمع الأميركي، ويسعى لتأخير السقوط المنتظر لمركبة القيادة في مشروعه الحالم بالهيمنة. ورغم محاولته تصوير أن إستراتيجية "الوثبة" (The surge) في العراق تحقق بعض النجاحات وتتطلب المزيد من الوقت لقطف ثمارها، فإنه كمن يقاتل في ميدان معركة خاسرة قتالا تراجعيا ويقدم على بعض "الهجمات التكتيكية" السياسية والدبلوماسية والإعلامية والدعائية والعمليات السرية عبر إصدار الأوامر التنفيذية ممنيا النفس بإمكانية تعديل البيئة في المسرح العربي الإسلامي لصالحه.


وتشكل الساحات العراقية والفلسطينية واللبنانية والسورية والإيرانية والصومالية والسودانية ميادين لاختبار نجاعة هذه الهجمات التكتيكية في الحفاظ على مكانة وموقع القوى والفئات الملحقة بالمشروع الأميركي، والتي راهنت في الأساس على نجاحه بعد احتلال العراق، وربطت مصيرها بمصيره ولا تجرؤ على أن تدير ظهرها له طالما أنه يمدها بوسائل "الصمود والاستمرار" بأشكال الدعم المختلفة العسكرية، والمالية، والدبلوماسية، والإعلامية، والعمليات السرية. ويلاحظ، من حين إلى آخر، إما تصدعات في هذه القوى أو مراوحة لها في مجابهة القوى المعارضة للمشروع، ويبقى الخط البياني للتطورات يسير بما تشتهيه إدارة بوش.


إن ما تقدم لا يجوز أن يجعلنا نخفف من حجم الأذى الذي يمكن أن تلحقه الإجراءات الأميركية المختلفة، وفي مقدمتها سياسة العزل الدبلوماسي والخنق الاقتصادي للقوى المناهضة للمشروع الأميركي، وخاصة تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران وسوريا، أو يسقط من الحساب إمكانية اللجوء إلى الخيارات العسكرية التدميرية. ولكنني أتفق مع تقديرات كل من فوكوياما، الذي هجر المحافظين الجدد وتنكر لهم، والمستشار السابق للأمن القومي بريجينسكي، واللذين أجمعا على استبعاد استخدام الخيار العسكري الأميركي ضد إيران. وسبق لي أن أجريت معهما لقاءات منفصلة خلال الأشهر الماضية، فأبدى فوكوياما قناعته بعدم توفر أي خيار عسكري لدى الإدارة الأميركية، بينما ذكر بريجينسكي حرفيا "لا يساورني القلق إزاء قيام الولايات المتحدة عمدا ببدء الأعمال العسكرية".


يبقى أن نضيف هنا أن واشنطن لا تملك خيارا عسكريا تقليديا حاسما ضد إيران يخرج عن نطاق التدمير ولكنها تملك خيارا عسكريا غير تقليدي، مما يعني أن أي عمل عسكري ينجم عن الاستفزاز المدبر أو عن خطأ يرتكبه أي من الطرفين الأميركي أو الإيراني قد يتدحرج إلى حرب تلجأ فيها واشنطن لاستخدام السلاح النووي التكتيكي لإرغام النظام في طهران على الرضوخ أو السقوط.


هذا السيناريو الكارثي لن يلحق الأذى بإيران فقط بل ستكون آثاره كارثية أيضا على منطقة الخليج والعالم العربي والعالم أجمع. ولا يتسع المجال هنا لمعالجة كل تداعيات مثل هذا الخيار المجنون. ويبدو في نهاية المطاف أن واشنطن عازمة وقادرة على أن ترغم دول الخليج العربي على دفع فاتورة الحرب الفعلية إذا شنتها على إيران أو الحرب الافتراضية التي لا تزال تشنها حاليا.


تبقى الإشارة هنا إلى أنه مع كتابة هذه السطور تصدر مؤشرات على تراجع حمى الاستعدادات العسكرية الأميركية ضد إيران. فلقد غادرت منطقة عمليات الأسطول الخامس حاملتا الطائرات ستيسيسي وليمثيز مع مجموعتيهما القتالية البحرية، ويتخذ الأسطول الخامس من المنامة مقرا دائما له وتمتد منطقة عملياته في الخليج العربي وخليج عدن والبحر الأحمر وخليج عمان وبحر العرب وأجزاء من المحيط الهندي. وكانت التقديرات لبعض المراقبين والمحللين قد قادتهم إلى التخوف من أن تواجد ثلاث حاملات طائرات مع مجموعاتها القتالية (بوصول الحاملة انتدبراينز) سيزيد من احتمالات اقتراب موعد الضربة العسكرية ضد إيران. وتكهن البعض بأن ذلك يشكل الفرصة التي "رتبت" واشنطن لاغتنامها ولا يمكن أن تفوتها.


بالطبع يمكن أن تعيد الولايات المتحدة الحاملات بسرعة إلى منطقة العمليات عندما تدعو الحاجة. ورغم صدور تصريحات متضاربة عن القادة العسكريين والسياسيين الأميركيين حول هدف التمرينات والمناورات التي تجريها القطع البحرية الأميركية في منطقة الخليج، فإنه كان ملفتا أن يذكر قائد القوات البحرية الأميركية في المنطقة أن "هذه التمارين هي أمور اعتيادية ولا تخرج عن نطاق المألوف ولا تعني التهيئة لحرب مرتقبة على إيران".


جدير بالذكر هنا أن حوالي عشرين دولة تشترك في القوات البحرية المشتركة التي تدخل في نطاق عمليات الأسطول الخامس الممتدة من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب ومعروفة بمنطقة القوات المشتركة (150)، وسيكون من الصعب على واشنطن أن تحتفظ بالسر لوحدها إذا قررت عن سابق تصور وتصميم توجيه ضربة عسكرية لإيران.


إستراتيجية أمريكية جديدة للولايات المتحدة في المنطقة






اهتمامات شن حرب على إيران أصبحت أقوى من أي يوم مضى وهو ما يتفسر مبادرة بوش لعقد مؤتمر دولي حول فلسطين باعتبارها الطعم الذي يقدم لمحاولة الحشد العربي ضد إيران
بعد الفشل الذريع الذي منيت به إستراتيجية إدارة بوش خلال الست سنوات الماضية، وبعد أن انعكس ذلك تدهورا لقوة الحزب الجمهوري في مجلس الكونغرس وهبوطا بشعبية جورج دبليو بوش إلى أدنى المستويات، تقدمت هذه الإدارة الآن بإستراتيجية جديدة حملها وزيرا الدفاع والخارجية روبرت غينيس وكونداليزا رايس إلى مصر والسعودية في اجتماع الأخيرة بوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى مصر والأردن. وقد حملت الإستراتيجية الجديدة عنوانا رئيسيا يتمثل في تسليح السعودية ومصر وإسرائيل وبعض دول الخليج لمواجهة "التهديدات الإيرانية لأمنها".

ليس في موضوع التسليح من جديد يذكر سوى استخدامه كغطاء للحشد الدبلوماسي ضد إيران وسوريا وحزب الله وحماس وقوى الممانعة والمقاومة بعامة في البلاد العربية. هذا بالإضافة إلى تغطية تقديم دعم عسكري بثلاثين مليار دولار لإسرائيل، مما سيزيد من عمق الهوة في ميزان القوى العسكري في المنطقة لمصلحة الجيش الإسرائيلي، لأن ما سيقدم لإسرائيل سيكون من أكثر الأسلحة تطورا وفعالية وتكنولوجية.


ولكن الأهم هنا أن اهتمامات شن حرب على إيران أصبحت أقوى من أي يوم مضى. وهو ما يجب أن تفسر به مبادرة بوش لعقد مؤتمر دولي حول الموضوع الفلسطيني، باعتبارها الطعم الذي يقدم لمحاولة الحشد العربي ضد إيران، بما في ذلك التواطؤ في الحرب في حالة وقوعها. فالذين يعتبرون أن العقدة تكمن في حل القضية الفلسطينية عليهم أن يطمئنوا بأن أمريكا مهتمة بالموضوع وستساعد على حلها. هذا فضلا عن تقديم هدية ثمينة لحكومة اولمرت من خلال موافقة السعودية على المشاركة في "لقاء دربي" مع الدولة العبرية. وهو ما اعتبرته حكومة أولمرت بالقرار التاريخي من جهة التطبيع معها.


المطلوب من الدول المعنية أساسا مصر والسعودية القبول باعتبار إيران العدو واعتبار إسرائيل "حليفا" بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهذا بديهي حين تنتقل الأولوية في العداء لإيران وتهبط الأولوية السابقة (الإسرائيلية) إلى مرتبة ثانية بل إلى المرتبة الرابعة إذا ما لحقت سوريا وحزب الله وحماس وكل قوى المقاومة والممانعة في الأمة بتلك الأولوية.


إن أول ما سيترتب عن هذه المعادلة في حالة حدوث قبول عربي من قبل الدول المعنية وخروجها علنا لتصبح طرفا في الانقسامات الداخلية في فلسطين ولبنان والعراق، هو الدفع إلى إغلاق أبواب الحوار الداخلي من خلال استقواء طرف على الطرف الآخر ومحاولة فرض شروطه أو الحسم السياسي ضده. ومن ثم فتح أبواب لدخول الانقسامات الداخلية والعربية – العربية إلى نقاط شديدة الخطورة قد تصل إلى اندلاع اشتباكات أو ما يشبه الحروب الأهلية.


هذه السياسة، إذا ما وجدت التجاوب العربي معها، فسوف ترتد على وضع الأنظمة، ولاسيما مصر والسعودية، بمزيد من العزلة الداخلية والعربية (عن الرأي العام). مما سيزيد من مخاطر تنامي تيارات التطرف والفوضى وضياع هيبة تلك الدول.


هذا الاستنتاج يعتمد على تجربة السعودية ومصر حين اتخذتا موقفا من العدوان الإسرائيلي على لبنان وقطاع غزة تحت حجة اعتبار أسر الجنود الإسرائيليين مغامرات غير محسوبة وعلى أصحابها أن يتحملوا مسئولية أعمالهم. وهو ما فهمه الرأي العام الداخلي والعربي دعما، أو تأييدا، للعدوان. الأمر الذي زعزع من موقف النظامين داخليا وعربيا. وذلك بالرغم من محاولتهما تلافي الآثار السلبية بتغيير الموقف بعد الأسبوع الأول أو الثاني من العدوان على لبنان.


ولهذا فإن التحول إلى اعتماد سياسة ثابتة بالتحالف مع الإدارة الأمريكية في عدوانها على إيران وسعيها لضرب سوريا وحزب الله وحماس وتمرير السياسات الإسرائيلية في المنطقة وفقا لمشروع كونداليزا رايس وروبرت غينيس، سيؤدي إلى عواقب وخيمة وستكون مصر والسعودية أول الخاسرين فيها. ولهذا سيكون من غير المألوف بالنسبة إلى السياسات السعودية والمصرية التجاوب مع هذه الإستراتيجية الأميركية والخروج العلني لتحدي شعبيهما والرأي العام العربي. وهو ما يحتاج لبعض الوقت لقياس مدى التجاوب مع المشروع الذي حمله روبرت غينيس وكونداليزا رايس.


أما السبب في هذا التروي فيرجع، أولا، إلى أن سقف المطالب الأمريكية أعلى من السقف الذي يمكن أن تصله سياسات مصر والسعودية. وثانيا، لأن اعتبار إيران هي العدو ومعها سوريا وحزب الله وحماس وكل قوى المقاومات والممانعات يشكل قلبا لحقيقة صارخة وهي أن العدو الذي يتهدد قضية فلسطين والمستقبل العربي والإسلامي بأسره هو إسرائيل ولا مجال لوضع الرؤوس في الرمال. وثالثا، لأن عدم السعي لرأب الصدوع الداخلية في فلسطين ولبنان والعراق أو السعي لتشجيع طرف على الأطراف الأخرى سيدفعان الأمور إلى أخطر الصراعات الداخلية التي لا تحتملها الأوضاع العربية بعامة والمصرية والسعودية بخاصة، وهو يفسر كما سعت مصر والسعودية في الماضي للحيلولة دون استفحال هذه الانقسامات,.





من يفكرون في قبول الإستراتيجية الأمريكية الجديدة عليهم أن يدركوا بأنهم وراء إدارة لا تحسن وضع الإستراتيجية ولا رسم السياسات وهي في حالة هزيمة وتذبذب وفقدان توازن
إن التحالف السعودي – الأمريكي التقليدي، بما في ذلك في مرحلة الحرب الباردة، لم يتطلب من السعودية أن تكون طرفا في الحرب الباردة ولكن أن تدعم في الوقت نفسه المقاومة (فتح) في فلسطين. أما اليوم فأمريكا لم تعد تقبل بهذه المفارقة وإنما راحت تدفعه إلى التطبيع، وأكثر من التطبيع، ومن دون أن تقدم شيئا في مجال القضية الفلسطينية غير تكريس الواقع القائم.

إذا تم التجاوب مع المشروع (أو الإستراتيجية الجديدة) الذي حمله روبرت غينيس وكونداليزا رايس فإن العواصف ستهب على المنطقة من كل جانب وستشعل النيران في عدد من النقاط وستعم الفوضى، بدلا من أن يتماسك الموقف العربي ويأخذ زمام المبادرة ولا يسمح بصب الزيت على النار التي خلقتها إستراتيجية أمريكا خلال السنوات الست الماضية، وعندئذ لا ساعة مندم -- علما أن المعادلات الداخلية والإقليمية والدولية لن تكون في مصلحة المشروع الأمريكي الجديد، حتى لو انضمت له الدول المدعوة إلى ذلك. فما حدث خلال السنوات الست الماضية سيتكرر، وربما على مستوى أكبر وأوسع، فلعنة الفشل كانت وستظل من قدر إدارة بوش، إذ أن من خطط لها بالأمس هو من يخطط لها اليوم، ومن واجهوها بالأمس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، هم اليوم أقوى محليا وعربيا وإسلاميا وعالميا.


وإن من يفكرون في قبول الإستراتيجية الأمريكية الجديدة عليهم أن يدركوا بأنهم وراء إدارة لا تحسن وضع الإستراتيجية ولا رسم السياسات. فهي في حالة هزيمة وتذبذب وفقدان توازن ويجب ألا يسمح لها بأن تجرب فينا كل مرة "إستراتيجية جديدة" فاشلة بالتأكيد. وها هي ذي تجارب ست سنوات شاهدة على التنقل من سياسة فاشلة إلى أخرى أفشل منها.


تبقى نقطة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار وهي الموقف الروسي والأوروبي والصيني من هذه "الإستراتيجية الجديدة" التي ستقود لو نجحت، لا سمح الله، إلى تهميش تلك الدول، فهي تكرار لمسار الانفراد الأمريكي المرفوض من الدول الكبرى الأخرى.


وإذا لم يكن من المتوقع أن تتصدى تلك الدول مجتمعة أو منفردة لتلك السياسات، فإنها بالتأكيد ستحاول عرقلتها بشكل أو بآخر. أما إذا صحت الأخبار التي تقول أن روسيا قد تفكر بتقديم صفقات سلاح لكل من إيران وسوريا، فهذا يعني أن بوتين يكون قد خطا خطوة أخرى باتجاه مرحلة جديدة من مراحل الصراع الدولي.


إن محاولة أمريكا عقد اتفاقات عسكرية وتحالفات جديدة في المنطقة، ناهيك عن حرب ضد إيران، لن تكون مرحبا بها من قبل الدول الكبرى الأخرى، حتى لو لم يعارضوها علنا. وهذه نقطة يجب أن تظل حاضرة في استقراء موازين القوى وتوقع نتائج الصراعات. فقد دلت تجربة العشر سنوات الماضية على أن ألوان الممانعة وإدارة الصراع فيما بين الدول الكبرى ليس لها من أسلوب واحد وهو التحدي والمواجهة، فدون ذلك مستويات متعددة. ولكن يجب ألا يستهتر حتى بالمستوى الأدنى أو غير المباشر من الممانعة أو المعارضة لأنه، مثلا، قد يقرر حجم العزلة التي قد تقع فيها إدارة بوش. وهذه مسألة مهمة في احتساب موازين القوى، بل إن كل تقديرات الموقف تعتمد على حساب مثل هذه النقاط، التي قد تبدو غير ذات أهمية مباشرة. فالفارق كبير بين التحرك المنفرد أو ضمن تحالف قوي وايجابي، وهو ما تفتقر إليه "الإستراتيجية الأمريكية الجديدة" من الناحية الدولية والإقليمية.
_______________
كاتب ومحلل سوري
مفكر فلسطيني