الأزمة المالية العالمية والاقتصادات الخليجية

ورقة بحثية تتناول آثار وانعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي وتحديدا على القطاعات الرئيسية: القطاع النفطي والمصرفي والعقاري إضافة إلى الأسواق المالية، وتنظر الورقة بمدى قدرة الدول الخليجية على تجاوز الأزمة على المدى القصير، وتطلعاتها على المدى البعيد.
49260b4e60d5496bbaa3d63c71f0b9d5_18.jpg
(الجزيرة)

علي حسين باكير

تتناول هذه الورقة البحثية التي نضعها بين يدي القارئ العربي الآثار والانعكاسات التي تركتها الأزمة الاقتصادية العالمية على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي العربية وتحديدا على مستوى القطاعات الرئيسية: القطاع النفطي والمصرفي والعقاري إضافة إلى الأسواق المالية.

كما تنظر الورقة في آفاق الأعوام 2009- 2020 على كافّة المستويات ومدى قدرة الدول الخليجية على تجاوز الأزمة بنجاح على المدى القصير وكذا التطلّعات الاقتصادية على المدى البعيد، وذلك بعد الاجتهاد في تحديد عدد من العناصر التي يمكن الاستعانة بها في بناء التوقعات المستقبليّة سواء لأداء القطاعات الاقتصادية أو الاقتصاد الكليّ.

الأسواق الخليجية السبع فقدت حوالي نصف تريليون دولار من قيمتها السوقية منذ سبتمبر/أيلول 2008 وحتى يونيو/حزيران 2009.

لا شكّ أنّ الخسائر المالية التي منيت بها دول الخليج على الصعيد الخارجي نتيجة لزلزال الأزمة المالية العالمية كانت قاسية ولا سيما على صعيد استثمارات صناديق الثروة السيادية البالغ حجمها حوالي 1.462 تريليون دولار (تشكّل حوالي 40% من الحجم الكلّي للصناديق العالمية)، إضافة إلى الأموال المستثمرة في سندات حكومية أمريكية.

وعلى الرغم من أنّه لم يصدر بداية الأزمة أي إخطار حول حجم الخسائر التي منيت بها دول الخليج في هذين الشقيّن، إلاّ أنّ تقديرات لاحقة أشارت إلى أنّ الصناديق السيادية الخليجية خسرت ما بين 450 مليار دولار إلى 600 مليار دولار. أمّا التوظيفات الخليجية في السندات الحكومية الأمريكية فقد خسرت وفقا لـ"سامبا" حولي 5.6 مليار دولار خلال أربع أشهر فقط.

وبعيدا عن العنصر الخارجي للخسائر التي منيت بها الدول الخليجية، تناول هذه الورقة البحثية العناصر التالية:

انعكاسات الأزمة المالية على القطاعات الاقتصادية الخليجية
ضبط التوقعات المستقبلية لأداء القطاعات الاقتصادية الخليجية
الاتجاهات المستقبلية للوضع الاقتصادي الخليجي

انعكاسات الأزمة المالية على القطاعات الخليجية 

أولا: القطاع المالي
شهدت الأسواق المالية لدول مجلس التعاون الخليجي العربية خسائر كبيرة جدا خلال الأزمة الحالية، ويقدّر تقرير (NBK) أنّ الأسواق الخليجية السبع* فقدت حوالي نصف تريليون دولار من قيمتها السوقية منذ سبتمبر/أيلول 2008 وحتى يونيو/حزيران 2009.

ولم تنجح بداية العام 2009 كما يبدو، في كسر الحلقة المفرغة لأداء الأسواق الخليجية عموما رغم التفاؤل في أن تحقق الأسواق نتائج ايجابية في ظل اتّخاذ الدول الخليجية العديد من الخطوات المالية والنقدية في مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية والانخفاض الحاد في أداء الأسواق.

وعلى الرغم من أنّ نزيف الأسواق الخليجية لم يعد الآن بالشدة نفسها التي كان عليها نهاية العام 2008 أو بداية العام 2009، إلاّ أنّها لا تزال تعاني من حالة تذبذب. ويرى بعض المستثمرين بأنّ العوامل التي أدّت إلى تراجع المؤشرات من ركود الاقتصاد المحلي والعالمي وانخفاض أرباح الشركات الرئيسية وانعدام الثقة لا تزال موجودة وهو ما يؤدي إلى الإحجام عن المخاطرة، ومن ثم ينعكس الأمر نقصا في السيولة.

فيما يرى البعض الآخر أنه ليس هناك من مراحل جديدة أو صعوبات مستجدة طارئة على الأسواق على اعتبار أنّ المرحلة السابقة شهدت الأسوأ، وأنّ هبوط السوق الحاد خلال الأشهر الأخيرة من العام 2008 وبداية العام 2009 امتص معه كل الأخبار السيئة، وبالتالي لم يعد هناك طريق أمام هذه الأسواق سوى الصعود، أو على الأقل الاستقرار في المرحلة المقبلة.

ثانيا: القطاع المصرفي
لم تعان البنوك الخليجية إبّان الأزمة المالية العالمية من مشاكل في "الملاءة" المالية، إلاّ أنّ التطورات اللاحقة عرّضت هذه المصارف لأزمة "سيولة" حيث بدأت تعاني من اضطرابات كبيرة و"شح في السيولة" وذلك على الرغم من التدابير التي سارعت حكومات الدول الخليجية إلى اتّخاذها في محاولة لوقف المزيد من التدهور ومعالجة المشكلة.

وراحت أزمة "شح السيولة" تتفاقم شيئا فشيئا فيما بعد، لتتبلور في عاملين رئيسين اثنين:

  1. إحجام البنوك عن إدانة بعضها بعضا إلا بمعدلات فائدة مرتفعة وسط تفاقم أزمة السيولة العالمية وقيام مستثمرين أجانب بسحب مبالغ مالية كبرى من أسواق المال الخليجية إضافة إلى تجاوز القروض للمستويات المتعارف عليها مقارنة بالودائع في بعض البنوك.
  2. عجز العديد من المشروعات التنموية الكبرى الجارية في المنطقة عن تمويل حاجاتها من القروض المجمّعة الضخمة من البنوك العالمية والمحلية الكبيرة.

ويقدّر حجم خسائر المصارف الخليجية المرتبطة بأزمة الرهونات العقارية عالية المخاطر وفقا لاتحاد المصارف العربية بنحو 2.88 مليار دولار، هذا عدا عن تعرّض عدد من المصارف الخليجية لخسائر خارج هذا الإطار أدّت إلى العديد من الانعكاسات، منها:

  1. يقدّر حجم خسائر المصارف الخليجية المرتبطة بأزمة الرهونات العقارية عالية المخاطر وفقا لاتحاد المصارف العربية بنحو 2.88 مليار دولار

    تخفيض التصنيف الدولي: إذ قامت وكالات التصنيف العالمية الثلاث وهي "ستاندرد آند بورز"، و"موديز"، و"فيتش" بمراجعة تصنيف 27 مصرفا خليجيا، حيث تم تخفيض تصنيف عدد منها، في حين أن أغلبها حصل على نظرة مستقبلية سالبة بدلا من مستقرة ومنها مصارف كبيرة في المنطقة في الإمارات على وجه الخصوص.

  2. العزوف عن تمويل المشاريع: إذ تقلّص عدد المصارف التي تتجه لعقد صفقات في ظل المناخ السائد إلى ما بين ثمانية إلى اثني عشر مصرفا فقط، كما لم يعد ضمان التمويل مهمة سهلة كما كان قبل نحو 18 شهراً من بداية الأزمة، عندما كان هناك عدد أكبر من البنوك يتنافس على توفير التمويل بدرجة تفوق المشاريع الموجودة آنذاك. لكنّ الحال انعكست بعد الأزمة عما كانت عليه في السابق، إذ لا يتعدى عدد البنوك الجاهزة لعقد صفقات في تمويل المشاريع أرقاماً مفردة، وذلك بسبب شح عمليات الإقراض بين البنوك، وتعليق عمليات القروض المشتركة بشكل فعلي.

ثالثا: القطاع العقاري
على الرغم من أنّ تصريحات المطوّرين العقاريين والمستثمرين في القطاع العقاري في الخليج كانت تنكر في البداية تأثّر القطاع العقاري بانعكاسات الأزمة المالية العالمية بحجّة أنّ "الاستثمار في القطاع العقاري استثمار آمن عديم المخاطر وفيه ضمان للمستقبل" وهو غير مرتبط بأزمة رهون وقروض كما هو الحال في الولايات المتّحدة، إضافة إلى وجود طلب حقيقي على منتجات القطاع العقاري بمختلف أشكالها في دول الخليج، فإن الواقع أثبت فيما بعد أنّ كل هذه المواقف لا أساس لها من الصحّة ولا تعكس واقع القطاع الذي كان يمر في حالة تضخّم شديدة منذ فترة ليست بقصيرة، حيث قدّرت المشاريع العمرانية بأكثر من 2.4 تريليون دولار مرتبطة بـ 3519 مشروعا مدعومة بفوائض السيولة التي ولدتها ارتفاعات أسعار النفط، الأمر الذي أدى إلى زيادات مبالغ فيها في أسعار العقارات.

وشجعت معالم الطفرة الكثيرين على دخول السوق والاستثمار فيها فتحوّل القطاع برمّته إلى فقّاعة كبيرة قبل أن يقع المستثمرون أنفسهم فجأة في الفخ المزدوج لتراجع الأسعار وانعدام السوق الثانوية التي تسمح بتصفية الوحدات التي تم شراؤها سابقاً.

وأدّت الأزمة المالية العالمية إلى الإضرار بالقطاع العقاري في الخليج بشكل كبير جدا، وطالت الانعكاسات السلبية على هذا القطاع إلى إفراز الحقائق التالية:

  1. خسائر شركات وتسريح عمالة: فقد كانت الشركات العقارية السبّاقة إلى تسريح أعداد كبيرة من الموظّفين وإجراء تقليص كبير في النفقات وشد الأحزمة بسبب الخسائر المالية الضخمة التي تكبّدتها، واحتلّت الشركات العقاريّة الإماراتية سلّم قائمة الخاسرين. وتشير التقديرات المتاحة إلى أنّ الشركات الخليجية استغنت منذ سبتمبر/ أيلول 2008 وحتى فبراير/شباط من العام 2009 عن أكثر من 45 ألف موظف، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 120 ألفا نهاية السنة.
  2. إلغاء وتأجيل مشاريع: وتقدّر قيمة المشاريع الملغاة في المنطقة نتيجة لانعكاسات الأزمة المالية العالمية وفقا لـ (GIH) بأكثر من 150 مليار دولار، معظمها لشركات كبيرة، منها مائة مليار دولار في دبي وحدها. لكن هذا الرقم يرتفع إلى نحو 620 مليار دولار عند احتساب قيمة المشاريع المؤجلة، علما بأن الإمارات تستحوذ على الحصة الأكبر بواقع 582 مليارا، في حين تقل الأرقام بكثير في بقية دول الخليج، التي لم تكن بمستوى شفافية الإمارات في إعلان الأرقام.
  3. انسحاب المستثمرين الأجانب: وتشير البيانات إلى أنّ أقل من خُمس المشتريات العقارية في دبي منذ مطلع عام 2008 كانت لمستثمرين أوروبيين وأميركيين. لكنّ الأزمة دفعت المستثمرين الأجانب إلى مغادرة السوق وتركيز جهودهم على مناطق أخرى يرونها أرخص وأكثر تنافسية مع ترك هذا المجال للمستثمرين المحليّين على الأقل إلى حين تحسن أوضاع الائتمان العالمية أو إلى حين عودة الأسواق إلى منطقية التنبؤ.

رابعا: القطاع النفطي

انخفاض سعر برميل النفط سيدفع دول الخليج إلى ترشيد حجم مصروفاتها وهو ما ينعكس سلبا على معدّل النمو الاقتصادي نتيجة لانكماش القطاعات الاقتصادية، وتراجع الإنفاق

بعد أن كانت أسعار النفط وصلت إلى مستوى قياسي تاريخي في 11 يوليو/ تموز 2008 حيث وصلت وقتها عتبة الـ 147.3 دولار للبرميل الواحد. وسط جدل حول العوامل التي تدفع الأسعار إلى الصعود باستمرار مع توقعات بأن يسجل سعر برميل النفط المائتي دولار بحلول نهاية العام، انحدرت الأسعار بشكل سريع ومفاجئ إلى ما دون الـ 34 دولارا مع نهاية العام 2008 (فيما يدور السعر حاليا حول الـ70 دولار).

وكان لهذا الانخفاض انعكاسات كبيرة على دول مجلس التعاون الخليجي ستظهر بشكل جلي مع انقضاء العام 2009، من أبرزها:

  1. عجز في الموازنات: إذ من شان الأسعار المتدنّية للنفط أن تضع ضغوطات كبيرة على ميزانيات الدول خاصة إذا هبطت تحت معدّل السقف الموضوع لها والمقدّر بحوالي 55 دولار للبرميل الواحد. والمشكلة الأساسية هنا تكمن في كيفية المحافظة على معدلات الإنفاق في ظل الضغوط التي ستفرضها أسعار النفط على الموازنات التي ستتحولّ حتما إلى عجز في الوضع الذي نراه اليوم.

    ومن المتوقع أن يتحوّل الفائض المعلن في الموازنات الخليجية لعام 2008 والبالغ 32 مليار دولار (علما أن تضاعف أسعار النفط ووصول سعر البرميل إلى 147 دولارا منتصف العام 2008 رفع حجم فائض الموازنات الخليجية الفعلي إلى 189 مليار دولار نهاية العام 2008 وذلك على الرغم من ارتفاع الإنفاق في جميع دول المجلس) إلى عجز يقدر بنحو 24.05 مليار دولار في موازنات 2009، وبالتأكيد فإن حجم العجز المعلن قابل للانخفاض أو الارتفاع وفقا للتغيرات التي ستشمل أسعار النفط في العام الجاري.

  2. تراجع في النمو: ولا شك أنّ انخفاض سعر برميل النفط سيدفع دول الخليج إلى ترشيد حجم مصروفاتها وهو ما ينعكس سلبا على معدّل النمو الاقتصادي نتيجة لانكماش القطاعات الاقتصادية، وتراجع الإنفاق، علما أنّ معظم التقديرات تشير الآن إلى أنّ معدلات نسب النمو ستنخفض إلى النصف في دول الخليج طالما بقي النفط في ذلك المستوى، وقد تتغيّر هذه الأرقام اعتمادا على طول فترة الكساد العالمي وأسعار النفط خلال مدّة قصيرة.
  3. تأثر جهود التنويع الاقتصادي: وعلى الرغم من أنّ كثيرين يعوّلون على جهود التنويع في هذه الفترة كمصدر لتغذية ميزانية الحكومة بعيدا عن النفط، إلاّ أنّ وقائع كثيرة تشير إلى ارتباط جهود التنويع عادة بالأسعار المرتفعة للنفط إضافة إلى النمو الاقتصادي.
  4. تدني حصص الاستثمار في القطاع النفطي وفقا للشركة العربية للاستثمارات البترولية (APICORP)، تحتاج حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى استثمارات تقدّر بقيمة 243 مليار دولار أمريكي لتنفيذ مشاريعها التنموية والتوسعيّة في سلسلة إمدادات النفط والغاز كما تحتاج منها إلى 153 مليار دولار لتنفيذ المشاريع التكميلية. لكنّ الأزمة المالية العالمية ستضطر أصحاب هذه المشاريع من بينهم دول الخليج إلى إعادة النظر فيها وتأخير تنفيذ بعضها والانسحاب من بعضها الآخر خاصة في المشاريع التكميلية.

ضبط التوقعات المستقبلية لأداء القطاعات الخليجية

أولا: الأسواق المالية
بالنسبة إلى توقعات الأداء المستقبلي للأسواق الخليجية لا سيما النصف الثاني من 2009 والعام 2010، هناك خمسة مؤشرات رئيسية يمكن البناء عليها نظرا للارتباط الموجود بينها وبين منحى المؤشرات الكليّة للأسواق المالية بدرجة أو أخرى، ومنها:

  • من المتوقع أن يبقى التذبذب في الأداء السمة الأبرز في مؤشرات الأسواق الخليجية إلى أن يتم استعادة ثقة المستثمرين في الأسواق والتي من الصعب استرجاعها ما لم تكن هناك مؤشرات ايجابية عملية تدعم هذا الاتجاه.

    أسعار النفط: وهي تلعب دورا مهما في التأثير على أسعار الأسهم في البورصات الخليجية، وهي لا تؤثر في أرباح الشركات المتداولة المرتبطة مباشرة بالنفط فقط، وإنما أيضا بالشركات الأخرى عبر عامل الإنفاق الحكومي وفي قطاعات مهمة مثل العقار. فزيادة الأسعار من شأنها أن تعطي دفعا إيجابيا للتداولات في أسواق الخليج، في حين أنّ الانخفاض يصعّب المهمة ويقضي على أجواء التفاؤل الحذر.

  • أسعار الفائدة ونسب التضخم: من شأن الانخفاض في أسعار التضخم (وهو الأمر الذي حصل في الخليج مؤخرا تماشيا مع تداعيات الأزمة المالية العالمية) إضافة إلى انخفاض أسعار الفائدة أن تدفع باتجاه انتعاش أسواق الخليج، خاصة إذا ما تفاعلت مع عوامل ايجابية أخرى.
  • الوضع الاقتصادي الكليّ: فالأسواق عادة ما تكون مرآة تعكس أداء الاقتصاد الحقيقي، وعليه فهناك علاقة قوية بين الوضع الاقتصادي الإجمالي وبين أداء السوق، وكلما تحسن وضع الأول انعكس على الثاني بشكل ايجابي.
  • تطورات الاقتصاد العالمي: إذا بقي الركود مسيطرا لفترة طويلة سيؤثر سلبا على أداء الأسواق، أضف إلى ذلك أنّ تطورات الاقتصادي الأمريكي الذي يشكّل حوالي 30% من الاقتصاد العالمي سيكون لها وقعها مجتمعة في التأثير على أداء المستثمرين والأسواق حول العالم وفي المنطقة العربية ودول الخليج.
  • أداء القطاعات: فالأسواق الخليجية تعتمد في الغالب وفي جزء كبير من أدائها على بعض القطاعات الرئيسية مثل القطاع المصرفي والعقاري والاتصالات إضافة إلى قطاع البتروكيماويات.

وتلعب كل هذه العوامل مجتمعة دورا كبيرا في تحديد أداء الأسواق الخليجية في المرحلة المقبلة. وبين التفاؤل والتشاؤم، من المتوقع أن يبقى التذبذب في الأداء السمة الأبرز في مؤشرات الأسواق الخليجية إلى أن يتم استعادة ثقة المستثمرين في الأسواق والتي من الصعب استرجاعها ما لم تكن هناك مؤشرات ايجابية عملية تدعم هذا الاتجاه.

ثانيا: القطاع المصرفي
على الرغم من الخسائر التي تكبدتها والمصاعب التي واجهتها المصارف الخليجية بصورة عامة، مقارنة بوضع مثيلاتها حول العالم، فإنّها ما زالت ضمن "الوضع السليم"، ومن المتوقع أن تسترجع عافيتها كليّا بل ويتحسّن أداؤها اعتمادا على عدد من المؤشرات منها:

  • الملاءة والسيولة: وهي ذات مستوى عال نسبيا قياسا بالحد المطلوب، لكن المعيار هنا يتعلق أساسا بمستوى السيولة الذي ستصله الاقتصادات الخليجية.
  • أسعار النفط والدورة الاقتصادية: إذ أنّ استئناف النشاط الاقتصادي دورته وارتفاع أسعار النفط وعودة الإقراض من شأنها أن تحسن أداء البنوك ودخلها وكذلك ميزانياتها العمومية لتعوّض الانخفاض الذي طرأ عليها.

ثالثا: القطاع العقاري
من المتوقع أن يشهد العام 2009 و2010 تقنينا في الحركة العقارية من خلال التوقف عن التوسع المستمر إبان الحقبة الماضية، وإعادة تقييم الجدوى العقارية خلال العام 2009. ويعزز هذا السيناريو:

  • مستوى الإنفاق: والذي انخفض بنسبة ملحوظة نتيجة انخفاض عوائد النفط الأمر الذي شكل ضغطا على الحكومات الخليجية والصناديق السيادية الممول الأساسي للمشاريع لا سيما البنى التحتيّة، ومن غير المتوقع أن يعود ليرتفع بسرعة مما يزيد فرص تأخر المشروعات.
  • مستوى السيولة: تحسن مستوى السيولة في الأسواق المحلية وعودة البنوك إلى الإقراض لهذا القطاع، إلى جانب رفع البنوك المركزية سقوفها المتعلقة بقروض تمويل المشروعات والشركات من شأنه أن يحسن وضع القطاع، ولكن إلى أن تتحقق هذه العناصر وهو الأمر المرجّح في العام 2010 وما بعده، سيبقى وضع العقار مقنّنا.

رابعا: القطاع النفطي

قياسا بحجم الأزمة الاقتصادية العالمية وما خلّفته من انعكاسات ضخمة، فإن سعر برميل النفط من الناحية العملية لا يعتبر متدنّيا رغم الانخفاض الهائل الذي شهده خلالها

قياسا بحجم الأزمة الاقتصادية العالمية وما خلّفته من انعكاسات ضخمة، فإن سعر برميل النفط من الناحية العملية لا يعتبر متدنّيا رغم الانخفاض الهائل الذي شهده خلالها، لذلك يمكن القول إنّ المستقبل ليس قاتما بالنسبة لدول الخليج التي سيكون عليها الصمود فقط خلال العام 2009، لتكون في وضع جيّد لاستعادة قوتّها التي كانت عليها قبل أن تتعرّض لتداعيات الأزمة المالية العالمية.

ورغم الاختلاف في التقديرات المتوقّعة لأسعار النفط مستقبلا، إلاّ أنّ معظم الخبراء الاقتصاديين يجمعون على أنّ عهد النفط الرخيص قد ولّى وأن الأسعار ستعود إلى الارتفاع من جديد العام 2010، وذلك لأسباب عديدة منها:

  1. تحسّن الوضع الاقتصادي الدولي وانتعاشه وخروجه من دوّامة تداعيات الأزمة المالية العالمية التي أدّت إلى انكماشه لا سيما في أكبر الدول المستهلكة للنفط ومنها أمريكا التي تستهلك لوحدها حوالي 25% من استهلاك العالم من هذه المادة، فضلا عن أوروبا واليابان التين تعتبران ثالث أكبر مستهلك للنفط في العالم.
  2. حتمية ارتفاع الطلب على النفط نتيجة للانتعاش الاقتصادي الدولي.
  3. محدودية الإمدادات نظرا لتأخير الاستثمارات في المجال النفطي والتي كان من المقرر أن يتم استخدامها في العام 2009، لكن تمّ تحويلها إلى قطاعات أخرى للحد من تداعيات الأزمة المالية العالمية.

وعندها سيكون بإمكان دول الخليج العربي استعادة نشاطها الاقتصادي من جديد والتعلّم من المحنة التي مرّت بها وإدارة فوائضها بشكل أسلم وأكثر ايجابية من الشكل الذي تمّ فيه.

الاتجاهات المستقبليّة للوضع الاقتصادي الخليجي 

أولا: على المدى القصير (2009-2011)
من المتوقع أن تشهد الفترة الممتدّة بين نهاية العام 2010 وأوائل العام 2011 بداية الانتعاش القوي لدول الخليج، وذلك اعتمادا على تعافي الاقتصاد العالمي وازدياد الطلب على النفط وانتعاش الأسعار التي تعتبر الركيزة الأساسية لاقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي.

وبذلك تكون دول الخليج قد مرّت من الطفرة النفطية إلى الانكماش ثم إلى الاستقرار وبعدها إلى الصعود، علما أنّه وبانتظار قدوم هذه الفترة، فإن انعكاسات الأزمة المالية ستظهر بشكل واضح في نهاية 2009، ومنها:

  1. حصول تباطؤ من شأنه أن ينعكس على مختلف القطاعات الحيوية ويؤدي إلى انكماش الاقتصادات الخليجية والى انخفاض معدّل النمو إلى النصف تقريبا.
  2. تعرّض الحسابات الجارية الخليجية لضغوط كبيرة تدفعها إلى عجز متوقع العام 2009على نحو ما بيناه أعلاه بصورة مفصلة.
  3. تراجع إيرادات دول الخليج من صادرات النفط والغاز بنسبة 60% خلال عام 2009 وفق تقديرات تقرير الأمانة العامة لاتحاد الغرف الخليجية لتصل إلى مائتي مليار دولار وفق متوسط سعري للنفط يبلغ 40 دولارا مما من شانه أن يؤدي إلى تأجيل العديد من المشاريع الأساسية سواء في صناعة النفط والغاز أو البتروكيماويات أو الألمنيوم والإنشاءات والقطاع العقاري. ولا شك أنّ ذلك سيترافق مع تراجع الطلب على العقار والخدمات، وتراجع أسعار الموجودات الاستثمارية.
  4. تقلّص رؤوس الأموال الخارجية وانخفاض نسبة الاستثمار الأجنبي في دول مجلس التعاون الخليجي على المدى القصير متأثرة بانخفاض حجم الاستثمارات العالمية من جهة، وبتباطؤ النمو في الطلب على النفط وارتفاع التكاليف وانخفاض حصيلة الصادرات بسبب انخفاض أسعار النفط.
  5. ومن المتوقّع أنّ تجبر انعكاسات الأزمة المؤسسات والشركات وحتى الدول على مراجعة سياساتها، ولا سيما فيما يتعلق بالشفافية والإفصاح، وأن يؤدي انكماش السيولة المالية إلى تنافس على اجتذاب رأس المال المتوفر بشكل يفرض على الشركات الخليجية اعتماد سياسات أفضل على صعيد الإفصاح والشفافية وذلك للتأقلم مع الواقع الجديد. كما ستكون الدولة بحاجة إلى اعتماد سياسة اقتصادية أكثر شفافية وأن تلتزم بالإعلان عن الأرقام والبيانات الاقتصادية الهامة والضرورية والأساسية في وقتها إذا ما أرادت تشجيع المستثمرين ومنحهم الثقة اللازمة باقتصاد هذه الدول لجذب استثماراتهم وأموالهم.

ثانيا: على المدى الطويل (2020)

تشير تقديرات تقرير (EIU) عن مستقبل الاقتصاد الخليجي إلى إمكانية أن يبلغ حجم اقتصادات دول الخليج مجتمعة في العام 2020 حوالي تريليوني دولار

تشير تقديرات تقرير (EIU) عن مستقبل الاقتصاد الخليجي إلى إمكانية أن يبلغ حجم اقتصادات دول الخليج مجتمعة في العام 2020 حوالي تريليوني دولار، مدفوعة بنمو مطّرد وبمعدّل سنوي يبلغ 4.5% بالمقارنة مع معدّل عالمي يبلغ حوالي 3.3%، وذلك نتيجة لعدد من العوامل، أهمها على الإطلاق:

  • نمو حجم صادرات دول مجلس التعاون من النفط والغاز، بما يوفّره من نحو ربع احتياجات العالم من النفط.
  • الزيادة الملحوظة في إنتاج البتروكيماويات والمعادن واللدائن وحدوث زيادة في القدرة الإنتاجية من هذه الصادرات مترافقة مع ارتفاع أسعار النفط والغاز.
  • تحويل المزيد من النفط إلى منتجات مكررة، أو مواد بتروكيميائية، واستخدام موارد النفط والغاز كمواد أولية للصناعات التي تكون ذات قيمة مضافة كبيرة، وتوفر مزيدا من فرص العمل.

وستتميز هذه الفترة بـ4 خصائص هي:

  1. تحول دول الخليج إلى كتلة اقتصادية مهمة على الخارطة الاقتصادية العالمية في ظل التحوّلات القائمة والانتقال التدريجي الحاصل في القوّة الاقتصادية باتجاه الجنوب والشرق. ولا شك أنّ النفط والمشتقات النفطية ستكون الدافع والمحرّك الأساسي لموقع الاقتصاد الخليجي، حيث من المتوقع أن يتجه الاستثمار الخليجي للفوائض في هذه المرحلة إلى زيادة نسبة التنويع واتجاهاتها لا سيما في الأسواق الناشئة وباتجاه شرق آسيا وأفريقيا على وجه الخصوص.
  2. قد يتم التخلي عن ربط العملة بالدولار لصالح سلّة من العملات خاصة وأنّ الاتحاد النقدي سيكون قد تحقق في تلك الفترة.
  3. التركيز على عمليات التصنيع من أجل الاستفادة من القيمة المضافة المحققة عبر معالجة النفط الخام الذي سيتم خفض تصديره بشكله هذا وتحويله إلى منتجات مكررة أو بترو كيماويات واستخدام النفط والغاز كخطوط تغذية لصناعاتها، مضيفة بذلك قيمة أكبر لصناعاتها وتوفير فرص أكبر للعمل.
  4. ارتفاع حجم الإنفاق على الواردات بشكل كبير ولا سيما الواردات الغذائية بنسبة تفوق الضعف، لتصل إلى 49 مليار دولار بحلول عام 2020 مقارنة بـ 24 مليارا في عام 2008، وهو ما سيعزز من بحث دول مجلس التعاون الخليجي عن فرص متنوعة لشراء الأراضي الزراعية في مناطق تشمل إفريقيا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا لحماية أمنها الغذائي.

كما من المتوقع بحلول العام 2020، أن تشهد دول مجلس التعاون الخليجي تقارباً في التكامل الاقتصادي والسياسي. فوفقاً لأحد السيناريوهات المهمة التي طرحتها (EIU)، ستستمر دول الخليج في سعيها بجهود تدريجية لتحقيق تكامل اقتصادي يظهر جلياً في عملة موحّدة وبنك مركزي واحد، إلى جانب تناغم أكبر فيما يتعلّق بالبيئات القضائية والتشريعية.

وتبقى الإرادة السياسية هي المفتاح، فالتكامل الاقتصادي يعتمد على حسن العلاقات السياسية التي تسبق تحقيق التكامل السياسي.

النمو الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي على المدى الطويل (توقّعات وسيناريوهات أساسية)

-

2005

2010

2015

2020

الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (مليون $)

615431

788406

991985

1237651

نسبة النمو السنوي عن فترة خمس سنوات (%)

-

5.4

5.9

4.5

حصّة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي $

17542

18643

20260

22543

نسبة النمو السنوي عن فترة خمس سنوات (%) 

-

1.3

1.7

2.1

المصدر: Economist Intelligence, EIU, March 2009

الحساب الجاري الكلّي لدول مجلس التعاون الخليجي (مليار دولار أمريكي)

- 2007 2008 2009 2010 2015 2020
الميزان التجاري

294.5

365.8

4.9

86.6

98.8

105.9

% من الناتج المحلي الإجمالي

36

35.9

0.6

9.3

7.1

5.3

الصادرات

559.3

698.2

332.1

438.5

621.4

860.6

النفط والغاز

410.9

539.8

183.3

283.7

391.3

522.5

% من النفط

73.5

87.7

55.2

64.7

63

60.7

غير النفطي

148.3

148.4

148.8

154.8

230.1

338.1

الواردات

-264.8

-332.4

-327.2

-351.9

-522.6

-754.7

خدمات

79.5

-104.8

-104.7

-110.3

-172.9

-248.1

دخل

18.8

9.1

13.3

17.2

60.3

138.3

التحويلات الجارية

-40

-42.4

-41.1

-44.5

-62.7

-91

ميزان الحساب الجاري

193.7

227.7

-127.5

6

14.4

33.3

% من الناتج المحلي الإجمالي

23.7

22.3

-16.4

0.6

1

1.7

المصدر: Economist Intelligence Unit, EIU, March 2009
_______________
باحث في العلاقات الدولية

هامش
* الأسواق السبع = تحسب الإمارات سوقين (أبوظبي و دبي).