العلاقات السودانية-الأمريكية في ظل سياسة إدارة أوباما

شهدت العلاقات الأميركية السودانية توترا ملحوظا منذ أواخر عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري وازدادت حدة منذ بداية تسعينات القرن الماضي بعد استيلاء النظام الحالي على السلطة في انقلاب عسكري في يونيو/حزيران 1989 حتى الآن.







 

الطيب زين العابدين


ملخص


شهدت العلاقات الأميركية السودانية توترا ملحوظا منذ أواخر عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري وازدادت حدة منذ بداية تسعينات القرن الماضي بعد استيلاء النظام الحالي على السلطة في انقلاب عسكري في يونيو/حزيران 1989.


وتستصحب السياسة الأمريكية الجديدة معها بعض الدروس المستفادة من الجهود السابقة للولايات المتحدة في التعامل مع السودان خصوصا فيما يتعلق بالشمول في التعامل مع كافة جوانب القضية السودانية وبالتشاور مع كل اللاعبين الإقليميين والدوليين، كما أن التفاف كافة الأجهزة الدستورية في الولايات المتحدة حول السياسة الجديدة من شأنه أن يقلل من أثر جماعات الضغط المختلفة التي لها أجندتها الخاصة تجاه السودان.


من الواضح أن السياسة الأمريكية الجديدة لها أهداف منضبطة ومعايير محددة لقياس ما يحدث من تقدم في تنفيذها على الأرض، وأنها أعطت الأولوية في هذه الأهداف لدارفور في حين كانت أمريكا في الماضي تركز أولويتها على معالجة مشكلة الجنوب على حساب كل المشكلات الأخرى في السودان. كما انتقلت الحكومة الأمريكية – وفقا لهذه السياسة – من خانة الضغوط المستديمة على حكومة السودان لتنفيذ ما تطلبه منها إلى خانة استعمال سياسة "العصا والجزرة " في آنٍ واحد وذلك عبر آلية تقديم حوافز لما يحرز من تقدم في تحقيق السلام والأمن والعدالة أو فرض عقوبات في حالة التراجع عن تلك الأهداف.





انتقلت الحكومة الأمريكية من خانة الضغوط المستديمة على حكومة السودان لتنفيذ ما تطلبه منها إلى خانة استعمال سياسة "العصا والجزرة " في آنٍ واحد.
دخلت حكومة الجنوب لأول مرة في باب المسؤولية والمساءلة عن الواجبات الملقاة على عاتقها حسب شروط اتفاقية السلام ونهج الحكم "الرشيد" الذي ينبغي أن يؤخذ به في إدارة الجنوب. كما أصبح ملف السودان قريباً من الرئيس الأمريكي لأن مبعوثه الخاص صار بمثابة المايسترو الذي يشاور وينسق ويشكل المواقف الأمريكية تجاه قضايا السودان.

إن نجاح السياسة الأمريكية الجديدة في معالجة مشكلتي إحلال السلام في دارفور وتنفيذ اتفاقية السلام الشامل بصورة مرضية، سيؤدي إلى زوال العقبة الرئيسة التي تحول دون تحسين العلاقات بين السودان (الشمالي) وأميركا إلى حد كبير. وسينفتح الباب لبدء علاقات طبيعية بين البلدين تتسم بالتعاون والاحترام وخدمة المصالح المشتركة.


أما إذا جاء الانفصال –وهو المرجح بعد الاستفتاء- متوتراً وظلت بعض المشكلات عالقة بين الدولتين المنفصلتين فإن مجالات الاحتكاك بل النزاع ستزداد على الحدود وخاصة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وفي ظل هذا السيناريو سيزداد الوضع سوءاً داخل السودان وفي العلاقة بين السودان الشمالي والولايات المتحدة التي من المتوقع أن تنحاز إلى حليفها في الجنوب وعندها قد يتحقق السيناريو الذي تخشاه أمريكا وهو أن يصبح الصراع في المنطقة أكثر عنفاً ويؤدي إلى فشل الدولة في شطري البلاد.


*     *     *


النص


خلفية تاريخية
الإستراتيجية الأمريكية الجديدة
الجديد في السياسة الأمريكية
تأثير الإستراتيجية على القضايا المحورية
مستقبل العلاقة بين السودان وأمريكا


خلفية تاريخية


لم تحظ حكومة الإنقاذ (المؤتمر الوطني) منذ استيلائها على السلطة بانقلاب عسكري في يونيو/ حزيران 1989م بشهر عسل مع حكومات الولايات المتحدة المتعاقبة، بل ورثت جفوة ومقاطعة بدأت منذ أواخر عهد الرئيس نميري حتى حكومة الصادق المهدي الديمقراطية (1986-89). فحكومة المهدي لم تحقق ما توقعته منها الإدارة الأمريكية بإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية التي سنها نميري في 1983م ولم تصل إلى اتفاق سلام مع حركة التمرد الجنوبية بقيادة جون قرنق الذي كان مقرباً من جماعات الضغط الإنجيلية واليهودية ومنظمات حقوق الإنسان التي احتضنته بعد أن تراجع عن فلسفته الماركسية اللينينية في أعقاب سقوط ديكتاتور أثيوبيا مانجستو هايلي مريام. استمرت الجفوة والمقاطعة طيلة عهد الرئيس بوش الأب (1988-91) وبلغت أوجها في عهد الرئيس بيل كلنتون (1992-2000) الذي سعى لتغيير النظام عن طريق المعارضة السودانية مدعومة من دول الجوار في يوغندا وإريتريا، وقاد مقاطعة دبلوماسية للسودان من خلال قرارات مجلس الأمن لاتهامه بالضلوع في محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أثيوبيا عام 1995، وقصف مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بحري بالصواريخ بدعوى خاطئة أنه مصنع للأسلحة الكيماوية يتبع للسعودي المطارد أسامة بن لادن، وأدرج اسم السودان ضمن قائمة الدول المتهمة بدعم الإرهاب في العالم.


وجاء جورج بوش الابن (2001-2008) ليواصل الجفوة والمقاطعة الاقتصادية ولكن مع قدر من التعاطي مع نظام الخرطوم بقصد حل مشكلة الجنوب تحت معادلة (نظامان في دولة واحدة)، وقطع وعوداً خلّبا للحكومة بتطبيع العلاقات معها ورفع اسمها من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، إن هي وقعت اتفاق سلام مع الحركة الشعبية التي تقود التمرد في الجنوب. واستطاع جورج بوش أن يتابع عن قرب بواسطة مبعوثيه الخاصين مسيرة التفاوض بين حكومة السودان وحركة التمرد الجنوبية (2002-2004) التي انتهت بنجاح إلى عقد اتفاقية السلام الشامل في يناير 2005، ولكن العلاقة لم تتحسن بين البلدين لأن أزمة دارفور اندلعت في فبراير 2003 بين المركز وفصائل التمرد في الإقليم، وتناقلتها وسائل الإعلام العالمية بكثافة ممنهجة مما أساء كثيراً إلى سمعة حكومة الرئيس البشير الذي اتبع سياسة القمع العسكري ضد التمرد في دارفور، وتسبب في إحداث مأساة إنسانية واسعة النطاق تضرر منها قتلاً ولجوءاً ونزوحاً مئات الآلاف من أهل ذلك الإقليم المنكود.


وتبنت جماعات الضغط ومنظمات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة حملة إعلامية شعواء ضد حكومة المؤتمر الوطني حتى بعد أن شاركت الحركة الشعبية في تلك الحكومة واستقلت بحكم جنوب السودان تنفيذاً لاتفاقية السلام الشامل. وأتت تلك الحملة أكلها أثناء مرحلة الترشيحات للانتخابات الرئاسية الأمريكية الماضية، فقد تبارى المرشحون الأساسيون بالمزايدة في تهديد حكومة السودان ووصل الأمر درجة الوعيد بالتدخل العسكري في السودان إن لم توقف الحكومة العنف وانتهاكات حقوق الإنسان في دارفور؛ وكان أوباما من بين هؤلاء، إذ توعد بتوقيع عقوبات أشد على السودان وبجعل إقليم دارفور منطقة حظر جوي لمنع الطيران الحكومي من قصف القرى في الإقليم، إن لم يستجب للشروط الأمريكية. وعند محاولة تقييم إستراتيجية أوباما الجديدة تجاه السودان التي أعلنت أخيرا من منبر وزارة الخارجية الأمريكية يوم الاثنين (19/10)، ينبغي النظر إليها في ضوء تلك التطورات منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي والتي كان الديمقراطيون فيها هم الأشد قسوة على السودان. وهذا ما يجعل سياسة أوباما فرصة أفضل لتحسين العلاقات بين السودان وأمريكا.


ورغم أن السودان لا يشكل أولوية في سلم العلاقات الخارجية الأمريكية إلا أن مناقشات وتطوير السياسة المتعلقة به أخذت من الإدارة الجديدة حوالي الثمانية أشهر بسبب تلك الخلفية التاريخية، وأكثر منها بسبب المواقف المتباينة لقيادات الدبلوماسية الأمريكية في وزارة الخارجية ومندوبة أمريكا في مجلس الأمن (سوزان رايس) والمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي في السودان (اسكوت غريشون) ومجلس الأمن القومي. فقد أخذت المكاتبات حول السودان بين الجنرال غريشون وسوزان رايس، التي تقف في الطرف المتطرف ضد السودان منذ أن كانت مساعدة لوزيرة الخارجية السابقة (مادلين أولبرايت) للشؤون الإفريقية في عهد الرئيس بيل كلنتون، وقتاً طويلاً قبل أن تحسم في الأيام الفائتة بعد مفاوضات مكثفة بين كافة الأطراف المعنية بإعلان الإستراتيجية الجديدة. ولقد وصفت رايس الإستراتيجية بأنها ذكية وصارمة ومتوازنة. ولعل ذلك يوضح كثيراً من أوجه السياسة الجديدة التي تبدو وكأنها متناقضة في بعض تفاصيلها بالتعامل مع حكومة السودان.


الإستراتيجية الأمريكية الجديدة 





إن نجاح السياسة الأمريكية الجديدة في معالجة مشكلتي إحلال السلام في دارفور وتنفيذ اتفاقية السلام الشامل بصورة مرضية، سيؤدي إلى زوال العقبة الرئيسة التي تحول دون تحسين العلاقات بين السودان (الشمالي) وأميركا إلى حد كبير.
بدأت الإستراتيجية الأمريكية "الجديدة" بتوصيف الوضع في السودان أنه حرج وعلى مفترق طرق، فإما أن يؤدي إلى تحسن في حياة الشعب السوداني أو أن يتحول إلى صراع أكثر عنفاً وإلى فشل الدولة؛ وأضافت أن هذا هو الوقت المناسب للولايات المتحدة أن تتدخل من أجل حماية المدنيين والتوصل إلى سلام شامل لكافة النزاعات.

والعواقب واضحة إذا حدث انفجار في السودان فإنه سيقود إلى عدم استقرار في كل المنطقة ويجعل البلد ملاذاً آمناً للإرهابيين الدوليين مما يهدد المصالح الأمريكية، كما أن أمريكا عليها التزام تجاه الشعب السوداني بصفتها شاهدة على اتفاقية السلام الشامل ولدورها في قيادة الجهود الدولية لإقرار السلام في دارفور. لذا ينبغي أن تتبع الحكومة الأمريكية نهجاً أكثر فعالية ومتعدد الأطراف لتحويل القلق الدولي تجاه دارفور إلى التزامات جادة من أجل تعزيز الأمن والعدالة والتنمية.


حددت الإستراتيجية الأهداف التالية للتعاطي مع السودان:



  1. وضع حدٍ نهائي للصراع والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان و"الإبادة الجماعية" في دارفور.
  2. تنفيذ اتفاقية السلام الشامل بين الشمال والجنوب، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الاستفتاء على تقرير المصير في 2011م، سواء ظل السودان دولة موحدة أو أصبح دولتين منفصلتين ينبغي عليهما التعايش في سلام.
  3. التأكد من أن لا يتحول السودان ملاذاً آمناً للإرهابيين الدوليين.

ومن أجل تحقيق الهدف الأول ستسعى الولايات المتحدة لتعزيز حماية المدنيين في دارفور، ورفع قدرات قوات حفظ السلام المشتركة بتوفير التمويل والمعدات والدعم اللوجستي، وتشجيع الأطراف المعنية للتوصل إلى حلٍ تفاوضي يؤدي إلى معالجة أسباب النزاع. وتدعم محاكمة المسؤولين عن أعمال الإبادة وجرائم الحرب كما تسعى إلى تحسين الأوضاع الإنسانية في الإقليم.


وبالنسبة للهدف الثاني ستحاول الولايات المتحدة تنفيذ ما تبقى من بنود اتفاقية السلام الشامل، وتقديم المساعدة اللازمة من أجل إقامة الانتخابات والاستفتاء، وتشجيع الأطراف لخلق بيئة ملائمة لإجراء الانتخابات والاستفتاء، وتدعم الجهود الرامية إلى دفع عملية ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب. وستحاول أمريكا تعزيز المشاركة الدولية في تنفيذ اتفاق السلام بصفتها ضامنة له، وتعمل على نزع فتيل التوتر في المناطق الثلاث، وتعزز دور مفوضية التقدير والتقييم المكلفة بمراقبة تنفيذ اتفاقية السلام الشامل. كما ستعمل الولايات المتحدة مع شركاء دوليين آخرين لدعم طرفي السلام في وضع ما بعد الاستفتاء في شأن تقاسم الثروة ومعالجة القضايا السياسية والاقتصادية، وتعمل لتحسين الأمن لسكان جنوب السودان.


وبخصوص الهدف الثالث تريد الولايات المتحدة أن تمنع "الإرهابيين" من إيجاد موطئ قدم لهم في السودان، وستحاول مع المجتمع الدولي الحد من قدرة المنظمات الإرهابية ومنع الجهات الفاعلة غير الحكومية المعادية للمصالح الأمريكية من التواجد الآمن في السودان.


ولكن هل تقتصر الأهداف الأمريكية على هذه الموضوعات المعلنة أم أن هناك أهدافاً أخرى لم ترد الإفصاح عنها؟ فمصالح أمريكا تتجاوز دعم السلام والاستقرار في هذا للبلد، أو إيواء الإرهابيين. ألا تريد أمريكا زحزحة السودان من معسكر الممانعة الذي يضم سوريا وإيران وحزب الله وحركة حماس حتى يكون أقرب لمعسكر التطبيع الذي يدعم سياسة أمريكا في المنطقة؟ ألا تريد أمريكا إضعاف هيمنة الصين على صناعة النفط في إفريقيا ومن بينها السودان؟ ألا تريد أمريكا إعطاء دور مقدر للشركات الأمريكية في النشاط الاقتصادي بالسودان؟


أرجح أن تكون هناك بعض الأهداف غير المعلنة ولكنها ستبرز في الحوارات والاتفاقات التي تعقد بين الجانب الأمريكي والحكومة والحركة الشعبية، وأن تلك الأهداف الجانبية ستؤثر إلى حدٍ ما على القرار الأمريكي النهائي في التعامل مع أطراف النزاع السودانية.
وتستصحب السياسة الجديدة بعض الدروس المستفادة من الجهود السابقة للولايات المتحدة مع السودان وهي: أن لا يتم التركيز حصراً على دارفور أو اتفاقية السلام الشامل بل تلتزم المعالجة المتزامنة لكليهما بالإضافة لمنع نشوب صراعات أخرى في بقية أنحاء البلاد؛ وأن تتعامل أمريكا مع الحلفاء ومع أولئك الذين لا تتفق معهم وأن يشمل التعامل الدبلوماسي العريض اللاعبين الإقليميين والدوليين؛ وأن تجري حواراً صريحاً مع الحكومة السودانية حول ما يجب إنجازه وكيف يمكن تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين إذا وجدت الظروف الملائمة، وكيف تصبح الحكومة أكثر عزلة إذا ظلت الظروف كما هي أو ازدادت سوءًا.


وتقول الإستراتيجية بإجراء تقييم مشترك كل ثلاثة أشهر بواسطة لجان عليا لتحديد مؤشرات التقدم الذي يحدث ويحمل دعماً للتغيير الإيجابي ويمنع التراجع، وسيولد التقدم خطوات تقوي أيدي الذين يحدثون التغيير كما أن الفشل سيحمل ضغوطاً متزايدة على الفاعلين.


وفي إشارة نادرة ذكرت الخطة بدفع حكومة الجنوب لتحمل مسئولياتها وفقاً لشروط اتفاق السلام الشامل، والتخفيف من حدة الصراعات بالإقليم، وبناء القدرات والمساءلة في إدارة الإقليم. وكلفت الإستراتيجية المبعوث الخاص اسكوت غريشون بقيادة وتجميع الجهود الأمريكية لتطبيق السياسة الجديدة من أجل إحلال السلام والأمن في جميع أنحاء البلاد، وتشجيع الأطراف المسئولة عن تهيئة الظروف التي تقود لتحقيق تحسينات ملموسة ومستدامة في حياة الشعب السوداني.


الجديد في السياسة الأمريكية 





إذا حدث انفجار في السودان فإنه سيقود إلى عدم استقرار في كل المنطقة ويجعل البلد ملاذاً آمناً للإرهابيين الدوليين مما يهدد المصالح الأمريكية.
اتسمت السياسة الجديدة بالشمول في التعامل مع أبعاد القضية السودانية في كافة أنحاء البلاد، وعلى مستوياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، والتعاطي مع كل اللاعبين المحليين داخل الحكومة وخارجها، وبالتشاور والتعاون مع القوى الإقليمية والدولية ذات التأثير في الأوضاع السودانية. وجمعت الإدارة الأمريكية خلف الخطة "الجديدة" كل الأجهزة المختصة في وزارة الخارجية ومجلس الأمن الدولي ومجلس الأمن القومي ورئاسة الجمهورية ممثلة في مبعوث الرئيس الخاص، حتى تتعاون جميعاً في تنسيق تام لتنفيذ وإنجاح الخطة الجديدة. وسيضعف اتفاق الأجهزة الدستورية المعنية بصناعة القرار الأمريكي من أثر جماعات الضغط المختلفة التي لها أجندتها الخاصة فيما يتعلق بالشأن السوداني. ووضعت الإستراتيجية أهدافاً واضحة للسياسة الأمريكية في السودان وقدرت لها معايير محددة لقياس ما يحدث من تقدم في تنفيذها على الأرض وأعطت الأولوية في هذه الأهداف لدارفور في حين كانت أمريكا في الماضي تجعل مبلغ همها معالجة مشكلة الجنوب على حساب كل المشكلات الأخرى.

وانتقلت الحكومة الأمريكية من خانة الضغوط المستديمة على حكومة السودان لتنفيذ ما تطلبه منها، على فرضية أنها لا تستجيب بتحسين سياساتها إلا تحت ضغوط دولية مكثفة، إلى خانة استعمال سياسة "العصا والجزرة " في آنٍ واحد. وذلك بتقديم الحوافز لما يحرز من تقدم في تحقيق السلام والأمن والعدالة أو بفرض العقوبات في حالة التراجع عن تلك الأهداف، وإن أخفت الخطة تفاصيل تلك الحوافز والعقوبات حتى تقوي الأمل حيناً وتعزز الخوف حيناً آخر في نفوس الأطراف السودانية المختلفة! ودخلت حكومة الجنوب لأول مرة في باب المسؤولية والمساءلة عن الواجبات الملقاة على عاتقها حسب شروط اتفاقية السلام ونهج الحكم الرشيد الذي ينبغي أن يؤخذ به في إدارة الجنوب.


وأصبح ملف السودان قريباً من الرئيس الأمريكي لأن مبعوثه الخاص صار بمثابة المايسترو الذي يشاور وينسق ويشكل المواقف الأمريكية تجاه قضايا السودان، كما يتشاور ويتفاوض مع حكومة السودان والقوى السياسية والتقليدية والمنظمات المدنية بالإضافة للاعبين الإقليميين والدوليين، ويقيّم تنفيذ الأطراف المحلية لمسؤولياتها وما تستحقه من حوافز أو زواجر. وقد كان استقبال حكومة السودان مرحباً في حذر بالإستراتيجية الجديدة لأن فيها قدراً من الموضوعية والتكاملية وتحي الأمل في علاقات طبيعية بين البلدين في مستقبل الأيام.


تأثير الإستراتيجية على القضايا المحورية 


اهتمت الإستراتيجية الجديدة بوضع إطار عام للقضايا المحورية التي ينبغي معالجتها في بقية الفترة الانتقالية حتى عام 2011م، وعلى رأسها: دارفور، الجنوب، التحول الديمقراطي، الانتخابات، الاستفتاء.


وضعت دارفور على رأس الأهداف الأمريكية بقصد إنهاء الصراع الدائر فيها ووضع حدٍ لانتهاكات حقوق الإنسان وما يوصف بالإبادة الجماعية، وترغب الحكومة الأمريكية أن تعمل لتحويل القلق الدولي إلى التزامات جادة عبر ائتلاف موسع من أجل تعزيز الأمن والعدالة والتنمية، وتؤكد ضرورة المساءلة عن جرائم الإبادة الجماعية وفظائع الانتهاكات من أجل المصالحة والسلام الدائم. ورغم أن الإدارة الأمريكية لم تشترط مثول البشير أمام محكمة الجنايات الدولية ولا أي محكمة أخرى، إلا أنها أوعزت لمبعوثيها تفادي الاتصال به والتعامل بدلاً عنه مع نائبيه سلفاكير وعلى عثمان بالإضافة إلى غازي صلاح الدين الممسك بملف دارفور والعلاقة مع أمريكا.


وسيكون موضوع المساءلة الجنائية هو أكبر عقبة في التعامل مع الحكومة السودانية لأنها تخشى أن تطال التحقيقات والمحاكمة شخصيات قيادية في السلطة، ولكنها لا تستطيع الرفض الكامل لمبدأ المساءلة خاصة بعد أن أيدها تقرير لجنة حكماء إفريقيا التي ترأسها ثابو أمبيكي الذي اقترح قيام محاكم مختلطة لمرتكبي الجرائم في دارفور تضم قانونيين أجانب حتى تحظى بالمصداقية المطلوبة. وقد أطلقت الإستراتيجية يد الجنرال غريشن في متابعة مفاوضاته مع فصائل المتمردين حتى يلتحقوا بعملية السلام في الدوحة، وفي الضغط عليهم بواسطة فرنسا ودول الجوار من الغرب والشمال. وقد اختارت أمريكا قطر لتكون موقعاً أساسياً للتفاوض مما يقطع الطريق لمفاوضات جانبية في مصر أو ليبيا أو غيرهما، ووعدت بتقديم الدعم للوسيط المشترك للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة (جبريل باسولي)، وتريد أن تلزم الأطراف السودانية بإعلان المبادئ لعام 2005م وبالهدنة التي تم التوصل إليها في 2004م الخاصة بالمجال الإنساني.


وتدعو الإستراتيجية لوقف الأعمال العدائية في دارفور، وأن تتوقف كل من تشاد والسودان عن دعم المعارضة المسلحة ضد البلد الآخر، وتعد بالتعاون مع الآخرين في تحسين وصول المساعدات الإنسانية. وستشكل هذه الوسائل مجتمعة أثراً فاعلاً في معالجة أزمة دارفور. ولكن هل لمشكلة دارفور أن تحل قبل الانتخابات حتى تشترك فيها كل القوى السياسية والفصائل المتمردة، أم أنها ستقوم دون مشاركة كاملة للإقليم الأمر الذي سيفتح باباً جديداً من تدهور الأوضاع وتصعيد المطالب الدارفورية.





ويبدو أن الولايات المتحدة وطنت نفسها على قبول الخيار المرجح وهو انفصال الجنوب لذلك صارت تتكلم عن الوحدة كما تتحدث عن قيام دولتين منفصلتين قابلتين للحياة بعد الاستفتاء.
وبالنسبة لمشكلة الجنوب وعدت الإستراتيجية بتعزيز وتنشيط المنتدى الدولي لمؤيدي اتفاقية السلام الشامل خاصة مجموعة الترويكا (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج) بصفتها ضامنة لتنفيذ الاتفاقية، كما ستعمل لترسيم الحدود بين الشمال والجنوب من خلال توفير الخبرة التقنية وتجهيز الوحدات المشتركة المدمجة، المسؤولة عن توفير الأمن في المناطق المختلفة. وستعمل الولايات المتحدة لنزع فتيل التوتر في المناطق الثلاث (أبيى وجنوب كردفان والنيل الأزرق)، وستعين حكومة الجنوب في مجال نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وزيادة قدرات المنظمات غير الحكومية وتقديم الدعم للإدارات المحلية، وتحسين الأوضاع الأمنية لشعب الجنوب. وتطالب الولايات المتحدة حكومة الجنوب بالقيام بمسئولياتها في اتفاقية السلام، وبالعمل على تخفيف الصراعات وبناء القدرات والشفافية والمساءلة وتقديم الخدمات. ويبدو أن الولايات المتحدة وطنت نفسها على قبول الخيار المرجح وهو انفصال الجنوب لذلك صارت تتكلم عن الوحدة كما تتحدث عن قيام دولتين منفصلتين قابلتين للحياة بعد الاستفتاء.

وتحدثت الخطة عن تعزيز الأمن ونظام العدالة وتحسين الوضع الاقتصادي في الجنوب، وزيادة فرص الحصول على رأس المال للمشاريع الصغيرة ودعم الزراعة ومبادرات التبادل التجاري مع دول الجوار، وتقديم مستشارين تقنيين للوزارات الحيوية بالجنوب مع تشجيع الشفافية في النفقات المالية حتى تكون عاملاً في جذب الاستثمارات. ولكن الإستراتيجية أغفلت الحديث تفصيلاً عن مشكلات ما بعد الاستفتاء إذا اختار الجنوب الانفصال، مثل الحدود واقتسام مياه النيل وتصدير نفط الجنوب والتواجد الجنوبي المكثف في الشمال وديون السودان المستحقة للخارج. وسيكون لمعالجة هذه المشكلات مردود كبير في كيفية التعايش أو عدم التعايش بين الدولتين المنشطرتين. ولا تستطيع الحركة الشعبية معارضة السياسة الأمريكية الجديدة صراحة لأنها تعتمد عليها كثيراً في الدعم المادي والتقني وفي مواجهة حكومة الشمال إذا دعا الحال، ولذا من المتوقع أن تستجيب للمطالب الأمريكية ولو بتلكؤ في تنفيذ مطلوباتها تجاه اتفاقية السلام الشامل وأن تقلل من احتكاكاتها التكتيكية مع المؤتمر الوطني.


وفي إطار تنفيذ اتفاقية السلام الشامل تتحدث الإستراتيجية عن إجراء الانتخابات والاستفتاء في مواعيدهما، الأمر الذي سيحرج الحركة الشعبية التي ظلت تهدد بمقاطعة الانتخابات منذ انعقاد مؤتمر جوبا في نهاية سبتمبر الماضي، وانسحبت من جلسات المجلس الوطني لمدة أسبوع كما رفضت الاتفاق على قانون الاستفتاء الذي تم التراضي عليه بين علي عثمان نائب رئيس الجمهورية ورياك مشار نائب رئيس حكومة الجنوب. وجاء في الإستراتيجية أن أمريكا ستساعد في حل مشكلة التعداد السكاني الذي سيمهد لإقامة الانتخابات، وفي تسجيل الناخبين ومساعدة الأحزاب السياسية وإجراء الاقتراع ميكانيكياً وضمان المراقبة الدولية. وتبنت الإستراتيجية تشجيع الأطراف لسن التشريعات القانونية الضرورية لخلق بيئة أكثر ملاءمة لعملية ذات مصداقية في إجراء الانتخابات والاستفتاء. ولا شك أن المؤتمر الوطني سيرحب بتأييد الولايات المتحدة له في قيام الانتخابات، وإن تمنع في قبول تعديل قوانين الأمن الوطني والصحافة والنقابات حتى يتيح حرية أوسع للقوى السياسية في خوض انتخابات حرة ونزيهة.


مستقبل العلاقة بين السودان وأمريكا 


إذا نجحت الخطة الأمريكية في معالجة مناسبة لمشكلتي إحلال السلام في دارفور وتنفيذ اتفاقية السلام الشامل بصورة مرضية للشمال والجنوب أياً كانت نتيجة الاستفتاء، فإن العقبة الرئيسة التي كانت تحول دون تحسين العلاقات بين السودان (الشمالي) وأمريكا ستزول إلى حد كبير. وسينفتح الباب لبدء علاقات طبيعية بين البلدين تتسم بالتعاون والاحترام وخدمة المصالح المشتركة، وسيخفت صوت جماعات الضغط الأمريكية التي كانت تلعب دوراً كبيراً في التحريض على حكومة السودان وتأزيم العلاقة بينها وبين أمريكا.


أما إذا جاء الانفصال –وهو المرجح بعد الاستفتاء- متوتراً وظلت بعض المشكلات عالقة بين الدولتين المنفصلتين فإن مجالات الاحتكاك بل النزاع ستزداد على الحدود وخاصة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق اللتين قد تجدان دعماً من الحركة الشعبية لمواجهة الشمال، ولن يرضى الشمال بحال من الأحوال أن يفقد هاتين الولايتين للانفصال مع الجنوب أو الاستقلال عن الطرفين.


وفي ظل هذا السيناريو سيزداد الوضع سوءاً داخل السودان وفي العلاقة بين السودان الشمالي والولايات المتحدة التي من المتوقع أن تنحاز إلى حليفها في الجنوب ظالماً كان أو مظلوماً! وعندها قد يتحقق السيناريو الذي تخشاه أمريكا وهو أن يصبح الصراع في المنطقة أكثر عنفاً ويؤدي إلى فشل الدولة في شطري البلاد.
_______________
أستاذ بجامعة الخرطوم