الأقصى والأدنى.. في علاقات روسيا بالشرق الأدنى

تقوم سياسة روسيا على الحفاظ على الوضع القائم في الشرق الأدنى وسواه، وعلى إذكاء التقابل بين الثنائيات لديمومته؛ حيث هناك تقابل بين العرب وإسرائيل، وبين إيران وتركيا، ولكن هذا المنطق تجاوزته التغيرات الأخيرة ويتطلب من روسيا تغييرًا جذريًّا في سياستها.
20111130115839361580_2.jpg

تتجاوز مساحة روسيا 17 مليون كم مربع، وتقع بين غرب وشرق، وغربها واحد لكن شرقها شرقان: أدنى وأقصى، وهذه القسمة في حقيقة الأمر غربية أوروبية تبنتها الإستوريوغرافيا Historiography السوفيتية وأبقت عليها الروسية الحالية دون تغيير.

والغريب أن ما يُسمّى شرقًا أقصى هو في وضع روسيا ليس كذلك تمامًا والحقيقة أن هذا الشرق الأقصى أقرب لروسيا من أي شرق آخر، فلها من هذا الشرق الأقصى جزء كبير يفوق ثلث مساحتها أي ما يزيد عن 6 ملايين كم مربع، ومع ذلك فموسكو تدعو كامل هذه المنطقة شرقًا أقصى وكل ذنبها أنها بعيدة عن المركز موسكو الذي لا يتوانى عن جني ثرواتها العديدة -أكثر من 90% من الألماس وأكثر من 50% من ذهب روسيا.

ومن جهة أخرى لم يتغيّر الوضع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وظلت تسمية الشرق الأدنى هي المتداولة تاركة تسمية الشرق الأوسط، الأحدث والأكثر تداولاً عالميًّا، خارج الخطاب الروسي الدبلوماسي والسياسي. ويحضر الشرق الأدنى لا كتسمية فقط، ولكن كمصلحةٍ وَهمٍّ قريب أيضًا، وما يحدث فيه الآن كفيل بالتأثير في روسيا من حيث لا يريد الكريملين؛ فالغرب الذي حاول الكثير من أجل خلخلة "الاستقرار" أوجدت له موسكو المعادل الكافي والوافي منذ العهد السوفيتي برفع درجة العداء للغرب في السياسة والخطاب، وهو ما كانت موسكو تتمترس خلفه لدرء أي نجاح غربيّ داخلها، حتى المعارضة الروسية الليبرالية تم إلصاق تهمة التآمر مع الغرب ضد روسيا بها فسقطت في ميزان الانتخابات إلى ما دون الـ 1%.

ولكن هذا المخزون البارد لا يعمل مع الشرق الأدنى والدول المؤثرة فيه وهي بدرجة أولى تركيا وإيران والعالم العربي، وقد مسحت المرحلة السوفيتية مشاعر العداء التاريخية بين روسيا وتركيا وإيران بسبب أن هذه الدول وما جاورها لم تكن تمثل قطبًا مستقلاً بقدر ما كانت موزعة على الثنائية القطبية، وعليه فإن ما يأتي منها الآن لا يمكن أن يواجَه من قبل السلطات بسلاح استثارة العداء ببساطة كما هو في حالة الغرب ودوله.

صراع روسيا مع الغرب مستمر على الرغم من تدبيج الشعارات عن الخيار الأوروبي، وحقيقة انشطار الاتحاد الروسي على ذاته بين شرق وغرب يبدو جليًّا في كل شيء، من الفلسفة إلى السياسة حيث النمط الشرقيّ في "الحكم وتناقضاته" والنمط الغربيّ في الاقتصاد، وهو ما يجعل الفساد جسرًا وحيدًا لتحقيق التواصل بين الشطرين المتنافرين.

وصفة الشرقيّ هنا تأخذ مضمونها من الاستبداد الشرقيّ الذي بدأت تتخلى عنه حتى دول الشرق إلا أنه لا يزال يبسط عباءته الأبوية على معظم دول الفضاء السوفيتي السابق، باستثناء دول البلطيق التي لم تكن عنصرًا أصيلاً في البنية السوفيتية.

الشرق الأدنى بالذات، هو المسرح الواقعي لكثير من التغيرات التي تجعل روسيا تتململ من داخلها بحكم تأثيره القويّ على الداخل الروسي، ومن ذلك أهم التطورات الأخيرة: ثبات حزب العدالة والتنمية التركي في الحكم وإشعاعه إقليميًّا، ودخول الملف النووي الإيراني في مرحلة حرجة، إضافة إلى مسيرة الربيع العربي؛ فهذه التطورات التي أفسدت إلى حد ما الوضع الذي كان سائدًا في فترة حكم فلاديمير بوتين الأولى، عليه الآن أن يتصدى لتأثيراتها وإكراهاتها.

بين روسيا وتركيا ما صنع الأجداد

في تاريخ العلاقات الروسية-التركية لا تترك الحرب مجالاً في الريادة لأية علاقة أخرى بين الطرفين. هناك من أحصى منها 13 حربًا وهناك من أحصى أكثر أو دون ذلك، وقد بدأت في أواخر القرن السادس عشر وتوقفت قبيل الحقبة السوفيتية بحرب سمّيت جبهة القوقاز. لم يُلغَ العداء بين الدولتين بل توضَّح خلال الحرب الباردة خاصة بانضمام تركيا إلى حلف الناتو واحتضانها لقاعدة أنجيرليك؛ بحيث أصبحت تركيا حلقة في الصراع بين حلف وارسو وحلف النيتو، لكنها لم تعد فاعلاً مستقلاً.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت تركيا محطة سياحية للروس وبلغ التبادل التجاري بين البلدين أقصى مستوياته، إلا أن التنافس السياسيّ بين أنقرة وموسكو أخذ بالعودة تدريجيًّا على خلفية ما حدث ويحدث خاصة في منطقة القوقاز.

وتزامن وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة في روسيا تقريبًا مع صعود نجم رجب طيب أردوغان وأصبح مبدأ البراغماتية المعلن من الجانبين سيد الموقف في العلاقات بينهما. أما أردوغان وحزبه فقد صانوا المكاسب الديمقراطية وعززوها ورفعوا وتيرة نموّ الاقتصاد التركي إلى أرقام غير مسبوقة في بلادهم. في حين نجد أن حزب روسيا الموحدة قد أنجز العكس من ذلك، مراجعة الهامش الديمقراطي الذي تركه الرئيس بوريس يلتسين باتجاه تقليصه، ولم يُخلَّص الاقتصاد الروسي من دائه العضال المشخَّص منذ عقود بإدمانه على إبرة الخام وتصديره.

يحلو للبعض تسمية أردوغان ورفاقه بالعثمانيين الجدد والحقيقة أن تعاظم الدور التركي في الشرق الأدنى لابد أن يعيد الإستراتيجيين الروس إلى سجلات التطاحن الروسي-العثماني على مدى قرون. روسيا الآن في حاجة إلى وجود كوابح أمام المثال التركي المغري وليس غير إيران في المنطقة، فتركيا -دون إيران قويّة- ستصبح أقوى بكثير وسيزداد تأثيرها، ولن يترك شعاعها زاوية في محيطها بما في ذلك القوقاز الجنوبي وحتى الشمالي. لا نزال نذكر أن أول زعيم وصل إلى موسكو إثر حرب القوقاز بين روسيا وجورجيا سنة 2008 كان بالذات رجب طيب أردوغان، وإن كان القليل قد قيل عن نتائج تلك الزيارة إلا أن المحللين رأوا فيها تذكيرًا بضرورة التنسيق بين الطرفين ورسم الخطوط الحمراء والخضراء في هذه المنطقة.

ونجد أن مثال أردوغان وحزب العدالة والتنمية يُطرح بقوّة في الدول العربية التي عاشت ربيعها مثل تونس؛ حيث أفرزت الانتخابات نتائج جعلت المثل التركي يتردد في الأقطار. ناهيك عن أن تركيا، تاريخيًّا، مرتبطة في المخيال الروسي إلى حد ما بالعالم العربي؛ وذلك نظرًا لوجود العرب في زمن مضى في إطار الخلافة العثمانية، وأي انسجام بين حكام العرب القادمين وأنقرة سيقلق موسكو. ويذكر الروس أن تركيا العثمانية أقحمت في حروبها ضدهم العديد من القوات العربية من الدول التي كانت منضوية تحت لواء الإمبراطورية العثمانية، من شمال إفريقيا إلى آخر المشرق العربي، ويكفي هنا أن نذكر أن الإمعان في دك أسوار العثمانيين أوصل الروس سنة 1772 إلى بسط نفوذهم على بيروت.

يدرك الروس أن انهماك تركيا في الربيع العربي وانسجام مواقفها مع الغرب سيُخرجها أشدّ قوّة وأطول باعًا، وأنها ستضع شروطها على أي تعاون روسي-تركي في مجال الطاقة، وأنها ستكون أكثر حريّة في المفاضلة بين خط نابوكو الذي يمرّ عبر أراضيها ويجانب الأراضي الروسية، وخط السيل الجنوبي الذي تعمل روسيا جاهدة من أجل إنجازه.

وتحتفظ موسكو من جهتها بأوراق رابحة في مجال الطاقة؛ فهي مرتبطة باتفاقيات مع تركمانستان لتصدير غاز هذه الأخيرة، كما أن حالة العداء القائمة بين إيران والغرب تجعل ملء أنبوب نابوكو بالغاز الإيرانيّ شيئًا مستبعدًا في الوقت الحالي، وهذا يُبقي موسكو في وضعية مريحة في سوق الطاقة العالمي. إلا أن هذه الوضعية قابلة للكسر وفي أضعف حلقاتها غازًا ونفطًا أي في تركيا، وتحديدًا في حال تمكنت أنقرة من جذب بعض دول شرق آسيا إلى مشروع نابوكو، حينها ستشعر موسكو بأن سلاحها الإستراتيجيّ أي الغاز والنفط، قد بدأ يفقد فعاليته.

وترسم موسكو، التي تتعامل إلى الآن بمنطق الثنائيات في دبلوماسيتها، مكان أنقرة مقابل مكان طهران، وهذا يريحها إلى حد ما طالما أن الدولتين الإقليميتين ماثلتان بمواجهة بعضهما في الخارطة الجيوإستراتيجية الروسية.

المتفاعل الإيراني ووظيفته

هناك واقعة تاريخية يقل الكلام عنها عند الحديث عن العلاقات الروسية-الإيرانية، وهي كفيلة بتوضيح بعض المجاهيل والمفاجآت في هذه العلاقة التي لا يُفهم علام تقوم إستراتيجيتها الراهنة.

في بداية الحرب العالمية الثانية حصل اتفاق ضمنيّ بين موسكو الستالينية وألمانيا النازية على أن تكون إيران ضمن المجال الحيوي السوفيتي باعتبار أن هتلر غير مهتمّ بإيران، وهو ما جعل جوزيف ستالين يحلم بتحقيق أمنية القياصرة الروس في الوصول إلى الموانئ غير المتجمدة.

ولكن مباغتة هتلر للسوفييت بالهجوم على أراضيهم أعاد خلط الأوراق وجعل ستالين يصوغ تفاهمًا آخر مع تشرشل على احتلال إيران مناصفةً؛ بدعوى أولى، هي وضع حد لمطامح هتلر بالوصول إلى آبار النفط. وبدعوى ثانية، لا تقل أهمية، وهي قطع الطريق على تحالف قد ينشأ بين هتلر والشاه (شكَّل أحمدي نجاد لجنة للنظر في الخسائر المترتبة على هذا الغزو للمطالبة لاحقًا بالتعويض عنها). ولأجل هذا المشروع الاستعماري المهجّن إشتراكيًّا ورأسماليًّا، صاغ الطرفان اتفاقية(*) احتلت بريطانيا  بموجبها غرب إيران فيما ذهب شمالها إلى روسيا، وقد تمّت العملية بسهولة وبنجاح سنة 1941 وحُكِم على الشاه رضا بهلوي الأب بالنفي.

واليوم ليس في مخططات موسكو أن تغزو إيران مناصفة ولا مرابعة، لكنها بالتأكيد ترغب في الإبقاء على الوضع الراهن لأن أي حرب لن تكون في صالحها، باعتبارها ليست مدعوّة للمشاركة فيها. وهي لا ترفع إيران إلى درجة الحليف ولا تنزلها بنفس الوقت منزلة العدوّ، وتُقبل على التعاون معها من جهة، وتُبقي بالمقابل الأمور مرتبطة بحالة الأسواق السياسية الدولية من جهة أخرى؛ فموسكو مثلا لم تحترم آجال بناء محطة بوشهر وأجّلت افتتاحها لسنوات كما لم تحترم صفقات عسكرية عقدتها مع إيران.

ولا تتفق إيران وروسيا على شيء في العقيدة السياسية وليس بينهما تبادل تجاري كبير، لكنهما تلتقيان في وسط الطريق بين الهيمنة الغربية والطموح الإيراني. وتلتقيان في تقاطع الملفات الساخنة حيث تتداخل ملفات مثل الدرع الصاروخية في أوروبا والملف النووي الإيراني، وهنا يتمّ عادة ترحيل التوتر بين هذه الملفات بما يسمح لموسكو بالاستثمار في ضغائن دولية وفق ما يسمح لها بالضغط في مفاصل دولية أخرى.

ولو تصوّرنا للحظة مثلاً أن الملف النووي الإيراني قد وجد حلّه بشكل نهائيّ سواء بالحرب أو بغيرها، وأن أميركا قد أغلقت ملف مطالبها، وإسرائيل ألغت جُلّ تهديداتها، وأوروبا سلّمت بالطريق الإيراني الخاص.... ماذا ستخسر موسكو وماذا ستربح؟

ستخسر موسكو دور الجسر الأخير الذي تحبذ لعبه وستخسر معه الضفتين طهران والغرب، باعتبار أن طهران ستصبح قادرة على التعامل مباشرة مع العواصم الغربية دون المرور بالوسيط الروسيّ، ولن يربح الكريملين شيئًا بل إنه سيصبح في حاجة إلى عمل ألف حساب لمقاومة التأثير الإيراني على جواره الإقليمي وحتى على مواطنيه، هذا في حال ظلت إيران دولة قويّة.

وفي حال تراجعت القوة الإيرانية فإن روسيا ستجد نفسها أمام تعاظم الدور الإقليمي التركي بلا إيران قويّة في المشهد السياسي لتحشر الطرفين ضمن منطق ثنائياتها، فلا دولة مقابل دولة أخرى تضاهيها قوة وتعاديها فعلاً لينشغلا عن موسكو. وعليه، فواهمٌ من يعتقد أن موسكو ترغب صادقة في حلحلة الملف الإيراني مرّة وإلى الأبد، هي في الحقيقة تنام إستراتيجيًا في سرير الحرب الباردة، تلك الحرب التي تحتاج إلى ملفات ساخنة أكثر ممّا تحتاج إلى الحرب.

ويمكن القول بلغة الكيمياء: إن "المتفاعل الإيراني المحِدّ لغيره"، هو الذي إذا استُهلك سيغيّر التكافؤ ويوقف التفاعل الحاليّ في منطقة الشرق الأدنى، وعندها ستجد روسيا نفسها مضطرة للبحث عن معادلات جديدة.

الربيع العربي ونظرية المؤامرة

قال الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف مرة في معرض تعليقه على مواقف بلاده ممّا يجري في البلاد العربية: إن "الوضع حساس للغاية لما يربط هذه المنطقة من وشائج عميقة بروسيا"، والرئيس الروسي هنا يعني ما يقول؛ فالمسألة ليست بالدرجة الأولى مسألة أنظمة تتهاوى بقدر ما هي مسألة رهبة حقيقية من ألا يتوقف هذا الربيع بعيدًا هناك.

الفكر السياسي الروسي مصاب بداء التشخيص وغالبًا ما يستخدم منطقًا طالما سمّوه في موسكو بالمنطق الهيغيليّ نسبة إلى الفيلسوف الألماني، بمعنى أنه يشخِّص السياسة الدولية ويحدد اتجاهات حركتها، ويعمل انطلاقًا من نتائج تشخيصه لها بقطع النظر عن صحتها. أي أنه يكرر تعبيرًا مفاده "أن المهم هو المنظومة، وإذا خرج عنها حدثٌ ما فتَبًّا لهذا الحدث". ولكن ربيع العرب أوقف العمل بهذا المنطق لأن الحدث خرج عن أي منظومة.. وعبَر الحدود.

حاليًا تروّج موسكو داخليًّا لنظرية المؤامرة، وتسخِّر آلتها الإعلامية المدجَّنة للحديث عن تآمر بين الغرب والإسلام السياسيّ، والمواطن الروسي الذي تعوّد منذ سنوات عدم تصديق وسائل إعلامه قد يذهب إلى استنتاجات أخرى، خاصة إذا منحه المستقبل العربي المنظور دلائل على تعزيز المكاسب الديمقراطية للربيع العربي.

يتضح أخيرًا بعد انتخابات المجلس التأسيسي في تونس أن حكام المرحلة المقبلة هم على الأغلب من الاتجاه الإسلامي، فكيف ستتعامل موسكو مع الإسلاميين الذين سيحكمون المنطقة؟ يبدو الغرب أكثر قدرة على الحركية فسرعان ما تأقلم وغيّر مواقفه وأوقف هواجسه ولو إلى حين. إلا أن موسكو لا تتمتع بمثل هذه الحركية وقد وجدت نفسها في كل حلقة من حلقات المسيرة الربيعية الظافرة مضطرة للتوقيع في دفاتر العزاء، وانتظار مناسبة التأبين القادم.

إن الإسلاميين الديمقراطيين بالنسبة لروسيا هم الخطر الحقيقي لأنه سيصعب اتهامهم بالإرهاب، خاصة إذا لم يدرجهم الغرب في قائمته السوداء، وستصعب محاصرة تأثيرهم على الداخل الروسي المسلم -حيث هو أقلية- والمحيط المسلم -وهو الأكثرية. ومن المعلوم أن موسكو سعت منذ وصول بوتين إلى السلطة إلى معالجة "المسألة الإسلامية" بالحسم العسكريّ وإغداق المال، ولاحقًا بتولية أمور المسلمين لأشدهم ولاء للكريملين. ولكن إذا تعلّم مسلمو روسيا من إخوانهم العرب ربط مشروعهم السياسي بالمكتسبات الديمقراطية، فسيكون من الصعب على من يسوسهم الآن أن يفعل ذلك بمثل هذا الاطمئنان، الذي تراقبه موسكو في مركزها المتعالي وتدعمه بالمليارات والفساد مباح.

وتراقب موسكو كيف أن الربيع العربي يكاد يطبق على إسرائيل فكيف تنظر موسكو إلى هذا الأمر.

العلاقة مع إسرائيل

تمت عودة موسكو إلى إسرائيل أيام غورباتشوف واشتدت أيام يلتسين وارتفعت إلى مستوى التعاون الإستراتيجي أيام بوتين، ويوجد في إسرائيل حوالي مليون إسرائيليّ من أصل روسي هم من أشد أعداء الفلسطينيين ولهؤلاء رجع قوي في سياسة موسكو.

حاولت الدبلوماسية الروسية لعب دور عقلاني ما بين العرب وإسرائيل ولكن الأوراق كانت في البيت الأبيض الأميركي، وتحذر موسكو الآن من توتر الأوضاع مستقبلاً بين الطرفين نتيجة للثورات العربية وتدعو إلى تنشيط دور الرباعية الدولية وتفعيلها، لأنها متخوّفة من أن التعنت الإسرائيلي المتمادي وخاصة في إقامة المستوطنات، قد يؤدي في المستقبل إلى فتح جبهات حربية في المنطقة.

وبلغة الديالكتيك الذي ساد في روسيا عقودًا طويلة يمكن القول: إن حالة اللاحرب واللاسلم الماثلة حاليًا، أي" السكون الإسرائيلي" إنما مجرد لحظة في حركة المنطقة ككلّ. وهنا من المهمّ طرح هذا التساؤل: في أي اتجاه ستسير علاقة موسكو مع تل أبيب ومع العرب؟

كان هناك تناغم في العقدين الأخيرين حول مكافحة الإرهاب بين تل أبيب وموسكو، ولعله سيكون مرشحًا للانسجام كلّما تمكن الإسلاميون العرب من تثقيف شوكتهم ديمقراطيًّا على المنوال التركيّ أو ما يقاربه: لأن إسرائيل هي أكثر أعداء الربيع العربي قربًا من دوله جغرافيًّا، وروسيا أكبر منتقديه سياسيًّا. فهل يلتقي الطرفان عند المنعطف العربي؟

تعي روسيا أنها خسرت جُلّ مواقعها في العالم العربي، وتعي أنها ستجد نفسها مرّة أخرى أمام ثنائية متناقضة، ولن ترى لها أحسن من الجسر بينهما مكانًا. وهذا يعني أن موسكو ستراجع علاقاتها بالحكام العرب الجدد وستسعى إلى تناسي الكلام الممجوج عن المؤامرة، وقد تحاول التركيز على تحسين علاقاتها مع دول مثل دول الخليج والأردن وربما السودان، ولكنها في هذه الأخيرة ستواجَه بتنافس كبير من الغرب ومن الصين.

الحرب في السياسة الروسية

الحرب هي الكلمة المفتاح، فكل ما يحاك أوان السلم قد يتغيّر بلحظة أيام الحرب؛ فالتفاهم الألماني-السوفيتي قبيل الحرب العالمية الثانية بخصوص إيران انقلب إلى تفاهم بريطاني-سوفيتي ضد ألمانيا، ويحفظ التاريخ كيف أن الحروب الروسية-التركية (العثمانية) هي التي حددت جوهر العلاقات بين البلدين ولا تزال مملوءة بمحتوى احتياطي كامن من العداء، الذي قد يتفجر بفضل أي صاعق من شمال القوقاز إلى جنوبه.

الأدنى إذًا في علاقة روسيا بالشرق الأدنى هو ما يتم تحقيقه زمن السلم ويقتصر على الاقتصاد وإن كان يدّعي السياسة. أما الأقصى فهو مفهوم يأخذ حجمه الحقيقي في زمن الحروب ولا يخضع لمنطق مسبق، فالحليف قد ينقلب إلى عدوّ والعدوّ إلى صديق حميم.

وأهمّ الدروس في الإحاطة بالروس هو عدم إقحامهم في حرب. هذا ما لم يفهمه سلاطين العثمانيين ونابوليون بونابرت وإدولف هتلر، ولكن أدركه مهندسو الحرب الباردة، وخلاصته أن لا حاجة لإدخال روسيا في حرب كي تسقط، بقدر ما هناك حاجة إلى جعلها دائمًا في استعداد للحرب.

وروسيا في عهد بوتين بالمقابل فهمت اليوم، أنها ليست في حاجة إلى حرب وليست حتى في حاجة إلى الإعداد لهذه الحرب، بقدر ما هي في حاجة إلى الإيهام بأنها تستعد لحرب. وهذا "الإيهام" للاستعمال الداخلي وحسب لأن موسكو لم تعد قادرة على الحرب وأقصى ما تبلغه نيرانها هو حديقتها الخلفية أو الأمامية، أما الخارج فلا بد أن تخدم من أجله الملفات الساخنة خاصة في الشرق الأدنى.

إن روسيا لا تريد إلغاء الملفات الساخنة بحلّها لأن ذلك سيفقدها ورقة اعتراف دولية وأوراق ضغط خارجية وخاصة أوراق تباهٍ داخلية. إذن موسكو لا تريد الحرب ولا تستطيع تحقيق السلام، فماذا تريد؟

الرهان على الوضع الراهن

الحفاظ على وضع العالم الراهن –ستاتيكو- هو ما تريده موسكو لأن أية تغييرات من شأنها أن تعكر الأجواء العالمية بما يزيد عن احتياجات موسكو، وأي حلول نهائية من شأنها أيضًا أن تفقد موسكو ما يكفيها من الأجواء الغائمة لكي تواصل سيرها على الوتيرة التي اختارتها.

اختارت موسكو بعد انزياحها عن القطبيّة أن تلعب دور الجسر الأخير بين الغرب وأعدائه في منطقة الشرق الأدنى، بدأت المسألة بإيران وانقطعت في ليبيا وتريد أن تتواصل في سوريا على الرغم من انسداد الآفاق. هناك اعتقاد راسخ في الكريملن بأن الستاتيكو هو الوضع الأفضل وهذه نتيجة متوارثة من نتائج الحرب العالمية الثانية، فموسكو منذ ذاك تنادي باحترام الخارطة التي خلصت إليها هذه الحرب.

الستاتيكو هو الأفضل لأن روسيا تشعر بأنها في وضع مريح وتستطيع في غفلة من الأوضاع الراهنة أن تعزز مواقعها هنا أو هناك بشكل أو بآخر، والأهمّ من كل ذلك هو تعزيز الوضع الداخلي الروسي في إطار ما يسمّيه بوتين إستقرارًا. وهذه المقولة لا تستطيع أن تتحرك ضمن جهاز مفاهيمي إقليمي ودولي متحرك، ولابد لها من ثبات خارجي. ولكن الأوضاع في العالم تتغيّر، وهي تتغيّر بطريقتين لا تحبذهما موسكو: الحرب والثورة.

هي لا تحبذ الحروب الإقليمية لأنها غير راغبة وغير قادرة على المشاركة فيها وغالبًا ما تنتهي في غير صالحها، وفي أمثلة العراق ويوغسلافيا وأفغانستان أدلة واضحة على ذلك. أما الثورة فإن موسكو لا تحبذها لأنها أيضا تخلط الأوراق من جديد ولغير صالح روسيا –كما هو الشأن مع النموذج الليبي- ولأنها كما سلف ترهب كل حاكم يؤمم السلطة لصالحه ويطيل المقام فيها.

كيف ستتصرف موسكو الآن وقد حصل ما حصل في تونس ومصر وليبيا وما هو حاصل في سوريا بالقوة أو بالضرورة؟

لا تشي مواقف موسكو الراهنة بنسيج إستراتيجي قادم بقدر ما توحي بانتصار عقيدة الانتظار في غرفة التحكم بموسكو. بوتين يعود رسميًّا إلى الكريملين في شهر مايو/أيار من السنة القادمة 2012، إلى ذلك الوقت سيبقى الموقف الروسي على ما هو عليه من رفض "للتدخل الغربي" في الشرق الأدنى إلى أن يُفرض واقع جديد ستضطر موسكو للتعاطي معه.

إن بنية الستاتيكو تقوم في الفكر السياسي الروسي على الثنائيات، بمعنى أن لكل بؤرة توتر دولتين متواجهتين، وهذا منطق ورثته روسيا من الحرب الباردة وتعاملت وفقه في محيطها القريب وفي العالم؛ فموسكو ترعى النزاعات التي قامت على أرضية انهيار الاتحاد السوفيتي وفق هذا المنطق، هناك ملف ناغورني كاراباخ بين أذربيجان وأرمينيا وملف بردنستروفيا مع مولدوفا، وعندما خرجت جورجيا على منطق الثنائيات رغبة منها في استرداد أوسيتيا الجنوبية، اضطرت موسكو للحسم العسكري الذي انتهى طبعًا بهزيمة جورجيا وتثبيت الثنائية المطلوبة باعتراف موسكو الرسمي بجمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

أما في المنطقة العربية فيمكن أن نذكر تعاملها في قضية الصحراء الغربية؛ فهي تبيع السلاح للجزائر وتتعاون اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا مع المغرب، ناهيك طبعًا عن الصراع العربي-الإسرائيلي الذي يمثل ثنائية بامتياز للدبلوماسية الروسية. التي تعترف بالسلطة الفلسطينية وتدعمها وتتفاعل حتى مع من يرفضه الغرب كمنظمة حماس، وتبيع بعض الأسلحة لدمشق، لكنها بالمقابل لا "تخل" بالتوازن العسكري في المنطقة، أي أنها لا تمنح العرب أي سلاح إستراتيجي من شأنه أن يغير الموازين حتى باتجاه معادلتها.

ومن ذلك أيضا الحفاظ على علاقات مميزة مع كوريا الشمالية وتعاون اقتصادي وسياسي مع كوريا الجنوبية، وإثارة التسابق بين الصين واليابان على موارد الطاقة الروسية، وكذلك العلاقة بين إيران وتركيا كما سبق.. إلى غير ذلك من الثنائيات التي تعودت الدبلوماسية الروسية الاتكاء عليها للحفاظ على الوضع الراهن في العالم.

لكن بناء الدبلوماسية الروسية على الثنائيات منطق قديم وعقيم، لأنه جمّد هذه الدبلوماسية وأفرغها من أي إبداع، وما تذبذب مواقفها إزاء الربيع العربي إلا دليل على الافتقاد إلى المبادرة التي تليق بدولة كبرى مثل الاتحاد الروسي. ويبدو أن موسكو ستواجه صعوبات في التعامل حتى مع أرمينيا وأذربيجان ناهيك عن العرب وإسرائيل حيث لا تترك موسكو مكانًا تبني عليه مكانتها في حل هذا الصراع.

إجمالاً سيسقط منطق الثنائيات هذا، لأن المتغيرات الأخيرة تدفع إلى البحث عن حلول راديكالية ستفرض على موسكو تغيير مقولاتها الموروثة عن الاتحاد السوفيتي، وقد يكون عليها أن تضاعف من خطابها الهجومي إزاء الغرب وقد تلحق الشرق بالغرب في ذلك، ولكن إلى متى سيكفي هذا لجعل المواطن الروسي شاردًا عما يدور حوله خاصة إذا كان يرى.. ويسمع.. ولا يتكلم.
_______________________
جمال العرضاوي-باحث متخصص في الشأن الروسي

هامش
(*)عرفت الاتفاقية باسم: Operation Countenance