مسيرة الإصلاحات في سلطنة عُمان

أدت الاحتجاجات التي شهدتها سلطنة عُمان في الربع الأول من العام 2011 إلى الشروع بسلسلة من الإصلاحات الحكومية وصفت بأنها استجابة سريعة من قبل القيادة السياسية في السلطنة. لتلك الاحتجاجات أسباب ودوافع، ولها عدة تفسيرات أيضًا، فهل نجحت الحكومة العُمانية بالاستجابة للمطالب الشعبية؟
201312494313330734_20.jpg
المصدر (الجزيرة)

ملخص
يسلط هذا التقرير الضوء على الأسباب التي دفعت العُمانيين إلى الاحتجاج عام 2011، والمسارات التي مرت بها.  كما يحاول أن يعرض تحليلًا للاستراتيجية التي تبنتها الحكومة في إدارتها لهذه الأزمة، وتقييمًا عامًا للاستجابات التي قدمتها الحكومة.

يخلص التقرير إلى رؤية لما يمكن أن يؤول إليه المشهد العُماني في المستقبل، بعد أن مرَّت سلطنة عُمان بتجربة تُعد الأصعب في تاريخها المعاصر، حيث اختبرت فيها قدرة الدولة على تجاوزها، كما أتيح للشعب العُماني أن يشارك مباشرةً في صناعة مستقبل البلاد.  عليه فمن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة المزيد من التغييرات المؤدية إلى تعزيز دولة المؤسسات والقوانين في عُمان والتخلي التدريجي عن أساليب الإدارة التي تبنتها السلطنة خلال الأربعين عامًا الماضية.

مقدمة

يسلط هذا التقرير الضوء على الأسباب التي دفعت العُمانيين إلى الاحتجاج عام 2011، والمسارات التي مرت بها. كما يحاول أن يعرض تحليلًا للاستراتيجية التي تبنتها الحكومة في إدارتها لهذه الأزمة، وتقييمًا عامًا للاستجابات التي قدمتها الحكومة. ويخلص التقرير إلى رؤية لما يمكن أن يؤول إليه المشهد العُماني في المستقبل. وتكمن صعوبة البحث في هذا الموضوع في قلة المصادر التي تطرقت إلى الشأن العُماني، وإلى اختلاف طبيعة الأزمة مقارنةً بالثورات العربية الأخرى، وندرة الدراسات الاجتماعية التي يعول عليها في تفسير الشخصية العُمانية الحديثة. لذا، فإنَّ جزءًا من التحليل يقوم على أساس تجميع المتفرق والمتعلق بالأزمة والمعايشة المباشرة وتجارب الباحث نفسه. 

دوافع الاحتجاجات

يرتبط الدافع المباشر وراء الاحتجاجات التي وقعت في عُمان في العام 2011 بالمعيشة والحياة الكريمة. ويرتبط أيضا بالعدالة في توزيع الدخل وهو السبب الذي أثار حفيظة الكثيرين مؤخرًا نظرًا للاختلافات الموجودة في سلم الرواتب بين المؤسسات الحكومية رغم تساوي المؤهلات.

لقد تم التوصل إلى أهم دوافع الاحتجاجات في عُمان من خلال تحليل مطالبات المحتجين في الاحتجاجات والمظاهرات التي شهدتها عُمان خلال عام 2011 وما قبلها. وانصبت هذه المطالب في إيجاد فرص عمل، ورفع الأجور. فحتى ديسمبر من العام 2010، كان يتقاضى أكثر من 72% من العُمانيين العاملين في القطاع الخاص أقل من 200 ريال عماني شهريا أي حوالي 520$ أمريكي، وبلغت نسبة التضخم حوالي 5.6% بينما لم تتجاوز نسبة زيادة الرواتب خلال الفترة 2000-2008  لجميع الموظفين في القطاع العام أكثر من 5.3%. وكان عدد العُمانيين الذين لا يجدون فرص عمل في تزايد مستمر خاصة إذا ما علمنا أن 38% من الباحثين عن عمل هم من فئة الشباب. كما أن نسبة الذي لا يجدون مقاعد للدراسة في مؤسسات التعليم العالي من خريجي الدبلوم العام "الثانوية العامة" يزيد بشكل سنوي. ففي عام 2010، بلغ عدد خريجي الدبلوم العام 46,725 طالب وطالبة حسب إحصائيات الكتاب الإحصائي السنوي للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات لعام 2011، تم قبول 28,929 في العام الأكاديمي 2010/2011 بجميع الجامعات والكليات والمعاهد والبعثات الحكومية أي ما نسبته 62% تقريبا من إجمالي الخريجين. ولا يستوعب سوق العمل 38% المتبقية (17,800) مما يعني زيادة مباشرة في عدد الباحثين عن عمل أو في وجود فئة شابة لا تجد أمامها فرصا كبيرة  لتحقيق ذواتها من خلال التعليم والعمل. 

أما الأسباب الأخرى فتمثلت في الرغبة في محاربة الفساد الإداري والمالي، وفصل السلطات، واستقلالية القضاء، وتحقيق العدالة الاجتماعية. كمادخلت أسباب إضافية كمحرك أساس لهذه المطالبات وهي استشراء استغلال السلطة من قبل بعض المسؤولين مع غياب المحاسبة الجادة والمباشرة والعلنية.  كما طالب مجموعة من المثقفين بمراجعة النظام الأساسي للدولة.  وعلى الرغم من أن المحتجين رفعوا شعارات قوية بالنظر إلى الذاكرة العُمانية الهادئة والمتحفظة مثل المطالبة بإقالة عدد من المسؤولين من مناصبهم بل والحديث عنهم بشكل سلبي، إلا أن معظم الاحتجاجات والمظاهرات والاعتصامات التي مرت بها عُمان خلال عام 2011، لم تتطرق أبدا إلى ذات السلطان قابوس بسوء أو إلى قلب نظام الحكم على عكس ما شهده عدد من الدول العربية. وهذه النتيجة تدل بشكل واضح على أن الُعمانيين يكنون حبا صادقا للسلطان قابوس وينظرون إليه باحترام وأن كل ما يريدونه هو إجراء إصلاحات واسعة تساهم في رفع المستوى المعيشي للفرد وزيادة دخله وتحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، والحد من استغلال المسؤولين لمناصبهم. 

لقد سبقت أحداث صحار مظاهرتان هما المسيرة الخضراء الأولى في 17 يناير 2011 والمسيرة الخضراء الثانية في 18 فبراير 2011 فبراير. والواضح أيضا أن الشرطة وأفراد الأمن لم يتدخلوا لمنع المتظاهرين أو تفريقهم وإنما سارت المسيرتان بشكل طبيعي. وعلى الرغم من أن الإعلام العُماني الحكومي والخاص لم يتطرق لهما إلا شذرا، إلا أن أخبار هاتين المسيرتين تناولتها جريدة الزمن المحلية الخاصة التي تفردت بتغطية المسيرة الأولى. ودخلت جريدة عُمان الرسمية في تغطية المسيرة الثانية كسابقة جريئة منها. ونشرت عُمان على صفحتها الأولى في عدد يوم السبت 19 فبراير 2011 خبرًا وصورة بعنوان "مسيرة سلمية تؤكد على الولاء لجلالة السلطان وتطالب بإصلاحات". وفي 25 فبراير 2011، اعتصم عدد من الشباب أمام مبنى محافظ ظفار بمدينة صلالة التي تبعد 1000كم إلى الجنوب عن العاصمة مسقط وقدموا مطالب شبيهة بتلك التي قدمها أقرانهم في المسيرتين الخضراوتين في مسقط. 

أما احتجاجات صحار فتعود إلى 26 فبراير 2011، بسبب سوء تصرف مكتب القوى العاملة هناك في التعامل مع مجموعة من الشباب الباحثين عن فرص عمل، والذين جاؤوا لمتابعة فرص توظيفهم بعد وعود سابقة.  وازداد سخط الشباب بل وغضب الشارع عندما صدرت مراسيم سلطانية تقضي بتعيين وزراء لا يجدون قبولًا في الشارع العُماني. وقد تم استدعاء قوات الأمن في تلك الحادثة لتفريق الشباب مما أدى إلى صدامات. وازداد الموقف اشتعالًا عندما استخدمت الشرطة الرصاص المطاطي في يوم الأحد 27 فبراير 2011 لتفريق المتظاهرين الذين تجمعوا أمام دوار الكرة الأرضية والتي تمخض عنها وفاة مواطن. وفي اليوم ذاته، انتشرت أخبار الاحتجاجات في صحار عبر وسائل الاتصال الاجتماعية مما شجع الشباب على الاعتصام في ساحات مختلفة وخلق ساحات اعتصام جديدة في أمكان متفرقة من السلطنة بل وولد ذلك احتجاجات قطاعية شملت عددًا من الوزارات والمؤسسات.

يلاحظ أن أكثر الوسائل أو التطبيقات الاتصالية التي لعبت دورا مهما في الاحتجاجات العُماني هي المنتديات Forums والمدونات Blogs ولحق بهما الواتسأب WhatsApp. وأصبحت معظم ولايات السلطنة تعيش في حالة من عدم الاستقرار.

احتجاجات عمان.. تفسيرات متباينة

يتبين من خلال ما تقدّم أن الأوضاع الاقتصادية كانت المحفز الأكبر للاحتجاجات في عُمان، إلا أن هذه الأوضاع لم تكن وليدة فبراير 2011، فما الذي حفّز العُمانيين على الخروج في احتجاجات غير مسبوقة؟ يمكننا أن نطرح في هذا المقام رؤيتين لتفسير محفزات الصمت والاحتجاج، الأولى هي دوامة الصمت Spiral of Silence والأخرى تدحرج الثلج Snow Ball. تفسر النظرية الأولى أسباب عدم التظاهر أو الاحتجاج بينما تفسر الثانية محفزات التظاهر والاحتجاج.  فالأولى ترى أن الأقليات في الرأي يصعب عليها التعبير عن رأيها إذا كانت الأغلبية تتبنى رأيا مخالفا لهم. ويفسر التزام الصمت بالخوف من تهميش الأغلبية للأقلية وعزلها مجتمعيًا أو الخوف من العقاب. 

أما التفسير الثاني، فيرى أن تأثير الربيع العربي الذي بدأ في تونس وامتد إلى مصر وغيرها  تدحرج وامتد إلى عُمان مثل تدحرج كرة الثلج التي تجمع مزيدًا من الثلج أثناء حركتها. لقد ساهمت الظروف القائمة مع الدور الذي لعبته وسائل الإعلام في تشجيع المزيد من الجماهير على الانضمام، وكسر دوامة الصمت التي التزم بها العُمانيون لفترة طويلة سواء كان ذلك بسبب حاجز الخوف الذي كان يسكن مخيلة البعض أو بدافع حب السلطان والرضا بما أنجز خلال الفترة الماضية. فغالبية العمانيين يدينون بالعرفان للسلطان قابوس وللنهضة التي شهدتها البلاد منذ توليه الحكم خاصة الجيل الذي تعدى سن الأربعين. فقد ولد هؤلاء وعاصروا حركة التغيير واستطاعوا أن يقيموها عن قرب. أما الجيل الجديد من فئة الشباب وهم المحرك الأكبر والفاعل الرئيس في هذه الاحتجاجات فإن تطلعاتهم ومقارناتهم لا ترتبط جميعها بالسياق التاريخي الداخلي وإنما بالواقع الحالي وما يمليه عليهم من نماذج قائمة حتى من الخارج. وهذا بحد ذاته ليس عيبًا وإنما رغبةً منهم بأن يصبح المجتمع العُماني أفضل حالًا -على الأقل من وجهة نظرهم-. لقد ساهمت وسائل الاتصال الحديثة ابتداءً بالقنوات الفضائية وانتهاءً بالهواتف الذكية على تقريب هذه النماذج من جهة، واستغلال الشباب لها لتحقيق أهدافهم من جهة أخرى.

لقد تظافرت مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية لقيام الاحتجاجات في سلطنة عُمان ولا يمكن إسنادها برمتها إلى وسائل الاتصال سواء كانت الجماهيرية منها أو شبكات التواصل الاجتماعي التي يتحكم بها الأفراد. إذ يصعب على وسائل الاتصال وحدها أن تحفز مجتمعًا مستقرا وآمنًا يأتيه رزقه رغدًا إلى الخروج والتظاهر، ولكن لاشك بأمها تساهم بشكل فاعل في ذلك إذا تظافرت الظروف معها، وأهما بالنسبة للشأن العُماني الأوضاع المعيشية.

الاستجابة الحكومية

تتعدد استراتيجيات إدارة الأزمات من الاحتواء والتعامل السلمي إلى المواجهة العنيفة والقمع. وقد قدمت  البلدان العربية التي حدثت فيها ثورات الربيع العربي المواجهة العنيفة أو أنها لجأت إليها بشكل أدى إلى إراقة دماء كثيرة وتأجيج الأزمة.  ورغم أن الحكومة في سلطنة عُمان لجأت إلى المداهمات والتفريق، إلا أن ذلك لم يكن مقدمًا على الخيارات الناعمة والسلمية في أغلب الأحيان، وقد استخدمتها بوضوح بعد حزمة التغييرات والإصلاحات ويستثنى من ذلك اليوم الثاني من احتجاجات صحار في 27 فبراير 2011. وما يمكن الإشارة إليه، هو أن حالة ارتباك اعترت الحكومة العُمانية في الأيام الثلاثة الأولى من احتجاجات صحار التي بدأت في 26 فبراير 2011، ويفسر ذلك بحداثة عهد الحكومة بالتجربة وعدم التنبؤ بها وبعنصر المفاجأة والسرعة الذي تطورت فيه الأحداث. لذلك، طغى في البداية الحس الأمني أكثر من غيره، كما وصفت وسائل الإعلام المتظاهرين بالمخربين واعتبرتهم بسبب تصرفاتهم لا يمثلون حقيقة العُمانيين والمجتمع العُماني.  إلا أن الحكومة ووسائل الإعلام تداركت هذه الهفوات وتبنت سياسة الإحتواء بدلًا من سياسة التصعيد والمواجهة.  وتمثلت هذه السياسة الناعمة في الآتي:

  • سيطرة المحتجين والمتظاهرين على دوار الكرة الأرضية في صحار دون تدخل من قبل قوات الأمن. وشمل غض الطرف معظم أماكن الاعتصامات الأخرى.  وكان المتظاهرون في صحار يمنعون معظم المركبات من العبور من خلال الدوار الذي استخدموه ليس للتجمهر فحسب بل لإلقاء الشعارات والخطب وأداء الصلوات بما فيها صلاة الجمعة.
  • وجهت الحكومة مجموعة من الوزراء بأوامر مباشرة من السلطان قابوس للجلوس مع المحتجين والاستماع إلى مطالبهم رغم الصعوبات والمخاطر التي واجهتم.
  • الاستعانة بشيوخ وأعيان المناطق كي يعدل المحتجون عن أعمال قد تؤدي إلى التخريب أو تعطيل مصالح الأفراد والمؤسسات والشركات الموجودة.
  • حماية الحكومة للمنشآت الاقتصادية الحيوية كمنطقة الميناء والمناطق الصناعية في صحار لمنع المحتجين من الوصول إليها أو التمركز فيها.

وعلى الرغم من أن الاحتجاجات امتدت لمناطق أخرى في سلطنة عُمان، وصاحبتها أعمال حرق ونهب مثل ما حدث لمحلات اللولو في صحار ولبعض المؤسسات الحكومية والممتلكات الخاصة، إلا أن استخدام السلاح لم يكن خيارًا أساسيا في التعامل مع الأزمة، ما كان سببًا مساعدًا في حلحلتها بعد جملة الإصلاحات والتغييرات التي أجراها السلطان قابوس. 

أما الاستجابات، فقد جاءت في شكل حزم وشملت جوانب كبيرة من مطالبات المحتجين. وما يحسب للحكومة هو سرعة استجابتها واستفادتها من الدروس السابقة سواء على المستوى المحلي أو العربي. حيث صدر عن الحكومة أكثر من 40 مرسوما خلال أقل من شهر من بدء الاحتجاجات. فعلى المستوى الإداري والسياسي، تم إعادة تشكيل مجلس الوزراء بغياب 12 وزيرا سابقًا عن التشكيلة الجديدة، من بينهم وزراء نافذين في الدولة، ومنح مجلس عُمان (مكون من الأعضاء في مجلسي الشورى والدولة) صلاحيات تشريعية ورقابية أكبر، وإلغاء وزارة الاقتصاد الوطني التي كان يحمل حقيبتها وزيرا أبدى المحتجون تحفظا عليه، وإضافة الرقابة الإدارية ضمن صلاحيات جهاز الرقابة المالية "والإدارية"، كما تمّ التوجيه بدراسة إنشاء مجالس للمحافظات ومجالس بلدية (أنشأت فعليًا وقسمت عُمان إلى 11 محافظة وأجريت أول انتخابات للمجالس البلدية في عام 2012)، واستقلالية الإدعاء العام عن تبعيته للمفتش العام للشرطة والجمارك، وتشكيل "لجنة فنية من المختصين لوضع مشروع تعديل للنظام الأساسي للدولة بما يحقق حكم المادة الأولى من هذا المرسوم" على أن ترفع مرئياتها خلال 30 يوما من تاريخ المرسوم الذي صدر في 12 مارس 2011. وقد صدر هذا المرسوم بمادتين تقرأ الأولى فيه "يمنح مجلس عُمان الصلاحيات التشريعية والرقابية وفقا لما يبينه النظام الأساسي للدولة والقوانين النافذة". ويلاحظ أن المادة الثانية المتعلقة بمشروع تعديل النظام الأساسي قد صيغت بقدر كبير من الذكاء.  فمشروع التعديل ودور اللجنة لا يشمل النظام الأساسي برمته وإنما اقتصر على الصلاحيات الرقابية والتشريعية الممنوحة لمجلس عُمان.  ومعنى ذلك أن مجال عمل اللجنة سيقتصر على الباب الخامس فقط من النظام الأساسي للدولة وليس تعديلًا شاملًا للدستور.

وعلى المستوى الاقتصادي وتنمية الموارد البشرية، فقد تم الإعلان عن 50 ألف فرصة عمل للمواطنين، ورفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص إلى 200 ريال عُماني (زيدت مؤخرًا لتصل إلى 325 ريال عُماني)، وإنشاء هيئة مستقلة لحماية المستهلك، وتخفيض مساهمة الموظفين لصندوق التقاعد من 8% إلى 7%، ورفع المخصصات المالية الشهرية لطلبة مؤسسات التعليم العالي، ومنح الباحثين عن عمل المسجلين لدى وزارة القوى العاملة مبلغا شهريا قدره 150 ريال عُماني إلى أن يحصلوا على عمل، وتم استحداث علاوة غلاء معيشة لجميع الموظفين بالقطاع الحكومي، وأوقفت رسوم عبور المركبات المتجهة إلى خارج البلاد عبر المنافذ البرية، وتم السماح بإنشاء بنوك إسلامية. وفي الجانب التعليمي، تم زيادة أعداد المقبولين في مؤسسات التعليم العالي من خريجي الدبلوم العام "الثانوية العامة"، كما أعلن عن إنشاء جامعة حكومية ثانية، وتم طرح قرابة 1000 بعثة للدراسات العليا. 

هل نجحت الحكومة العُمانية؟

يعتمد تقييم نجاح أي مؤسسة أو حكومة في إدراتها لأزمة واجهتها على مجموعة من المحددات. أول هذه المحددات هو هل حققت حزمة التغييرات التي تبنتها الحكومة العُمانية الأهداف المرجوة منها؟ وهل عززت من سمعة السلطان قابوس ومكانته عند شعبه؟ وهل ساهمت في خروج الحكومة العُمانية بأقل الخسائر المادية والبشرية؟ من الطبيعي أن يكون الهدف الرئيس في مثل هذه الأزمات هو إعادة الاستقرار والأمن إلى طبيعته، والحد من انتشار الأزمة وتفاقمها، واستمرار السيطرة والقيادة في يد الحكومة حتى لا يحدث انفلاتًا خطيرًا يهدد استقرار البلاد. من خلال ما تقدم يمكننا القول بأن الحكومة العُمانية استطاعت التعامل بحنكة مع الأزمة من خلال ما يلي: 

  • اعتماد سياسة الفعل بدلًا من القول: على عكس الحكومات العربية التي مرت بثورات الربيع العربي، فقد تبنى السلطان قابوس سياسة الفعل إيمانًا منه بأن الأفعال أبلغ من الأقوال. حيث لم يكن الوضع محتملًا لمزيد من المماطلات لأنه كان مرشحًا للتفاقم. كما أن الجمهور لم يعد تقنعه الأقوال ولم يعد يمتلك صبرًا أكبر للانتظار.  ولذا جاءت القرارات والمراسيم سريعة ونافذة. 
  • الاعتماد على الضغط الشعبي: بترك الحكومة المحتجين يقومون بقطع الطرق، وإقامة أماكن إعتصامات لإلقاء خطبهم ومحاضراتهم وحتى صلاوتهم، تكون قد سبرت أغوار وعمق المحتجين من جهة، وتركت للمجتمع فرصة تصحيح المسار. وهذا التصرف ينبيء عن فهم عميق للجوانب النفسية المترتبة على ذلك سواء عند المحتجين أو عند رجل الشارع العادي. فقد أصاب المحتجين الملل، وبدأ الشارع العُماني يضج بسبب تأثر مصالحهم الشخصية أو مصالح المؤسسات والشركات من هذه الأعمال، مما تولد عن ذلك مطالبات شعبية مضادة تدعو إلى إنهاء الاعتصامات. وقد نجحت الحكومة في ذلك خاصة وأنها سبق أن قدمت حزمة من التغييرات.  وكادت الحكومة أن تخسر هذا الرهان عندما خرجت مسيرات مؤيدة للسلطان في أماكن مختلفة من البلاد والتي كانت ستؤدي إلى تقسيم المجتمع العُماني إلى فريقين متباغضين خاصة وأن وسائل الإعلام وُجهت لتسليط الضوء عليها أكثر من المحتجين.
  • سياسة سحب البساط: جاءت الردود من الحكومة سريعة وتستجيب لمعظم المطالب حتى ما كان صعبًا تخيله في نفوس المحتجين ومن بينها إقالة شخصيات قيادية هامة، لذا فإن استمرار الاحتجاجات والاعتصامات، تفقد المحتجين الشرعية التي اتكؤوا عليها وهي تحسين الأوضاع المعيشية والتغيير الإيجابي. وعليه فإن الحكومة سحبت البساط عنهم وأخمدت فرص بقاء النيران مشتعلة.
  • اعتماد أسلوب العصا والجزرة: بعد أن استجابت الحكومة لمطالب المحتجين، شرعت إلى تعديل وسن تشريعات وقوانين تضمن لها محاسبة من يتجنى على المصالح العامة وهيبة الدولة. ولم تأت هذه القوانين سريعة كما هو الحال في تلبية مطالب المحتجين وإنما بعد مضي حوالي 7 أشهر من احتجاجات صحار.  فعلى سبيل المثال، تضمن المرسوم السلطاني رقم 96/2011 والصادر في 11 أكتوبر 2011، تعديلات في 4 مواد (135، 137، 172، 182) من قانون الجزاء العُماني أعطت بموجبها الحكومة صلاحيات أكبر في المعاقبة بالسجن لمدد تتراوح بين 3 أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامات مالية تتراوح من 200 – 500 ريال عماني لكل من:
    • يحرض أو يذيع أو ينشر داخليًا وخارجيًا أخبارًا وإشاعات بهدف النيل من مكانة الدولة وهيبتها ومكانتها المالية، 
    • يسد الطرقات عمدًا، وتغلظ العقوبات إذا تم استخدام السلاح لذلك،
    • يرتدي لثامًا أو قناعًا في مكان إذا اقترن بنية إخلال النظام،
    • يتجمهر مع عشرة أشخاص وأكثر بقصد الإخلال بالنظام العام، 
    • يضرب موظفًا مدنيًا أو عسكريًا ويعتدي عليه،
    • يفتري على أي شخص من خلال نشر ارتكاب جريمة لم يرتكبها أو عزو جريمة هو بريء منها. 

وبعد هذه المراجعة، يمكن القول أن جملة التغييرات التي تبنتها الحكومة العُمانية مكنتها أولًا من التقاط أنفاسها وإعادة ترتيب حساباتها والخروج من ذروة الأزمة بشكل آمن، وثانيا ساهمت في تقديم صورة مشرقة أخرى عن السلطان قابوس وأهمها تجديد ثقة الشعب في قدرته على إدارة الأزمات. حيث أنه قدم شعبه على الخيارات الأخرى فقد أقال أقرب وزرائه إليه، وأمر بإيجاد وظائف، وتحسين الأحوال المعيشية للشعب، وأكد على محاربة الفساد مؤسسيًا وقانونيًا. كما أن هذه الاحتجاجات جاءت بالنفع والخير على المجتمع العُماني بصفة عامة. فعلى المستوى الديمقراطي، نفض المجتمع عن نفسه عباءة الخوف في المطالبة بحقوقه في أطر حضارية، وزادت المساءلة على المسؤولين، ووسعت صلاحيات مجلس الشورى رغم أنها لم ترق بعد إلى الجانب التشريعي، وأوجدت مجالس بلدية. وعلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي، زيدت الطاقة الاستيعابية في مؤسسات التعليم العالي، وتم رفع سلم الأجور.

ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن المرحلة التي مرت بها البلاد والتي راجت فيها الشائعات والتجني على الأشخاص بدون أدلة, دعت إلى سن قوانين يراها كثيرون أنها قيدت من حرية الرأي والتعبير وعززت من صلاحيات الدولة في استجواب ومداهمة من يشتبه بهم. كما أن محاربة الفساد تستلزم أن تقوم الدولة بجهود أكبر خاصة في ظل تشابك المصالح وتعقدها ولعل تعزيز الحرية الإعلامية المسؤولة في الكشف عن مواطن الخلل بدلا من تضييق الخناق عليها يخدم هذا الجانب. 

رؤية استشرافية

هل تكفي التغييرات التي تمت لإبقاء عُمان بعيدة عن أي حراك شعبي ومطالبات جديدة؟  لقد أثبتت الأيام منذ عام 2011، أن الاحتجاجات والمطالبات القطاعية لم تنقطع حتى بعد تجاوز السلطنة لاحتجاجات عام 2011. وكان آخر تلك الاحتجاجات القطاعية إضراب المعلمين في مناطق مختلفة من السلطنة مع بداية العام الدراسي 2013/2014 والذي استمر لأكثر من أسبوعين. بعض المطالبات متكررة وهي رفع أجور المعلمين وتحقيق العدالة في سلم الدرجات الوظيفية لموظفي الخدمة المدنية وإعادة النظر في المناهج الدراسية.  وقد انتهى الأمر بتوجيهات من السلطان قابوس بمراجعة شاملة للرواتب لجميع موظفي الخدمة المدنية بالدولة.  تجاوز السلطنة لأزمة عام 2011، لا يعني الدعة والاستكانة.  فالحاجة ماسة إلى نظرة شمولية لجميع الجوانب الحياتية التعليمية، والاقتصادية، والسياسة الداخلية. فعلى سبيل المثال، إن إلتزام الحكومة بتوظيف 50 ألف باحث عن عمل، يضعها أمام خيارات صعبة منها ضرورة تأهيل أو إعادة تأهيل هذا الكم بما يتناسب مع حاجة سوق العمل للتقليل من الترهل الإداري، وأمام ضغوطات مستقبلية ناجمة عن تجسيد فكرة التوظيف كاستحقاق مجتمعي يجب أن تقوم به الحكومة.

وتبقى الحاجة ماسة للتفكير في شكل العلاقة بين السلطان والحكومة والشعب. فالسلطان قابوس  قد حقق بالفعل معيارًا عاليًا في الحكم والإدارة وتنمية البلاد مما يجعل من يخلفه يواجه تحد كبير في الوصول إلى المكانة التي تبوأها السلطان قابوس داخليًا وخارجيًا من جهة وفي الاستعداد لمواجهة سقف المطالبات التي يمكن أن يتلقاها من الشعب من جهة أخرى. ولعلَّ التوجه إلى تعزيز دولة المؤسسات والقوانين لتشمل جوانب إدارية وسياسية أوسع مما هو قائم حاليًا أو التفكير الجاد في تعيين رئيس وزراء يكون مسؤولًا بشكل مباشر عن أداء الحكومة بدلًا من السلطان نفسه يحققان هذا التوازن في المرحلة المقبلة. كما أن النظام الأساسي للدولة الذي صدر في العام 1996، يتضمن بندًا صريحًا في المادة 42 من الباب الرابع والمتعلق بمهام السلطان والتي من بينها "رئاسة مجلس الوزراء أو تعيين من يتولى رئاسته". 

الجانب الآخر هو أن على المسؤولين في الحكومة العُمانية التخلي عن سياسة الاستجابة بردات الفعل Reactive وتبني سياسة المبادرة Proactive وطرح بدائل ذكية تسبق المطالبات الشعبية أو المطالبات القطاعية. ويتطلب تحقيق ذلك، وجود مجموعة متميزة ومؤهلة من التكنوقراط في الأماكن المناسبة والصحيحة في الإدارات العليا تستطيع رفد الحكومة بمجموعة من المقترحات البناءة مما يعزز ثقة الشعب بها. 

فإذا سادت في الفترة الماضية التوازنات القبلية والمناطقية في عمليات الاختيار والتعييين، فإنه مع وجود نسبة كبيرة من المتعلمين والمتخصصين، فإن الإبقاء على هذه السياسة وحدها لا يخدم المرحلة القادمة. وتستطيع الحكومة أن تتلمس هذا التغيير بدراسة العلاقة بين مستوى تعليم وأعمار الناخبين في انتخابات مجلس الشورى والمجالس البلدية وبين مستوى تعليم وأعمار الذين فازوا بها، ومن خلال تحليل نسبة المتعلمين من حملة الشهادات العليا الذين يشاركون في التصويت فيها أو الترشح لها. كما تجدر الإشارة إلى أن معظم الحراك والاحتجاجات التي شهدتها السلطنة قادها المتعلمون والمعلمون بدرجة خاصة. 

أما التحدي الآخر الذي تواجهه السلطنة فيتعلق بزيادة عدد الوافدين بشكل ملحوظ خلال الأعوام الثلاثة الماضية مما يشكل ضغطا على فرص عمل العُمانيين في القطاع الخاص. فبحسب إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لشهر سبتمبر 2013،  بلغ عدد الوافدين في البلاد 1,736,288 نسمة مشكلين بذلك 44.2% من إجمالي السكان (3,928,666).  ويلاحظ أن نسبة الوافدين في ارتفاع مستمر خلال الأعوام الماضية، حيث بلغت بين عامي 2011 و 2012 أكثر من 19%. 

ويلاحظ أن عدد العُمانيين في القطاع الخاص لا يتجاوز 177,641 في مقابل 1,498,777 وافد. صحيح أن معظم الوافدين العاملين في القطاع الخاص يتركزون في قطاع الإنشاءات والأعمال المنزلية، إلا أن تزايدهم يشكل دون جدال عبءًا على الاقتصاد الوطني في ظل زيادة التحويلات المالية للخارج التي بلغت أكثر من 3 مليار ريال عُماني في عام 2012 أي ما يعادل 8 مليارات دولار أمريكي.  ومع تشبع سوق العمل في القطاع الحكومي، واستمرار الإنفاق الحكومي على مشاريع البنية الأساسية وغيرها (تجاوز 13 مليار ريال عُماني في عام 2012)، والاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل القومي، فإن الحكومة بحاجة ماسة لخلق فرص عمل مغرية للعُمانيين في القطاع الخاص. ولعل ربط المشاريع الحيوية باستراتيجية واضحة حول مساهمتها في توفير فرص عمل وتنمية الموارد البشرية يحقق هذا الهدف.

خاتمة

مرت سلطنة عُمان بتجربة تعد الأصعب في تاريخها المعاصر اختبرت فيها قدرة الدولة على تجاوزها، وأتاحت للشعب العماني أن يشارك مباشرة في صناعة مستقبل البلاد. وقد ضرب السلطان قابوس مثالا يحتذى به من خلال الاستجابات السريعة تأكيدًا على حرصه على الوطن والمواطن. لذا فإنه من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة المزيد من التغييرات المؤدية إلى تعزيز دولة المؤسسات والقوانين في عُمان والتخلي التدريجي عن أساليب الإدارة التي تبنتها السلطنة خلال الأربعين عامًا الماضية. 
__________________________________
د. عبيد بن سعيد الشقصي - رئيس قسم الإعلام – جامعة السلطان قابوس

المراجع باللغة العربية 
• جعبوب، منى سالم.  (2010).  قيادة المجتمع نحو التغيير التجربة التربوية لثورة ظفار (1969-1992).  مركز دراسات الوحدة العربية.  بيروت.
• عماد، عبدالغني عماد.  (2010). الحركات الإسلامية في الوطن العربي.  الجزء الأول.  مركز دراسات الوحدة العربية. 
• لاندن، روبرت جيران.  (1996). عمان منذ 1856 مسيرا ومصيرا.  ترجمة محمد أمين عبدالله. وزارة التراث القومي والثقافية، مسقط.
• الخيمة العمانية.  (25/11/2013).  http://www.omanya.net/vb/showthread.php?t=696
• http://www.omanya.net/vb/showthread.php?t=67079
• اللواتي، حيدر.  (24 أغسطس 2013).  "معضلة "التعمين" في سلطنة عمان" جريدة عمان.  http://main.omandaily.om/?p=21192
•  المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.  (25 نوفمبر 2013).  النشرة الإحصائية الشهرية 2013، جملة السكان المسجلين حسب المحافظات والجنسية).  http://www.ncsi.gov.om/NCSI_website/book/mb/Oct2013/T2.pdf
•  المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.  الكتاب الإحصائي السنوي.  (30/11/2011).  القسم 19، قطاع التعليم.  http://www.ncsi.gov.om/NCSI_website/book/SYB2011/19-Education.pdf
• المسيرة لخضراء الأولى http://omannew.net/vb/showthread.php?12202-%C7%E1%E3%D3%ED%D1%C9-%C7%E1%CE%D6%D1%C7%C1-%D3%E1%D8%E4%C9-%DA%E3%C7%E4
• الموافي، عبدالحميد.  (2002).  عمان بناء الدولة الحديثة.  مطابع الأهرام التجارية، مصر.
• الهاشمي، سعيد سلطان.  (2012). الربيع العماني قراءة في السياقات والدلالات.  دار الفارابي، لبنان.

المراجع باللغة الإنجليزية
• Worrall, James.  (2012).  "Oman: The "Forgotten" Corner of the Arab Spring."  Middle East Policy, Vol. 19, No. 3.  98-115.
•  Littlejohn, Stephen W.  (1992).  Theories of Human Communication, 4th edition.  Wadsworth Publishing Company, California, USA.
• Wimmer, Roger D & Dominick, Joseph R.  (2003).  Mass Media research, an Introduction, 7th edition.   Wadsworth Publishing Company, California, USA.