إرباك سياسي: أقباط مصر بين مظلة المواطنة ومظلة الكنيسة

يتسع دور الكنيسة القبطية السياسي كلما ضاقت فرص الاندماج السياسي التي توفرها المواطنة، لأن أتباعها يضطرون إلى اعتبارها الممثل الوحيد الذي يستطيع أن يجعل الدولة تحميهم وتحفظ حقوقهم.
نشرت في: 16/04/2014
20144209135362734_20.jpg
 المتظاهرين الأقباط المصريين تحمل الصلبان المسيحية وشعارات مناهضة للجيش خلال مظاهرة الأقباط [ أسوسيتد بريس]

ملخص
شكّل حضور البابا تواضروس الثاني بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية المصرية في مشهد الثالث من يوليو/تموز الماضي 2013، بجوار وزير الدفاع عبدالفتاح السياسي، في رأي الكثيرين، استعادة للحضور السياسي للكنيسة القبطية وعودة قوية للمشهد بعد توقعات بتراجع هذا الدور وانحساره عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني وتمرد قطاعات كبيرة من المسيحيين، لاسيما من الشباب وبعض فئات الطبقة الوسطى المسيحية، على سلطتها وهيمنتها على حياة المسيحيين وتحولها إلى وسيط سياسي بينهم وبين الدولة.

ستظل حدود الدور السياسي للكنيسة في مصر رهينة بتطورات المستقبل السياسي في مصر، ومدى قدرة أو رغبة النظام الجديد في إقامة دولة المواطنة، بعيدًا عن المسجد أو الكنيسة، عبر إفساح المجال أمام عموم المصريين، وخصوصًا الأقباط، للانخراط في العمل العام وفتح باب الحريات السياسية على مصراعيه، وهذا أمر لا تزال تحيط به شكوك عميقة ومخاوف من عودة نظام ما قبل 25 يناير/كانون الثاني بكل ممارساته وسياساته.

مقدمة

شكّل حضور البابا تواضروس الثاني بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية المصرية في مشهد الثالث من يوليو/تموز الماضي 2013، بجوار وزير الدفاع عبدالفتاح السياسي، في رأي الكثيرين، استعادة للحضور السياسي للكنيسة القبطية وعودة قوية للمشهد بعد توقعات بتراجع هذا الدور وانحساره عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني وتمرد قطاعات كبيرة من المسيحيين، لاسيما من الشباب وبعض فئات الطبقة الوسطى المسيحية، على سلطتها وهيمنتها على حياة المسيحيين وتحولها إلى وسيط سياسي بينهم وبين الدولة.

وقد تباينت المواقف بشأن تقييم هذا الحضور اللافت للبابا لحظة عزل الرئيس السابق محمد مرسي؛ فقد رأى مؤيدو الشرعية وأنصار مرسي في هذا الحضور مشاركة صريحة من قبل الكنيسة في الانقلاب الذي جرى ضد الرئيس المنتخب، وأن الكنيسة لعبت دورًا مهمًا في التمهيد له، حسب هؤلاء، من خلال حشد وتحريض أتباعها على المشاركة في مظاهرات 30 يونيو/حزيران وما سبقها من مظاهرات ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين. في المقابل، اعتبرت القوى السياسية التي شاركت في هذا المشهد ودعت لهذه المظاهرات، أن مشاركة البابا أمر طبيعي باعتباره رمزًا للكنيسة المصرية، وهي إحدى مؤسسات الدولة المصرية جنبًا إلى جنب مع مؤسسة الأزهر، وأن الرجل انحاز في هذه اللحظة كغيره لإرادة المصريين. كما رأى هؤلاء أن اتهام الكنيسة بالانخراط في العمل السياسي هو محاولة لردعها عن أن يكون لها رأيها ودورها في الشأن العام والدفاع عن مصالح الأقباط.

لكن ثمة من يرى أن حضور البابا تواضروس لم يكن اضطرارًا فرضته لحظة 3 يوليو/تموز بقدر ما كان اختيارًا ورغبة من قبل الكنيسة في وصل ما انقطع واستعادة ما كانت فقدته قبيل وخلال ثورة 25 يناير/كانون الثاني؛ فالكنيسة لم ترفض هذه المظاهرات على عكس موقفها من مظاهرات 25 يناير/كانون الثاني 2011 التي أعلنت رفضها لها ودعت أتباعها لعدم المشاركة فيها. وقد أقر البابا بذلك مؤكدًا أن الكنيسة كانت على الحياد لأن "الكنيسة لا تمنع الشباب من أن يخرجوا ولا تدفع الشباب ليخرجوا"(1). بل إن البابا تواضروس وصف يوم 30 يونيو/حزيران 2013 بأنه "لم يكن يومًا عاديًا للمصريين مسلمين ومسيحيين؛ إذ ولد حالة إجماع وتلاحم رائع للتخلص من حكم الإخوان... إن الراهبات كن يحملن العلم المصري جنبًا إلى جنب مع أخواتهن المحجبات"(2).

كما تواصل الحضور السياسي للكنيسة بعد 3 يوليو/تموز بدرجة أظهرت انغماسًا في السياسة ربما بدرجة تفوق حتى ما كانت عليه قبل ثورة يناير/كانون الثاني، في عهد البابا الراحل شنودة الثالث؛ فشاركت الكنيسة بممثليها بقوة في لجنة الخمسين لتعديل دستور 2012. ومع أول استحقاق سياسي كبير بعد عزل مرسي، تمثل في الاستفتاء على الدستور المعدل، دعا البابا تواضروس الأقباط صراحة للتصويت بنعم على الدستور وقال قولته: "نَعَمْ تجلب النِّعَم". وواصل مواقفه السياسية فيما يجري في مصر؛ حيث وصف المشير عبد الفتاح السيسي بأن "المصريين يرونه منقذ وبطل 30 يونيو"، لكن الأهم في تصريحات الأنبا تواضروس الأخيرة هو حديثه عن ثورات الربيع العربي، حيث بدا موقفه فيه متطابقًا تمامًا مع مقولات الثورة المضادة في مصر؛ فوصف هذه الثورات بأنها "لم تكن ربيعًا أو حتى خريفًا وإنما شتاء عربي مدبر، حملته أيدٍ خبيثة إلى منطقتنا العربية، لتفتيت دولها إلى مجرد دويلات صغيرة لا حول لها ولا قوة"(3).

يطرح هذا الدور المتزايد للكنيسة في المشهد السياسي أسئلة كثيرة حول شكل العلاقة بين الكنيسة والدولة قبل وبعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني، وما هية الأسباب التي أدت لتراجع وانحسار استقلال مصريين مسيحيين بقرارهم السياسي الذي صاحب ثورة 25 يناير/كانون الثاني دون وصاية كنسية، والعودة مجددًا طلبًا لدور كانوا تمردوا عليه؟ ولماذا نجحت الكنيسة في استعادة هذا الدور الذي تراجع بشكل لافت عقب ثورة يناير مباشرة؟ وما هو مستقبل علاقة الأقباط بالكنيسة والوطن؟

الأقباط والكنيسة في مصر: محددات أساسية

ثمة محددات أساسية ينبغي الإشارة إليها في البداية نظرًا لأهميتها في تحديد أو تعريف المصطلحات، مثل: مصطلح الأقباط في مصر أو الكنيسة القبطية، وفي هذا الصدد يجب توضيح ما يلي:

  • أولاً: المقصود بالأقباط هنا هم أتباع الكنيسة الأرثوذكسية المصرية والذين تصل نسبتهم لنحو 95 في المائة من إجمالي المسيحيين في مصر بينما النسبة الباقية من البروتستانت والكاثوليك.
  • ثانيًا: رغم الاختلاف المذهبي أو العقدي بين الغالبية الأرثوذكسية والأقلية من البروتستانت والكاثوليك، إلا أن ذلك لا يعني وجود خلافات بين هذه الطوائف بشأن المواقف والقضايا السياسية التي تبدو متطابقة لحد بعيد ولاسيما ما يتعلق بحقوق المسيحيين ومظالمهم.
  • ثالثًا: ليس هناك إحصاء دقيق حول عدد الأقباط في مصر ولكن آخر إحصاء رسمي توصل إلى أنهم 5.1 مليون من إجمالي عدد سكان مصر؛ لكن الرقم يرتفع إلى 10 أو 15 مليونًا وفقًا لتقديرات الكنيسة والجماعات المسيحية (3)، بل هناك من يرى أنهم أكثر من ذلك مثل نجيب جبرائيل المستشار القانوني السابق للكنيسة ورئيس الاتحاد المصري لحقوق الإنسان الذي قدّر عددهم بـ 16 مليونًا ونصف مليون "ثلاثة ملايين قبطي منهم يعيشون في الخارج، منهم 80 ألفًا هاجروا بعد عمليات هدم الكنائس وقتل شباب الأقباط"(4).
  • رابعًا: لا يمكن التعامل مع الأقباط المصريين باعتبارهم كتلة صمّاء أو جماعة متجانسة؛ فهم غير متجانسين اجتماعيًا أو سياسيًا أو حتى جغرافيًا "فمن الناحية الاجتماعية يتوزع الأقباط على مختلف طبقات المجتمع، الفقيرة والوسطى والغنية؛ فهم منتشرون في جسم المجتمع رأسيًا، ومنهم العامل والفلاح والمهني والحرفي ورجال الأعمال والتجار"(5). كما أن الأقباط ينتشرون جغرافيًا في جميع ربوع مصر وإن كان هناك بعض الكثافة العددية في بعض مناطق الصعيد كأسيوط والمنيا.
  • خامسًا: النظر إلى الكنيسة القبطية في سياق علاقتها بالدولة والنظام السياسي وليس الكنيسة باعتبارها مؤسسة دينية ترعى شؤون المسيحيين الروحية والدينية، بمعنى تحديد الدور السياسي لقيادة الكنيسة، الذي يرى البعض أنه يتجاوز كثيرًا مفهوم المؤسسة الدينية؛ حيث سعت في العقود الأخيرة لتكون وسيطًا سياسيًا بين المسيحيين والدولة المصرية، ومن هؤلاء المستشار طارق البشري الذي يرى أن الحديث عن الدور السياسي للكنيسة يُقصد به الإدارة الكنسية "أي هؤلاء الذين يتربعون على قمة النفوذ في البناء الكنسي الهرمي ويصدرون القرارات؛ ما يؤثر على سلوك الأقباط وفي تعاملهم مع مواطنيهم"(6).

العلاقة بين الكنيسة والنظام في مصر

يمكن القول: إن العلاقة بين الكنيسة والنظام السياسي في مصر مرت بثلاثة مراحل منذ ثورة 23 يوليو/تموز عام 1952 وحتى ثورة 25 يناير/كانون الثاني:

  • المرحلة الأولى: وهي عهد الرئيس جمال عبدالناصر ويمكن تسميتها بمرحلة الشراكة والصداقة؛ حيث عقد عبد الناصر شراكة مع البابا كيرلس السادس، ضمن من خلالها ولاء الكنيسة ودعمها للنظام السياسي الجديد، بينما تولى عبدالناصر تأمين وحماية أمن المسيحيين ومكانة البابا "وكان من نتائج هذا الاتفاق عملية تشييد الكنائس التي كانت مجمدة في السابق؛ حيث سمح عبد الناصر ببناء العشرات من الكنائس"(7).
    وقد توفرت عددة عوامل أسهمت في استقرار العلاقة بين النظام والكنيسة في عهد عبد الناصر، وأهمها:
  1. شخصية البابا كيرلس السادس؛ فقد كان من مدرسة ترى ضرورة أن يكتفي رأس الكنيسة بدوره الروحي والديني والابتعاد عن قضايا السياسية مطبقًا مقولة: "ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
  2. علاقة الصداقة التي جمعت بين عبد الناصر والبابا كيرلس والتي وصفها محمد حسنين هيكل في كتابه "خريف الغضب" بأنها علاقة إعجاب متبادل بين الرجلين.
  3. وجود مشروع وطني قومي جامع تمثل في التنمية والتحرر؛ وهو ما جعل الأقباط جزءًا من هذا المشروع مثلهم مثل باقي المصريين من المسلمين، وبالتالي لم يبقوا في حماية الكنيسة أو داخل جدرانها.
    لكن هزيمة يونيو/حزيران 67 وما أحدثته من زلزال في وجدان المصريين كانت بداية النهاية لهذه الصيغة؛ فقد شهدت الفترة التي أعقبت الهزيمة سقوط الكثير من الأحلام والأوهام، وعودة لافتة للدين طلبًا للدعم الروحي والنفسي. ولم تكن هذه العودة قاصرة على المسلمين فحسب بل شملت المسيحيين أيضًا؛ فلجأ المسلمون للمساجد بحثًا عن إجابة أو تفسير لما جرى، واحتمى المسيحيون بكنيستهم. ومع تنامي النزعة الدينية في المجتمع كان لابد في المقابل من أن تصاحبها نزعة طائفية لتبدأ مرحلة جديدة في علاقة الكنيسة والنظام السياسي.
  • المرحلة الثانية: هي مرحلة الرئيس السادات، ويمكن أن نطلق عليها مرحلة الأزمة والقطيعة، أو ما يسميه البعض بمرحلة الضغوط المتبادلة بين الكنيسة والنظام. وقد كان لافتًا أن تغيير رأس السلطة الدينية للكنيسة برحيل البابا كيرلس السادس وتولي البابا شنودة مكانه، قد تزامن مع تولي الرئيس السادات السلطة السياسية خلفًا للرئيس عبد الناصر في عام 71. ومع هذا التغيير بدأت مرحلة جديدة؛ اتسم دور الكنيسة بالتوسع خارج الدور الديني ليمتد إلى دور اجتماعي يتمثل في تقديم الخدمات والمساعدات الاجتماعية للمسيحيين، ثم إلى دور سياسي صريح تمثل في الكثير من المواقف التي اتخذتها الكنيسة وقيادتها من الأحداث والتطورات السياسية التي شهدتها مصر. وفي عهد البابا شنودة "ظهرت مصطلحات مثل: شعب الكنيسة، الشعب المسيحي، وتقديمه نفسه والكنيسة كبديل عن الدولة في أمور عدة، علاوة على توجيه المسيحيين لتبني موقف سياسي معين في قضية بعينها"(8). وقد أدت رغبة البابا شنودة للعب دور سياسي خارج دوره الروحي إلى صدام عنيف مع نظام السادات، بلغ ذروته في سبتمبر/أيلول عام 1981 بعد أن عقد شنودة سلسلة من المؤتمرات دعا خلالها إلى توفير حماية للمسيحيين وممتلكاتهم، ووضع حد لما وصفه بمصادرة ممتلكات الكنيسة من قبل وزارة الأوقاف، وقد رد السادات على ذلك باتهام البابا شنودة بسعيه إلى أن يكون زعيمًا للأقباط بل ويسعى لإقامة دولة للمسيحيين في أسيوط بصعيد مصر، وقرر اعتقاله قبل أن يعدل عن هذا القرار خوفًا من تداعياته، لكنه أمر بوضعه رهن الإقامة الجبرية في أحد الأديرة في وادي النطرون حيث بقي هناك لمدة أربع سنوات.
    لكن لا يمكن تفسير هذا الصدام بين الكنيسة والنظام في عهد السادات بالأسباب الذاتية التي تخص شخصية البابا شنودة ورغبته في لعب دور سياسي، بل ثمة أسباب موضوعية لتنامي دور الكنيسة وخروجها عن الدور الروحي ومنها:
    1. تزايد النزعة الدينية في المجتمع منذ هزيمة 67، كما سبقت الإشارة، رافقه تنامي دور المسجد في حياة المسلمين المصريين؛ ومن ثم فإن تنامي دور الكنيسة ارتبط بدور المسجد، ومع سيطرة الدولة على المجال العام وغياب أية فرصة حقيقية للمشاركة تحولت المساجد والكنائس ملاذًا للمصريين.
    2. تصاعد قوة ونشاط التيار الإسلامي في عهد الرئيس السادات الذي عقد مصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين وأطلق قادتها من السجون، كما سمح لقياداتهم بالخارج بالعودة والانخراط في الحياة السياسية. وقد سعى السادات من خلال الانفتاح على الإسلاميين إلى محاربة وضرب التيارات اليسارية والقومية التي وجد أنها عقبة في طريقه.
    3. الحضور الملحوظ للدين في الفضاء السياسي الرسمي متمثلاً في إدخال مادة الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع في دستور 1971 وإطلاق السادات على نفسه ألقابًا ذات دلالات دينية مثل لقب "الرئيس المؤمن". كل ذلك أثار مخاوف الأقباط كأقلية، وبالتالي دفعهم لمزيد من العزلة والاحتماء داخل كنيستهم. وقد دفع ذلك البعض للقول: إن سياسات السادات أسهمت إلى حد كبير في "تفاقم الطائفية من خلال تعديل الدستور المصري وإقامة تحالف أوثق مع الإسلاميين والإفراج عن المسجونين منهم"(9).
    4. زيادة أعمال العنف الطائفي ضد الأقباط بشكل كبير ملحوظ في عهد الرئيس السادات؛ "فخلال عامي 1971 و1972، وقعت إحدى عشرة حادثة طائفية كان معظمها بسبب الخلاف على تشييد الكنائس أو ترميمها"(10).
  • المرحلة الثالثة: هي مرحلة مبارك، ويمكن تسمتيها: مرحلة التهدئة والتفاهم والاعتماد المتبادل بين النظام والكنيسة؛ فقد تولى مبارك السلطة في وقت كانت العلاقة بين الطرفين في أسوأ حالاتها؛ فسعى مبارك لتدعيم علاقته بالكنيسة، لكنه بذلك كرّس وضعًا صار فيه البابا شنودة هو الوسيط ما بين الدولة والأقباط "فاختزل الأقباط في شخصه، وقد نجح البابا في ملء الفراغ واستيعاب المشهد"(11). وإذا كان البعض يحمّل السادات مسؤولية تنامي النزعة الطائفية في المجتمع؛ فإن نظام مبارك هو من أسهم في عزل المسيحيين داخل كنيستهم معتمدًا على عدة وسائل، من بينها: "استخدام الإسلاميين كفزاعة لإخافة الأقباط، في الوقت الذي أغلق فيه النظام أبواب حزبه في وجه الأقباط؛ حيث لم يتجاوز عدد المرشحين الأقباط على قوائمه في أية انتخابات عدد أصابع اليد الواحدة"(12). ولم تؤد هذه السياسة لعزلة الأقباط وانسحابهم من المجال العام فحسب، بل أسهمت أيضًا في مزيد من أجواء الاحتقان الطائفي المتبادل في المجتمع بين المسلمين والمسيحيين.
    لكن هذا النجاح الذي حققه نظام مبارك في إقناع الأقباط بأنه صمام الأمن لهم ولحقوقهم، تعرض لضربات موجعة في سنواته الأخيرة لاسيما في الفترة التي سبقت ثورة 25 يناير/كانون الثاني، وبلغت ذروتها في تفجير كنيسة القديسين؛ هذا الحادث بدّد الكثير من الأوهام التي روج لها نظام مبارك.
    وفي هذا الإطار يمكن رصد عدة سمات ميزت العلاقة بين الكنيسة والدولة في عهد مبارك، أهمها:
    1. الاعتماد المتبادل: فقد عقد مبارك اتفاقًا مع البابا شنودة يقوم الأخير بموجبه بدعم النظام سياسيًا في مقابل أن يكون شنودة هو المعبّر عن قضايا ومشاكل الأقباط ومطالبهم وحقوقهم؛ "فقد تنازل النظام عن جزء من سلطة الدولة على بعض مواطنيها للكنيسة في مقابل منح ولائها للنظام السياسي"(13). ولعل هذا الوضع هو ما يفسر اقتراب الكنيسة وتأييدها لنظام مبارك حتى آخر لحظة قبل سقوطه لأنها كانت ترى فيه الضمانة والحماية لحقوق الأقباط.
    2. دعم الكنيسة لسيناريو التوريث حيث لم يُخفِ قادة الكنيسة تأييدهم لتوريث الحكم لجمال مبارك، بل أعلن البابا شنودة وغيره من قيادات الكنيسة صراحة أن جمال مبارك هو الأصلح لتولي الحكم بعد والده، وأن غالبية الشعب تفضّل ذلك رافضًا اعتبار ذلك نوعًا من التوريث "لكن مسألة كفاءة شخصية لشخص معين، خاصة أننا لا نجد من يرشح نفسه أمامه"(14).
    3. استغلال الكنيسة لضعف النظام وحاجته إليها لتدعيم شرعيته، فدفعته لتقديم المزيد من التنازلات للكنيسة في مواقف عدة. في هذا الصدد، فإن البابا شنودة رفض مبدأ المعاملة بالمثل في دور العبادة، ورفض تضمين مشروع القانون الخاص بدور العبادة الموحد بندًا بإخضاع أموال الكنائس للرقابة المالية، كما رفض إخضاع الكنائس والأديرة للتفتيش على غرار دور العبادة الإسلامية"، وكثيرًا ما تجاهلت الكنيسة القوانين المنظمة لبناء وترميم الكنائس عبر تحويل بعض المباني الخدمية التابعة للكنائس والأديرة إلى كنائس واضعة الدولة أمام الأمر الواقع"(15).
    4. الدور المؤثر لأقباط المهجر لاسيما في الولايات المتحدة؛ حيث لعب هؤلاء دورًا مهمًا في تحديد العلاقة بين الدولة والكنيسة خلال عهد مبارك من خلال تكوين ما يمكن تسميته: جماعة ضغط على الطرفين في مواجهة ما يعتبرونه التمييز والاضطهاد الذي يعاني منه الأقباط في مصر "واللافت أنه منذ ظهور أقباط المهجر على السطح في الثمانينات أصبحوا طرفًا فاعلاً في السياسة المصرية عن طريق استخدامهم من قبل النظام كفزاعة يرهب بها الداخل (أي أقباط الداخل من خلال اتهامهم بمحاولة تدويل قضية الأقباط)، ومن ناحية أخرى أصبحوا طرفًا في العلاقة بين النظام والكنيسة"(16).
    5. استغلال التوترات الطائفية وتوظيفها سياسيًا بدلاً من حلها؛ ولذلك كان عادة ما يتم الاعتماد على التسويات العرفية للمشاكل الطائفية خارج نطاق سلطة القانون؛ مما يرى البعض أنه السبب الرئيس في فشل الطرفين في إيجاد حلول جذرية وحاسمة لمشاكل الأقباط بل وأسهم في مزيد من الاحتقان الطائفي.

    الأقباط والكنيسة وثورة 25 يناير/كانون الثاني

    يمكن القول: إن تمرد قطاع من الأقباط على سلطة الكنيسة أمر سابق على ثورة يناير/كانون الثاني؛ وهو ما تمثل في انخراط عدد من الشخصيات القبطية في الحركة السياسية المناوئة لنظام مبارك، مثل: أمين إسكندر وجورج إسحق، اللذين أسهما في تأسيس الحركة المصرية من أجل التغيير، كفاية، والتي كانت أحد روافد الثورة؛ فقد أسهم فشل النظام وعجزه عن الاستجابة لمطالب المصريين، بمن فيهم الأقباط، وتزايد الاعتداءات ضدهم، في خلق حالة من التمرد في أوساط الشباب والطبقة الوسطى من المسيحيين. ولم يكن هذا التمرد ضد سلطة مبارك فحسب وإنما كان قبل ذلك ضد سلطة الكنيسة، وقد تمثل ذلك في ظهور ما سُمّي بالتيار العلماني المسيحي. من هنا، فإن ثورة 25 يناير/كانون الثاني شكّلت فرصة للأقباط لإعلان رفضهم لهذه السياسات، وهذا ما بدا واضحًا في رفضهم لدعوة الكنيسة لهم بعدم المشاركة في المظاهرات والاعتكاف داخل كنائسهم، كما ظهر ذلك في اللافتات والهتافات التي رددها الأقباط في ميدان التحرير خلال الثورة. ولم تكن الدوافع السياسية والشعور بالتهميش داخل المجتمع هي السبب الوحيد وراء تمرد "شعب الكنيسة" على كنيستهم والسعي للخروج عن سلطة قيادتها، بل ثمة أسباب تخص شؤون الأقباط الشخصية وتمثلت في رفض الكنيسة منح المطلَّق أو المطلَّقة حق الزواج الثاني، وهو ما ساهم في اتساع دائرة التمرد على سلطة الكنيسة، لاسيما أن هناك الآلاف من الأقباط تضرروا من إلغاء العمل بلائحة 38 التي كانت تبيح الطلاق والزواج الثاني.

    هكذا حملت ثورة يناير/كانون الثاني، في تفاصيلها، ثورة أخرى تخص المسيحيين، تمثلت في الثورة على دور الكنيسة.

    وعلى ضوء ذلك، كانت الثورة نقطة فارقة في العلاقة بين الأقباط وكنيستهم، فبينما كان شباب الأقباط يهتفون في ميدان التحرير ضد استبداد مبارك وسلطة الكنيسة، بقيت قيادة الكنيسة تراهن على بقاء النظام حتى اللحظة الأخيرة. لكن مع نجاح ثورة يناير/كانون الثاني في إسقاط رأس النظام تغير موقف الكنيسة من الثورة، فراحت في بيان "تحيي شباب مصر النزيه الذي قاد مصر في ثورة قوية بيضاء وبذل في سبيل ذلك دماء غالية؛ دماء شهداء الوطن الذين مجّدتهم مصر قيادة وجيشًا بل مجدهم الشعب كله"(17).

    لقد كان من أهم مكتسبات الثورة أنها أخرجت قطاعًا كبيرًا من المسيحيين إلى الفضاء العام والانخراط في الحياة السياسية بعيدًا عن جدران الكنائس. تمثل ذلك في حضورهم اللافت في ميدان التحرير خلال أيام الثورة الثمانية عشرة وما بعدها؛ ففي الأيام الأولى التي أعقبت رحيل مبارك بشّر عدد من رموز النخبة المسيحية، من المحسوبين على ما يُسمى بالتيار العلماني المسيحي، بانتهاء الدور السياسي للكنيسة، بل انطلقت دعوات تطالب الكنيسة بأن تطوي صفحة الماضي وتبدأ مرحلة جديدة "تتطلب أن تقوم الكنيسة بدور وطني في المساهمة في خلق وتنشئة أبناء الكنيسة على لعب دور مهم مع باقي المصريين في بناء وطن يفرض احترام مصر والمصريين في الداخل والخارج، والقيام بتصحيح المفاهيم الخاطئة حول انعزال الشعب المسيحي عن السياسة، وتشكيل لجان داخل الكنائس لرفع الوعي السياسي للمسيحيين لمعرفة الأوضاع المحيطة بهم من أحزاب ومؤسسات"(18).

    لم يقف تمرد الشباب القبطي على دور الكنيسة عند حدود لحظة رحيل مبارك بل استمر محاولاً تغيير الصيغة القديمة التي احتكرت فيها الكنيسة الحديث باسم المسيحيين طوال سنوات حكم مبارك الطرف والتفاوض باسم المسيحيين مع النظام والدولة. وهو ما تمثل في الاعتصام والتظاهر أمام ماسبيرو عقب أحداث كنيسة صول بمدنية أطفيح بالجيزة وما تلاها من أحداث مشابهة في إمبابة وأسوان؛ وقد عبّر هذا الخروج في رأي البعض عن "تدشين لهذا الانفصال السياسي عن السلطة الكنسية، كما أسهمت الثورة في تشكيل العشرات من التنظيمات والحركات والاتحادات القبطية التي لم تتبلور أهدافها ولكنها تؤكد على الاستقلالية عن الكنيسة والانفصال السياسي عنها"(19). وأعقب ذلك انخراط الأقباط في عدد من الحركات السياسية والانضمام للأحزاب السياسية التي تأسست بعد الثورة، مثل: حزب المصريين الأحرار والمصري الديمقراطي الاجتماعي"؛ حيث يبلغ تواجدهم في قيادة حزب المصريين الأحرار أكثر من 30 في المائة وفي قيادة الحزب المصري الديمقراطي نحو 23 في المائة"(20).

    أنعشت هذه العودة للمسيحيين للفضاء العام المصري والرغبة في انتزاع الحقوق عبر بوابة المواطنة، الآمال في بناء دولة جديدة جامعة للمصريين مسلمين وأقباطًا، وكسر العزلة التي ميزت المسيحيين لعقود طويلة. لكن هذا الشعور الرومانسي لازمه سؤال حول ما إذا كان خروج الأقباط لمعترك السياسة أمرًا طارئًا ولحظيًا أم يعكس تحولاً مهمًا ومستمرًا على ضوء ما تشهد الساحة السياسية المصرية من تطورات؟ وهل يمكن أن تدفع هذه التطورات الأقباط للعودة مرة أخرى داخل أسوار الكنيسة؟

    هذا السؤال حمل بين طياته مخاوف مبطنة من أن تؤدي تداعيات الأحداث إلى تبدد فكرة الجماعة الوطنية المصرية التي تجلّت في أوضح صورها في ميدان التحرير. وقد تبين لاحقًا أن هذه المخاوف كان لها ما يبررها.

    الأقباط والمرحلة الانتقالية: انحسار التفاؤل

    شهدت المرحلة الانتقالية، التي تولى فيها المجلس العسكري بقيادة المشير حسين طنطاوي السلطة بعد تنحي مبارك، سلسلة من الإجراءات والأحداث أسهمت في انتكاس هذه الآمال ودفعت كثيرًا من الأقباط للارتداد إلى داخل أسوار الكنائس. في هذا الإطار، يمكن رصد مجموعة من التطورات التي شهدتها هذه المرحلة الانتقالية، لعلها تقدم تفسيرًا لارتداد قطاع من الأقباط الذين خرجوا في ثورة يناير/كانون الثاني، إلى داخل جدران كنائسهم:

    • أولاً: تصاعد الاعتداءات على الكنائس والممتلكات المسيحية بعد أيام قليلة فقط من رحيل مبارك؛ ففي شهر مارس/آذار 2011 وقعت ثلاث حوادث، الأولى: كانت هدم كنيسة صول في مدينة أطفيح بالجيزة، وأعقبها بأيام أعمال قتل وتخريب لعدد من بيوت وممتلكات المسيحيين في منطقة المقطم بالقاهرة، ثم حادثة قطع أذن مواطن مسيحي في محافظة قنا. وفي شهر مايو/أيار 2011، أُحرقت كنيسة مار مينا في حي إمبابة الشعبي بالجيزة، وسقط خلال الاشتباكات التي صاحبت الحادث عدد من القتلى والجرحى من المسلمين والمسيحيين، ثم هدم كنيسة المريناب في أسوان بجنوب مصر.
    • ثانيًا: لجوء قيادة المجلس العسكري إلى نفس المعالجات القديمة لنظام مبارك في مواجهة الأزمات التي أعقبت الاعتداءات على بعض الكنائس؛ فسعت إلى تسويات عرفية مثلما حدث في أزمة كنيسة صول. كما أن السلطة الانتقالية ظلت على النهج السابق في التعامل مع الأقباط من خلال البابا شنودة باعتباره، المعبّر عن مصالحهم.
    • ثالثًا: حادثة ماسبيرو: وقعت في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2011، وكانت الأخطر في أحداث العنف ضد الأقباط لأنها شكّلت انعطافة كبيرة في علاقة الأقباط بالوطن والكنيسة، كما أنها شكّلت مواجهة مباشرة وغير مسبوقة بين المسيحيين وقوات الجيش خلال الاعتصام الذي نظّمه مسيحيون أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون للمطالبة بالتحقيق في ملابسات هدم كنيسة في قرية المريناب. وقد سقط خلال هذه الأحداث نحو 23 قتيلاً من المسيحيين وأُصيب العشرات. وتعالت الأصوات داخل الكنيسة خلال تشييع جثامين القتلى بشعار "يسقط يسقط حكم العسكر". ورغم أن الحادث أثار غضب الكنيسة التي رفضت استقبال أعضاء من العسكر، فإنه وجّه ضربة قوية لخروج الأقباط للحياة السياسية بعيدًا عن جدران كنيستهم.
    • رابعًا: تصاعد النزعة الطائفية: فقد تحول أول استحقاق سياسي بعد تنحي مبارك، والذي تمثل في الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس/آذار 2011، إلى حالة من الفرز والاصطفاف الطائفي وتقسيم المجتمع عند بعض القيادات السلفية بين مسلمين مؤيدين ومسيحيين معارضين. فبينما وصف الداعية السلفي محمد حسين يعقوب نتائج الاستفتاء التي جاءت لصالح نعم بـ"غزوة الصناديق"، وردت دعوة بعض الرهبان لأتباعهم بالتصويت بلا.
    • خامسًا: التقاء المصالح بين النظام تحت حكم المجلس العسكري والكنيسة، أسهم في احتواء هذا الخروج الكبير للأقباط للمشهد السياسي؛ فقد وجدت الكنيسة في هذا الخروج وما صاحبه من تشكيل عدد من الحركات السياسية سحبًا للبساط من تحت أقدامها، بينما وجد النظام نفسه أمام العديد من الجماعات التي تتحدث باسم المسيحيين بعد أن كان في السابق يتعامل مع طرف واحد هو الكنيسة؛ فسعى الطرفان للعمل على إعادة الصيغة القديمة التي كانت في عهد مبارك في مواجهة الوضع الجديد، "ولعل من أبرز مظاهر ذلك الجلسات التي كانت تتم بين قادة وكهنة الكنيسة وأعضاء في المجلس العسكري لاحتواء الأزمات المتكررة ومطالبة المعتصمين الأقباط بفض اعتصاماتهم"(22).
    • سادسًا: إخفاق التيارات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون خلال هذه الفترة، في تبديد مخاوف المسيحيين من تداعيات صعود الإسلاميين على أوضاعهم. صحيح أن الإخوان المسلمين بذلوا محاولات جادة عقب الثورة لطمأنة الأقباط، بل شكّلوا في ذروة تصاعد العنف الطائفي لجانًا شعبية لحماية وتأمين الكنائس لاسيما في أعياد الميلاد عام 2012، لكن التزامن اللافت بين صعود الإسلاميين وتصاعد الاعتداءات على كنائس وممتلكات الأقباط، ألقى بظلاله على تلك المحاولات.
      أدت العثرات التي شهدتها تلك المرحلة إلى انحسار حماس مسيحيين كثيرين ممن خرجوا للميادين أثناء وبعد الثورة، لكنها لم تبدد التفاؤل لدى مسيحيين آخرين ظلوا على تمسكهم وسعهيم لانتزاع حقوقهم عبر دولة المواطنة وبعيدًا عن وصاية الكنيسة.

    الأقباط والكنيسة وفوز محمد مرسي

    سعى الدكتور محمد مرسي خلال حملة الانتخابات الرئاسية لطمأنة الأقباط في حال فوزه ووعد بأنه سيعمل على أن يكون رئيسًا لكل المصريين على قدم المساواة، كما تعهد لعدد من القوى السياسية بجملة من التعهدات، فيما عُرف باتفاق فيرمونت، وذلك عشية إعلان نتائج الانتخابات، كان من بينها تعيين نائب قبطي. وقد انقسم الأقباط حيال فوز الدكتور مرسي بين من رأى في وصول رئيس إسلامي للسلطة نهاية للدولة المدنية وبداية لتكريس الدولة الدينية، وبين من رآه انتصارًا لثورة يناير/كانون الثاني وأهدافها، لكن الجميع اتفق على ضرورة أن يكون الحكم على الرئيس الجديد استنادًا على الأفعال وليس المخاوف.

    لكن الخطاب التطميني للرئيس مرسي ولجماعة الإخوان المسلمين عن دولة المواطنة لم يبدد مخاوف الأقباط؛ وهذا يعود كما يرى البعض لأنه لم ترافقه إجراءات ملموسة على الأرض، بل إن مرسي لم يفِ بتعهده الخاص بتعيين نائب قبطي واكتفى بتعيين شخصية قبطية هي سمير مرقص مساعدًا للرئيس لشؤون التحول الديمقراطي. ورغم إقرار كثير من المسيحيين بأن أوضاعهم في عهد مبارك كانت سيئة خصوصًا في السنوات الأخيرة التي شهدت تزايد الاعتداءات على كنائس المسيحيين وممتلكاتهم؛ فإن بعض الأقباط يرى أن الوضع في ظل حكم الإخوان المسلمين لم يكن أفضل حالاً بل ازداد سوءًا، مثل سليمان شفيق الباحث في شؤون المواطنة الذي اعتبر هذا التحول بمثابة انتقال "من الدولة الرخوة إلى الدولة الفاشلة، فضلاً عن أن الرئيس مرسي لا يملك مقومات الدولة فهو ذراع الجماعة في مؤسسة الرئاسة"(24). ويستند أصحاب هذ الرأي إلى استمرار الممارسات القديمة كالتمييز ضد المسيحيين وتقييد ممارسة حقوقهم، كما بقيت نفس المشاكل القديمة كالتهميش في الوظائف ودور العبادة بل زاد عليها "اتهام المسيحيين بأنهم ضد ثورة يناير وأنهم في غالبيتهم فلول، والحقيقة أن هذه هي إحدى التهم الجاهزة التي يستخدمها النظام الحالي (مرسي) لتشويه أي طرف يعارضه تمامًا كما كان يفعل النظام السابق (نظام مبارك)"(25).

    بلغ الصدام بين الكنيسة ونظام الرئيس مرسي ذروته بقرار ممثلي الكنائس المصرية الانسحاب من الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور اعتراضا على المادة 219 من دستور 2012 والخاصة بتفسير مادة الشريعة الإسلامية، فجرى تمرير مشروع الدستور في غياب ممثلي الكنيسة وكان ذلك إشارة قوية إلى عمق الأزمة بين نظام مرسي والكنيسة التي استغلت أجواء الأزمة والقلق لاستعادة المسيحيين لحضنها والتأكيد على أنها الملاذ. ومع تصاعد حالة الاستقطاب السياسي بين الإخوان المسلمين وخصومهم السياسيين، لاسيما بعد الاعلان الدستوري المكمل الذي أعلنه الرئيس مرسي في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 وخروج مظاهرات حاشدة ضد هذا الإعلان، وجد الأقباط ومعهم الكنيسة أنفسهم في مرمى الاتهامات؛ فقد اتهم أنصار الرئيس مرسي الكنيسة بالمشاركة فيما أعتبروه المؤامرة الرامية لإفشال الرئيس المنتخب، وبالوقوف وراء تمويل ودعم ما سُمي بتنظيم (البلاك بلوك)؛ حيث وصف المهندس خيرت الشاطر معارضي الرئيس مرسي بأنهم "أقباط وفلول وعلمانيون"(26).

    ما بعد تولي البابا الجديد

    تولى الأنبا تواضروس منصبه رسميًا كبطريرك للأقباط الأرثوذكس في مصر قبل ثلاثة أيام فقط من انفجار أزمة الإعلان الدستوري المكمل، وما تلاه من تداعيات سياسية، فكانت هذه أول أزمة سياسية تواجهه لاسيما أنها فر

    نبذة عن الكاتب