المسار الثوري السوري في أعقاب الهجمات على أحرار الشام

خسرت حركة أحرار الشام قادتها الرئيسيين في عملية اغتيال لا تزال غامضة، فبات تماسكها ودورها في الجبهة الإسلامية معضلة تواجه قيادتها الجديدة.
20149147462734734_20.jpg
(الجزيرة)
ملخص
ترك الهجوم على قادة كتائب أحرار الشام في التاسع من سبتمبر/أيلول 2014 أسئلة أكثر ممّا قدم من إجابات للمراقبين على المستويين الداخلي والخارجي. يُقدّم هذا التقرير معلومات حول ما وُصِفت بـ"الحركة الإسلامية المعتدلة"، كما يُلخص ما تأكد بشأن هذا الهجوم حتى تاريخ نشر هذا التقرير، ويُحلّل المعلومات فيما يتصل بالفاعلين الأكثر ترجيحًا وما يمكن أن يحققه كل منهم من مكاسب، ويختتم بمناقشة مستقبل الحركة وكذلك التبعات على المجموعات التي تنضوي تحت مظلة الجبهة الإسلامية، وغيرها من "الحركات الإسلامية المعتدلة" التي تقاتل في سوريا.

مقدمة

قُتِل ثلاثون على الأقل من قادة كتائب أحرار الشام في التاسع من سبتمبر/أيلول 2014، وذلك في هجوم نزل كالصاعقة على المجموعات العسكرية والمدنية المعارضة لبشار الأسد. ترك الهجوم الكثير من الأسئلة، ومن أبرزها: ما هو نوع جهاز التفجير الذي تم استخدامه؟ ومَنْ بإمكانه أن يتسلل إلى هذا الاجتماع السريّ في منطقة بعيدة حيث من المؤكد أن يُلاحَظ أيّ غريب، وذلك في منطقة من ريف إدلب تُسمّى رام حمدان؟ وكيف تمّ زرع الجهاز بالقرب من مقر الاجتماع تحت الأرض حيث كان يجتمع القادة؟ ومتى تمّ التخطيط للعملية؟ ولماذا تم استهداف هؤلاء القادة، وهذه الكتائب بالتحديد؟ بينما يُعدّ كل ما ذُكِر أسئلةً معقولةً، فإن السؤال الرئيسي الذي يتوجب الإجابة عليه هو أبسط من ذلك بكثير، وسيقدم معلومات أكثر لأولئك الذين يتساءلون بشأن مستقبل الثورة السورية عمومًا وما يوصف بـ"الحركة الإسلامية المعتدلة" على وجه التحديد، وهو: من يقف وراء هذا الهجوم؟

هنالك الكثير من التكهنات حول من يمكنه أن يخترق هذه المجموعة البارزة وأن يزرع جهاز تفجير قِيل إنه أدّى إلى موت قادتها اختناقًا (1). ورغم أنه من غير الممكن الوصول إلى استنتاجات على نطاق واسع، وذلك في ضوء غياب دليل ملموس وتحقيق شامل على وجه التحديد، غير أن الإدراك السليم يُملي وجود مشتَبهيْن رئيسيَّيْن: نظام الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية، بسبب الحرب المعلنة بين هذه الأطراف. ومع ذلك، إذا أخذنا بعين الاعتبار التوتر حديث العهد بين فصائل الجيش الحر والمجموعات الأكثر تشددًا مثل جبهة النصرة أو المجموعة التي تسمي نفسها الدولة الإسلامية، فإن قائمة المُشتبهين يمكن أن تطول وأن تكون أكثر تعقيدًا. وفي الحقيقة، إن المحللين سيُسيئون إلى أنفسهم إن هم أغفلوا الفاعلين الأقل وضوحًا. يُقدّم هذا التقرير قدرًا من المعلومات بشأن الحركة (حركة أحرار الشام)، كما يُلخص التفاصيل المؤكدة بشأن الهجوم حتى تاريخ نشر هذا التقرير، ويُحلّل المعلومات فيما يتعلق بالفاعلين الأكثر ترجيحًا وما يمكن أن يحققه كل منهم، ويختتم بمناقشة تبعات هذا الهجوم على أحرار الشام وغيرها من الحركات الإسلامية المعتدلة في سوريا.

ما هي حركة أحرار الشام؟

حركة أحرار الشام هي إحدى الكتائب الرئيسية التي تقاتل نظام الأسد، وتُعتبر حركةً "معتدلةً" بسبب تسامحها واستعدادها للتعاون مع المجموعات الأخرى في ساحة القتال، وتنضوي تحت مظلة الجبهة الإسلامية، وهي مكونة من سبعِ مجموعات ثورية توحدت في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 لقتال جيش نظام الأسد. وبينما يَعُدُّ المقاتلون أنفسهم إسلاميين (الاسم واضح من حيث الانتماء الديني)، فإنهم يتعاونون مع الكتائب العلمانية ومتحالفون مع الجيش السوري الحر، وينسقون في الغالب العمليات ضد جيش النظام. وفي موقعها على الإنترنت، تُعرّف حركة أحرار الشام نفسها كما يلي: 

حركة أحرار الشام الإسلامية حركة إسلامية إصلاحية تجديدية شاملة، إحدى الفصائل المنضوية والمندمجة ضمن الجبهة الإسلامية، وهي تكوين عسكري، سياسي، اجتماعي، إسلامي شامل، يهدف إلى إسقاط النظام الأسدي في سوريا إسقاطًا كاملاً، وبناء دولة إسلامية، تكون السيادة فيها لشرع الله -عز وجلَّ- وحده مرجعًا وحاكمًا وموجهًا وناظمًا لتصرفات الفرد والمجتمع والدولة (2).

حسن عبود، والذي يُكنّى بأبي عبد الله الحموي، كان القائد العسكري لحركة أحرار الشام، كما كان القائد السياسي للجبهة الإسلامية قبل هجوم التاسع من سبتمبر/أيلول الذي تسبب بمقتله إلى جانب ثلاثين آخرين على الأقل. عمل عبود في السابق مدرسًا للغة الإنجليزية حيث تم سجنه من قِبَل نظام الأسد، على غرار الكثير غيره في الحركة (3). وحسب بعض التقديرات فإن الجبهة الإسلامية تضم خمسين ألف مقاتل (4)، ومن ضمنهم عشرة إلى عشرين ألف مقاتل تحت راية أحرار الشام (5).

يُنظر إلى الكتائب بوصفها مجموعة إسلامية "معتدلة" لأكثر من مجرّد تسامحها واستعدادها للتعاون؛ ففي أكثر من مناسبة أدان عبّود تنظيم الدولة الإسلامية، وبما فيها مقابلة في هيئة الإذاعة البريطانية مع بول وود في يونيو/حزيران 2014، قائلاً: "إنهم النسخة الملتحية من الشبيحة [الميليشيا الموالية للنظام التي يخشاها الناس]. يمثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام -داعش- الصورة الأسوأ من الإسلام على الإطلاق" (6). ولاحقًا في المقابلة، تابع عبود ليشير إلى أن الحركة اقتصرت في نضالها على سوريا، أما الدولة الإسلامية فلديها أهداف أوسع من حيث الاستيلاء على الأرض، والانتشار الجغرافي والسلطة (7).

تيسير علوني، الصحفي الذي أمضى وقتًا معتبرًا في تغطية الفصائل العسكرية الثورية في سوريا، يقول: إن أيديولوجية أحرار الشام تُعدّ فريدةً من بين المجموعات السلفية الجهادية؛ حيث تدعو الحركة إلى المرونة وهي متناغمة مع المجتمع الذي تعيش فيه. وعلى سبيل المثال، فإنه قد شهد على إنقاذ قيادة الحركة، في أكثر من مناسبة، لصحفيين أجانب تم اعتقالهم على أيدي الدولة الإسلامية (8). أخيرًا، فإن الحركة لا يُنظر إليها من قبل الجمهور السوري بوصفها متعطشةً للشهرة أو السلطة، فضلاً عن أن النشطاء السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي غالبًا ما يصفون الحركة بأنها تعمل بصمت وبطريقة منظمة (9) على الأرض دون لجوئها إلى الوعظ الدائم للجمهور الذي تُظهره بعض الكتائب المقاتلة الأخرى في سوريا.

تفاصيل الهجوم

كما هي الحال مع أي هجوم غير متوقع وعلى نطاق واسع من هذا النوع، بدأت الشائعات تطوف على مواقع التواصل الاجتماعي بعد دقائق من تسرب الخبر. وأيضًا، كما كان نموذج تغطية الثورة السورية، تظهر الأخبار أولاً على صفحات التواصل الاجتماعي ثم تَنقل وسائل الإعلام التقليدية الخبر نقلاً عن هذه الصفحات ثم تعلن لاحقًا عن معلومات أكثر تفصيلاً. ولم تكن حال تغطية الاغتيال على أحرار الشام مختلفة في هذا السياق.

ومع ذلك، فبعد أكثر من أربع وعشرين ساعة من الهجوم، لم يتبن أحد الهجوم. وما أصبح واضحًا هو أن سبب الوفاة كان الاختناق، طبقًا لمصادر متعددة، بمن فيهم طبيب منخرط في الحركة (10). عيّنت الحركة قيادةً جديدةً، ولكنها لم تُفصح بعد عن الجهات التي قد تكون وراء الاغتيال، وأكدت فقط سبب الوفاة ووزعت صورًا  للقتلى.

وفقًا لتقارير إخبارية، قد يكون الاختناق حدث نتيجة لثلاثة أسباب محتملة، أشارت التقارير الأولية إلى أن انتحاريًا تسلل إلى مكان الاجتماع أو إلى أن سيارة مفخخة قد انفجرت قرب المكان؛ ومع ذلك، فإن جروح القتلى لا تتوافق مع هذه النظرية (11). كما تعدّ الغارة الجوية الحكومية احتمالاً آخر، مع تكهن البعض بأن تلك الغارة قد استهدفت مخزن ذخيرة قريب، وهو ما أشعل نارًا وبالتالي ملأ مكان الاجتماع تحت الأرض بالدخان (12). ومع ذلك، فإن الضرر الناتج يبدو متناقضًا مع ضربة جوية كهذه. أخيرًا، تكهّن البعض بأن ما حدث كان هجومًا بالغاز الكيميائي على هؤلاء القادة، نظرًا لأن بعض الشهود قالوا إنهم رأوا الرجال يختنقون وآخرين يزحفون في محاولة منهم للهرب. السيناريو الأخير ينسجم بالتأكيد مع هجمات نظام الأسد السابقة على المدنيين؛ ومع ذلك، ودون إجراء تحقيق مهني، يستحيل تأكيد هذه النظرية أيضًا.

وحتى وقت نشر هذا التقرير، فإن أمرًا واحدًا قد اتضح بشأن الهجوم وسبب الاغتيال، وهو موجود في تقرير طبيب أحرار الشام الذي يذكر: 

"بعد معاينتي لجثث [الشهداء تقبلهم الله] تبيّن لي أن سبب الوفاة هو استنشاق غاز ربما يكون سامًا؛ حيث ظهرت على الجثث جميعها حالات الاختناق من ازرقاق في الوجه، ومحاولة تمزيق الثياب، وبعض الخدوش بالأظافر. ولا توجد أية آثار تدل على الوفاة بتفجير أو ما شابه، فلم أرَ أية جروح بالجسم تؤدي للوفاة، ولم أر أيّة شظايا في المكان، وما تحدّث عنه البعض من سماع صوت تفجير في المنطقة من الممكن أن يكون تمويهًا من الجهة التي خططت لهذا العمل" (13).

الفاعل الأكثر ترجيحًا

من خلال تصفح تغريدات منتسبي الدولة الإسلامية التي تحتفل بالهجوم، يبدو واضحًا أن هناك عداوة بين رجال زعيم الدولة الاسلامية أبو بكر البغدادي والجبهة الإسلامية، بمن فيهم أحرار الشام. هذه العداوة ليست سرًا، خاصةً في ضوء إدانة عبود قائد أحرار الشام لتنظيم الدولة علانيةً وفي أكثر من مناسبة. ومع ذلك، فإن الدولة الإسلامية لم تتبنَّ الاغتيال. وفي الحقيقة، فإن العديد من المدافعين والمتعاطفين مع الدولة الاسلامية يتهمون أعضاء مُبْهمين في المجتمع الدولي بارتكاب الهجوم لوقف كل الحركات الجهادية في سوريا. وأحد هذه الأمثلة هو الدكتور إياد القنيبي، الذي بث التغريدة التالية بعد الهجوم:

#استشهاد_قادة_أحرار_الشام
يدل على أن الحملة الدولية القادمة ليست لاستئصال جماعة الدولة، بل لاستئصال جهاد الشام، وهذه أولى خطواتها؛ ربِّ رُدَّ كيدهم.

تُعدّ هذه التغريدة مهمة على أكثر من مستوى، أولاً: لأنها تحاول أن تساوي بين الدولة الإسلامية وغيرها من الحركات الأكثر اعتدالاً، وهو ما أدانه عبود وأحرار الشام بشكل متكرر.

وثانيًا: لأن التغريدة تفيد ضمنًا بأن الثورة السورية تتمركز حصريًا حول أهداف جهادية تتوافق مع هدف تنظيم الدولة، وهو ما يصرف النظر عن أن الهجوم في الواقع قد استهدف ما يمكن اعتباره فصيلاً ثوريًا "معتدلاً".

أخيرًا، وهو أكثر أهميةً، لأنها تحصر الخيارات في سوريا بين: نظام الأسد أو تنظيم الدولة الإسلامية؛ والمجتمع الدولي أعلن بوضوح أن ضرب الدولة الإسلامية يشكل أولويةً في العراق وسوريا، فضلاً عن أن الضربات على الدولة الإسلامية أضحت حقيقة وأسرع من أي تهديدات فارغة أطلقها باراك أوباما سابقا بشكل علني ضد نظام الأسد.

تضم قائمة المشتبهين الواضحين نظامَ الأسد، الذي له حصة في اقتلاع أية فصائل معتدلة يمكن أن تشوّش روايته بشأن "محاربة الإرهاب"، والدولةَ الإسلامية، التي تحارب بفعالية الفصائل المعتدلة في دير الزور والرقة، لأنهم يشوّشون رواية تنظيم الدولة بشأن "الدولة الإسلامية". ومع ذلك، فإن النظام والدولة الإسلامية لا يشكّلان المجموعات الوحيدة التي من الممكن أن تستفيد من الهجوم على ما يوصف بالفصيل الثوري المعتدل أو أن تكون في موقف يمكّنها من أن تنفذ مثل هذا الهجوم غير المتوقع. حمزة مصطفى، الباحث المساعد في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يقول: بينما لا يمكن في هذه المرحلة أن نحدد الفاعل بدقة، فإنه يُعتقد بوجود بعض الأدلة التي تدعم وجود انقسامات أيديولوجية حقيقية ضمن أحرار الشام (14). هذه الانقسامات تجسدت في معسكرين مختلفين: ذلك الأكثر توافقًا مع موقف عبود المعتدل، ومعسكر آخر أقرب إلى الحركات التي تركز أكثر على الجهاد (15). مثل هذا الانقسام يمكن أن يجعل أولئك الذين يشعرون بأن حركة الأحرار تبتعد عن هدفهم في "رفع راية الإسلام" يحُوِّلون الخلاف إلى قتال.  

حتى الآن، تناول النقاش الفاعلين الداخليين الذين لديهم مصلحة في انقسام الحركة أو على الأقل في إضعافها. مع ذلك، فالحقيقة أن هناك فاعلين مرجحين من الخارج، والأوضح من بينهم إيران، المنافس البارز الذي يستمر في تقديم الدعم المادي لنظام الأسد والذي لديه مصلحة في الاستمرار بالمراهنة عليه بوصفه رجله في سوريا. لن يكون من المفاجىء على الإطلاق إن اكتشفنا أن إيران أو أيّ عضو في المجتمع الدولي كان بإمكانه بطريقة ما أن يتسلل إلى الحركة وأن ينفذ هجومًا من هذا النوع. استفادت إيران من رواية "الحرب على الإرهاب" التي يستخدمها كل من الأسد والقادة في العالم الغربي (بما فيهم الولايات المتحدة) من أجل الدفاع عن سياساتهم في كلٍّ من سوريا والعراق، وإن هجومًا من هذا النوع على ما يعتبره الكثيرون مجموعة إسلامية "معتدلة" تقاتل نظام الأسد سوف يُعلِي ويُقوِّي حجتهم إمّا الأسد أو "الإرهابيون" (تنظيم الدولة الإسلامية على سبيل المثال).

في هذا الوقت، من المهم للمحللين، عندما يحاولون فهم ما حدث في 9 سبتمبر/أيلول 2014، أن يأخذوا في اعتبارهم كل هذه السيناريوهات المحتملة بما فيها اعتبار أن الهجوم كان مجرد حادث، وإلى حين اتضاح سبب الاغتيال بالكامل، فمن الصعب تحديد الفاعل، لأن معرفة كيف قُتِل قادة الأحرار له دور أساسي في تحديد مَنْ قتلهم.

مستقبل "الحركات الإسلامية المعتدلة"

بينما تُعدّ حركة أحرار الشام عضوًا معتبرًا ورئيسيًا في الجبهة الإسلامية، فإنها لا تخلو من نقاط الضعف أو الانقسامات. ويعدّ الهجوم في الواقع ضربةً موجعةً للحركة، وخاصةً في الوقت الحاضر (16)، الوقت الذي يعتبره كثيرون حرِجًا للمعارضة التي تقاتل نظام بشار الأسد. تباهت أحرار الشام بعددٍ من الإنجازات منذ تشكيل الجبهة الإسلامية، ومن ضمنها ضرب معاقل النظام، وتعزيز مكانتها بين المجموعات الثورية الأكثر تسليحًا، وقيادتها لمعارك مهمة في الرقة، ومهاجمة مواقع النظام على شبكة الإنترنت، وتطوير شبكات واسعة لتزويد السكان المدنيين بالطعام والماء والوقود (17). كما أن الحركة قد فتحت عدّة مدارس في إدلب وحلب وحماة، مُركِّزةً على أهمية تعليم الأطفال (18). تحمل سيناريوهات المستقبل بالنسبة للحركة تداعيات أوسع يمكن أن تؤثر على الحركات "الإسلامية المعتدلة" التي تقاتل نظام الأسد في سوريا.

كانت حركة أحرار الشام تتعامل من قبل مع عدد من التحديات، ومن ضمنها نقاط الضعف في رسالتها الأيديولوجية، وانخراط الدولة الإسلامية في النزاع السوري، وتراجع الدعم المالي من الداعمين لها؛ وهو ما يشير إلى أن تماسك الحركة كان مهددًا من قبل (19). حتى ولو لم يؤد الهجوم إلى انقسام في أحرار الشام، فإنه من الممكن أن يُضعفها على المدى القصير في كلٍّ من ساحة القتال وفي عيون "منافسيها".

ستكون المرحلة التالية بالنسبة لحركة أحرار الشام محفوفةً بالمخاطر، فهي تحتاج أن تضمن أن قادتها الجدد مقبولون بشكل جيد من حلفاء قادتها الذين قُتِلوا، كما أنها تحتاج لتوضيح أهدافها وتحديد مسارها، ليس فقط على المدى القصير، ولكن على المدى الطويل أيضًا. ما يُعدّ أكثر أهميةً هو تحديد التهديدات وحماية القيادة والتي يجب أن تكون أولوية بالنسبة للحركة إذا أرادت البقاء والاستمرار. إن تعيين الأحرار السريع لهاشم الشيخ، والمعروف أيضًا بأبي جابر، كقائد، وتعيين أبي صالح طحان كنائب له يعدّ نوعًا من التطمين ويشير إلى حقيقة أن الحركة مستعدة بشكل جيد من حيث القيادة، وكذلك من حيث الاستمرار في القتال باتجاه تحقيق هدفها المعلن بتدمير النظام.

إن لم تستطع أحرار الشام البقاء خلال الأشهر القليلة التالية، فإن ذلك سيُعدّ ضربةً للجبهة الإسلامية وكل ما استطاعت أن تحققه مقارنة بالصورة الوحشية للإسلام التي كرَّستها الدولة الإسلامية. وبالنسبة لنظام الأسد، ولإيران، وللمجتمع الدولي، فإنه يناسبهم أكثر أن يتم تنقية ساحة القتال من كل الفصائل المعتدلة الإسلامية منها وغير الإسلامية، لأن هذا يُعدّ ذريعةً للإبقاء على الجمود في النضال السوري من أجل الحرية من جهة، وللامتناع عن دعم الثوار من جهة أخرى. من المؤكد أن المجتمع الدولي في هذه الحال سيختار الأسد، مطمئنًا إلى أن آخر جزءٍ من المقاومة المعتدلة للنظام هو قيد التدمير، ولم يبق إلا الاختيار بين الدولة الإسلامية والأسد لأنهما وحدهما، حسب مزاعمهم، اللذان يمتلكان القدرة على حكم سوريا.
____________________
ملاك شبقون - باحثة في مركز الجزيرة للدراسات.

هوامش
1- مقابلة الكاتبة من خلال الهاتف مع الإعلامي تيسير علوني، الدوحة، 10 سبتمبر/أيلول 2014.
2- موقع حركة أحرار الشام الرسمي على الإنترنت: http://ahraralsham.net/?page_id=4195 
3- AlJazeera and Agencies, “Syria Rebel Group Names New Leader”, AlJazeera, 9 September 2014, http://www.aljazeera.com/news/middleeast/2014/09/syria-rebel-leader-killed-suicide-blast-201499181811320610.html , accessed 10 September 2014.
4- Charles Lister, “Syria’s Evolving Salafists Suffer a Crippling Blow”, The Huffington Post, 10 September 2014, http://www.huffingtonpost.com/charles-lister/syrias-evolving-salafists_b_5795682.html , accessed 10 September 2014
5- The Economist, “Competition Among Islamists”, The Economist, 20 July 2013, http://www.economist.com/news/middle-east-and-africa/21582037-one-islamist-rebel-group-seems-have-overtaken-all-others-competition-among , accessed 11 September 2014.
6- Paul Wood for BBC, “Defiant Syrian Rebels Offer Stark Choice”, BBC News, 3 June 2014, http://www.bbc.com/news/world-middle-east-27687018 , accessed 10 September 2014.
7- المرجع السابق.
8- مقابلة تيسير علوني، 10 سبتمبر/أيلول 2014.
9- Aron Lund, “Syria’s Ahrar al-Sham Leadership Wiped Out in Bombing”, Syria in Crisis by Carnegie Endowment for Peace, 9 September 2014, http://carnegieendowment.org/syriaincrisis/?fa=56581&reloadFlag=1 , accessed 10 September 2014.
10- وكالة خطوة الإخبارية، "في تصريح حصل عليه مراسل وكالة خطوة الإخبارية من الدكتور أبو أيمن أحد أطباء حركة أحرار الشام الإسلامية في إدلب والذي قام بمعاينة جثث الشهداء من الحركة الذين قضوا مساء اليوم"، 10 سبتمبر/أيلول 2014، في:
http://stepagency-sy.net/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%A3%D9%8A%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D8%AF-%D8%A3%D8%B7%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A3%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%B1/
11- مقابلة الكاتبة من خلال الهاتف مع مساعد الباحث حمزة مصطفى، الدوحة، 10 سبتمبر/أيلول 2014.
12- المرجع السابق.
13- وكالة خطوة الإخبارية، 10 سبتمبر/ أيلول 2014.
14- مقابلة مع حمزة مصطفى، 10 سبتمبر/أيلول 2014.
15- المرجع السابق.
16- المرجع السابق.
17- Aaron Zelin and Charles Lister, “The Crowning of the Syrian Islamic Front”, Foreign Policy, 24 June 2013, إضغط هنا , accessed 11 September 2014.
18- المرجع السابق.
19- مقابلة للكاتبة من خلال الهاتف مع محمد أبو رمان، الدوحة، 10 سبتمبر/أيلول 2014.

نبذة عن الكاتب