خيارات الأمن القومي المصري في ليبيا: طبيعة التحديات وكفاية السلوك الرسمي

تناقش هذه الورقة أبعاد التصريحات الأخيرة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتدخل العسكري في ليبيا، والحدود التي يمكن أن يبلغها هذا التدخل، والخلفيات الكامنة وراءه.
تصريحات السيسي جاءت بعد دخول قوات حكومة الوفاق الحدود الإدارية لمدينة سرت شمال ليبيا (الأناضول)

بشكل مفاجئ، خرج الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يوم 20 يونيو/حزيران 2020، بتصريح حول احتمالية التدخل العسكري المصري في ليبيا إذا دعت الضرورة لذلك. في نفس الوقت وضع السيسي خطًّا أحمر لحكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا والمدعومة من تركيا بألا تتجاوزه وإلا سيكون الرد المصري مختلفًا(1).

الموقف المصري من الوضع في ليبيا والذي تغير من الدعم السياسي علنًا والعسكري سرًّا للواء المتقاعد، خليفة حفتر، إلى التهديد المباشر بالتدخل عسكريًّا، يأتي ضمن سردية مصرية حول تعرض أمنها القومي للخطر بسبب ما تصفه مصر وحلفاؤها دومًا بأنها "ميليشيات إرهابية" في إشارة إلى المكونات العسكرية في قوات حكومة الوفاق، ومحاولاتها الدخول إلى مدينة سرت والتي تبعد قرابة 1000 كلم من الحدود المصرية-الليبية.

الوضع المعقد حاليًّا في ليبيا في ظل تصاعد النفوذ الإقليمي بين روسيا وتركيا وأوروبا على بسط الهيمنة أو تقاسم الثروة في البلد الذي مزَّقته الحرب الأهلية، يشير إلى أن التهديدات التي أطلقها الرئيس المصري لا يمكن أن تكون خارج سياق هذا التدافع بين القوى الكبرى بل بالأساس هي رد على التنافس الحالي على ليبيا(2).

ولعل ذلك يثير تساؤلات ملحَّة عن خيار الحرب في ليبيا بالنسبة لمصر، وما إن كان هو الملاذ الأخير أم أن هناك خيارات أخرى يمكن أن تلجأ لها القاهرة، وهل يمكن بالفعل أن ينفذ الرئيس المصري تهديده أم أن الأمر لا يخرج عن إطار التهديد؟، كذلك كيف سينعكس هذا التهديد على الملف الليبي بالكامل وأيضًا مستقبل القضايا المصرية الملحَّة مثل أزمة سد النهضة مع إثيوبيا في حال تدخل الجيش المصري عسكريًّا في ليبيا بالفعل؟

التدخل العسكري والمقاربات المتاحة أمام القاهرة

المتابع للأوضاع الحالية في ليبيا يجد أن الكثير من الأخطاء التي وقعت فيها القاهرة حيال هذا الملف تسببت في إضعاف موقفها وليس منحها نفوذًا أكبر، رغم أهمية ليبيا التي تربطها حدود مع مصر تتجاوز 1200 كلم، فعلى سبيل المثال موقف صانع القرار المصري من الأزمة التي اندلعت في أبريل/نيسان 2019 -عندما قرر حفتر الإطاحة باتفاق الصخيرات وشنَّ عملية عسكرية ضد الحكومة المعترف بها دوليًّا- لم يكن محايدًا بل بالعكس كان داعمًا للحملة التي يقوم بها حفتر، وهذه الخطوة حولت القاهرة إلى معاد لحكومة الوفاق في الغرب ووضعتها في خندق واحد مع الإمارات التي تقف وراء مغامرات حفتر غير المدروسة(3).

هذا الموقف زاد من تعقيد دور القاهرة في الأزمة الليبية وأفقدها الكثير من أوراق الضغط التي كان يمكن اللجوء إليها بعد دخول أطراف جديدة إلى الساحة الليبية مثل تركيا وروسيا لاسيما أن الموقف المصري الداعم لحفتر هو ما أزال الحرج عن حكومة فائز السراج عندما طلبت دعمًا عسكريًّا من تركيا التي وجدت الفرصة سانحة للعب دور أكبر إقليميًّا ومنحها موقعًا جيوسياسيًّا أكبر لمدِّ نفوذها إلى إفريقيا عبر ليبيا.

خيار التدخل العسكري، ليس الخيار الأوحد بالنسبة لمصر الآن خاصة في ظل تعقد المشهد بشكل كبير وأيضًا عقب مطالبات الولايات لكل الأطراف بعدم التصعيد ومنها بالطبع مصر وتركيا. هنا يمكن للقاهرة أن تلجأ إلى مزيد من الحلول السياسية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية أو على الأقل للحفاظ على أمنها القومي. فمثلًا يمكنها الضغط من أجل استمرار المسار السياسي بعيدًا عن حفتر والبحث عن بديل له في ظل القبول الدولي الذي يحظى به رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح(4).

أيضًا من الخيارات التي قد تكون صعبة بالنسبة للقاهرة لكنها في نفس الوقت أقل حدة من خيار الحرب التنسيق مع تركيا، الفاعل الأهم في الغرب الليبي الآن، وهذا الأمر عرضته أنقرة بالفعل على لسان وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، عندما ألمح إلى احتمالية التعاون مع مصر في هذا الملف، لكن هذا الخيار قد يتسبب في إزعاج حليفي النظام المصري الأساسين، وهما: الإمارات والسعودية، وربما يتسبب في غضب روسي أيضًا خاصة أن بوتين لا يُفصح عن وجود عسكري لبلاده مقابل لعب مصر دورًا في هذا الأمر(5).

مقاربة ثالثة أيضًا قد تكون أحد خيارات الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وهي استمرار التعاون مع الدول الأوروبية، مثل ألمانيا وفرنسا ومحاولة استمالة إيطاليا أيضًا، والقيام بدور جوهري في الحوار السياسي، لكن ذلك يتطلب مصداقية عالية من أبرز شروطها الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف الليبية، علمًا بأن مصر كانت تتعامل منذ البداية مع أطراف من حكومة السراج على أنهم هم الممثلون الشرعيون لليبيا ومنهم السفير الليبي في القاهرة، محمد عبد العزيز.

ماذا وراء تهديد القاهرة بالتدخل العسكري؟

لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بعيدًا عن السياق العام للأحداث التي تدور رحاها في الشرق الأوسط، فالصراع الإقليمي بين الدول الداعمة للربيع العربي الذي اندلع عام 2011 وبين الطرف الآخر الذي يقود ما يُعرف بالثورات المضادة منذ الانقلاب العسكري في مصر عام 2013، ألقى بثقله على المعركة القائمة في ليبيا فنجد دولًا مثل مصر والإمارات والسعودية ومن خلفها إسرائيل تقف وراء المغامرات التي يقوم بها خليفة حفتر في الشرق وأراد نقلها إلى طرابلس العاصمة وما حولها لتكرار نموذج النظام العسكري في مصر والذي يعد الطريقة المثلى لوأد الثورات العربية التي طالبت بالتغيير قبل قرابة عقد من الزمن.

على الطرف الثاني، نجد تركيا وقطر تقفان على الطرف الآخر من المعركة بدعم حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا والتي تمثل ما تبقى من ثورة فبراير/شباط عام 2011 ضد العقيد الراحل، معمر القذافي. ومن هذا السياق نفهم الهدف من التلويح المصري بالدخول بحرب في ليبيا.

خلاف الأجندات السياسية بين تركيا من ناحية والدول العربية الداعمة لحفتر من ناحية ثانية يقف وراء هذا التهديد والتلويح بالحرب إضافة إلى عوامل أخرى خاصة بالنظام المصري منها ما هو داخلي ومنها ما هو مرتبط بالتحالفات التي يقيمها السيسي منذ 2013 وتقف وراء أغلب مواقف السياسة الخارجية المصرية ومحدداتها. ومن أبرز هذه العوامل:

1- الهروب إلى الأمام بسبب الأوضاع الداخلية

تعاني مصر، منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وما تلاها من انقلاب عسكري بعدها بعامين، من أزمات اقتصادية كبيرة تمثلت في تراجع السياحة التي كانت تمثل إحدى دعائم الاقتصاد، وأيضًا حالة الركود التي تمر بها المنطقة بالكامل إضافة إلى الاضطرابات الأمنية منذ تلك الفترة والتي تسببت في رحيل الكثير من الاستثمارات الأجنبية وعودة عدد لا بأس به من العمال المصريين في الخارج مما تسبب في مزيد من الضغط على النظام المصري داخليًّا ومن ثم قد يكون الحل المؤقت الآن هو البحث عن عدو خارجي من أجل شدِّ العصب الوطني والاصطفاف خلف القيادة السياسية(6).

أيضًا الكارثة التي يمر بها القطاع الصحي المصري بسبب تفشي جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19) وفشل القاهرة في السيطرة عليه تسببت في المزيد من الغضب والحنق على النظام السياسي في ظل تزايد عدد الإصابات والوفيات بشكل كبير ومن ثم قد يكون الحل في التصعيد الخارجي.

ثمة أمر آخر وطيد الصلة بفرضية الهروب من الأزمات الداخلية وهو أزمة سد النهضة التي باتت تحاصر النظام السياسي المصري بشكل كبير؛ إذ أصبحت فرضية انخفاض منسوب المياه في نهر النيل واقعًا يمثِّل تهديدًا لقطاع الزراعة بشكل حقيقي هذه المرة، مما قد يتسبب في خروج نحو 30% من الأراضي الزراعية المصرية من الخدمة وأيضًا تأثير ذلك على حياة المصريين الذين يعتمدون على النيل في مياه الشرب أيضًا.

وقد باتت الأزمة المحتملة في حال عدم التوصل إلى اتفاق يحفظ مصالح مصر المائية، تحاصر النظام المصري، لاسيما بسبب فشله التفاوضي منذ البداية، ويتحمل السيسي المسؤولة الأكبر بسبب توقيعه اتفاق المبادئ، عام 2015، مع رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، هايلى مريام ديسالين.

2- مزيد من ضغوط الحلفاء

يكمن جزء مهم من أسباب التصعيد المصري في ضغوط أبرز حلفاء السيسي، المتمثل في ولي عهد أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد، فالأخير تورَّط بشكل واسع في دعم اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، بكل السبل، وهو يرى أن فشل الهجوم على العاصمة طرابلس، والهزائم التي تعرضت لها قوات حفتر، تهدد بشكل مباشر وجوهري خطط الإمارات وأدوارها في المنطقة، ولذلك لا يمكن تصور التهديد المصري بعيدًا عن الحسابات الإماراتية وأهدافها بوقف تقدم قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا، إن لم يكن تغيير المعادلة العسكرية من جديد(7).

3- المكايدة السياسية

أثار دخول تركيا في المشهد الليبي غضب النظام المصري وحليفيه، الإماراتي والسعودي، وتفاقمت هذه المشاعر بعدما أسهمت المساعدات العسكرية التركية في تفوق قوات الوفاق واندحار قوات حفتر وصولًا إلى سرت.

شهدت العلاقات المصرية-التركية توترًا كبيرًا بعد الانقلاب العسكري، عام 2013، على الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، واستقبال تركيا لعدد كبير من المعارضين المصريين؛ مما تسبَّب في الكثير من الخلاف بين البلدين في العديد من الملفات ومنها محاولة الانقلاب العسكري في تركيا عام 2016 وأيضًا دعم مصر السياسي لنظام بشار الأسد ودور القاهرة في التنسيق مع الميليشيات الكردية التي تصنِّفها تركيا على أنها منظمات إرهابية في سوريا.

كان هذا الخلاف أحد الأسباب المهمة في تلويح السيسي بالتدخل العسكري في ليبيا، لاسيما أن القاهرة ترى أن اقتراب تركيا أو حلفائها من حدودها الغربية يمثل تهديدًا جديًّا لأمنها القومي.

4- القلق من التهميش

ثمة عامل مهم آخر وهو قلق القاهرة من التهميش في ظل وجود روسي وأميركي وتركي في ليبيا واحتمالية إبرام صفقة بين أنقرة وموسكو في ليبيا على غرار ما حدث في سوريا، من دون الالتفات إلى مصالح القاهرة لاسيما ذات الطابع الاقتصادي مثل المشاركة في إعادة الإعمار أو إفساح المجال للعمالة المصرية للعودة إلى ليبيا مثلما كانت عليه في السابق قبل رحيل معمر القذافي، والتي كانت تُقدَّر بنحو مليوني شخص وأيضًا بضمان عدم إقامة تركيا قواعد عسكرية في الشرق الليبي(8).

ومن ثم قد يكون هدف السيسي الرئيس من هذا التلويح هو لفت الانتباه إلى عدم تجاوز مصالح القاهرة في ليبيا وإشارة إلى الأطراف التي تمتلك زمام الأمور بشكل كبير إلى أن مصر قد تلجأ إلى الخيار العسكري إذا ما تجاوزت هذه الدول مصالح القاهرة.

الخيارات المصرية البديلة

يمثل الملف الليبي أهمية قصوى بالنسبة للأمن القومي المصري ورغم ذلك تعاملت القاهرة معه بطريقة قد تبدو مخالفة لعرف الدبلوماسية المصرية التي تنحي الخلافات الأيديولوجية جانبًا فيما يتعلق بملفات الأمن القومي؛ ففي الملف الفلسطيني على سبيل المثال، تتعامل المؤسسات الأمنية والسياسية المصرية مع حركة حماس، في الوقت التي تصنف فيه القاهرة جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي، وتحاكم بعض قيادات الجماعة بـ"التخابر" مع حركة حماس، لكن في الملف الليبي تعاملت الأجهزة المصرية مع الملف بطريقة المكايدة السياسية.

ورغم أن حكومة الوفاق الوطني التي يترأسها فايز السراج تعد أحد مخرجات اتفاق الصخيرات الذي تمخض عنه الحل السياسي في ليبيا عام 2016، وتحظى باعتراف دولي، إلا أن القاهرة تناصبها العداء وتدعم خصومها بدعاوى أيديولوجية، حتى أصبح الطرف المصري جزءًا من الأزمة بليبيا وليس جزءًا من الحل، وهذا الأمر زاد من تعقيد خيارات صانع القرار المصري فيما يتعلق بالأزمة الراهنة(9).

لكن رغم ذلك يعد قرار التلويح بالحرب من قبل السيسي خيارًا متطرفًا في ظل احتمالية وجود قرارات أخرى ذات طابع سياسي مثل محاولة التوسط مع أخرى مع الأطراف الليبية المتناحرة بما فيها حكومة الوفاق التي قد لا تعارض لعب دور مصري سياسي بعيدًا عن الدعم العسكري لحفتر، وقد أبقى وزير الداخلية في حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، شعرة معاوية مع مصر، حينما أشار إلى احتمالية لعب مصر دورًا سياسيًّا في ليبيا.

كذلك ما قالته تركيا على لسان وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، بشأن تفهمها لتأثير ليبيا على الأمن القومي المصري، يعد أيضًا رسالة من قبل الطرف الفاعل والأهم في الغرب الليبي في حال رغبت القاهرة بلعب دور سياسي في الأزمة لكن التلويح بالتدخل العسكري المصري في الملف الليبي قد يكون أسهم في تعقيد الأمر وصعَّب من قبول طرف حكومة الوفاق لدور مصري لكن رغم ذلك يظل هذا الاحتمال قابلًا للتطبيق.

حدود التدخل العسكري المصري

تلويح السيسي بإمكانية التدخل العسكري في ليبيا يعد التصريح الرسمي الأول للقاهرة بهذا الشأن لكن هذا لا يعني أن القاهرة لم تقم بعمليات عسكرية من قبل، فقد قام الطيران المصري من قبل بقصف أهداف على الحدود مع ليبيا أو في العمق الليبي لضرب معسكرات تابعة لعناصر جهادية أو عناصر تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حسب التصريحات الرسمية، مثلما حدث عقب إعدام عدد من العاملين المصريين المسيحيين على يد التنظيم الجهادي في سرت(10).

وفي حال قرَّر النظام المصري تنفيذ تهديده بالتدخل العسكري، فإن الأمر لن يصل إلى الحرب الشاملة، ولن يكون متوقعًا أن ترسل القاهرة دبابات وجنودًا إلى الأراضي الليبية، والسبب الأساسي يعود لما استقر في عقيدة الجيش المصري من قناعة تعود إلى أكثر من 50 عامًا، وتحديدا إلى الاعتقاد بأن التدخل العسكري المصري في اليمن عام 1962، كان من بين العوامل الأساسية لنكسة يونيو/حزيران 1967، ولعل ذلك يفسر أيضًا إحجام مصر عن إرسال قوات إلى اليمن رغم ضغوط الإمارات والسعودية(11).

وهذا يعني أن التدخل العسكري المصري في ليبيا إذا تحول من التهديد إلى التنفيذ فإنه من المتوقع أن يكون عبارة عن ضربات جوية في أماكن الشرق فقط، ولن يشمل نشر قوات كبيرة أو قصف أهداف في الغرب، كما قد تقوم مصر بوضع مستشارين عسكريين مصريين إلى جانب قوات حفتر، والإعلان رسميًّا عن ذلك، وقد يتطور الأمر إلى نشر قوات في الأماكن الحدودية مع ليبيا فقط سواء في داخل مصر أو ليبيا من باب حماية تلك الحدود من وصول "الميليشيات" التي تراها القاهرة إرهابية. وحسب التلويح المصري المباشر، فمن المتوقع تسليح وتدريب قبائل ليبية مقيمة في شرق ليبيا، لتقاتل تحت إشراف وتوجيه مصريين، وقد يمتد ذلك الى إشراك موطنين مصريين من أبناء القبائل المستوطنة على الحدود ولها صلات قرابة مع القبائل الليبية في الجانب الآخر.

لكن يظل هناك سيناريو آخر (ضعيف التحقق) وهو التورط بحرب شاملة في ليبيا تحت ذريعة تهديد الأمن القومي من قبل تركيا، وهذا الأمر قد يكون كارثة بالنسبة لجميع الأطراف وخاصة الطرف المصري الذي قد يُدخل جيشه في مستنقع كبير على غرار المستقنع اليمني فالمسافات الشاسعة بين الغرب والشرق الليبي قد تنهك القوات المصرية بشكل كبير وتجعلها فريسة للطائرات التركية المسيَّرة في ظل حالة غضب من قبل عدد كبير من قبائل الغرب الليبي ووصف هذا التدخل على أنه احتلال وهذا الأمر قد يكون مرفوضًا دوليًّا أيضًا من قبل الولايات المتحدة التي لن توافق على حرب بين حليفين مهمين لها، وهما: تركيا ومصر، في ظل التنافس مع روسيا الآن في ليبيا بالتحديد.

الدور الخارجي في مواقف القاهرة

لم يكن التصعيد الأخير مصريًّا خالصًا، بل إن هناك أطرافًا لها مصالح كبيرة في ليبيا تقف وراءه بسبب التحالفات المعقدة والمتشابكة في المنطقة ورغبة هذه الأطراف في تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية بالزج بمصر في هذه الحرب. ويمكن ذكر عدد من الدول التي لها مصالح في ليبيا وقد تكون وراء هذا الموقف:

1- الحلفاء الخليجيون

تقف الإمارات والسعودية في خندق خليفة حفتر إضافة إلى مصر ولكن تختلف مصالح كل طرف منها بدرجات متفاوتة فالإمارات على سبيل المثال تعد الداعم الأكبر والأهم بالنسبة لحفتر في هذه الحرب للكثير من الأهداف التي تعتبرها جزءًا من استراتيجيتها في المنطقة، ومن بين ذلك تمكين الثورات المضادة في الدول التي حدث فيها تغيير مثل ليبيا ومحاصرة تونس أيضًا، ومحاولة التقرب والتأثير على الجزائر والسودان، فضلًا عن مواجهة قوى الإسلام السياسي التي تعتبرها أبو ظبي عدوًّا مباشرًا، إضافة بالطبع إلى مواجهة تركيا التي تعتبرها الإمارات خصمها اللدود الآن(12).

السعودية تتفاوت مصالحها بالنسبة لحفتر فهي لا تقف على نفس المسافة التي تراها الإمارات، إلا أن التناغم الحالي بين ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ونظيره الظبياني، قد يقف وراء الموقف السعودي، لكن وجود تركيا في المشهد زاد من رغبة السعودية بالتدخل، ودفعها للقاهرة لتبني الخيار العسكري وتوريطها بمواجهة مع أنقرة(13).

2- روسيا

حتى الآن، لم تعلن روسيا عن وجود عسكري رسمي لها في ليبيا، رغم وجود مرتزقة "فاغنر" القريبة من الكرملين،  ومن ثم فتحديد الخطوط الحمراء التي أعلنها السيسي تصب في مصلحة الروس أولًا؛ إذ تتمركز قوات فاغنر في قاعدة الجفرة الجوية والتي زودتها موسكو مؤخرًا بـ14 طائرة حربية من نوع "ميغ 29" إس (مخصصة للتفوق الجوي والهجوم الأرضي معًا)، بالإضافة إلى عدد من طائرات "سوخوي 24"، (مخصصة للهجوم الأرضي)، ومن ثم فإن هذه القاعدة تعد استراتيجية بالنسبة لروسيا ولن تتركها بسهولة لكن في نفس الوقت لن يمكنها الإعلان رسميًّا عن وضع خطوط حمراء لحكومة الوفاق؛ ولذلك فإن التلويح المصري قد يكون في صالح الروس أيضًا وهذا يعزز فرضية وقوف روسيا وراء تلويح السيسي بالتدخل العسكري(14).

3- إسرائيل

قد يكون من غير المعلوم الدور الذي تلعبه إسرائيل في ليبيا لكن موقع ميدل إيست آي البريطاني كشف عن إجراء لقاء جمع مسؤولين إسرائيليين مع حفتر برعاية المخابرات المصرية، وفي نفس الوقت قدمت إسرائيل شحنات عسكرية للمرتزقة الداعمين لحفتر.

وقد يكون الخلاف الإسرائيلي-التركي منذ عام 2010 وراء هذا الخيار الإسرائيلي، لكن الأمر يبدو أكثر ارتباطًا بالمصالح الاسرائيلية في البحر المتوسط، والمخاوف التي تتشاركها إسرائيل مع دول أخرى أبرزها اليونان وقبرص وحتى مصر، من الاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق حول الحدود البحرية بين البلدين، ومستقبل الوجود التركي في ليبيا على مصالح هذه الدول في المتوسط. وقد وقَّعت إسرائيل مع اليونان وقبرص على اتفاق لإنشاء خط غاز شرق المتوسط "EastMed"، وهو خط غاز من المفترض أن ينقل الغاز الإسرائيلي والقبرصي من حقول في البحر المتوسط إلى اليونان ثُمَّ إلى بقية أوروبا لكنَّ التدخل التركي الأخير في ليبيا يقف حجر عثرة في الطريق(15).

تأثير التدخل المصري على ملفات الأمن القومي الأخرى

يعي رأس النظام السياسي في مصر هذه الخطوة جيدًا ويدرك أن التشابك في الملفات الخارجية واحتمالية التورط في حرب قد ينعكس سلبًا أو إيجابًا على باقي الملفات وهذا متوقف على النجاح أو الإخفاق في التدخل العسكري ومن ثم قد يكون أحد أهداف النظام المصري هو توجيه رسالة إلى إثيوبيا بأن القاهرة يمكنها التدخل عسكريًّا في حال تعرَّض أمنها القومي للتهديد من قوى خارجية وهذا الأمر قد يمثِّل مقامرة كبيرة؛ ففي حال الإخفاق في الحرب -لو قرر النظام المصري شنَّها- فإن هذا سينعكس سلبًا على ملف سد النهضة وقد تستغل إثيوبيا حالة الانشغال المصري بالوضع في ليبيا وتمضي في ملء خزان سد النهضة وحينها لن يكون أمام القاهرة أي خيار آخر غير العمل العسكري ضد أديس أبابا وهذا الأمر قد تكون تكلفته عالية جدًّا حينها(16).

أيضًا التدخل العسكري خارج البلاد سوف يزيد من الأزمة الاقتصادية الحالية بشكل كبير ويجعل قدرة البلاد على إيجاد بدائل لتفادي آثار أزمة سد النهضة أمرًا مكلفًا أيضًا.

أيضًا فيما يتعلق بالوضع في سيناء فإن احتمالية التدخل العسكري في ليبيا قد تنعكس بشكل سلبي على الوضع في سيناء لصالح الجماعات المسلحة وهذا سيزيد من تشتيت القوات المصرية التي تعاني دون حرب خارجية من عدم قدرتها على القضاء على وجود تنظيم "داعش"، ففي حال اللجوء إلى التدخل العسكري في ليبيا فإن القيادة العسكرية المصرية قد تلجأ إلى سحب جنود من أماكن حيوية مثل سيناء والسويس التي يوجد بها تمركز الجيش الثالث الميداني والدفع به نحو المنطقة الغربية وأيضًا يمكن أن تعيد مصر انتشار قواتها العسكرية في باقي المناطق الحيوية المصرية مما قد يتسبب في إضعاف القوات المصرية الموجودة على الحدود الشرقية، وهذا غير مقبول بالنسبة للقيادات العسكرية المصرية التي تعرف مدى أهمية هذه المنطقة على الأمن القومي سواءً فيما يخص إسرائيل أو في سيناء(17).

يبقى التلويح المصري بالدخول في حرب بليبيا في إطار التهديد ولفت الانتباه لمصالح القاهرة دون الإقدام على هذه الخطوة إلا في الضرورة وحتى إن حدثت فإنها لن تتحول إلى الحرب الشاملة نظرًا لتكلفتها الكبيرة على النظام المصري.

ثمة أمر آخر وهو متعلق بالوضع الحالي في ليبيا بسبب التنافس بين الدول الإقليمية مثل تركيا وروسيا وأيضًا الموقف الأميركي الرافض لوجود روسيا في المنطقة مما يعني أن ربط الأهداف المصرية بعيدًا عن هذا التشابكات لن يكون مقبولًا من قبل هذه القوى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية(18).

يمكن أن تحافظ مصر على الحد الأدنى من مصالحها في ليبيا دون التورط في عملية عسكرية من خلال تغليب الحل السياسي الذي بدأ يلوح في الأفق على حساب العمل العسكري ووقوفها على مسافة واحدة من الأطراف الليبية المتناحرة مما يعطيها قوة في جمع الأطراف على طاولة مفاوضات ترعاها مصر.

وأخيرًا، فإن رهن القاهرة مواقفها الخارجية في إطار الصراع الإقليمي وضمن أجندة بعض الدول الخليجية قد يكلفها الكثير ويُفقدها الكثير من أوراق الضغط وأيضًا يقلِّل خيارات أمنها القومي(19).

مراجع

(1) السيسي يلوح بالتدخل العسكري في ليبيا ويؤكد على "شرعيته"، موقع دويتش فيلة الألماني، 20/6/2020 ،(تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2020): https://bit.ly/3dCmFfK

(2) تزامنًا مع تقدم الوفاق نحو سرت والجفرة.. تصريحات "فقاعية" للسيسي، صحيفة يني شفق التركية، 22/6/2020 )تاريخ الدخول: 22 يونيو/حزيران 2020): https://www.yenisafak.com/ar/world/3459869

(3) لمواجهة التدخل التركي ودعم حفتر.. وثائق أممية تكشف تفاصيل مهمة سرية فاشلة لقوات غربية بليبيا، 26 مايو/أيار 2020، الجزيرة نت، (تاريخ الدخول: 26 مايو/أيار 2020):  https://bit.ly/2YGfL4Y

(4) السراج يلتقي قائد "أفريكوم" لـ"مناقشة الوجود الروسي العسكري" في ليبيا، 22 يونيو/حزيران 2020، العربي الجديد، (تاريخ الدخول: 24 يونيو/حزيران 2020): https://bit.ly/3fZDVNo

(5) تشاووش أوغلو: الحوار هو سبيل تطبيع العلاقات التركية المصرية، 11 يونيو/حزيران 2020، وكالة الأناضول الرسمية التركية، (تاريخ الدخول: 24 يونيو/حزيران 2020): https://bit.ly/2YEqn3X

(6) تصعيد السيسي ضد ليبيا.. هل يريد الحرب فعلًا أم له مآرب أخرى؟، 23 يونيو/حزيران 2020، موقع عربي بوست، (تاريخ الدخول: 24 يونيو/حزيران 2020): https://bit.ly/2YD2ha0

(7) دول خليجية تدفع مصر باتجاه حرب في ليبيا (تقرير)، 24 يونيو/حزيران 2020، وكالة الأناضول التركية، (تاريخ الدخول: 24 يونيو/حزيران 2020): https://bit.ly/2Aehjtq

8- Will Egypt send troops into Liby23/6/2020, france24, (Enter in 24/6/2020): https://www.france24.com/en/20200623-will-egypt-send-troops-into-libya

(9) هل يحق لمصر التدخل عسكريًّا في ليبيا؟ قصة الشرعية بين برلمان طبرق وحكومة الوفاق، 26 يونيو/حزيران 2020، عربي بوست، (تاريخ الدخول: 26 يونيو/حزيران 2020):https://bit.ly/2YFh3NB

(10) الطيران المصري يواصل قصف أهداف بليبيا، 27 يونيو/حزيران 2020، بي بي سي،(تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2020):  https://www.bbc.com/arabic/middleeast-40058876

(11) السيسي وعاصفة الحزم: مشاركة أم مقاطعة؟، 4 مايو/أيار 2015، الجزيرة نت، (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2020):https://bit.ly/31qogTs

(12) الإمارات تعلق على خطوة السيسي الجديدة تجاه ليبيا، 8 يونيو/حزيران 2020، موقع قناة الحرة، (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2020): https://arbne.ws/3g8YyXM

(13)- Saudi Arabia Promised Support to Libyan Warlord in Push to Seize Tripoli.12/4/2019, Wsj, (Enter: 27/6/2020): https://www.wsj.com/articles/saudi-arabia-promised-support-to-libyan-warlord-in-push-to-seize-tripoli-11555077600

(14)- Hundreds more Russian mercenaries flee western Libya: GNA forces,25/5/2020,  aljazeera, (Enter:27/6/2020): https://www.aljazeera.com/news/2020/05/russian-fighters-flown-western-libya-haftar-retreat-200524200905871.html

(15)- How Israel began seeing Turkey as a threat instead of a partner,26/6/2020, MEE,(Enter:27/6/2020): https://www.middleeasteye.net/news/how-israel-began-seeing-turkey-threat-instead-partner

(16)- “Why is Egypt threatening with war in Libya, not Ethiopia?”24/6/2020, eritreahub, (Enter: 27/6/2020): https://eritreahub.org/why-is-egypt-threatening-with-war-in-libya-not-ethiopia

(17)- Egypt’s war on ISIS in the Sinai making significant progress,31/10/2018, sun-sentinel, (Enter: 27/6/2020): https://eritreahub.org/why-is-egypt-threatening-with-war-in-libya-not-ethiopia

(18) النفوذ الروسي في ليبيا وخيارات السياسة الأمريكية، 5 ديسمبر/كانون الأول 2019، الأناضول، (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2020):  https://bit.ly/2BIIKfp

(19) آخر فرضيات الحل: مصر تدخل على خط الأزمة في ليبيا، 9 يونيو/حزيران 2020، صحيفة المغرب، (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2020): https://bit.ly/2CJaoJr