حماس فاعل غير رسمي في النظام الدولي: التحولات والتداعيات

تجيب الورقة على سؤال حول مكانة ودور حماس كفاعل غير رسمي في النظام الدولي بعد الحرب الرابعة على غزة، وكيف كانت التفاعل الدولي والإقليمي معها في هذا السياق.
21 مايو 2021
تمكنت حماس في معركة غزة من فرض قواعد اشتباك أهَّلتها لاجتياز عتبة جديدة باتجاه اعتراف القوى الدولية بدورها في إدارة وتسوية الصراع (رويترز).

طرحت المواجهة المسلحة الأخيرة بين إسرائيل وحركة حماس والفصائل الفلسطينية المسلحة الأخرى في غزة، تساؤلات جديدة حول شكل علاقة الصراع ما بين الدولة الرسمية، وما يسمى بالميليشيات أو الفاعلين غير الرسميين بالنظام السياسي الدولي. تقليديًّا، وخصوصًا في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، فقد صنَّفت القوى الدولية الرسمية، وتحديدًا الولايات المتحدة، مثل هذه القوى بالإرهابية فرفضت شرعية وجودها أو إعطاءها أي دور على الساحة السياسية، فحاربتها عسكريًّا بالعراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان واستطاعت القضاء على بعض منها. إلا أن شكل هذه العلاقة آخذ بالتغير لحساب مجموعة من الفاعلين غير الرسميين الذين أصبحوا يتم الاعتراف بوجودهم وبشرعية وأهمية دورهم، وكذلك التفاوض معهم. لا، بل وحتى توقيع اتفاقيات معهم سواء كانت مكتوبة أو متفاهَمًا عليها ضمنيًّا. مثل هذه الاتفاقيات كانت محرمة في برتوكولات السياسة الدولية لكنها اليوم أصبحت حقيقة. هذه التحولات تدفع بالتساؤل الملحِّ عمَّا إذا كانت حركة حماس قد تمكنت في معركة غزة الأخيرة فعلًا من فرض قواعد اشتباك أهَّلتها لاجتياز عتبة جديدة باتجاه اعتراف القوى الإقليمية والدولية بدورها في إدارة وتسوية الصراع. لاسيما أن الجولة الأخيرة من المواجهات انتهت بوقف إطلاق نار متزامن ومتبادَل في 21 مايو/أيار 2021.

حماس في النظام الدولي

يمكن تعريف الفاعلين غير الرسميين، على أنهم جهات فاعلة مستقلة، على الأقل من حيث المبدأ، عن الهيئات الحكومية والدولية المرتبطة بمفهوم السيادة(1). لقد شهد العالم العربي في العقود القليلة الماضية ولادة الكثير من هؤلاء الفاعلين الذين ربما كان أحد أسباب وجودهم، الفجوة ما بين أداء الدولة وأجهزتها من جهة، وطموح المواطن أو تهميشه أو المظالم التي يتعرض لها، من جهة أخرى. ومن الملاحظ أيضًا أن طبيعة "الدولة الاستبدادية" في العالم العربي، والتي لم تعط مجالًا للشعوب للتعبير عن طموحاتها أو التهميش والمظالم بأنواعها، الاقتصادية والسياسية والدينية، التي يعايشونها، قد أسهمت في الكثير من الأحيان في دفع هذه المجموعات لتبني التطرف العنيف كأداة للتغيير. 

بنفس الوقت، لا يمكن وضع جميع هؤلاء الفاعلين غير الرسميين كلهم في سلَّة واحدة أو حتى تحت تعريف واحد وذلك بسبب الاختلاف الواسع جدًّا أحيانًا في أسباب وظروف نشوئهم، وأيضًا في العقائد والأيديولوجيات التي يحملونها. فهناك الفاعلون الأيديولوجيون والمذهبيون والقبليون، وأيضًا الميليشيات الأمنية المسلحة كما في ليبيا. إلا أن ما يميز حركة حماس عن الكثير من الفاعلين غير الرسميين الآخرين في العالم العربي، أنها حركة تحرر ذات أجندة وطنية حدَّدت مقاومتها ضد احتلال عسكري كولونيالي تفريغي هادف إلى اقتلاع شعب وإسكان شعب آخر مكانه. لكنها بنفس الوقت تشترك مع الآخرين، برفض النظام الدولي تقليديًّا الاعتراف بشرعيتها أو بدورها فيه، ووضعها أولًا على قوائم الإرهاب ثم محاصرتها ورفض التحدث إليها.

مبدأ رفض شرعية دور الفاعلين غير الرسميين الذي تبنَّته القوى الكبرى في النظام الدولي شهد العديد من الاختراقات حديثًا. وبشكل خاص، هناك ثلاث حالات شهدت تحولًا جوهريًّا بهذه العلاقة خلال العام المنصرم: طالبان في أفغانستان، والحوثيون في اليمن، وحماس في غزة.

بالنسبة لطالبان، على مدار عشرين عامًا من الحرب المتواصلة معها، عملت الولايات المتحدة ومعها قوات الناتو جاهدة للقضاء على حركة طالبان في أفغانستان باعتبارها إرهابية ولا شرعية لدورها في النظام الدولي أو في المستقبل السياسي لدولة أفغانستان. ومع ذلك، قامت إدارة ترامب الأكثر يمينية وتشددًا في سياستها الخارجية، بتوقيع اتفاق سلام مع حركة طالبان في الدوحة تنسحب بموجبه من أفغانستان، في بداية مايو/أيار 2021(2) ودون حتى أن تؤمِّن دور حليفتها في كابول، الحكومة الأفغانية. هكذا ظهر ممثل الإدارة الأميركية يصافح ممثل حركة طالبان ويوقِّع اتفاق الاعتراف بدور الحركة وشرعية دورها في النظام السياسي والأمني في أفغانستان.

وخلال أقل من شهر من وصوله إلى البيت الأبيض، يقوم الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، برفع الحوثيين في اليمن من قائمة المنظمات الإرهابية(3) كتعبير عن حُسن نية إدارته الجديدة تجاه التفاهم مع الحركة لإنهاء الحرب باليمن، إلا أن الحوثيين يردُّون بتصعيد الهجوم على المنشآت الحيوية في السعودية لتحسين وضعهم التفاوضي على ما يبدو. ولم تنفكَّ واشنطن عن تقديم الوساطة تلو الأخرى (عبر ممثلي الأمم المتحدة وسلطنة عُمان)، لتجلس وغيرها من اللاعبين الدوليين، بعد ست سنوات من الحرب في اليمن، مع الحركة الحوثية للتفاوض حول اعتراف بدور الأخيرة في "السلام والاستقرار"، وفي النظام السياسي باليمن. 

على هذا المنوال، يبدو أن حركة حماس تبدو هي الأخرى وكأنها اجتازت عتبة جديدة على طريق الاعتراف بدورها في النظام الدولي، كنظيراتها من هذه الجهة، في أفغانستان واليمن، وإذا بها تنتزع اعترافًا جديدًا من الفاعلين الرسميين، وبشكل خاص الولايات المتحدة وإسرائيل، بشرعية وجودها ودورها في الحرب والسلم والاستقرار في المنطقة. القوة الصلبة التي برهنت حماس على امتلاكها خلال هذا الحرب فاقت بشكل جوهري ما أظهرته في الحروب السابقة ليس فقط من ناحية أعداد الصواريخ التي أطلقتها، ولكن أيضًا بمستوى دقتها والمدى الذي وصلت إليه هذه المرة بحوالي 250 كيلومترًا، مقارنة مع حوالي 50 كيلومترًا في المرات السابقة. بكل الأحوال، تتمثل هذه العتبة الجديدة فيما يمكن تسميته بـ"الدائرة المكتملة" التي برهنت حركة حماس على امتلاكها، والمكونة من ثلاثة عناصر أساسية، وهي: امتلاك قرار الحرب، والقدرة على خوضها، ثم التفاوض حول النتائج والأهداف المرجوة والتي من أجلها تم اتخاذ قرار الحرب.  

أولًا: قرار الحرب: بخلاف حرب 2014، التي أطلقت إسرائيل فيها القوة الغاشمة تجاه قطاع غزة، امتلكت حركة حماس بهذه المواجهة ولأول مرة قرار الحرب، فهي بادرت إليها دون أن تكون ردًّا على اغتيال لأحد من قيادتها أو ضربٍ لمواقعها العسكرية، كما في السابق. فالحركة بادرت بالهجوم على مواقع داخل إسرائيل، وربطت الحرب بأهداف واضحة ومحددة، وهي وقف الاعتداءات على حي الشيخ جراح.

ثانيًا: التنفيذ: أثبتت حركة حماس والفصائل المقاومة معها قدرتها على الرد على كل هجوم نفَّذته إسرائيل داخل غزة وقدرتها على الوصول إلى أبعد نقطة في داخل إسرائيل فارضة بذلك قواعد اشتباك جديدة اختلفت جوهريًّا عن حرب 2014، ويمكن وصفها: بالردع المتبادل، بالتوقيت ونوعية الهجوم، فلم يحدث خلال فترة الحرب كلها أنه تمت مهاجمة مواقع حماس ولم ترد الأخيرة وبوقت قياسي أيضًا.

ثالثًا: النتائج: لم تنفك القيادة الأميركية منذ بداية الأزمة عن الحديث عن التواصل مع شركاء إقليميين ومع ممثلي الأمم المتحدة، للتفاوض مع الأطراف المختلفة لوقف الاشتباكات. والمقصود هنا التفاوض مع حركة حماس وليس القيادة الرسمية الفلسطينية ممثلة بمحمود عباس وإن كان الرئيس الأميركي وقيادات دولية أخرى قد اتصلت به للتنسيق لما بعد الحرب وتحديدًا بالعودة إلى نموذج أوسلو التفاوضي الذي يفترض أن يُفضي إلى حل الدولتين ولم ينجح منذ عام 1993. الحقيقة المرَّة بالنسبة لإسرائيل فيما يتعلق بنتيجة هذه الحرب أن حماس امتلكت القوة الصلبة التي لن يكون بمقدور إسرائيل القضاء عليها أو إضعافها كما أظهرت نتيجة الحرب، وذلك حسب ما يشهد به ماكس بوت، المؤرخ العسكري الأميركي المحافظ في مجلس العلاقات الخارجية والمؤيد لإسرائيل، في مقالته بالواشنطن بوست عن هذه الحرب؛ حيث قال أثناء الحرب: "مهما طال استمرار حماس في قصف إسرائيل، ومهما استمرت إسرائيل في قصف قطاع غزة، فإن هذه الحرب لن تحقق شيئًا سوى العودة السريعة إلى الوضع الراهن قبل الحرب. هذه ليست الرسالة التي يريد الصقور المؤيدون لإسرائيل سماعها، لكنها الحقيقة". ثم يستطرد قائلًا: "لم تقترب إسرائيل من تدمير "آلة حرب حماس" في المرَّات الثلاثة السابقة، ولن تنجح الآن. في الواقع، أطلقت حماس بالفعل خلال الأسبوع الأول -أكثر من 2800- أكثر من نصف عدد الصواريخ الذي أطلقته خلال الأسابيع السبع من نزاع 2014"(4). وبالنظر إلى الطريقة التي انتهت بها الحرب، لم يخطئ بوت.

بدون شك، فإن القوة الصلبة لأي طرف، لاسيما كتلك التي استطاعت حركة حماس حيازتها، تشكِّل رصيدًا استراتيجيًّا لأي مفاوضات مستقبلية تمكِّن صاحبها من فرض شروطه وتحقيق مطالبه، وذلك بخلاف منظمة التحرير التي فاوضت بدون أي أوراق فانتهت باتفاق أوسلو الذي جعل سلطتها الوطنية خاضعة للاحتلال. والجدير بالذكر أنه لا يشترط بالقوة الصلبة استخدامها في الصراع لتحقيق مطالب صاحبها، ولكن امتلاكها والتلويح باستخدامها يكون أحيانًا كثيرة أهم من استخدامها.

لقد سلَّمت أميركا بعدم قدرتها القضاء على طالبان في أفغانستان أو إنهاء دور الحوثيين السياسي في اليمن فاتجهت نحو التعايش مع كل منهما من خلال المفاوضات وتوقيع الاتفاقيات. وقد يُعترض بالقول: إن الأمر في غزة يختلف عن أفغانستان واليمن ومن الخطأ القياس عليهما. وهو تساؤل مشروع وصحيح نظريًّا، ولكن يصح القياس من جوانب عدة؛ فمثلًا إذا كانت أفغانستان هي من أكثر المناطق وعورة في العالم، فإن غزة ايضًا هي من أكثر المناطق كثافة سكانية بالعالم؛ مما يجعل كلتيهما بيئة خصبة لتشكيل الميليشيات وخوض ما يُطلق عليه حروب "العصابات" (الغوريلا) وما يرافقها من كمائن وقتل وخطف جنود وغيرها. فبرغم ضراوة هذه الحرب وتمكُّن حماس من إمطار تل أبيب والعديد من المدن الإسرائيلية بوابل من الصواريخ، فإسرائيل لم تطرح ولو لمرة واحدة خيار الحرب البرية التي بموجبها يمكن لها أن تدخل إلى قطاع غزة وتقضي على القوة العسكرية لحماس هناك. نعم، قد تكون إسرائيل فكَّرت في التوغل إلى بعض المساحات الفارغة في أطراف غزة، لكنها كانت تدرك أن دخول القوات الأميركية إلى تورا بورا أحد معاقل طالبان في أفغانستان، وقد دخلتها مرارًا، أسهل بكثير من دخول القوات الإسرائيلية إلى مخيم جباليا، مثلًا.

لقد أحاط أرئيل شارون بدباباته العسكرية العاصمة، بيروت، عام 1982، ولم يدخلها عنوة بسبب الخسائر التي كان سيتكبدها في صدامه مع المقاومة اللبنانية-الفلسطينية، ولكنه أحجم عن ذلك أساسًا حتى تم التفاوض على خروج منظمة التحرير من بيروت. أما اليوم، فيحيط بيني غانتس بدباباته العسكرية غزة ولا يجرؤ على الدخول لها، ولن يحصل على أي وعد من أي وسيط دولي بمغادرة ولو مقاوِم فلسطيني واحد أرض غزة أو نزع قطعة سلاح واحدة. هو ببساطة وقف عاجزًا أمام غزة وأقصى ما كان يطمح التوصل إليه مع حماس هو هدنة طويلة الأمد أو وقف إطلاق النار، وهو ما كانت تركز عليه التصريحات الإسرائيلية ولم تخرج عنه، وهو ما حصل عليه وتحديدًا الأخيرة منها، أي وقف إطلاق نار فحسب.

وقد يقال: لماذا تقضي إسرائيل على حماس؟ بل هو مما قيل؛ إذ إن بقاءها في غزة يصب بمصلحة إسرائيل كونه يعزز الانقسام الفلسطيني. وهو تساؤل مشروع أيضًا، ولكن يُرد عليه بسؤال آخر: هل يُعقل حقًّا أن إسرائيل ستفضِّل وجود فاعل غير رسمي مسلح مثل حماس في غزة وعلى بُعد سبعين كيلومترًا من تل أبيب. لا، بل ومدعوم عسكريًّا من إيران وباعتراف إسماعيل هنية علنًا بخطابه بمناسبة وقف الحرب، كل ذلك من أجل تهميش محمود عباس، الفاقد كل أوراق القوة في مقاطعة رام الله؟

التفاعلات الدولية والإقليمية

انتهت المواجهة في غزة بتعزيز دور حركة حماس في الساحة الدولية، ويظهر ذلك في أكثر من موقع. لم يتخلَّ الغرب عن وصفه لحركة حماس بالمنظمة "الإرهابية"، ولكن بنفس الوقت لوحظ وجود فجوة كبيرة بين الموقف الغربي اليوم، وموقفه من الحركة في حرب 2014؛ حيث إن أقل ما يمكن قوله هو عدم التفاف حلفاء إسرائيل التقليديين حول الماكينة الإعلامية، التي تلخص الحرب كلها: "أن حماس منظمة إرهابية وأن لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها"، بل حصل بعض التغير. فعلى سبيل المثال، لوحظ أن أعظم الضغوط على إسرائيل قد جاءت من الولايات المتحدة نفسها، واستخدم القادة الأميركيون ولأول مرة عبارات في تصريحاتهم لم تستخدم سابقًا في مثل هذه الحروب، مثل تصريح وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بأن الفلسطينيين والإسرائيليين "يستحقون تدابير متساوية من الحرية والكرامة والأمن والازدهار"(5)، علمًا بأن الإدارة الأميركية نادرًا ما تستخدم كلمة "متساوية" بهذا السياق. هذا ناهيك عن التدخل المباشر الذي قام به الرئيس الأميركي، جو بايدن، نفسه بالضغط على نتنياهو رغم ازدحام أجندته المحلية في الولايات المتحدة والذي أفضى بالتعاون مع اللاعبين الإقليميين إلى وقف الحرب. برز تعاطف من ألمانيا والنمسا والمجر مع الموقف الإسرائيلي ولكن ذلك لم يرْقَ إلى الدعم الغربي الراسخ الذي تمتعت به إسرائيل تاريخيًّا، رغم أن حماس هي التي بدأت الحرب وبقرار سياسي.

بنفس الوقت، لا يمكن القفز إلى استنتاجات مثل وجود تشريع رسمي لدور حركة حماس وقبولها كلاعب بشكل علني كما هي الحال مع حركة طالبان. فحركة حماس ستبقى في المواقف الرسمية الأميركية والأوروبية "منظمة إرهابية" لا يجوز الجلوس معها أمام الكاميرات على الأقل بالمدى المنظور. هذا يعني أن التفاوض معها سيولِّد الحاجة إلى دور للاعبين إقليميين، وقد دأبت الولايات المتحدة دومًا على التصريح بالعمل عن قرب مع هؤلاء اللاعبين الإقليميين، مثل: مصر وقطر وتركيا، الذين يقومون بدور التواصل مع حماس نيابة عن الولايات المتحدة وإسرائيل. فضمن هذا الإطار ليس غريبًا أن يصرِّح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بتخصيص مبلغ 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة وبمشاركة شركات مصرية(6). ومن المعلوم أيضًا أن العلاقة بين مصر وحماس قد شابتها تاريخيًّا توترات كثيرة بسبب علاقة حماس القريبة من تنظيم الإخوان المسلمين الذي تحاربه مصر. فأن تشارك مصر بإعادة إعمار غزة وبتخصيص مساعدات مالية لأجل هذه الغاية، هو أحد إفرازات هذه الحرب التي عزَّزت من دور حماس على الساحة الدولية، وأحد الأمثلة على ازدياد أهمية دور "اللاعبين الإقليميين" في سياقها.

خاتمة

أظهرت الحرب جليًّا أن حماس حققت قفزات نوعية مقارنة على الأقل مع وضعها في الحرب السابقة، عام 2014، وتحديدًا بامتلاكها خيار الحرب وبقرار سياسي بخلاف ما كانت تُجَرُّ اليه بالسابق ردًّا على اغتيال قادتها أو ضرب مواقعها العسكرية. كذلك، فقد أظهرت الحرب تعاظم قوتها العسكرية سواء كان بعدد الصواريخ التي أطلقتها أو مداها الذي وصل تقريبًا إلى أبعد نقطة في إسرائيل. هذه النتائج مصحوبة بعدم انكسارها خلال أيام الحرب أهَّلتها لتعاظم دورها على الساحة الدولية ولو أنه سيكون من خلال الوسطاء الإقليميين، وهؤلاء في حقيقة الأمر لن يقرروا نيابة عنها ولكن سيكونون ميسِّرين لدورها الإقليمي.

هذا التعاظم لدور الحركة يمكن له أن يؤدي إلى نتائج متناقضة على صعيد المشروع الوطني الفلسطيني الذي من أجله وُجدت حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى. يمكن لوجود قوة عسكرية صلبة لدى الفلسطينيين وعلى أرضهم ربما للمرة الأولى بعد نكبة 1948، تقوية وضعهم التفاوضي في المستقبل. أن يكون لدى الفلسطينيين مقدار من القوة الصلبة قد يساعد ولو بقدر قليل على تعديل هذا الاختلال الفاضح بالموازين، ولربما توفر القوة الصلبة للفلسطينيين ولو هامشًا بسيطًا للمناورة. فالقوة الصلبة إذن هي رصيد استراتيجي للفلسطينيين بغضِّ النظر عمَّن يملكها من فصائلهم السياسية. وكما هو معلوم بأدبيات السياسة، فإن فاعلية القوة الصلبة تكمن في كثير من الأحيان بالتلويح بها وليس بالضرورة استخدامها.

ولكن بالمقابل، فإن هذا التعزيز لدورها لن تتم ترجمته بالضرورة إلى تقارب مع السلطة الفلسطينية التي تم تهميش دورها بشكل جوهري بهذه الحرب. فمن الناحية النظرية على الأقل، يمكن الاستنتاج بأن زيادة دور حركة حماس قد يكون على حساب السلطة الفلسطينية مما يعزز الانقسام الفلسطيني، إلا إذا أوْلى الطرفان الاهتمام الاكبر للمخاطر التي تعصف بالمشروع الوطني الفلسطيني.

أخيرًا، هذا النموذج العسكري الذي تتبناه حماس قد يساعد على صمود الحركة وغيرها من الفصائل الفلسطينية الأخرى أمام الهجمات العسكرية التي يمكن أن تنفذها إسرائيل بين الفترة والأخرى، وقد يتعاظم أكثر بالمستقبل. ولكن من تحديات هذا النموذج أنه ليس بنموذج تحرير أرض محتلة وعلى الأقل بالمديين، المنظور والمتوسط. فمن غير الواضح كيف ستتمكن حماس من تحرير أرض بالقوة العسكرية في أي مكان في فلسطين التاريخية، وهذا بحدِّ ذاته تحدٍّ لعلاقة المقاومة المسلحة مع المشروع الوطني، فهدف المقاومة يفترض أن يكون للتحرير وليس للصمود فقط. ويمكن جلاء هذه الحقيقة بمقارنة حالة حماس مع نماذج مقاومة وحركات تحرير أخرى، مثل نموذج المقاومة الشعبية الذي أعطى نتائج أفضت إلى تقويض نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا. ومهما يكن الأمر، فإن تعاظم النموذج العسكري المسلح في غزة لن يؤدي إلى تقويض نماذج عمل أخرى هادفة للخلاص من الاحتلال مثل المقاومة الشعبية وحتى أيضًا النموذج التفاوضي الذي أضعفته المقاومة بشكل جوهري خلال أيام الحرب، وهذا الأخير لن يُقضى عليه على الأقل بالمستقبل القريب؛ حيث من المتوقع أن ينشط مرة أخرى بعد انتهاء الحرب بفترة من الزمن.

(هذه الورقة من ملف: هَبَّة الفلسطينيين والحرب على غزة 2021)

نبذة عن الكاتب

مراجع
  1. Josselin, D., & Wallace, W. (2001). Non-state Actors in World Politics: a Framework. Non-State Actors in World Politics, 1–20. Springer Link: https://link.springer.com/chapter/10.1057/9781403900906_1
  2.  The Washington Post: US-Taliban Deal. March 14, 2021. https://www.washingtonpost.com/context/u-s-taliban-peace-deal/7aab0f58-…
  3.  Zeke Miller , “Biden Revokes Terrorist Designation for Yemen’s Houthis,” AP News, February 6, 2021.
  4. Max Boot, “This Is a War Israel Cannot Win,” The Washington Post, May 18, 2021.
  5.  “Israeli-Palestinian Conflict Gives Biden Foreign Policy Headache,” BBC, n.d., https://www.bbc.com/news/world-us-canada-57119881.
  6. Reuters: Egypt to allocate $500 million for Gaza rebuilding effort. May 18, 2021. https://www.reuters.com/world/middle-east/egypt-allocate-500-mln-gaza-r…