كيف انتصرت "المؤسسة الدينية" في إيران؟ ولماذا؟

يؤصِّل كتاب "نبرد قدرت در ایران" أو معركة السلطة في إيران، وهو كتاب تاريخي وسياسي واجتماعي، لانتصار رجال الدين في معركة السلطة التي توجت بانتصار الثورة الإسلامية في إيران 1979.
(الجزيرة)

بلاد فارس ثم إيران ثم الجمهورية الإسلامية في إيران، بلد حظي باهتمام العالم عبر التاريخ، وكان مسرحًا لأحداث غيرت مجرى التاريخ،يعد كتاب "نبرد قدرت در ایران" أو معركة السلطة في إيران لمؤلفه محمد سميعي(1)، وهو كتاب تاريخي وسياسي واجتماعي، تأصيلًا لانتصار رجال الدين في معركة السلطة التي توجت بانتصار الثورة الإسلامية في إيران، 1978. يعيد الكتاب جذور هذه الثورة وإرهاصاتها إلى ثورة التبغ الـ"تنباكو"، في 1890، التي اعتبرها الكاتب بداية تشكيل القوى السياسية الشعبية في تاريخ إيران المعاصر، ودخولها إلى معركة التغيير في نوع الحكم وأسلوبه، ومرورًا بالثورة الدستورية (1905- 1911)، إلى وصول رضا شاه (1925- 1941) الحاكم المتناقض فرغم قلة تعليمه تجده في النصف الأول لحكمه قام بإجراءات حداثية ومدنية واسعة في البلاد، إلا أنه تحول في النصف الثاني من حكمه إلى ديكتاتور، وكانت نهايته بإجباره على مغادرة الحكم في 1941، فيما يراه كثير من المحللين السياسيين، ومنهم صاحب الكتاب، انقلابًا بريطانيًا مدبرًا، ثم مرورًا بابنه محمد رضا (1941- 1979)، ومن ثم تأميم النفط زمان دكتور مصدق وفشل مسيرته بانقلاب 28 مرداد (1953)، ومن بعده انتفاضة 15 خرداد (1963) وما أعقبها من تسلسل الأحداث إلى الثورة الإسلامية في 1978.

.

يقدم هذا الكتاب تأصيلًا لانتصار رجال الدين في معركة السلطة التي توجت بانتصار الثورة الإسلامية في إيران

يقدم سميعي شرحًا وافيًا حول القوى السياسية والشعبية وأدوارها وأسباب صعودها وهبوطها في معركة الوصول إلى السلطة؛ حيث تحدث عن المؤسسة الدينية والمثقفين واليساريين والبازار والفلاحين والعشائر والبيروقراطية والبلاط الملكي وشخص الملك نفسه كلاعب أساسي في تقرير مصير وسير الأحداث، وكيف تحولت الحياة في إيران المعاصرة من الأطوار الخشنة للسلطة المليئة بسفك الدماء إلى طور القوة الناعمة من خلال تأسيس الديمقراطية ووضع الدساتير. كذلك اتسم الكتاب بالتناول الموضوعي للأحداث من خلال أطر نظرية علمية لعلماء اجتماع أمثال غیدنز(2) وهنتنغتون(3) ولاکلاو(4) وفوکو(5)، تُعين كأدوات في التحليل الدقيق على فهم صيرورة الأحداث من خلال نظريات شبكات النفوذ والسلطة والأدوار المحورية للبنية في البيئة المحيطة، واللاعبين الأساسيين في المجتمع الإيراني وطبيعة العلاقة مع المحيط وتأثير البنية الشخصية لأولئك اللاعبين. كيف تشكلت حالة "الدال الفارغ"(6) التي تحدث عنها لاكلاو، التي كانت علامة مميزة على طول الكتاب، وهذه الحالة التي تشكلت بين كل فئات المجتمع على اختلاف دوافعهم وأهدافهم وأفكارهم تحت عنوان واحد وهو "رحيل النظام" أو ما أسماها "لا" كبيرة ضد النظام".

تحدث الكاتب كذلك عن الدور المحوري لشخصية قائد الثورة الإمام الخميني في نجاح الثورة، سواء في كاريزميتها أو لصالح ذكائها في استنهاض جميع قطاعات الشعب على اختلاف انتماءاتهم ومدارسهم الفكرية. يذكِّرنا الكاتب بحقيقة تاريخية وفي إطار موضوعي فكري في السياق التاريخي للثورات في العالم وعلى مدى قرون مضت، أن الثورات في العالم عادة ما تتسم بصفات منها وقوفها ضد الدين، سواء كان مسيحيًّا أو بوذيًّا أو غيرهما، إلا أن ما حدث في الحالة الإيرانية في ثورة 1978، كان الاتجاه مغايرًا بل إن الشعب انتصر للدين ولمؤسسته في وصوله إلى الحكم. في المقابل، فإن السمة الثانية، كما يقول الكاتب، أن المنتصر في الثورات عادة ما تكون قوة سياسية واحدة، وفي الحالة الإيرانية، كان المنتصر مؤسسة بأكملها وهي "المؤسسة الدينية"(7). وعليه، يوجه الكاتب أذهان القراء نحو سؤال "الانتصار في معركة السلطة" في تلك الثورة "لماذا وكيف انتصرت المؤسسة الدينية في معركة السلطة في أحداث الثورة الإسلامية في إيران في 1978؟".

تستعرض هذه الورقة بالنقد رأيين تناولا الإجابة على سؤال الكتاب أعلاه:

حيث يرى فريق أن مقاربة الشاه في الحكم سواء كان الشاه الأب رضا من خلال قمعه للمؤسسة الدينية أو محمد رضا الابن من خلال سياساته المنفتحة نسبيًّا على الآخرين، هي التي أدت إلى فتح المجال أمام المؤسسة الدينية للصعود إلى السلطة. بينما يرى الفريق الآخر أن المؤسسة الدينية كانت من الناحية الشعبية هي الأكثر نفوذًا وتأثيرًا من خلال عوامل متعددة فاستطاعت أن تكون هي الرابح التلقائي لهذه المعركة.

الرأي الأول: انتصار المؤسسة الدينية في معركة السلطة نتيجة متوقعة لسياسات الشاه البهلوي الأول والثاني تجاه المؤسسة الدينية:

عادة ما كانت المؤسسة الدينية في تاريخ إيران المعاصر تتجنب المشاركة في السياسة، وذلك إما لأسباب فقهية أو أخرى مصلحية، إلا أنه منذ فتوى المرجع محمد حسن الشيرازي، سنة 1891، في ثورة التبغ زمن ناصر الدين شاه القاجاري (1831- 1896)، بدأت الصحوة في أوساط المؤسسة الدينية والانتباه إلى مكامن قوتها لتتمكن من المشاركة في تقرير مصير البلاد. يتطرق الكاتب في الفصل الثاني إلى مسيرة القوى الشعبية فيستذكر أن آخر مرة خرج فيها الشعب الإيراني إلى ميدان المقاومة ضد السلطان هي في أساطير فريدون ضد الملك الضحاك(8)، وبعد ذلك كانت أول مرة يخرج فيها الشعب الإيراني ضد السلطان في ثورة التبغ. ويواصل الكاتب أنه في مدينة طهران [ويصل عدد سكانها في ذلك الزمان إلى مئة ألف نسمة]، استطاعت فتوى التنباكو أن تحرض قرابة عشرين ألف مواطن على الوصول إلى قصر السلطان القاجاري والثورة عليه. إن هذه القوة وقدرتها على التغيير قرأها السياسيون وتنبه لها رضا شاه الذي صعد إلى السلطة في أعقاب الثورة الدستورية في 1926، والذي كان يحرص في كل مراحل سلطته على جذب القوى السياسية الأكثر تأثيرًا في الشعب، ففي بداية حكمه سعى إلى الظهور على أنه شخصية دينية في محاولة للتصالح مع المؤسسة الدينية، وعندما استحكم له الأمر ولم يعد في حاجة إلى دعمهم بدأ في 1937 في إجراءات قمعية ومقيدة للفعاليات الدينية والشعائرية. في المقابل، قامت المؤسسة الدينية كغيرها من القوى السياسية في بداية حكم الشاه، بمداراته وإصدار الفتاوى التي تؤيده كفتاوى مراجع التقليد، شيخ الإسلام ميرزا النائيني (1860- 1936) وسيد أبو الحسن الأصفهاني (1861- 1946) الذي خلف النائيني بعد وفاته على المرجعية الشيعية، خاصة بعد إبعادهما من النجف الأشرف في العراق إلى قم.

إن أول مواجهة يسجلها الكاتب بين البلاط والحوزة، كانت بسبب قرار الشاه تغيير نظام الحكم من نظام ملكي إلى جمهوري في 1924. تصدت المؤسسة الدينية بقوة في تحريك الشارع والقوى السياسية الأخرى ضد القرار والذي اضطر الشاه إلى الخضوع، إلا أن هذا التحرك وكما يقول الكاتب "أول وآخر إنجاز سياسي يذكر للمؤسسة الدينية والقوى السياسية زمان رضا شاه". منذ ذلك الزمان بدأ الشاه بإجراءات متدحرجة قمعية ضد المؤسسة الدينية ونجح في ذلك إلى حدٍّ كبير. ولأنه كان ذا توجهات حداثية، بدأ بسحب المهام الأربعة الرئيسية التي كانت المؤسسة الدينية مسؤولة عنها، أيام الحكم القاجاري وهي القضاء والتعليم التقليدي وقناة العلاقة بين البلاط والشعب والتوثيق والسجل المدني؛ حيث أسس المدارس الرسمية بدلًا من التعليم الحوزوي التقليدي والكتَّاب، وإدارة التوثيق المدني بدلًا من الدواوين التقليدية وأدخل الراديو أداة للتواصل مع الشعب بدلًا من منبر الحوزة. وعمليًّا، فقدت المؤسسة الدينية مكانتها داخل السلطة السياسية. إضافة إلى ذلك قام الشاه بإجراءات متواصلة للحد من نفوذ المؤسسة الدينية، فعلى صعيد السلطة السياسية قلَّل من وجودهم في البرلمان، وعلى الصعيد الديني منع الشعائر الدينية العاشورائية ومنع استصدار الأذون بالسفر للعتبات وللحج حتى إنه دخل إلى هيكلية المؤسسة الدينية نفسها، وجعل استصدار الإذن بلبس زي المؤسسة الدينية من خلال الدولة وليس قرارًا للمؤسسة الدينية. 

 وعلى الصعيد المالي الذي هو عصب القوة واستقلالية المؤسسة الدينية ونفوذها، قام بتأسيس قانون الأوقاف وجعل مسألة الوقفية وعوائدها شأنًا وزاريًّا حكوميًّا. كما أنه فرض عقوبات على من يدفع الخمس والمستلزمات الشرعية إلى المراجع الدينية مباشرة دون الرجوع إلى الدولة. ولعل أكبر ضربة تلقتها المؤسسة في قرار نزع الحجاب الذي أصدره الشاه وتبنَّاه بقوة، ففي الوقت الذي قررت فيه الحوزة برئاسة الشيخ عبد الكريم الحائري (1859- 1937) اجتناب السياسة والاهتمام بالشؤون الحوزوية فقط، لم تقم الحوزة بأي تحرك ضد إجراءات الشاه، إلا أنها لم تستطع أن تصمت في مسألة كشف الحجاب. في المقابل لم يكن لتحركاتهم أي صدى شعبي ولم يشكِّل ذلك أي ضغط على الشاه في ذلك الزمان، بل إن الدعاية السلبية للشاه ضد المؤسسة الدينية بدت وكأنها أثَّرت في قطاعات شعبية مهمة، وتمكن الشاه من هدم المؤسسة الدينية وحلها. في الطرف المقابل ودون إدراك من الشاه لتبعات هذه الخطوة، كان لهذه الإجراءات القمعية، أثر إيجابي مستقبلي في صالح المؤسسة الدينية. فالصبغة الحكومية الرسمية التي اتسمت بها المؤسسة الدينية إبان الحكم القاجاري، والتي أدت إلى انتقادات شعبية لها في ذلك الزمن بسبب علاقة المؤسسة بالبلاط والدولة وتلوثها بأوزار السلطة وسوء الاستفادة من ذلك وكسب الأموال من الشعب بطرق ملتوية. بدى وكأن إجراءات الشاه القمعية قد طهَّرت المؤسسة من هذه الأوزار من خلال الفجوة التي نشأت بينه وبينهم، ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذا العامل كان أهم عامل لانتصار المؤسسة الدينية في معركة السلطة التي ستأتي لاحقًا في إيران.

أما سياسات محمد رضا شاه الابن (1941- 1979) تجاه المؤسسة الدينية، فقد كانت على عكس سياسات والده القمعية، وليس ذلك حبًّا في الدين بل كان من خلال تشكل عدو مشترك للمؤسسة الدينية والشاه معًا، وهو التيار اليساري بأسمائه المتعددة من حزب توده (حزب الشعب) إلى اليساريين والبلشفيين البيض والماركسية والشيوعية وغيرها. كان الشاه يرى في هؤلاء عدوًّا له لأنهم كانوا يمثلون النفوذ الروسي في مقابل أصدقائه البريطانيين والأميركيين لاحقًا، والذين كان يرى في إرضائهم تأمينًا لعرشه. أما المؤسسة الدينية فلأسباب دينية كانت ترى في الشيوعية والإلحاد خطرًا على الدين وعلى إيران. أدى ذلك إلى تلاقي المصالح، فدعمت المؤسسة الدينية البلاط خاصة في عملية تقييد أنشطة الشيوعيين في البلاد والحد من نفوذهم، وكذلك قام الشاه بفتح الفضاء السياسي للمؤسسة ودعم تحركاتها وأنشطتها بين الناس، وذلك دون أن يدري أن هذه المؤسسة هي التي ستحدد مصيره إلى الأبد في معركة السلطة القادمة. من المهم الإشارة هنا إلى أن اليساريين لم يكونوا يتمتعوا بحضور إيجابي في أوساط الشعب الإيراني بسبب سياساتهم المتطرفة وعمليات الاغتيال السياسي وارتباطهم الوثيق بروسيا الشيوعية. رأى الشاه أن أفضل وسيلة لمواجهة النفوذ الشيوعي الروسي هو استخدام المؤسسة الدينية. من جهة أخرى، استمرت المؤسسة الدينية وخاصة في فترة آية الله العظمى المرجع الشيعي، سيد حسين بروجردي(9) (1875- 1961)، في سياسة الامتناع عن الدخول في العمل السياسي والتركيز والاهتمام بمشروع إعادة إحياء الحوزة الدينية من خلال الاهتمام الثقافي، وشهدت الحوزة في ذلك الزمان توسعًا داخليًّا وخارجيًّا وصل إلى كل قارات العالم، وبدا المشهد لدى الشاه أن المؤسسة ليست منافسًا سياسيًّا له، بل إن الكثير من الكتب الدينية التي طبعت في ذلك الزمان كانت بدعم وتمويل من البلاط، وتفتتح مقدمتها بالمديح للشاه، ولذلك كانت علاقة بروجردي بالشاه جيدة، حتى إنه لم يتدخل في انتقاده حتى في أحداث تأميم النفط، التي فضَّل أن يقول فيها: "إننا لا نفتي في أمور لا نعلم بها". وفي العشرينات والثلاثينات سمح الشاه بأن يكون الراديو مجالًا مفتوحًا للمؤسسة ولحجج الإسلام أمثال طالقاني ومطهري، لتستعيد المؤسسة دورها على المنبر الذي فقدته أيام الشاه الأب، وليس المنبر الديني فحسب بل من خلال التكنولوجيا والتطور استعادت المنبر الإعلامي سواء الراديو أو الصحافة المطبوعة. وفي المعركة الفكرية بين الإسلام وبعض المفكرين، حاول بعض الكتَّاب مثل كسروي ومحمد مسعود السخرية وتشويه الوجه الديني، والذي أدى بهم إلى أن يتم اغتيالهم لاحقًا على يد حركة "فدائيان إسلام"، إلا أن المحللين يؤكدون أن الانطباع السائد بين الناس كان الاتهام المباشر للشاه وأعوانه في قتلهم.  

وأما الشأن الآخر الذي أسهم في تعزيز موقع المرجعية الدينية بين الناس، فهو وقوفها إلى جانبهم في مواجهة الفكر البهائي الذي نظرت إليه المرجعية الدينية كفكر منحرف، أمام تساهل الشاه الأب والشاه الابن في السماح لهذا الفكر بالعمل في البلاد، والذي عُزِّز برسالة من المرجع بروجردي، في 1949، الاحتجاجية على البلاط في هذا السياق؛ حيث اعتبر أن التساهل من قبل الشاه مع الفكر البهائي متعمد ولا يمكن أخذه على محمل الخطأ. ومن هنا نرى كيف استفادت المؤسسة كثيرًا من التطور الإعلامي والتقني في نشر أفكارها وأهدافها بشكل أوسع وأكبر من غيرها من القوى، فأسست مدارس للبنين وللبنات واستخدمت الصحافة والراديو بشكل كبير في نشر فكرها بين الناس. يضاف إلى ذلك أن المرجعية نفسها انتقلت من العراق إلى قم لاحقًا برئاسة آية الله بروجردي مما أوجد مجالًا سياسيًّا وثقافيًّا رحبًا، كان الشاه ممن أسهموا بتهيئته غير واع بمآلات ذلك، وهو ما شكَّل أحد العوامل الرئيسية لتقوية المؤسسة الدينية.

لقد أدت سياسات الشاه سواء كانت القمعية زمان البهلوي الأول أو سياسة العدو المشترك مع المؤسسة الدينية وفتح المجال السياسي للمؤسسة في الفترة البهلوية الثانية إلى صعود المؤسسة الدينية وتمكنها لاحقًا في أحداث الثورة الإسلامية وأن تتحول المؤسسة الدينية إلى القوة السياسية الجاهزة لملء الفراغ السياسي الذي سينشأ عن ضعف الشاه ورحيله لاحقًا عن السلطة.

الرأي الثاني: انتصار المؤسسة الدينية نتج عن أسباب ذاتية

أصحاب هذا الرأي يرون في المؤسسة الدينية القوة السياسية ذات النفوذ الأقوى شعبيًّا، وأن قدرة أي قوة سياسية على التأثير في تحريك الشعوب نحو أهدافها تمكِّن هذه القوة من الانتصار في معركة السلطة، ولعل سلوك المؤسسة الدينية في مسيرتها منذ بروز أثرها السياسي في ثورة التبغ وعبر المحطات التاريخية المتعاقبة، من سياسة اجتناب الانخراط في الحكم إلى انتقاد الحكم عن بعد ثم مداراة الحاكم ومن ثم تحولها إلى قوة محركة للجماهير هي التي أهلتها لاحقًا للانتصار في معركة السلطة وتسلم الحكم في 1979. يمكن تلخيص بعض الأسباب الذاتية التي أدت إلى أن تكون المؤسسة الدينية محور الانتصار في معركة السلطة كما يلي:

أولًا: السلوك السياسي للحوزة ورموزها، وتقديرها الموضوعي لدرجة الانخراط في السياسة، وخاصة بعد التجربة المريرة لها وحلِّها تقريبًا زمن الثورة الدستورية، ولذلك كان سلوك الحوزة وخاصة برئاسة آية الله بروجردي، تتسم ببعدين رئيسيين، الأول: التركيز في البنية الداخلية للحوزة، وتطويرها وتقدمها علميًّا وفنيًّا، من خلال العمل وفق أصول جديدة، وبالتالي الحرص على أن يكون الطلاب متميزين نوعًا وكمًّا، وشهد الكثير من المؤرخين على ذلك من ناحية حرص المؤسسة على التحصيل العلمي المتقدم، أما البعد الثاني، فرغم اجتنابهم التدخل في السياسة، إلا أنهم كانت مواقفهم المبدئية في مواجهة الشاه حال تعارض أي من مواقفه مع المبادئ الدينية، ومثال ذلك رأيناه في رفض نظام الجمهورية في زمن الشاه الأول ورفض مسألة نزع الحجاب زمن الشاه الثاني.

ثانيًا: معالجة المشاكل التي كانت تعاني منها المؤسسة كالاختلافات الداخلية حول السياسة وخاصة في الثورة الدستورية، وضعف العلم التكنولوجي للمؤسسة الدينية؛ حيث أدت محاولات القمع والإقصاء من قبل الشاه إلى أن تضع المؤسسة اختلافاتها الداخلية جانبًا، بل وزادت من وحدتها وانسجامها في توجهها نحو البناء الداخلي للتأهيل لمراحل السلطة السياسية القادمة. يضيف أصحاب هذا الرأي مسألتين لصالح تقوية المؤسسة الدينية، الأولى: سياساتهم القديمة ضد الاستعمار والتدخل الأجنبي، والأخرى: الحس الوطني الراسخ الذي حاولت المؤسسة الدينية أن تنبِّه وتستحث الشاه عليه من خلال مكاتباتهم له وخاصة ما حدث من تدمير العتبات وهدم البقيع "بيد الوهابيين"، ومطالبة المؤسسة الدينية للشاه اتخاذ إجراءات صارمة في ذلك واعتبار هذا التعدي تعديًا على إيران وعلى الإسلام، وهذا كله زاد من الرصيد الشعبي للمؤسسة الدينية.

ثالثًا: تتمتع المؤسسة الدينية في إيران بشبكات نفوذ استثنائية، من خلال شبكة المساجد والحسينيات والهيئات الدينية والمراسم الشعائرية، ولعل هذه الشبكات لها جذور ثقافية وشعبية واسعة فاقت حتى حدود المذهب لتصل إلى عمق الثقافة المجتمعية الإيرانية. الهيئات الدينية هذه تتوزع في الأزقة والحارات على مستوى إيران كلها في حضرها وقراها، وعادة ما يكون المنبر في هذه الهيئات والشبكات تحت تصرف أبناء المدارس الدينية، وإن كانت إدارتها -وخاصة الهيئات- إدارة شعبية محلية، لكن المنبر الديني والأناشيد والرادود (المنشد أثناء عاشوراء وغيرها) وغير ذلك من مكونات هذه الشبكات على صلة وثيقة بالمؤسسة الدينية إن لم يكونوا من أبنائها أو أحد أفرادها. هذه الصفات كلها زادت من استثمار المؤسسة الدينية ثقافيًّا وشعبيًّا، وعمَّقت نفوذها المجتمعي. وإذا ما أضفنا استقلال المؤسسة الدينية ماليًّا، وعدم حاجتها للدولة، من خلال المرجعية المذهبية للخُمس وللمستحقات الشرعية في المذهب الشيعي، عزز ذلك قوة المؤسسة الدينية مقابل بقية الأحزاب والقوى السياسية الأخرى والتي تعاني من صفات ذاتية لا يُكتب لها القبول بين الناس، ولا نتحدث هنا عن القوى التي صعدت وانقرضت من قوى المزارعين والعشائر مثلًا، وإنما نتحدث عن قوى شكَّلت حضورًا واسعًا لكنها ولأسباب ذاتية لم تصلح أن تكون منافسة للمؤسسة الدينية.

لا يعارض الباحث أيًّا من الرأيين، إلا أنه في المقابل لا يرى أن الأسباب السابقة يمكنها أن تؤدي وحدها، إلى تفوق قوة سياسية دون غيرها في الصراع على السلطة والانتصار في أحداث الثورة. إن لحظة الانتصار والارتقاء إلى مراحل تاريخية أخرى لا تكون لأسباب عقلية أو منطقية محضة، بل يتضافر فيها تراكم قوة الواقع مع كثافة منطق وقوة الجماهير التي تصب في اللاوعي باتجاه قوة دون أخرى. من خلال التفسير العلمي لسير الأحداث التي أدت إلى رحيل الشاه وانتصار الثورة، يفسر لاكلاو مفهوم وسبب التحول الجذري للمجتمع، بحيث تتحول المطالب الشعبية التي أهملها الشاه الذي لم يكن يعتبر للشعب مكانة، بل وصفه في مذكراته أنه "العدو الأصغر" في مقابل "العدو الأكبر" وهي القوى الخارجية وتدخلاتها، والتي كان يتعامل معها من خلال تحييد شرها وليس مواجهتها، في حين أنه كان يتعامل مع كل القوى الداخلية بحالة قمع شديدة، تحولت هذه المطالب الشعبية المتنوعة إلى حالة رفض كبيرة ومتصلة ومستمرة وعابرة للحدود التنظيمية والحزبية السياسية والدينية والفكرية والاجتماعية والثقافية. برزت حينها ما سماها لاكلاو في نظريته بـ"لا" كبيرة وهي ظاهرة "الدال الفارغ"، والتي يعتبرها الباحث المحور الأساسي للكتاب، التي يمكنها أن تفسر حالة رحيل الشاه، فالكل -ودون الرجوع للسبب- لا يريد إلا "رحيل الشاه". والأهم من ذلك يكمن في قيادة الثورة؛ حيث لعبت شخصية قيادة الإمام الخميني بأبعادها المختلفة دينيًّا وسياسيًّا وجماهيريًّا دوراً بارزاً في تشكيل هذا "الدال الفارغ" وهذه الـ"لا" الكبيرة أمام الشاه، بين قطاعات المجتمع المختلفة مشربًا وفكرًا وتوجهًا، ليستطيع هو كقائد لهذه المؤسسة الدينية أن يتحول إلى قائد وطني للبلد كلها، ويفوز هو ومؤسسته في استلام السلطة.

حملت شخصية الخميني كقائد عدة صفات غير صفاته الذاتية، ونقصد هنا الصفات والانطباعات التي اكتسبها بسبب محيطه السياسي والاجتماعي، فقد عاش حياته في بيئة الاستبداد الداخلي، وعايش رحلة إعادة تأسيس الحوزة فقد كان تلميذًا مرافقًا للشيخ الحائري، في سفره إلى (قم) لهذه المهمة، والخميني لم يعاصر الثورة الدستورية فلم يلوث بما شاب المؤسسة في أنظار الناس، سواء قبل الدستورية من تمثيلهم وتلوثهم بأوزار السلطة، أو الاختلاف الداخلي بين العلماء أثناء وبعيد الثورة، كما أن الخميني وقد وصل إلى الستين من عمره، خاض معارك فاصلة مع الشاه وبلاطه الملكي، معترضًا على قرار حكومة "أسد الله علم" في تبديل القسم على القرآن بالقسم على الكتب السماوية، ومعترضًا على الاستفتاء في الثورة البيضاء للملك حول النقاط الست للثورة مما أدى إلى خطاب حاد من الشاه تجاه الإمام دون ذكر اسمه، وبعدها حصلت حادثة المدرسة الفيضية (1963) التي حرض فيها الخميني الشعب والمراجع ضد الشاه باتهامه بإهانة المقدسات الدينية؛ حيث هاجم رجال الشاه طلاب المدرسة وأهانوهم وضربوهم وقتلوا منهم، ثم جرى اعتقال الإمام الخميني بعدها بأشهر بسبب إدانته الشديدة لرضوخ الشاه لاشتراطات القوى الاستعمارية الكبرى، وعلاقة الشاه بـ"إسرائيل"، وجرى إبعاده إلى خارج البلاد.

خلال وجوده في النجف، وضع آية الله الخميني نظريته وتصوره لنظام الحكم الرشيد بناء على نظرية "ولاية الفقيه"، وبالتدريج تحول الخميني إلى القائد الحقيقي في شمولية شخصيته متعددة الجوانب لكل التحركات في مواجهة الشاه، والأكثر من ذلك تحول جمهور الخميني والمؤسسة الدينية إلى تيار جارف داخل المجتمع وأيضًا داخل الإطار الديني والمذهبي الأيديولوجي. حتى إن رئيس الوزراء، أسد الله علم، في زيارة له لإحدى جامعات شيراز، في العام 1976، استغرب من عدد البنات اللاتي يلبسن الشادور الإيراني (العباءة)، في حين أنه في الستينات حيث كان هو رئيسًا لهذه الجامعة لم تكن بنت واحدة محجبة؛ وهذا دليل مهم على نفوذ آراء المؤسسة الدينية في صفوف الشعب وبالخصوص في صفوف الشباب. يشير الكتاب إلى عاملين رئيسيين في تحويل رأي المجتمع إلى الميول الدينية، الأول: أن الدين بدا منقذًا روحيًّا لتكدس المشاكل الاجتماعية كالإحباط في وسط الحياة المرفهة والاقتصادية العالية التي كانت عليها المدن الرئيسية في البلد، وكذلك شكَّل التدين ملجأ للفقراء بالملايين الذين هاجروا من القرى ليعيشوا حياة اصطناعية غريبة في المدينة. أما العامل الثاني: فهو مكون من عوامل ثقافية مثل انتشار الكتب والمنشورات والمؤسسات الوعظية والدينية والوعاظ والخطباء المفوهين وكذلك انتشار التدين في المجتمع. طبقة البازار كانت من الطبقات المهمة التي تحالفت أيضًا مع المؤسسة الدينية وجعلت من الروابط الدينية والهيئات الحسينية مركزًا أساسيًّا للتعاون والترابط المجتمعي الذي مركزه الفكرة الشعائرية وموَّلته العوائل والتجار ومنبره الواعظ الديني. وفي النهاية -كما يدلل الكتاب- أن أهم مسؤولية لأي قائد جماهيري هو قدرته على تشكيل مبدأ "الدال الفارغ" لقيادة الجماهير نحو أهدافه، وهنا كان الخميني. ويستدعي دكتور سميعي مقولة غوستاف لوبون(10) في شرح خصائص القائد الشعبي الثلاثة: "رسائله قاطعة ولا تحتمل التأويل، ولا يوجد فيها أدلة معقدة وصريحة ومباشرة، هذه الرسالة يكررها عدة مرات، حتى يتم زرعها في اللاوعي عند الجماهير، لتتحول إلى واقع مفروض. وفي النهاية تتحول هذه الرسالة إلى ظاهرة تتردد بين أبناء الأمة المخاطبة، بشكل سريع وواسع عابر لكل أطياف المجتمع".

هذا تمامًا ما اتصفت به خطابات الخميني، كلمات بسيطة دون تعقيد لكنها تحمل موقفًا سياسيًّا قاطعًا لا لبس فيه ولا يحتمل رأيين، يرى في الشاه ظالمًا مستبدًّا، ويرى في الأميركان و"الإسرائيليين" قوى استكبار وأن التبعية لهم سبب استعباد الشعب الإيراني، وأن على الشاه أن يرحل. وهذا ما سرى بين الناس كما تسري النار في الهشيم؛ مما أدى إلى فعل ثوري يعرِّفه هانتنغتون فيقول: "الثورة تغيير داخلي، سريع، وجذري وخشن، في القيم والأساطير، يستحوذ على المجتمع، والمؤسسات السياسية، والبنية المجتمعية، والقيادة، والفعاليات، وسياسات الحكومة".

معلومات عن الكتاب

العنوان: "نبرد قدرت در ایران" معركة السلطة في إيران

تأليف: محمد سميعي

مراجعة: خالد القدومي

دار النشر: نشر نى

تاريخ النشر:  1397 ش

اللغة: الفارسية

الطبعة: الثالثة

عدد الصفحات : 807

نبذة عن الكاتب

مراجع
  1. الكاتب د. محمد سميعي. تخرج في بداية حياته من الحوزة والمدارس الدينية في مدينة قم في إيران، ودرس الفلسفة الإسلامية والدراسات الإسلامية على مدى عشر سنوات، ثم حصل على الماجستير في الحقوق من جامعة طهران، ثم سافر إلى الغرب حيث حصل على الدكتوراه من جامعة ويستمنستر في العلوم السياسية، وهو كذلك من الأسماء المرجعية في علم الفلك. يجيد اللغات الفارسية والعربية والإنكليزية.
  2. Anthony Giddens
  3. Samuel Huntington
  4. Ernesto Laclau
  5. 15Michel Foucaut
  6. Empty signifier
  7.  المؤسسة الدينية: اخترت المصطلح والذي يقابله بالفارسية "روحانيت". والمعنى هنا شبيه بمصطلح "الإسلام السياسي" إذا ما أردنا استخدام المصطلحات ذات الدلالات المعاصرة، وفي قلبها "رجال الدين" أو "روحانيان" بالفارسية أو "الإسلاميون" بالعربية، والذين تزعَّمهم الإمام الخميني في حينه.
  8.  الملك الضحاك: ورد اسمه في الكتب العربية باسم أزدهاق و أزيدهاك، وورد كذلك في الشاهنامة التي نظمها الشاعر الفارسي أبو قاسم الفردوسي في سنة 1000، يشرح فيها للسلطان محمود الغزنوي تاريخ الفرس القديم وحتى الفتوحات الإسلامية وسقوط الدولة الساسانية في 651. ويمثل الملك الضحاك في الرواية الروح الشريرة في الأساطير الآرية، أما فريدون فهو الشخصية المقاومة التي حركت الناس ضد الضحاك.
  9.  أحد أساتذة الإمام الخميني.
  10.  Gustave Le Bon