حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي وإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في جنوب اليمن

عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، قبل فراره من اليمن

شكّل إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ نفسه، عقب فرار قائده عيدروس الزبيدي إلى "أرض الصومال" ومنها إلى الإمارات، لحظة سياسية كثيفة الدلالات في المسار اليمني، حملت في طياتها مؤشرات انهيار بنية سياسية-عسكرية كاملة خلال زمن قياسي. تنبع أهمية هذا التطور من السياق الذي أُنتج فيه، ومن التتابع السريع للأحداث التي سبقته، والدلالات البنيوية التي كشفها داخل المشروع الذي مثّله المجلس منذ تأسيسه عام 2017.

جاء الحلّ الذاتي للمجلس في أعقاب إخفاق ميداني واضح في السيطرة على حضرموت والمهرة، وتفكك الاصطفاف الإقليمي الذي وفّر له الغطاء والدعم، وتآكل شرعيته داخل البيئة الجنوبية ذاتها. بهذا المعنى، مثّل القرار اعترافًا عمليًّا بانتهاء قدرة المجلس على الاستمرار كفاعل مستقل، وبانتقال الجنوب إلى مرحلة سياسية وأمنية جديدة، تخضع لقواعد مختلفة عن تلك التي سادت خلال السنوات الماضية.

الفرار المفاجئ لعيدروس الزبيدي أدّى دورًا محوريًّا في تسريع هذا الانهيار. فارتباط المجلس بشخص القائد، وتحوله إلى مركز القرار شبه المطلق، جعل بنيته التنظيمية هشّة وقابلة للتفكك عند أول اختبار حاسم. هذا الحدث ولّد صدمة داخل المجلس الانتقالي، وفتح الباب أمام مراجعات داخلية عميقة قادت غالبية قياداته إلى تفضيل خيار الحلّ، تجنّبًا لتحمّل تبعات مسار تصعيدي فقد مقومات الاستمرار.

يرتبط هذا التطور بالتحول الأوسع الذي شهده المعسكر المناهض للحوثيين منذ مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي. وقد تمثّل هذا التحول في إعادة تموضع مركز القيادة، واعتماد مسار يعزّز مركزية إدارة المشهد، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية لمجلس القيادة الرئاسي ورئيسه رشاد العليمي، ووفق تصور أمني واستراتيجي أكثر تماسكًا. وأسهم هذا المسار في طيّ مرحلة طويلة اتسمت بتفويض واسع لقوى محلية مسلحة، وترسيخ نمط جديد يقوم على الانضباط، وربط القوة العسكرية بالشرعية الدستورية.

محاولة المجلس الانتقالي فرض سيطرته على حضرموت والمهرة شكّلت نقطة الانكشاف الكبرى لهذا التحول. تلك الخطوة عبّرت عن قراءة قاصرة لمعادلات القوة، افترضت قابلية تمديد النفوذ بالقوة العسكرية، وتجاوزت الخصوصيات الاجتماعية والقبلية للمحافظتين، وحساسيتهما في معادلات الأمن الإقليمي. الرد السعودي السريع والحاسم، عسكريًّا وسياسيًّا، أعاد رسم الخطوط الحمراء، وأكّد دخول الجغرافيا الجنوبية والشرقية مرحلة ضبط استراتيجي عالي السقف.

في هذا الإطار، جاء الضغط السعودي على الإمارات، وما تبعه من انسحاب لقواتها، عاملًا حاسمًا في تفكيك المظلّة الإقليمية التي استند إليها المجلس الانتقالي. هذا التطور كشف حدود المشروع الانفصالي، وأظهر افتقاره إلى مقومات الاستدامة الذاتية. كما أسهم في إعادة اصطفاف عدد من الفاعلين المحليين، الذين اتجهوا نحو تبنّي مسار جديد يقوم على الاندماج في ترتيبات تقودها الرياض، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة اليمنية.

على المستوى العسكري، حملت تحركات قوات درع الوطن دلالات تتجاوز البعد الميداني المباشر. هذه التحركات مثّلت تطبيقًا عمليًّا لمفهوم احتكار الدولة للقوة المنظّمة، عبر استعادة المعسكرات والمواقع الاستراتيجية، وتقليص نفوذ التشكيلات المسلحة الخارجة عن التسلسل القيادي الرسمي. ترافق ذلك مع قرارات واسعة بإعادة هيكلة القيادة العسكرية والأمنية، شملت إقالات وتعيينات وإحالات للتحقيق، في سياق تفكيك شبكات الولاء المزدوج، وبناء مؤسسة عسكرية أكثر تماسكًا.

يسهم هذا المسار العسكري في تهيئة بيئة مواتية لمسار سياسي جنوبي، يرتكز على الحوار المنظّم. وفي هذا الإطار تبرز الدعوة إلى مؤتمر حوار جنوبي شامل، برعاية سعودية، في سياق توازن جديد أعاد ترتيب العلاقة بين الفعل العسكري والمسار السياسي. ويضطلع هذا الحوار بوظيفة تنظيمية واحتوائية، تستهدف استيعاب التعدد الجنوبي ضمن إطار وطني جامع، وتوجيه القضية الجنوبية نحو مقاربة سياسية تفاوضية جديدة.

من زاوية إقليمية أوسع، أظهرت هذه التطورات انتقالًا في التعاطي مع جنوب اليمن، من مقاربة اعتمدت على إدارة النفوذ عبر فاعلين محليين، إلى مقاربة تربط الاستقرار الإقليمي باستعادة الدولة اليمنية لدورها السيادي. وقد أسهم هذا التحول في إعادة تعريف أهمية جنوب اليمن وباب المندب ضمن معادلات الأمن البحري، على أساس وحدة القرار والسيطرة المؤسسية، لا الترتيبات الجيوسياسية المنفصلة.

استراتيجيًّا، يفتح هذا التحول الباب أمام مرحلة استقرار نسبي في الجنوب والشرق اليمني، مقارنة بحالة السيولة السابقة. هذا الاستقرار يرتبط بقدرة السلطة على استكمال إعادة بناء المؤسسات، ودمج القوى المحلية ضمن أطر رسمية، وإدارة التنوع السياسي والاجتماعي بحكمة. كما يرتبط بمدى نجاح الحوار الجنوبي المرتقب في إنتاج تمثيل حقيقي، وتجاوز إرث الاحتكار والإقصاء.

في الخلاصة، يمثّل حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي نقطة انعطاف حاسمة في تاريخ الجنوب اليمني المعاصر. هذا الحدث يعكس نهاية مقاربة سياسية-عسكرية قامت على فرض الأمر الواقع، وبداية مسار جديد يقوم على إعادة المركزية، وضبط القوة، وفتح المجال أمام تسويات سياسية أوسع. المرحلة المقبلة ستكشف قدرة هذا المسار على التحول إلى عقد سياسي مستدام، يوازن بين الأمن والتمثيل، ويعيد للدولة موقعها باعتبارها الإطار الجامع لإدارة الصراع وبناء الاستقرار.

نبذة عن الكاتب