الاحتجاجات الإيرانية بين محرِّك الاقتصاد والمجتمع وحسابات التدخل الأميركي الإسرائيلي

يمكن النظر إلى الحالة الاحتجاجية الإيرانية بوصفها محكومة بثلاث حلقات متداخلة تعمل بصورة تراكمية وتبادلية: الأولى تتمثل في محفزات اقتصادية (كرفع أسعار البنزين، عام 2019، أو تدهور العملة والتضخم في 2025/2026)، ومحفزات اجتماعية–ثقافية (كما في موجة ما بعد مقتل مهسا أميني وما ارتبط بها من سجال حول فرض الحجاب)، ومحفزات سياسية كما في 2009، تُنتج احتجاجًا مطلبيًّا سريع الاشتعال وقابلًا للانتشار. والثانية تتمثل في مسارٍ ينتقل فيه الفعل الاحتجاجي من المطلبية إلى التسييس ثم إلى"الأمننة" عبر إعادة تعريفه داخل الخطاب الرسمي وفق ثنائية "التظاهر/الشغب"، بما يوسِّع هامش الضبط ويحوِّل إدارة الأزمة إلى مسألة نظام عام وأمن قومي؛ أما الثالثة فتقوم على قابلية مرتفعة للتدويل أو التدخل الخارجي، تُغذِّيها تصريحات واشنطن ونقاشات إسرائيل حول كيفية استثمار اللحظة.
4 يناير 2026
بمطالبات اقتصادية بدأت موجة احتجاجية جديدة في إيران(الفرنسية)

تُجمع التصريحات القادمة من إيران على أن موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران بدأت من بوابةٍ مطلبية-اقتصادية (غلاء المعيشة، تدهور العملة، التضخم والركود) ثم أخذت تتجه تدريجيًّا نحو "تسييس"المطالب، بالتزامن مع تعقيد البيئة المحيطة بإيران إقليميًّا ودوليًّا. فقد دخلت الاحتجاجات يومها الثامن مع تحولٍ في بعض الشعارات من المعيشي إلى السياسي. ولا يمكن تجاهل البعد الرمزي في كون هذه الاحتجاجات بدأت من بازار طهران، يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، احتجاجًا على انهيار الريال وتفاقم الأزمة الاقتصادية، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى.

على المستوى الميداني-الأمني يُسجَّل تصعيد نوعي في كلفة الاحتجاجات وفي طريقة توصيفها؛ إذ يجري الإعلان عن مقتل 4 أشخاص على الأقل في غرب البلاد وتحدثت وكالة مهر عن مقتل عنصر من الحرس الثوري بعد محاولة محتجين اقتحام مركز للشرطة، مع تقديرات متفاوتة لمدى الانتشار. ويعكس هذا التباين ساحةً موازية للصراع هي "حرب الأرقام والتوصيف"؛ حيث تتحول الإحصاءات ذاتها إلى أداة في بناء السرديات المتنافسة حول طبيعة الحراك وحدود استخدام القوة.

داخليًّا، يبرز نمط "الاحتواء المشروط بالردع" بوصفه آلية إدارة الأزمة؛ ففي حين أقر القائد الأعلى، آية الله علي خامنئي، بأن مطالب المحتجين على خلفية غلاء المعيشة "محقَّة"، فإنه في الوقت نفسه وضع خطًّا فاصلًا بين "المتظاهرين" و"مثيري الشغب"، مؤكدًا أن الحوار لا جدوى منه مع الفئة الثانية وأنه "يجب وضع حدٍّ لهم". ويعزز هذا الفصل السردي شرعية الانتقال من الاعتراف الجزئي بالمطالب إلى التوجه نحو المقاربة الأمنية، خصوصًا مع تداول روايات رسمية مدعمة بـ"الفيديو" عن قنابل حارقة وإشهار سلاح ووقائع عنف في مناطق مثل دارشهر وقم.

في المقابل، تتكثف الروايات التي تربط ما يحدث بالتهديد الخارجي؛ إذ تَظهر تصريحات ترامب عن احتمال التدخل إذا استُخدمت القوة ضد المتظاهرين بوصفها عاملًا مضاعفًا للتوتر، لا مجرد تعليق سياسي. وقد قابلت طهران ذلك باستنكار رسمي واضح: فقد وصف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، هذا التهديد بأنه "غير مسؤول وخطير" وأكد جاهزية القوات المسلحة للرد على أي انتهاك للسيادة، بينما ذهب الأمين العام لمجلس الأمن القومي، على  لاريجاني، إلى أن تصريحات ترامب ومواقف مسؤولين إسرائيليين تكشف "الخلفية الحقيقية" للاحتجاجات. وهو ما يشكِّل دينامية دائرية: كلما ارتفع "سقف الخارج"الخطابي، اتسعت قابلية الداخل لإعادة تأطير الحراك بوصفه مسألة سيادة وأمن قومي.

تنظر إسرائيل إلى هذه الاحتجاجات بوصفها "فرصة" تراها بعض مراكز الأبحاث الإسرائيلية للدفع باتجاه إسقاط النظام أو إضعافه، لكن ذلك مصحوب بصمت حذر في المؤسسة الرسمية الإسرائيلية خشية ردٍّ إيراني "غير تقليدي" قد يستهدف العمق الإسرائيلي، وصعوبة التنبؤ بمآلات الاحتجاجات. بهذا المعنى، تُقرأ الاحتجاجات داخل إسرائيل ضمن معادلة "الاستثمار مع تجنب الارتداد"، وهو ما يفسر لماذا تُسرِّع طهران في تحويلها إلى ملف سيادي-أمني.

والسؤال هنا يتعلق بالربط بين التوقيت العسكري والاحتجاجات: هل تُشن ضربةٌ الآن استثمارًا لظروف "احتجاجات داخلية" وضعف تحالفات إيران الإقليمية، أم يُنتظر دعم أميركي أوضح من إدارة ترامب؟ ويُقدَّم هذا بوصفه "معضلة إستراتيجية عاجلة" لأن إيران، بحسب مقال نشرته الجزيرة نت، واصلت إعادة بناء منظومتها الصاروخية. هنا يتقاطع الداخلي بالخارجي على نحوٍ مباشر: الاحتجاج ليس فقط مؤشرَ اضطرابٍ اجتماعي بل مدخلَ حساباتٍ في تقديرات الردع والهجوم، وهو ما يعقِّد تهدئة الداخل لأن أي تصعيد خارجي يزيد حساسية السلطة تجاه كلفة التراخي.

إن ما يحدث في 2026 يمكن قراءته بوصفه امتدادًا لبنية احتجاجية متكررة في الجمهورية الإسلامية؛ فهناك احتجاجات 2019 التي اندلعت عقب رفع أسعار البنزين بنسبة 50% وحينها لم تكن حدثًا جديدًا، لكن إيران شهدت موجات احتجاج متعددة (منها 2009 و2017 و2019). ولذلك يمكن وصف "الحالة الاحتجاجية"  بأنها باتت واقعًا سياسيًّا-اجتماعيًّا يتسع ويطرح أسئلة الاستقرار وإدارة السياسة العامة. ولعل الملاحظة التي تُسجَّل على موجات الاحتجاج أنها تأخذ شيئًا فشيئًا طابعًا عنيفًا مسلحًا في بعض المناطق.  

وفي محاولة تفسيرية، يمكن القول بأن الاحتجاج "مكفول دستوريًّا" في القانون الإيراني، لكن عمليًّا لا تمتلك إيران إستراتيجية واضحة للتعامل مع الاحتجاج وفق بنود الدستور، وغلبت الصيغة الأمنية على إدارة جميع حالات الاحتجاج؛ صحيح أن الدولة قادرة على "لجم" الاحتجاجات، لكن ثمن ذلك هو غَلَبة الصبغة الأمنية وسيطرة نخبة أمنية على مجريات الأمور. وعند إسقاط هذا على احتجاجات إيران في 2026، يمكن فهم خطاب آية الله علي خامنئي الذي يميز بين المتظاهر ومثير الشغب، والخطاب الحكومي الذي يتحدث عن حماية الممتلكات العامة والجاهزية للردِّ على أي مساس بالسيادة بوصفهما جزءًا من مقاربة ضبط تعيد إنتاج النمط ذاته: اعتراف بالمطلبية بفعل بُعدها الحقيقي والواقعي مقابل شرعنة انتقال إلى المقاربة الأمنية حين تنتقل الحالة الاحتجاجية إلى البعد العنفي وكذلك في مواجهة التدخل الخارجي.

المجتمع الاحتجاجي عقب الثورة 

في بحث لهما حول ثنائية الاحتجاج والثبات السياسي في الجمهورية الإسلامية، يرى غلام رضا خواجة سروي وسيد جواد حسيني أن الجمهورية الإسلامية كنظام سياسي واجهت قضية الاحتجاج السياسي. وأظهرت حالاتُ الاحتجاج التي جاءت بعد سنوات من انتصار الثورة نموَّ الحالة الاحتجاجية في المجتمع الإيراني. فقد شهدت إيران احتجاجات في الأعوام 1981 و1992 و1999 و2009 و2017 و2019، و2022، وأخيرًا في 2026. وبالرغم من وجود عنوان واضح لكل من هذه الاحتجاجات إلا أنها مع الزمن باتت مسألة متعددة الأبعاد بالنسبة للجمهورية الإسلامية، كما أنها باتت واقعًا سياسيًّا لا يمكن إنكاره، كما لا يمكن إنكار مسبِّباته الداخلية، ولذلك نجد دعوات تقول بضرورة الإقرار بأنها حالة متزايدة تحتاج إلى مقاربة مختلفة غير الإنكار. ولعل الملاحظة التي تُسجَّل هنا أن الوسط البحثي والأكاديمي قد بحث في الحالة الاحتجاجية بصورة مغايرة للمقاربة السياسية والأمنية من قبل المسؤولين، ويمكن رصد عشرات الأبحاث والرسائل الجامعية التي تناقش الفعل الاحتجاجي في إيران ومسبباته وآثاره خاصة فيما يتعلق بالاستقرار السياسي. ويخلص عدد كبير منها إلى أن الاحتجاجات السياسية واحد من أهم مؤشرات حالة عدم الاستقرار السياسي في الجمهورية الإسلامية. ويميل بعض الباحثين، الذين قدموا مداخلاتهم في مؤتمر مركز الجزيرة حول إيران، إلى القول بأن الإضرابات والاحتجاجات بسبب التضخم وتراجع الحالة الاقتصادية وتدني الرواتب هي جزء من أبجديات المجتمع الإيراني، وأنها حالة سياسية تعود في تاريخها إلى ما قبل الثورة. والمجتمع الإيراني في بنيته هو مجتمع احتجاجي، كما يصفه حسين بشيريه. فضلًا عن ثقافة التشيع والبُعد الثوري والذي جرى الترويج له كَلُبٍّ للفكر السياسي الشيعي، ويمكن هنا العودة إلى ثورة المشروطة، وتأميم النفط وحركة مصدق، وثورة الغابة، وانتفاضة خرداد 1963، والثورة الإسلامية نفسها، وما تلاها من احتجاجات. يرتبط ذلك بصورة كبيرة بـ"الحق في الاحتجاج السياسي"، وعلى الرغم من أن ذلك مكفول في الدستور الإيراني في المادة 27 منه حيث تقر المادة بـ"حق الاحتجاج السياسي" للمواطنين، لكن تطبيق هذا النص يشوبه الكثير من اللبس والخلل.

وضمن ما سبق، يمكن الحديث عن ثلاث حلقات متداخلة في الحالة الإيرانية:

(1) محفزات اقتصادية تولِّد احتجاجًا مطلبيًّا سريع الاشتعال (كما في رفع أسعار البنزين 2019 أو تدهور العملة والتضخم 2025/2026)، أو اجتماعيًّا، كما حدث بعد مقتل مهسا أميني وموضوع فرض الحجاب.

(2) انتقال متكرر من المطلبية إلى التسييس ثم إلى الأمننة عبر ثنائية "التظاهر/الشغب".

(3) قابلية عالية للتدخل الخارجي تُغذيها تصريحات واشنطن ونقاشات إسرائيل حول استثمار اللحظة، وهو ما يدفع المؤسسة الحاكمة إلى تشديد لغة السيادة والردع بوصفها أداة لإغلاق نافذة التدخل الخارجي وإعادة ترتيب الداخل.

نبذة عن الكاتب