مقدمة
لا يبدو تكليف رجل الأعمال، علي فالح كاظم الزيدي، في السابع والعشرين من أبريل/نيسان 2026، لتولي منصب رئيس الوزراء، مجرد واقعة دستورية عابرة بل لحظة كاشفة في بنية النظام السياسي العراقي بعد 2003؛ حيث تتقاطع المحاصصة مع الدستور، وتتداخل الحسابات الداخلية مع ضغوط الخارج، وتتحول عملية تشكيل الحكومة من استحقاق انتخابي إلى تمرين طويل في إدارة التوازنات.
في العراق لا تولد السلطات التشريعية والتنفيذية، وبضمنها منصب رئيس مجلس الوزراء، من رَحِمِ النَّص الدستوري فحسب، بل غالبًا ما تسبقها تسوية داخلية وإقليمية ودولية، تحضر حين تضيق السياسة بأحزابها وتعجز الكتل عن إنتاج مرشحها الطبيعي.
ولذلك لم تكن نتيجة الانتخابات بدوراتها المتعددة عاملًا حاسمًا في إنتاج السلطة، فجميع من فازوا في الانتخابات لم يتمكنوا من تشكيل الحكومة، وإنما خضع هذا التشكيل إلى ثلاثية حكمت المشهد العراقي (واشنطن وطهران والنجف)، مع تغير الوزن النسبي لقوة النفوذ والتأثير طبقًا للمتغيرات الداخلية والخارجية.
وتحاول هذه الورقة أن تقرأ اختيار الزيدي بوصفه عيِّنة من أزمة أعمق، هي أزمة نظام يعالج انسداداته بالتسوية والصفقات لا بالإصلاح، ويُرحِّل التناقضات والتقاطعات بدل أن يحلها، وحين لا يجد مرشحًا يجمع الكل يختار من لا يعارضه أحد.
أولًا: الدستور في مواجهة منطق التسوية السياسية
يضع الدستور العراقي مسارًا زمنيًّا متدرجًا لتشكيل السلطة التنفيذية بعد كل انتخابات تشريعية، فالمادة 54 من الدستور تُلزم رئيس الجمهورية بدعوة مجلس النواب للانعقاد خلال 15 يومًا من تاريخ المصادقة على النتائج، وبعد انعقاد المجلس وانتخاب رئاسته، تُلزمه المادة 72 منه بانتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال 30 يومًا، وفقًا للآلية المنصوص عليها في المادة 70، التي تشترط أغلبية الثلثين نصابًا وتصويتًا في الجولة الأولى، ثم أغلبية الثلثين نصابًا للجلسة، لكن يتم التنافس بين أعلى اثنين من المرشحين في الجولة الأولى، ويفوز من يحصل على أعلى الأصوات. وما إن يُنتَخَب رئيس الجمهورية حتى تبدأ مهلة المادة 76 من الدستور التي توجب عليه تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا بتشكيل الحكومة خلال 15 يومًا، على أن يتولى المكلَّف عرض تشكيلته الوزارية خلال 30 يومًا لنيل ثقة البرلمان(1).
بيد أن مسار ما بعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2025 كشف خرقًا متدرجًا لهذه المنظومة في أكثر من محطة؛ فقد عقد مجلس النواب جلسته الأولى في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، بما كان يوجب انتخاب رئيس الجمهورية قبل نهاية يناير/كانون الثاني 2026، إلا أن هذا الاستحقاق تأخر بنحو 70 يومًا، وسط مقاطعات واسعة تجاوزت 130 نائبًا حالت دون اكتمال النصاب المطلوب، في وقت ربطت فيه قوى سياسية رئيسية، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني، عدم المضي في انتخاب الرئيس بحدوث التوافق الكردي.
وفي 12 أبريل/نيسان 2026، وبعد نحو 148 يومًا من الانتخابات من دون تشكيل حكومة، انتخب البرلمان نزار آميدي، مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، رئيسًا للجمهورية بـ227 صوتًا في الجولة الثانية، بعد ما حصل في الجولة الأولى على 208 أصوات دون بلوغ عتبة الثلثين لتوليه المنصب، وقد جرت عملية انتخاب الرئيس وسط مقاطعة من الحزب الديمقراطي الكردستاني(2).
وبعد تكليف آميدي لم يستطع الإطار التنسيقي اختيار مرشح له بعدما كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أعلن عبر منشور في منصة تروث سوشيال، في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، رفضه ترشيح رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، للمنصب؛ مما أدخل الإطار في مفاوضات مضنية لم تسفر عن شيء مع تجاوز الأجل الدستوري البالغ 15 يومًا الذي رسمته المادة 76(3).
في خطوة مفاجئة، أعلن الإطار التنسيقي في اجتماع عقده ببغداد، مساء الاثنين، 27 أبريل/نيسان 2026، اختياره رجل الأعمال، علي الزيدي، مرشحًا لرئاسة مجلس الوزراء، وذلك عقب إعلان المالكي والسوداني تنازلهما عن الترشح، وفي اليوم ذاته كلَّف الرئيس العراقي، نزار آميدي، علي الزيدي رسميًّا بتشكيل الحكومة الجديدة، لتبدأ من تلك اللحظة مهلة ثلاثين يومًا تنتهي في الأربعاء، 27 مايو/أيار 2026، يتعين عليه خلالها تقديم تشكيلته الوزارية مشفوعة بالبرنامج الحكومي إلى مجلس النواب للحصول على الثقة(4).
ثانيًا: الملفات الداخلية وحدود القدرة السياسية للزيدي
بعد تسليم برنامجه الحكومي إلى رئيس مجلس النواب، هيبت الحلبوسي، سيكون على الأخير دعوة المجلس لعقد جلسة التصويت على الثقة، ليتولَّى الزيدي مهامه رسميًّا. قام الزيدي منذ تكليفه بجولات مكوكية بين القيادات السياسية في كلٍّ من بغداد وأربيل والسليمانية، وتمكَّن من اختيار تشكيلته الوزارية في وقت قياسي، ومن المتوقع إلى حَدٍّ كبير أن تجري عملية التصويت على التشكيلة في مجلس النواب وترديد القسم، بدون عوائق جدية.
يصل علي الزيدي إلى رئاسة الحكومة مثقلًا بعبئين متداخلين: عبء الملفات التي أرهقت من سبقه، والثاني: عبء المعادلة السياسية التي صنعته قبل أن يصنعها، فهو لا يملك كتلة نيابية مستقلة تمنحه هامش المناورة، ولا قاعدة شعبية ضاغطة تحميه حين يغامر، ولا إجماعًا وطنيًّا يضفي على قراراته شرعية تتجاوز حدود القوى التي جاءت به، وهذه الحقيقة المدركة هي المدخل الأهم لفهم كل ملف ينتظره.
ففي ملف الفصائل وحصر السلاح، يقف الزيدي أمام جدار لم يستطع أحد من أسلافه اختراقه، فالقوى السياسية المرتبطة بالفصائل المسلحة تمتلك ثقلًا برلمانيًّا يتجاوز التسعين نائبًا، أي ما يقترب من نحو ثلث عدد النواب، ونحو نصف عدد النواب المنتمين للإطار التنسيقي الذي يضم القوى السياسية الشيعية.
بهذه القدرة النيابية، يستطيع النواب المرتبطون بالفصائل المسلحة تعطيل الجهود المتعلقة بنزع سلاح الفصائل، عدا عن القدرات الميدانية التي تعزِّز مثل هذا المسار؛ حيث تمتلك الفصائل أذرعًا أمنية واقتصادية متجذرة في مفاصل الدولة، وبمقدورها ممارسة ضغوط قوية ومؤثرة على القرار.
من هنا يصطدم أي حديث عن دمج الفصائل في المنظومة الأمنية أو حلِّها أو تقليص استقلاليتها العملياتية بهذا الجدار مباشرة، وما لم يمتلك الزيدي أداة ضغط داخلية أو غطاء إقليميًّا ودوليًّا فعليًّا، فسيجد نفسه بين خيارين: إما التطبيع الصامت مع الواقع، وإما المناورة الدبلوماسية في الهامش بعيدًا عن مركز القرار. ويبدو واضحًا من خلال ما تسرَّب من المنهاج الوزاري أن الزيدي لم يُدرج أي عبارة تشير إلى نية حَلِّ الفصائل، بما يعكس طبيعة المرحلة المقبلة ويؤكد أن التمنيات السياسية تبدو أكبر من حدود الواقع الفعلي.
وفي ملف الاقتصاد، يرث الزيدي حكومة تستنزف نحو 87% بالمئة من إيراداتها النفطية في كتلة رواتب متضخمة، فيما يبقى الاستثمار الحقيقي أسير الورق والخطاب، في حين تبدو الموازنة الثلاثية التي أُقِرَّت في زمن حكومة السوداني مثقلة بالالتزامات وعاجزة عن إطلاق تنويع اقتصادي جاد، وأي إصلاح هيكلي سيصطدم بتحالف المستفيدين من النظام الريعي، وهم متمركزون داخل البرلمان ذاته الذي يفترض أن يشرع الإصلاح(5).
أما الفساد فهو الملف الأكثر تعقيدًا، لأنه ليس مجرد ظاهرة إدارية، بل نظام مواز متكامل بشكل بنية مؤسسية شاملة. وهناك اتهامات واسعة بوجود شبكات مالية مرتبطة بالفصائل والأحزاب تتحكم في العقود الحكومية والمنافذ الحدودية والمؤسسة الأمنية، وكل مسؤول أو قاض يقترب من هذه الشبكات يجد نفسه أمام ضغوط تتراوح بين الترهيب والإقصاء، وفي هذا السياق لا تبدو هيئة النزاهة أداة كافية للتصحيح.
والزيدي ذاته بوصفه من كبار رجال الأعمال وله عقود مع الدولة بمليارات الدولارات، هو أصلًا يقف أمام حالة صارخة من تعارض المصالح؛ إذ إن انتقاله إلى موقع المسؤول التنفيذي الأول في الدولة لا يعني انفصاله تلقائيًّا عن شبكة مصالحه التجارية السابقة بل يجعله في موضع تتداخل فيه سلطة القرار العام مع المصلحة الخاصة، بما يثير أسئلة جدية حول النزاهة والشفافية وحدود الفصل بين المال والسلطة وتضارب المصالح.
وفي ملف الخدمات، تبقى الكهرباء الجرح الأشد إيلامًا في الشارع العراقي والأكثر تعقيدًا سياسيًّا قبل أن تكون قضية فنية، فهي تتقاطع في وقت واحد مع الاعتماد الاقتصادي على إيران والعقود المتعثرة والفساد وضعف البنية التحتية؛ مما يجعل أي حل حقيقي مشروطًا بتسويات تتجاوز صلاحيات رئيس الوزراء منفردًا(6).
أما العلاقة مع إقليم كردستان، فتظل المستحقات المالية وقانون النفط والغاز وحدود الصلاحيات قنابل مؤجلة، يراوغ عندها كل رئيس حكومة دون حسم نهائي، لأن الحسم يعني انحيازًا يثير طرفًا قادرًا على تعطيل الاستقرار وفوق كل ذلك استمرار استهدافها من قبل الفصائل الولائية بالمسيرات في أكثر من مناسبة، والزيدي الذي جاء بدعم الإطار التنسيقي ومباركة ضمنية من الاتحاد الوطني الكردستاني سيجد نفسه مضطرًّا إلى إدارة هذا الملف بحرص شديد، وسط الخلاف بين حزبي الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
ثالثًا: المعادلة الخارجية ودبلوماسية الأيدي شبه الخالية
يصل علي الزيدي إلى رئاسة الحكومة في لحظة إقليمية بالغة التعقيد؛ إذ تتشابك أمامه ملفات خارجية متناقضة لا تقبل الحل المتزامن؛ فما يُرضي طرفًا يغضب آخر، وما يُسكت واشنطن يقلق طهران، وما يُطمئن الخليج يحرج بغداد أمام حلفائها الداخليين. وفي قلب هذه المعادلة المستحيلة تقع العلاقة مع دول الخليج العربي، بوصفها قضية ضاغطة بعدما نشأت عن أسباب لا تتعلق بخلاف دبلوماسي تقليدي بل عن فعل عسكري مباشر نفَّذته الفصائل المسلحة انطلق من الأراضي العراقية ذاتها واستهدف دول في الخليج(7).
وحين أطلقت الفصائل المسلحة هجماتها بالصواريخ والمسيرات باتجاه دول الخليج والأردن، لم تكن تستهدف هذه الدول وحدها بل كانت تستهدف في الوقت ذاته شيئًا أدقَّ وأخطر يتمثل في الصِّدقية العراقية بوصفها دولة ذات سيادة فعلية على أراضيها. فقد وجدت دول الخليج نفسها أمام واقع مختلف جوهريًّا، أرض عراقية تُستخدم منصة مفتوحة للتهديد، وحكومة تدين هذه الهجمات بالكلام وتعجز بالفعل، وفصائل تتصرف كأنها أقوى من الدولة التي تحتضنها، وهذا ما يجعل مهمة الزيدي في ترميم العلاقة الخليجية أشبه بمحاولة إصلاح جدار متصدع بينما الزلزال لم يتوقف بعد.
وتحرص دول الخليج على الحصول على مؤشرات فعلية واضحة بأن بغداد قادرة أو راغبة على الأقل في ضبط الفصائل على أراضيها، وإنهاء استخدام العراق ممرًّا للتهديد الإقليمي. ومن المستبعد أن يحظى الزيدي بهذه القدرة، لأن الفصائل التي تستهدف دول الخليج هي في الوقت ذاته جزء من المنظومة السياسية التي أوصلته إلى السلطة وتحمي استمراره فيها؛ وهو تناقض لا تحله البيانات الدبلوماسية مهما صيغت بعناية.
والمفارقة المؤلمة أن العراق يمتلك، نظريًّا، كل مقومات الشراكة الخليجية الناجحة؛ فهو يشترك معها في العمق العربي والإسلامي والمصالح الاقتصادية بل يحتاج للخليج حاجة حقيقية لاستقطاب الاستثمارات وتنويع شراكاته والخروج التدريجي من أسر الاعتماد الإيراني لكن الحاجة وحدها لا تصنع سياسة، ودول الخليج التي تعلمت الدرس من استهدافها من الفصائل العراقية، لن تقيم مع بغداد تسوية حقيقية ما لم تَرَ فعلًا على الأرض لا وعودًا في الهواء.
وعلى الضفة الأخرى، تقف إيران شاهدة على كل تقارب عراقي خليجي محتمل، وقادرة على تعطيله في أي لحظة، فالعلاقة بين بغداد وطهران ليست علاقة دولتين تديران خلافاتهما بالقنوات الدبلوماسية بل هي تداخل عضوي تشغيلي يمتد من الفصائل المسلحة إلى الاقتصاد الموازي والطاقة والمؤسسة الأمنية ذاتها، وبالتالي أي خطوة عراقية جدية نحو الخليج ستُقرأ في طهران بوصفها تحولًا إستراتيجيًّا يستدعي الرد، وهو ما يجعل الزيدي محاصَرًا بين رغبة التقارب الخليجي وتكلفته الإيرانية الداخلية.
وفوق ذلك كله تأتي المطالب الأميركية، التي باتت أكثر تشددًا وأكثر ارتباطًا بأدوات الضغط المالي والعقوبات؛ إذ تريد واشنطن تقليصًا فعليًّا للنفوذ الإيراني وضمانات لأمن وجودها(8)، وهي في ذلك تلتقي مع الرغبة الخليجية، لكنها تزيد الضغط على الزيدي من زاوية مختلفة، فهو محكوم بسياسة الحياد الإيجابي التي ابتكرها الكاظمي وورثها السوداني، وهي في جوهرها ليست سياسة بقدر ما هي إدارة يومية للتناقض، إرضاء واشنطن والخليج بالخطاب، وإرضاء طهران بالفعل أو العكس، بحسب موازين اللحظة.
وقد ازدادت الضغوط الأميركية على الزيدي مع اقتراب تشكيل الحكومة، فعلى الرغم من الدعم الذي تلقاه عبر الاتصال الهاتفي الذي جرى بينه وبين ترامب ودعوته لزيارة واشنطن، أو عبر تواصله مع وزير الحرب الأميركي، هيغسيث، فإن هذا الدعم لا يأتي على بياض ولا يمنح تفويضًا مفتوحًا بل يبدو مشروطًا بجملة من الالتزامات المرتبطة بشكل الحكومة المقبلة وبما تريده الولايات المتحدة من ترتيبات تتعلق بملف الميليشيات ومصادر التمويل الإيراني وسائر الملفات المتصلة بتوازنات النفوذ والأمن والسياسة في العراق.
وبناء عليه، فإن الزيدي سيجلس بعد توليه رسميًّا على طاولة إقليمية ودولية بأيد شبه خالية والورقة الوحيدة ذات الثقل الحقيقي هي الورقة الجغرافية والنفطية، أي موقع العراق بوصفه ممرًّا اقتصاديًّا محتملًا بين الخليج وتركيا وبقية الإقليم، لكن هذه الورقة لا قيمة لها ما لم يصحبها استقرار أمني فعلي، وفي غياب هذا الاستقرار ستبقى دبلوماسيته الخليجية والإقليمية والدولية شبيهة بدبلوماسية من سبقوه: قفزًا محكومًا بين ضفتين متباعدتين من دون أن تطأ القدمان أرضًا صلبة.
رابعًا: الشارع والشرعية الشعبية ورهان الصبر المنهك
ثمة طرف غائب عن النخبة السياسية ومعظم التحليلات التي تتناول تشكيل الحكومات العراقية، هو الشارع العراقي ذاته ليس لأنه لا يعني شيئًا، بل لأن النخب تعاملت معه منذ 2003 على أنه متغير يمكن احتواؤه لا قوة يجب الاستجابة لها، بيد أن تجربة (انتفاضة تشرين)، عام 2019، أثبتت أن هذا الاحتقان يبلغ نقطة الانفجار حين تتراكم خيبات الأمل وتتقاطع مع أزمة خدمات وبطالة وفساد لا يطاق. والسؤال اليوم ليس إن كان الشارع سيتحرك، بل متى؟ ولأي سبب؟ وهل سيقود ذلك إلى حالة من ارتطام النظام السياسي وتداعيه؟
ولا شك أن الزيدي يرث مزاجا شعبيًّا بالغ الإرهاق؛ فالمواطن العراقي الذي عاش انتخابات متعاقبة من دون أن يلمس تحسنًا حقيقيًّا في حياته اليومية بات ينظر إلى الاستحقاقات الانتخابية بمزيج من اللامبالاة والسخرية، وهو ما تجلى في نسب المشاركة المتراجعة التي سجلتها انتخابات 2021 ولم تتعافَ منها انتخابات 2025؛ وهذا الانسحاب الشعبي ليس هدوءًا، بل هو احتقان يبحث عن مخرج وإحباط يمكن أن يتحول إلى كتلة حرجة قابلة للانفجار. ويتصل بالمزاج الشعبي ملف التوظيف والاقتصاد المعيشي مع استمرار الحصار الأميركي على مضيق هرمز وتراجع إيرادات العراق المعتمد على النفط بالدرجة الأولى(8)؛ حيث يعاني الوضع الاقتصادي من تهديدات جدية بسبب الوضع الإقليمي المحتقن، وخلل اقتصادي بنيوي من أبرز مظاهره الاعتمادُ شبه الكلي على مرتبات الوظيفة العامة محرِّكًا أساسيًّا للدورة الاقتصادية في البلاد.
ويعاني جيل الشباب العراقي من بطالة هيكلية متفاقمة ولا يرى في خطط التنويع الاقتصادي سوى وعود تتكرر دون أن تتجسد على أرض الواقع وهو يقيس مستوى الحكومة بمقياس واحد بسيط: هل ثمة فرصة عمل حقيقية؟ وحين تكون الإجابة بالنفي فإن الغضب لا يحتاج إلى محرك أيديولوجي كي ينفجر وفق قاعدة توينبي: التحدي والاستجابة(9).
وفي هذا النسق، يحمل الزيدي بوصفه رجل أعمال ثقلًا رمزيًّا مزدوجًا؛ فمن جهة يرى فيه بعضهم احتمالًا براغماتيًّا قادرًا على تحريك عجلة الاستثمار وفتح آفاق توظيف خارج القطاع العام المتخم. ومن جهة أخرى، يرى فيه كثيرون امتدادًا طبيعيًّا للنخبة المستفيدة من النظام ذاته الذي أنتج هذه البطالة بفعل علاقته الوثيقة بالطبقة السياسية، وهذه الثنائية في الرأي الشعبي تعني أن رأس المال السياسي الذي يبدأ به الزيدي ليس شحيحًا فحسب بل هو مشروط بإنجاز ملموس خلال مدة قصيرة لا تتحمل التأجيل.
والأخطر من ذلك أن القوى التي أوصلت الزيدي إلى السلطة هي ذاتها التي تخشى الإصلاح الحقيقي، لأن الإصلاح يعني إعادة توزيع مصادر القوة والثروة بما يمس مصالحها الراسخة. لذا سيجد الزيدي نفسه في مفترق طريق حاد: إما أن يمضي في مسار ترضية الشارع بإجراءات اقتصادية جريئة تعرِّضه لمواجهة شركائه في الائتلاف، وإما أن يركن إلى الاستقرار الهش الذي صنعه التوافق ويدفع الشارع ثمن هذا الاختيار. وتجربة العراق منذ 2003 ترجح الخيار الثاني لكنها لا تضمنه.
والمعضلة الأعمق أن النظام السياسي العراقي لم يفرز حتى الآن آلية شرعية حقيقية لتحويل المطالب الشعبية إلى سياسات، فالانتخابات لا تفضي إلى حكومات برامجية، والبرلمان لا يشترط على الحكومة الوفاء بالخطط الانتخابية، ومجلس الوزراء يدير الدولة بمنطق التوافق لا بمنطق الأداء، وهو ما يجعل الشارع يدرك غريزيًّا أن صوته لا يصنع سياسة، وأن التغيير الحقيقي لم يأتِ عبر صندوق الاقتراع بل عبر الاعتراض الميداني المباشر، وهذه المعادلة الخطيرة لا يكسرها الزيدي بأي خطاب بل بفعل واحد واضح يراه المواطن في حياته اليومية قبل أن يسمعه في نشرات الأخبار.
خاتمة
في التحليل الأخير، يظل العراق بلدًا يمتلك من الثروة والعمق البشري والموقع الجغرافي ما يكفي لأن يكون قصة نجاح إقليمية، لو أن منظومته السياسية أنتجت قيادات تحكم لا تدار، وائتلافات برامجية لا محاصصاتية، ومؤسسات تبني لا شبكات تنهب.
بيد أن الواقع يقول شيئًا مختلفًا؛ فكل دورة انتخابية تعيد إنتاج المشكلة بأسماء مختلفة، وكل رئيس وزراء يصل وهو مثقل بديون سياسية لقوى لا تريد للدولة أن تقوى لأنها تدرك أن قوة الدولة تجعلها في معركة وجودية معها.
والمكلَّف، علي الزيدي، ليس استثناء من هذه القاعدة، وليس بالضرورة أسوأ ممن سبقوه، لكنه يصل في لحظة بالغة الهشاشة، والهشاشة في السياسة ليست فراغًا ينتظر الامتلاء بل هي اختبار يكشف ما إذا كان في الرجل من يتجاوز حدود التسوية التي صنعته، فإن أثبت قدرة على المبادرة في ملف واحد حساس، كان ذلك بذرة لإعادة رسم حدود الممكن في العراق، وإن آثر السلامة وأدار التوازنات كما فعل مَنْ قبله، سيكون قد أضاف فصلًا جديدًا في تاريخ طويل من الولادات المتعسرة التي تحكمها الخيبات.
والعراق في نهاية المطاف لا يحتاج إلى بطل يحمل وحده عبء الدولة بل يحتاج إلى لحظة يقرر فيها أبناؤه الذين يملكون الإرادة والأدوات أن تكلفة الإصلاح باتت أقل من تكلفة التأجيل، وتلك اللحظة لم تأتِ بعد، لكن مؤشراتها تتراكم في الشارع قبل أن تتراكم في البرلمان أو في منظومة الحكم.
- انظر الدستور العراقي المواد (54، 70، 72، 76)، موقع مجلس النواب العراقي، (تاريخ الدخول: 28 أبريل/نيسان 2026)، https://iq.parliament.iq
- الحزب الديمقراطي الكردستاني يرفض آلية انتخاب رئيس الجمهورية، موقع كردستان 24، 11 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 27 أبريل/نيسان 2026)، https://www.kurdistan24.net/ar/story
- انظر الدستور العراقي المادة (76)، مصدر سابق.
- رئيس الجمهورية يكلف السيد علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، موقع رئاسة جمهورية العراق، 27 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 29 أبريل/نيسان 2026)،
https://presidency.iq/Details.aspx?id=13146
- ذكر البنك الدولي في تقرير له أن إيرادات النفط في العراق شكَّلت أكثر من 87% من إجمالي إيرادات الموازنة في العراق عام 2021، وارتفعت إلى 96% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2022، موقع البنك الدولي، (تاريخ الدخول: 29 أبريل/نيسان 2026)،
- مشكلة الكهرباء في العراق، نعوم ريان، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأقصى، 17 يوليو/تموز 2023، (تاريخ الدخول: 29 أبريل/نيسان 2026)،
- The Wall Street Journal. 2026. “Saudi Arabia and Iraq Are Caught in a Hidden War Within the War.” April 22,2026”
- مستشار لحكومة العراق: صدمة هرمز تلزم بغداد بمراجعة اقتصادية شاملة، الجزيرة نت، 27 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 29 أبريل/نيسان 2026)، https://2u.pw/XWhsuf
- بلغت نسبة بطالة الشباب في العراق (الفئة العمرية 15–24 سنة) أكثر من32 %، عام 2025، وفق تقديرات البنك الدولي.
Trading Economics, Iraq - Unemployment, Youth Total (% Of Total Labor Force Ages 15-24), (Viewed 1/5/2026): https://tradingeconomics.com/iraq/unemployment-youth-total-percent-of-total-labor-force-ages-15-24-modeled-ilo-estimate-wb-data.html