من حرب الإسناد إلى حرب الاستنزاف: التحول الإستراتيجي في جنوب لبنان

لم يعد جنوب لبنان مجرد جبهة حدودية بل مساحة تتقاطع فيها إستراتيجيات متضاربة: إسرائيل تعيد تشكيل الجغرافيا بالنار والتهجير، وحزب الله يعود إلى "حرب العصابات"، بينما تحاول الدولة اللبنانية منع الانهيار الشامل وسط اختلال موازين القوى الإقليمية.
يرى نعيم قاسم أن أولوية الحزب اليوم ليست خوض معركة فاصلة بل استنزاف الجيش الإسرائيلي عبر رفع كلفته البشرية وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوفه (الفرنسية).

مقدمة

أعادت حرب غزة والحرب الإسرائيلية/الأميركية على إيران، تشكيل طبيعة الصراع في جنوب لبنان، ليس فقط من حيث ميزان القوى، بل أيضًا من حيث الإستراتيجيات العسكرية المعتمدة لدى مختلف الأطراف. فقد دخلت إسرائيل مرحلة جديدة تقوم على "الردع العقابي" و"المناطق العازلة"، بينما عاد حزب الله تدريجيًّا إلى أنماط حرب العصابات بعد تجربة القوة الهجينة، في حين تحاول الدولة اللبنانية تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة في ظل اختلال التوازنات الداخلية والإقليمية. من هنا، تحاول هذه الورقة قراءة التحولات العسكرية والإستراتيجية الجارية في جنوب لبنان، وفهم طبيعة الصراع المفتوح وحدود تأثيره على مستقبل لبنان والمنطقة.

تحولات حزب الله العسكرية

شكَّل حزب الله، منذ تأسيسه عام 1982، أحد أبرز الفاعلين اللادولتيين في الشرق الأوسط، وارتبط مساره العسكري والسياسي بتحولات الصراع مع إسرائيل وبالتحولات الجيوسياسية في الإقليم. وإذا كانت تجربة منظمة التحرير الفلسطينية قد مثَّلت سابقًا النموذج الأبرز للفاعل المسلَّح العابر لسلطة الدولة في لبنان، فإن حزب الله تميز عنها بكونه لاعبًا لبنانيًّا يمتلك بُعدًا عقائديًّا دينيًّا يتجاوز البُعد القومي العربي التقليدي، مع اشتراك الطرفين في مركزية الصراع مع إسرائيل.

شهد الحزب خلال العقود الماضية تحولات عسكرية عميقة، بدأت مع تجربة حرب العصابات ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، ثم تطورت بعد الانسحاب الإسرائيلي، عام 2000، وصولًا إلى تحوله التدريجي إلى قوة هجينة تجمع بين خصائص التنظيمات المسلحة والجيوش التقليدية. وقد كرَّست حرب يوليو/تموز 2006 صورة الحزب بوصفه "القوة اللبنانية الوحيدة" القادرة على قتال إسرائيل ومنعها من تحقيق الانتصار أو الحسم العسكري، كما عزَّز مكانة عقيدته القتالية القائمة على اللامركزية واللاتماثل.

لكن التحولات الإقليمية اللاحقة، خاصة في سوريا حيث انكشف الحزب عسكريًّا أمام إسرائيل، فاقمت من تأثيرات ما يُسمى بحدث "البجعة السوداء" (Black Swan) عليه. ويُقصد بهذا المفهوم الحدث المفاجئ والنادر الذي يُغيِّر المعادلات الإستراتيجية بصورة يصعب التنبؤ بها أو وضع قواعد ثابتة للتعامل معها. وكان أبرز ما واجهه الحزب من هذا النوع ما جرى في قطاع غزة بعد عملية "طوفان الأقصى"، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كما في الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية؛ فقد وضعت الحزب أمام تحولات إستراتيجية غير مسبوقة. وقد كشفت هذه الحروب حدود النموذج القتالي الذي اعتمده الحزب، كما دفعت مختلف الأطراف إلى إعادة تعريف إستراتيجياتها العسكرية والأمنية في جنوب لبنان.

في هذا السياق، لم يعد الجنوب اللبناني مجرد ساحة اشتباك حدودية بل تحول إلى مساحة تتقاطع فيها إستراتيجيات متضاربة: إسرائيل التي انتقلت من مفهوم الردع التقليدي إلى "الردع العقابي" والمناطق العازلة، وحزب الله الذي عاد تدريجيًّا إلى أنماط حرب العصابات بعد تجربة الجيش الهجين، والدولة اللبنانية التي تحاول تجنُّب الانهيار الشامل في ظل اختلال موازين القوى داخليًّا وإقليميًّا.

البجعة السوداء: غزة

بعد عملية "طوفان الأقصى"، نفى الحزب عبر أمينه العام، حسن نصر الله، معرفته المسبقة بالعملية(1). بعدها، أكَّد مرشد الثورة الإيرانية، علي خامنئي، أن المنطقة كانت بحاجة إلى 7 أكتوبر(2). لم يقاتل حزب الله في عملية الإسناد لقطاع غزة كما كان متوقعًا. فالحزب كان قد أعدَّ قواته لمقاومة أي اجتياح إسرائيلي، إلا إذا كان من المفترض أن يتزامن هجومه على الجليل الإسرائيلي مع وقوع 7 أكتوبر.

دخل حزب الله في حرب الإسناد لقطاع غزة، في 8 أكتوبر/تشرين الأول، عبر حرب استنزاف للقوات الإسرائيلية على الحدود مع لبنان. كذلك الأمر، أسهمت المواجهة العسكرية في تهجير معظم سكان المستوطنات في شمال إسرائيل. وبقيت الحرب، إلى حدٍّ كبير، محصورة على جانبي الحدود اللبنانية-الإسرائيلية. واستغل حزب الله خلال هذه الحرب الطبيعة الطبوغرافية للقرى اللبنانية، خاصة أن معظم هذه القرى تُشرف على المستوطنات، وأظهر فيها معظم قدراته ووسائله العسكرية المتقدمة. في المقابل، استهدفت إسرائيل، وبطريقة ممنهجة، معظم القيادات العملانية التابعة لحزب الله، خاصة ضمن قطاعاته العسكرية الأساسية: بدر، ونصر، وعزيز. برَّر نصر الله، حرب الإسناد بوصفها تُثَبِّت ثلث القوات الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية بدل انتقالها إلى القتال في قطاع غزة(3). لكن الأكيد أن تثبيت هذا العدد من القوات الإسرائيلية على الجبهة الشمالية شكَّل لاحقًا عاملًا أساسيًّا مكَّن الجيش الإسرائيلي من الانتقال من الدفاع المؤقت إلى الهجوم البري داخل الأراضي اللبنانية. فالجيش الإسرائيلي، ووفق عقيدته العسكرية، يعتمد مبدأ الدفاع النشط، بانتظار تهيئة الظروف للانتقال من الدفاع إلى الهجوم عبر المناورة، حتى ولو كانت تسميته الرسمية "جيش الدفاع". هذا مع التذكير بأن الحزب لم يستهدف الفرق العسكرية التي كانت تجتاح وتدمر قطاع غزة، وهي من أكثر الفرق خبرة واحترافًا في الجيش الإسرائيلي، والتي كان عددها يُقارب أحيانًا ست فرق. في حرب الإسناد، ظهر حزب الله وكأنه يقاتل على نحوٍ أقرب إلى الجيوش التقليدية. فهو منتشر على جبهة معروفة، ويحتاج إلى منظومات لوجستية وقيادة وسيطرة، من دون أن يمتلك التكنولوجيا المتقدمة نفسها التي تمتلكها إسرائيل، حتى ولو كانت عقيدته القتالية ترتكز على مبدأ اللاتماثل (Asymmetry)، أي قتال الطرف الأضعف للطرف الأقوى.

أثبتت حرب الإسناد، وما تلاها، أنه يمكن أيضًا للطرف الأقوى أن يخلق واقعًا لاتماثليًّا ضد الطرف الأضعف، عبر استغلال تفوقه التكنولوجي، إلى جانب الخداع (Deception)، لتحقيق إنجازات عملانية واستخبارية. وهذا ما ظهر بوضوح في عملية تفجير "البيجر"، كما في سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قيادات حزب الله وصولًا إلى أمينه العام. في هذه الحرب، قاربت إسرائيل حزب الله على أنه منظومة نظام (System). والنظام يقوم عادة على تركيبة وآلية عمل داخلية وخارجية، تتضمن مراكز ثقل يرتكز عليها، وإذا ما استُهدفت هذه المراكز بطريقة ممنهجة ومتواصلة، فقد يؤدي هذا الأمر إلى سقوط النظام وتعطله.

البجعة السوداء: إيران

شكَّل الهجوم الأميركي/الإسرائيلي على إيران، عام 2025، والذي استمر 12 يومًا، تحولًا جيوسياسيًّا في ديناميكية المنطقة. وعليه، استعدَّت إيران -وبتوجيه من المرشد السابق، علي خامنئي- لرسم إستراتيجية ترتكز على البقاء والاستمرارية في حال تعرض الجمهورية الإسلامية لهجوم جديد، أو في حال سقوط القيادات السياسية والدينية والعسكرية. أُطلق على هذه الإستراتيجية اسم "الفسيفساء" (Mosaic). وتعتمد هذه الإستراتيجية على اللامركزية القصوى، بحيث تتحول الأطراف إلى مراكز قرار وعمل عند غياب المركز(4).

في هذا السياق، جاء الرد الإيراني العسكري سريعًا ومباشرًا بعد استهداف القيادات الإيرانية ومراكز القيادة والإشراف. ومع الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، عاد حزب الله إلى الانخراط المباشر في المواجهة بعد غياب طويل عن المسرح الحربي، وعن المهمة التي كان قد أُعِدَّ لها ضمن "وحدة الساحات". وفي 2 مارس/آذار، أعلن الحزب عودته إلى الحرب انتقامًا لمقتل المرشد، عبر إطلاق صلية صاروخية باتجاه الداخل الإسرائيلي بما أدخل ديناميكية جديدة إلى المواجهة الإقليمية.

الإستراتيجيات المتضاربة

لا تزال جبهة لبنان مشتعلة رغم وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وقد يعود ذلك إلى عاملين أساسيين: أولًا: عدم ربط إسرائيل وقف النار مع إيران بوقف النار في لبنان. وثانيًا: الغطاء الأميركي غير المباشر لإسرائيل تحت عنوان "حق الدفاع عن النفس". هذا من الجهة الإسرائيلية، أما من جهة حزب الله، فقد بدأ الحزب بالرد على إسرائيل تحت شعار الانتقام لمرشد الثورة، علي خامنئي. وفي وسط هذه المعمعة تقف الدولة اللبنانية التي قررت اعتبار الجناح العسكري لحزب الله غير قانوني، ثم ذهبت إلى خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل بوساطة أميركية بوصفه الخيار الأفضل لوقف الحرب. فماذا عن الإستراتيجيات المعتمدة في جنوب لبنان؟

أولًا- إسرائيل: بعد عملية "طوفان الأقصى"، غيَّرت إسرائيل كثيرًا من أسس إستراتيجيتها الكبرى التي كان ديفيد بن غوريون قد وضع مرتكزاتها. وقد قامت هذه العقيدة، باختصار، على أربعة عناصر أساسية: الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع، والدفاع الصلب(5). لكن إسرائيل اتجهت بعد ذلك إلى تبني مقاربات جديدة، ظهر جزء منها في تقرير لجنة ناغل(6)، والتي تقوم على مبدأ "الهجوم خير وسيلة للدفاع"، والاستباق في ضرب التهديد قبل تشكُّله، وتعزيز الاكتفاء الذاتي في التصنيع العسكري، والتعامل مع التهديدات الإستراتيجية القادمة من إيران وتركيا. وفي هذا السياق، بدأت إسرائيل بإنشاء مناطق عازلة تمتد من غزة والجولان وجبل الشيخ، وصولًا إلى الخيام والناقورة في جنوب لبنان.

  • وبما أن الحزب يرتبط بعقيدة عابرة للحدود وبمرجعية إقليمية تتجاوز الساحة اللبنانية، تجد إسرائيل صعوبة في قياس الردع أو تحقيق الحسم وفق المعايير التقليدية، لذلك تعتمد مقاربة الردع العقابي (Punitive Deterrence). وفي هذا النوع من الردع، تسعى إسرائيل إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والطوبوغرافيا والبنية الديمغرافية، خصوصًا في المناطق الحضرية. وإذا كانت المفاهيم العسكرية التقليدية تَعُدُّ أن الحسم لا يتحقق من الجو وحده، فإن إسرائيل تستخدم سلاح الجو بالتوازي مع التهجير والتدمير الممنهج لمناطق جنوب الليطاني وما بعده.
  • وفي هذا الإطار، أنشأت إسرائيل منطقة عازلة على طول الخط الأزرق بعمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات. وقد تعرضت عشرات القرى والبلدات في هذه المنطقة لعمليات تدمير واسعة. كما أضافت إسرائيل إلى هذه المنطقة البرية نطاقًا بحريًّا أمنيًّا، في محاولة لحماية المستوطنات الشمالية من الأسلحة المباشرة. وتنطلق إسرائيل من هذه المنطقة بوصفها قاعدة لفرض قواعد اشتباك جديدة تقوم على القصف المستمر والضغط السكاني والتهجير في المناطق الواقعة بين المنطقة العازلة ونهر الليطاني، بالتوازي مع استهداف مناطق شمال الليطاني بوصفها مركزَ ثقل قتاليًّا لحزب الله.

ثانيًا- لبنان: تسعى الدولة اللبنانية إلى التفاوض الدبلوماسي مع إسرائيل لكنها لا تملك القدرة العسكرية الكافية لفرض تعهداتها، وفي مقدمتها مسألة نزع سلاح حزب الله، الذي يعلن ارتباطه الإستراتيجي بإيران. حتى لو افترضنا جدلًا امتلاك الدولة القدرة العسكرية، فهل كانت ستذهب إلى مواجهة قد تُعرِّض لبنان بأكمله للردع العقابي؟

لذلك يتركز سلوك الدولة اللبنانية حاليًّا على التمسك بالشرعية الدولية وتجنب الانزلاق إلى حرب واسعة في ظل اختلال موازين القوى العسكرية مع إسرائيل. كما تخشى الدولة اللبنانية تحول لبنان إلى ورقة ضغط متبادلة في سياق التفاوض الإيراني-الأميركي، سواء من قبل إسرائيل أو إيران، وفي جميع الحالات يبقى لبنان الطرف الأكثر عرضة لدفع الكلفة.

كذلك تتجنب الدولة اللبنانية استخدام القوة العسكرية لفرض الأمن أو نزع سلاح الحزب، بسبب الطبيعة الحساسة لتركيبة الجيش والقوى الأمنية. فحساسية الجيش اللبناني تكمن في صعوبة استخدامه داخل الانقسامات السياسية والطائفية الحادة، كما حدث في محطات مفصلية مثل أعوام 1958 و1975 و2005. وفي المقابل، يتحول الجيش إلى عنصر استقرار عندما تتوافق القوى اللبنانية على دوره الداخلي. كما تقلق الدولة اللبنانية من احتمال الانزلاق إلى صدام داخلي، خاصة في ظل البنية التنظيمية والأمنية والاجتماعية التي راكمها حزب الله منذ عام 2006.

ثالثًا- حزب الله: يملك حزب الله القدرة على التعطيل أكثر من قدرته على فرض الحلول، كما أنه لا يملك القرار السياسي في الداخل اللبناني، خاصة في ظل اعتراض السلطة اللبنانية على سلاحه. كذلك يفتقد الحزب إلى العمق الجغرافي بعد سقوط نظام الأسد، كما يعاني من تراجع في شرعيته الداخلية. وأصبحت الحرب بالنسبة إلى الحزب شديدة الكلفة، سواء على مستوى لبنان عمومًا أو على مستوى بيئته الحاضنة بشكل خاص، من حيث التهجير والتدمير والخسائر البشرية. ولم تعد كلفة الحرب متناسبة مع المكاسب المتوقعة منها، فمعدل الكلفة البشرية في الجانب اللبناني ارتفع بصورة كبيرة مقارنة بالخسائر الإسرائيلية. تشير بعض التقديرات إلى أن معدل الخسائر البشرية وصل في بعض المراحل إلى ما يقارب 1 مقابل 100(7)، أي مقابل كل قتيل إسرائيلي كان يسقط العشرات من الجانب اللبناني، غالبيتهم من "بيئة حزب الله" ومن مقاتليه. لذلك عاد الحزب تدريجيًّا إلى أنماط حرب العصابات، بعد أن دفع كلفة تحوله إلى قوة هجينة تجمع بين خصائص التنظيم المسلح والجيش التقليدي.

يقاتل الحزب اليوم بأسلوب أقرب إلى الدور الذي كان مُفترضًا له ضمن الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية، لكن في ظل ظروف مختلفة جذريًّا على ثلاثة مستويات: المستوى الإستراتيجي بعد التحولات الكبرى في المنطقة، والمستوى العملاني بعد التحول في الساحة اللبنانية، والمستوى التكتيكي المرتبط بطبيعة القتال الدائر اليوم في جنوب لبنان.

وفي هذا الإطار، عاد الحزب إلى أنماط من حرب العصابات ترتكز على ثلاثية التسليح: الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، والصواريخ، والمسيرات. ويَعُدُّ أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، أن المهمة الأساسية للحزب اليوم ليست الاشتباك المباشر أو البحث عن المعركة الفاصلة، بل السعي إلى إيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي(8). أما الجديد على هذا الصعيد، فهو مسيَّرات "الرؤية من منظور الشخص الأول" (FPV)، والتي تستخدم الألياف الضوئية في التشغيل. يصعب التشويش على هذه المسيرات، كما أنها منخفضة الكلفة ويمكن تصنيعها وتجهيزها بسهولة وفي أماكن متعددة. وبحسب تقرير صادر عن معهد دراسات الحرب(9)، يُقدِّر الجيش الإسرائيلي أن حزب الله نشر في منطقة القتال ما يقارب 100 عنصر، موزعين ضمن مجموعات صغيرة تتولى تشغيل المسيرات الجديدة وفق آلية تقوم على استخدام مسيرات استطلاع لرصد الأهداف العسكرية قبل توجيه مسيرات الألياف الضوئية لاستهدافها. وتفرض هذه المسيرات على الجيش الإسرائيلي، غير المجهز بالكامل للتعامل معها، إجراء تعديلات مهمة في أساليب القتال، وقد بدأ فعليًّا باستخدام وسائل جديدة جرى اختبار بعضها في أوكرانيا، تقوم على نشر رادارات للرصد إلى جانب وسائل سمعية (Acoustic)، واستخدام مسيرات تحمل شِباكًا لتعطيل المسيرات المهاجمة، بالإضافة إلى استعمال بنادق خرطوشية (Shotgun).

لكن السؤال يبقى: هل تمتلك هذه المسيرات تأثيرًا إستراتيجيًّا؟ على الأرجح لا؛ إذ تُصنَّف حتى الآن ضمن المفاجآت ذات التأثير التكتيكي. ولكي تتحول إلى عامل ذي تأثير إستراتيجي في القرار السياسي الإسرائيلي، يفترض أن يتراكم أثرها التكتيكي بصورة كبيرة على الداخل الإسرائيلي، بالتوازي مع عجز إسرائيل عن إيجاد وسائل فعَّالة لمواجهتها. وقد حدث أمر مشابه قبيل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، عام 2000، بعد تصاعد الضغط الداخلي الذي قادته حركة "الأمهات الأربع"(10)، بالتوازي مع تراكم النجاحات التكتيكية لحزب الله عبر حرب العصابات.

خاتمة

لا يمكن اعتبار الواقع اللبناني الحالي جديدًا أو طارئًا على الكيان اللبناني، فهو يُمثل أحد الأنماط المتكررة، حتى ولو اختلفت الظروف وتبدل اللاعبون. فعادة ما يتأثر لبنان بالصراعات الإقليمية-الإقليمية، كما بالصراعات الدولية الإقليمية، وغالبًا ما يكون الطرف الأكثر دفعًا للكلفة، فيما ينحصر هامش المناورة الداخلي في محاولة تخفيف الخسائر. وعادة ما تأتي التسويات في لبنان بعد انحسار الصراع بين القوى الإقليمية والدولية، بحيث يُفرض جزء كبير من الحل من الخارج. وقد ظهر ذلك في تسوية عام 1958 التي أتت بفؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية بعد تفاهم أميركي-مصري، كما تكرر الأمر مع اتفاق الطائف ودخول الجيش السوري إلى لبنان، ثم لاحقًا مع اتفاق الدوحة، عام 2008، وانتخاب رئيس للجمهورية بعد أحداث 7 مايو/أيار.

وعليه، يبقى السؤال مطروحًا حول موقع لبنان في حال عودة الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أو في حال الوصول إلى تفاهمات دولية إقليمية جديدة، خاصة أن التحولات الجيوسياسية في المنطقة قد تبدأ من لبنان أو تنتهي فيه.

نبذة عن الكاتب

مراجع
  1. "حسن نصر الله: علمنا بعملية حماس مثلنا مثلكم"، سكاي نيوز عربية، 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، (تاريخ الدخول: 3 مايو/أيار 2026): https://shorturl.at/8WX1N
  2. Iran's Khamenei Says Region Needed the October 7 Attack, Jun 3, 2024, ,Iran's Khamenei Says Region Needed the October 7 Attack, Iran International, (accessed: 3 May 2026), https://www.iranintl.com/en/202406035389
  3. حسن نصر الله يتحدث للمرة الأولى منذ الحرب على غزة ويقول: إن كل الخيارات مطروحة، بي بي سي عربي، 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 (تاريخ الدخول: 3 مايو/أيار 2026)، https://www.bbc.com/arabic/live/67293192?page=1
  4. Dr. Cherkaoui Roudani, War Without a Center: Iran’s Mosaic Defense,March 11, 2026, (), https://shorturl.at/8mQH2
  5. ياسر مناع، قرى محصنة.. كيف تشكلت العقيدة الأمنية لإسرائيل وماذا بقي منها اليوم؟، الجزيرة نت، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 3 مايو/أيار 2026)، https://shorturl.at/w7E2i
  6. لجنة ناغل الإسرائيلية: علينا الاستعداد لحرب مع تركيا، الجزيرة نت، 7 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 11 مايو/أيار 2026)، https://shorturl.at/SRXmx

Ariel Sobelman,Michael Genkin, Recommendations of the Nagel Committee—Rushing Toward the AI Abyss,INSS, November 5, 2025, Accessed: 11 May 2026), https://www.inss.org.il/publication/nagel-committee/

  1. Amos Harel, Wishful Thinking Won't Topple Iran or Protect Israeli Soldiers From Drones, Haaretz, May 01 2026,(), https://shorturl.at/s8eB6
  2. نعيم قاسم: لا وجود لخط أصفر ولن يكون هناك منطقة عازلة في جنوب لبنان، العربي الجديد، 4 مايو/أيار 2026 (تاريخ الدخول: 3 مايو/أيار 2026)، https://shorturl.at/SAxLK
  3. Iran update, special report, May 4 2026, https://understandingwar.org/research/middle-east/iran-update-special-report-may-4-2026/, )accessed: 5 May 2026(,
  4. الأمهات الأربع، مدار، بدون تاريخ (تاريخ الدخول: 3 مايو/أيار 2026)، https://shorturl.at/1AE7X