مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية تفتح الباب لتحولات كبرى في المشرق

أثارت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران جدلا واسعا حول ما إن كانت تميل لصالح إيران أو لصالح الولايات المتحدة أو إسرائيل. ولكن هذا الجدل لم يتركز بالقدر الكافي على طبيعة التوافقات التي جرى التوصل إليها، والطبيعة الإلزامية للمذكِّرة، وأثرها المتوقع على موازين القوة في المشرق العربي-الإسلامي، وهو ما تتناوله هذه الورقة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوقع على "مذكرة التفاهم" مع إيران (الفرنسية)

وقَّع الرئيسان، الأميركي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان، الأول على طاولة العشاء في قصر فرساي، والثاني في مكتبه في طهران، مساء الأربعاء 17 يونيو/حزيران 2026، مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، التي كان التفاوض حولها قد استمر منذ ما قبل وقف إطلاق النار المؤقت في الحرب على إيران، في 8 أبريل/نيسان. طبقًا للنص، سواء ذلك الذي نشرته إدارة ترامب أو الحكومة الإيرانية، تقول المذكرة إن طرفيها اتفقا على:

1-إعلان الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، والتعهد من الآن فصاعدًا بعدم شَنِّ أي حرب أو أي عملية عسكرية ضد أيٍّ منهما، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد أيٍّ منهما، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته. 2- تتعهد الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية باحترام سيادة كلٍّ منهما وسلامة أراضيها، والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية. 3- تلتزم الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتفاوض والتوصل إلى اتفاق نهائي في غضون ستين يومًا حدًّا أقصى، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين. 4- ستبدأ الولايات المتحدة الأميركية برفع حصارها البحري وأي عوائق أو عرقلة أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وستُنهي الحصار البحري بالكامل في غضون ثلاثين يومًا. كما تتعهد بسحب قواتها من محيط الجمهورية الإسلامية الإيرانية في غضون ثلاثين يومًا من تاريخ الاتفاق النهائي. 5- فور توقيع مذكرة التفاهم، ستبذل جمهورية إيران الإسلامية قصارى جهدها لتوفير المرور الآمن للسفن التجارية مجانًا، لمدة ستين يومًا فقط، من الخليج إلى بحر عُمان وبالعكس. وسيبدأ مرور السفن التجارية فورًا، ونظرًا لضرورة إزالة العوائق التقنية والعسكرية، ستُباشر جمهورية إيران الإسلامية عمليات إزالة الألغام في غضون ثلاثين يومًا، وستُجري حوارًا مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية في مضيق هرمز، وذلك بالتنسيق مع الدول الأخرى المطلَّة على الخليج الفارسي، بما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول المطلَّة على مضيق هرمز. 6- تتعهد الولايات المتحدة الأميركية، بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بوضع خطة نهائية متفق عليها بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار أميركي لإعادة إعمار جمهورية إيران الإسلامية وتنميتها الاقتصادية. وسيتم وضع اللمسات الأخيرة على آلية تنفيذ هذه الخطة بوصفها جزءًا من اتفاق نهائي في غضون ستين يومًا. ستمنح الولايات المتحدة الأميركية جميع التراخيص والإعفاءات والتصاريح اللازمة للمعاملات المالية ذات الصلة. 7- تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بإنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة على جمهورية إيران الإسلامية، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأميركية الأحادية، الأساسية والثانوية، وفقًا لجدول زمني متفق عليه جزءًا من الاتفاق النهائي. 8- تُعيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية تأكيد أنها لن تسعى للحصول على أسلحة نووية أو تطويرها. وقد اتفقت الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية على تسوية وضع مخزون المواد المخصبة وفقًا لآلية يتم الاتفاق عليها بين الطرفين، وبموجب الجدول الزمني المذكور في الفقرة السابعة، مع اعتماد منهجية تقضي بخفض مستوى تخصيب المواد (down-blending) في الموقع نفسه وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما اتفق الطرفان على مناقشة مسألة التخصيب وغيرها من المسائل المتفق عليها والمُتعلقة بالاحتياجات النووية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وذلك استنادًا إلى إطار عمل مُرضٍ يتم الاتفاق عليه ضمن الاتفاق النهائي. 9- إلى حين إبرام الاتفاق النهائي، تتفق الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية على الحفاظ على الوضع الراهن. وستحافظ الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الوضع الحالي لبرنامجها النووي، بينما لن تفرض الولايات المتحدة الأميركية أي عقوبات جديدة ولن تنشر قوات إضافية في المنطقة. 10- تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بأنه فور توقيع مذكرة التفاهم هذه وحتى رفع العقوبات، ستقوم وزارة الخزانة الأميركية بإصدار إعفاءات تسمح بتصدير النفط الخام والمنتجات البترولية ومشتقاتها الإيرانية، بالإضافة إلى كافة الخدمات ذات الصلة، بما في ذلك المعاملات المصرفية والتأمين والنقل وغيرها. 11- تتعهد الولايات المتحدة الأميركية بإتاحة استخدام الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة الخاصة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية بالكامل عند تنفيذ مذكرة التفاهم هذه. وستتفق الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلال المفاوضات، على الإجراءات المتعلقة بالإفراج عن هذه الأموال. 12- تتفق الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية على إنشاء آلية تنفيذية لمراقبة التنفيذ الناجح لمذكرة التفاهم هذه والامتثال المستقبلي لبنود الاتفاق النهائي. 13- عقب توقيع مذكرة التفاهم هذه، ورهنًا ببدء تنفيذ الفقرات 1 و4 و5 و10 و11 منها واستمرار تنفيذ هذه التدابير، ستبدأ الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مفاوضات بشأن الاتفاق النهائي تقتصر حصرًا على الفقرات الأخرى. 14- سيجري اعتماد الاتفاق النهائي بموجب قرار ملزم صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

كما كان متوقعًا، أثارت المذكرة جدلا حادا وواسع النطاق، سواء في الدول المعنية مباشرة بالحرب، أو في الدوائر ذات الاهتمام في دول أخرى. ولم يكن غريبًا أن يتمحور معظم الجدل حول ما إن كانت المذكرة تميل لصالح إيران أو لصالح الولايات المتحدة أو لصالح إسرائيل، شريك الولايات المتحدة الأصيل في الحرب. ولكن عددًا من المسائل الأخرى لم تجد ما تستحقه من اهتمام، بما في ذلك التوافقات التي جرى بالفعل التوصل إليها، والطبيعة الإلزامية للمذكِّرة، وأثرها المتوقع على موازين القوة والتدافعات في المشرق العربي-الإسلامي.

فما الذي تعنيه المذكرة فعلًا من جهة علاقتها بالقانون الدولي؟ وما دلالاتها الرئيسة بالنسبة إلى أطراف الحرب المختلفة؟ هل توفر المذكرة طريقًا سالكًا نحو الاتفاق النهائي؟ وأية أثار يمكن أن تتركها، في حال أوصلت إلى اتفاق نهائي، على مستقبل المشرق العربي-الإسلامي؟

إلزامية المذكرة ومضمونها

تعلَّق الفهم الأول لمذكرة التفاهم، الذي روَّج له أغلب معارضيها في دوائر مختلفة، بكونها مجرد إعلان نوايا أولي، وأنها غير ملزمة لأحد، وأن التراجع عنها سيظل مطروحًا على الطاولة إلى أن يتم التوصل إلى الاتفاق النهائي بعد المفاوضات المباشرة بين طرفيها. والحقيقة، أن هذا فهم جزئي، أو مضلِّل إلى حدٍّ كبير. فبالرغم من أن المذكرة تبدو كأنها تقتصر على تقديم إطار تنظيمي، موضوعي وزمني، لمفاوضات الاتفاق النهائي، فقد اعتمدت جملة من القرارات الإجرائية، التي تلزم الطرفين بتنفيذها بصورة فورية أو تدريجية. وهذا ما يستدعي البحث عن المعاني المختلفة التي تحملها بنود المذكرة الأربعة عشر.

تضع الاتفاقية نهاية للحرب بصورة قاطعة، وتؤكد احترام سيادة كلٍّ من إيران والولايات المتحدة، وتمنع تدخل كل منهما في شأن الدولة الأخرى. وما ينطبق على الولايات المتحدة، ينسحب على موقف الدولة العبرية، التي يُلزمها الاتفاق هي أيضًا بوقف الحرب والعدوان. وتنص المذكرة على أن وقف الحرب لا يقتصر على الجبهة الإيرانية بل يشمل الجبهة اللبنانية كذلك. كما تقول برفع الحصار الأميركي البحري على إيران؛ الأمر الذي أُعلن بالفعل، وتوفير الولايات المتحدة تسهيلات إجرائية مالية للصادرات الإيرانية، وعلى البدء في إتاحة الأموال الإيرانية المجمدة في أكثر من دولة حول العالم بمجرد اتفاق طرفي التفاوض على الإجراءات.

في المقابل، تلتزم إيران بحرية الملاحة عبر مضيق هرمز مباشرة، وبعدم تحصيل أية رسوم مالية من السفن التي تعبر المضيق، طوال ستين يومًا من بدء سريان مفعول المذكرة. ولكن الواضح، أن الولايات المتحدة اعترفت في الوقت نفسه بحق إيران، بالتعاون مع عُمان والتفاهم مع دول الخليج الأخرى، بقدرٍ من الإشراف على المرور عبر المضيق، دون أن يتضح ما إن كانت إدارة الملاحة ستستدعي تحصيل مقابل مالي. كما تضمنت المذكرة تعهدًا من إيران بأنها لن تسعى مطلقًا لحيازة السلاح النووي. وهذا، بالطبع، لا يضيف جديدًا إلى الموقف الإيراني المعلن حول السلاح النووي منذ أكثر من عقدين.

بخلاف ذلك، يبدو أن المذكرة أجَّلت البتَّ في كافة الملفات الأخرى إلى التفاوض المباشر، الذي يفترض أن يجري طوال ستين يومًا من تاريخ توقيع المذكرة، قابلة للتجديد باتفاق الطرفين. تشمل ملفات التفاوض مصير ما يزيد عن أربعمئة كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، وطريقة تخفيض التخصيب إلى مستويات مقبولة، وإن كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها تراجعت عن إصرارها السابق على أن تستلم هذه الكمية من اليورانيوم. ونصَّت المذكرة على انسحاب القوات الأميركية من محيط إيران (دون توضيح ما الذي يعنيه هذا المحيط) في غضون ثلاثين يومًا، بعد الاتفاق النهائي. كما تُرك للتفاوض ملف رفع كافة العقوبات الفردية والدولية على إيران، التي أخذت في التراكم منذ ثمانينات القرن الماضي. وتُرك للتفاوض، إضافة إلى ذلك، ما تعهدت به الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها، بوضع خطة لإعمار إيران، من خلال صندوق إعادة إعمار لا تقل قيمته عن 300 مليار دولار.

ما يعنيه ربط العقوبات وانسحاب القوات الأميركية بسياق المفاوضات المباشرة والاتفاق النهائي أن الولايات المتحدة سعت إلى الاحتفاظ بأهم أوراق القوة والضغط، بعد أن تخلَّت عن ورقة الحرب. تمامًا كما أن إيران حدَّدت ستين يومًا لفترة السماح بحرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي برز بوصفه أكثر أسلحة إيران فاعلية أثناء المواجهة، ترقبًا للتقدم في مفاوضات الاتفاق النهائي. ولكن ما سكتت عنه المذكرة لا يقل أهمية عمَّا أقرته.

أغفلت المذكرة كلية الإشارة إلى تغيير النظام الإيراني، الذي كان في الحقيقة هدف الحرب الأول والأساسي، بالرغم من ادعاءات الرئيس ترامب في تعليقه على المذكرة بأن هذا الهدف لم يكن ضمن حساباته. كما أن الإعلان عن وقف الحرب، والاحترام المتبادل للسيادة، يستبطنان أيضًا إقرار الولايات المتحدة بأنها لن تعود إلى العمل على تغيير النظام في طهران، على الأقل في المدى المنظور. ورغم أنه لا أحد يستطيع أن يقدم ضمانات حول السلوك الإسرائيلي، فقد تعهدت الولايات المتحدة بإلزام إسرائيل بوقف الحرب، سواء في الجبهة الإيرانية أو اللبنانية، بما يعني إلحاقًا تخلي الدولة العبرية عن هدف إسقاط النظام في إيران، ونهاية مشروع السيطرة على القرار السياسي اللبناني.

سكتت المذكرة كذلك عن ترسانة الصواريخ الإيرانية ومداها، بل إن الرئيس ترامب لم يتردد في الإشارة، في مؤتمره الصحفي بتاريخ 17 يونيو/حزيران، إلى أن لإيران الحق في الاحتفاظ بالصواريخ الباليستية، طالما كانت دول أخرى في محيطها تحتفظ بمثل هذه الصواريخ. وما لا يقل أهمية، أن المذكرة أغفلت المطلب الأميركي-الإسرائيلي المسبق بأن لا يُسمح لإيران بأي مستوى من تخصيب اليورانيوم؛ ما يعني أن إيران، كما كافة دول العالم الأخرى، ستحتفظ بالحق في التخصيب المنخفض لأهداف سلمية، سواء مباشرة أو بعد فترة من بناء الثقة. بذلك تبدو المذكرة وكأنها حملت دلالات متفاوتة لأطراف الصراع المختلفة.

دلالات مذكرة التفاهم

تمثل المذكرة إخفاقًا إستراتيجيًّا للولايات المتحدة، ومخرجًا إنقاذيًّا في الوقت نفسه. تمثل إخفاقًا إستراتيجيًّا لأنها لم تحقق هدف الحرب الأولي في تغيير النظام، ولا كافة الأهداف اللاحقة، التي تعلقت بتسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وتقليص حجم ومدى سلاح الصواريخ الإيرانية، وفرض قيود على علاقات إيرانية بالقوى الحليفة لها في لبنان وفلسطين والعراق واليمن. وينمُّ حديث الرئيس ترامب عن أن نجاح الحرب في التخلص من عدد كبير من القادة الإيرانيين، العسكريين والسياسيين، قد أفضى بالفعل إلى صعود جيل جديد من "القادة الأذكياء الأقوياء، والبراغماتيين"، عن عدم فهم مضاعف لطبيعة النظام الإيراني وطبقته الحاكمة.

فالواضح، أن النظام تمكَّن، منذ انتصار الثورة الإيرانية، من بناء كادر هائل من القيادات العسكرية والسياسية، التي لا يفتُّ في عضدها اغتيال حتى العشرات منها. ولا يبدو أن القادة الجدد أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات عن استقلالية القرار الوطني. وربما يصلح قائد الحرس الثوري الجديد، أحمد وحيدي، نموذجًا للكشف عن تكوين القادة الإيرانيين الذين تقدموا الصفوف مؤخرًا ليحلُّوا محل من ذهبوا ضحية الاغتيال.

فقد برز وحيدي بوصفه أحد أعضاء وحدات الحرس الثوري المبكرة، التي لعبت دورًا بالغ الفاعلية في سنوات الحرب العراقية-الإيرانية. ونشط بعد الحرب في جناح الحرس الاستخباراتي، كما أسهم في تأسيس قوات القدس. ثم قاد وحيدي وزارتي الداخلية والدفاع في العقدين الماضيين، وعُرِف بأنه أحد أكثر الوزراء راديكالية في الدفاع عن الجمهورية الإسلامية. وإن لم يكن من المناسب الحكم على أداء وحيدي في موقعه الجديد، فإن مسيرته القيادية في النظام توحي بأنه سيكون على الأرجح أكثر تمسكًا بمصالح بلاده من كثير من قادة الحرس السابقين.

ولكن مذكرة التفاهم لابد أن تُرى أيضًا من جهة ما يمكن أن تفتحه من طريق لإنقاذ الولايات المتحدة من المأزق الذي صنعته بأيديها، عندما قررت مشاركة إسرائيل في حرب غير قانونية ولا مسوَّغة ولا تتمتع بدعم حلفاء الولايات المتحدة في العالم، ولا بدعم الرأي العام الأميركي. فقد كان جناح ما عُرف في العقود الماضية باسم المحافظين الأصليين (Paleo- conservatives)، الذين يمثلهم في إدارة ترامب نائب الرئيس، فانس، هو من قاد المفاوضات التي أوصلت إلى مذكرة التفاهم. وقد رأى هؤلاء أن خيار الحرب على إيران يناقض جوهر ما وعد به ترامب من تحول في سياسات أميركا الخارجية وفي أحوال أميركا الداخلية، وأن الحرب توشك أن تغرق أميركا من جديد في رمال الشرق الأوسط المتحركة، وأن تتسبب في كساد أميركي وعالمي لا يقل وقعًا عن كسادَي ثلاثينات وسبعينات القرن العشرين.

بهذا المعنى، تُعَد المذكرة، بكل ما توحي به من تنازلات، إنقاذًا للولايات المتحدة، وإدارة ترامب، من إخفاق إستراتيجي أكثر فداحة. وربما يمكن أيضًا رؤية بدايات محاولة، يتعهدها نائب الرئيس، فانس، والمعسكر الذي يقف معه في الإدارة، لتغيير طبيعة علاقة الولايات المتحدة بإيران، وإن كان من المبكر التكهن بما يمكن أن تصل إليه هذه المحاولة.

إلى جانب ذلك، تمثل المذكرة خسارة بالغة للدولة العبرية، وإجهاضًا لطموحات الهيمنة على المشرق العربي-الإسلامي، التي أعلنها بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، مباشرة بعد اندلاع حرب العامين ونصف العام، في أكتوبر/تشرين الأول 2023. فالمذكرة تُعدُّ شأنًا أميركيًّا-إيرانيًّا وحسب، لم تشارك إسرائيل في مفاوضاتها ولا هي استُشيرت قبل التوقيع عليها. ولا تقول المذكرة باحترام سيادة إيران ولبنان، وحسب، ولكنها توحي بأن الولايات المتحدة اختارت أن تفاوض إيران وتتعامل معها بوصفها دولة تتمتع بكافة شروط الشرعية، وقوة إقليمية لابد أن تؤخذ في الاعتبار. ولا تمنح المذكرة الدولة العبرية حتى ضمان التخلص من برنامج إيران النووي، أو سلاحها الدفاعي الإستراتيجي.

وبنهاية أحلام الهيمنة على المشرق، لم يعد ممكنًا الحديث عن تطبيع سعودي مع دولة إسرائيل، ولا عن إخضاع سوريا ولبنان، ولا حتى إجبار حماس على نزع السلاح. الأهم من ذلك كله، أن المذكرة تؤشر إلى إعادة نوع من التوازن في إدارة ترامب بين المحافظين الأصليين والمحافظين الجدد. ومثل هذا التوازن، إن استقر، سيعمل بالتأكيد على تمييز المصالح الإستراتيجية الأميركية عن المصالح الإسرائيلية.

وإن نُظر إلى دول الخليج العربية بوصفها طرفًا غير مقصود في الحرب، سيما من جهة استخدام الوجود العسكري الأميركي في هذه الدول في الهجمات على إيران، أو من جهة استخدام إسرائيل وجودها الاستخباراتي والعسكري غير الرسمي في الإمارات، أو من جهة استهداف إيران متفاوت الدرجات لهذه الدول، فالمؤكد أن المذكرة توحي بخسارة نسبية لعدد من دول الخليج. باستثناء قطر، التي لعبت، ولم تزل، دورًا رئيسًا في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران.

رغم أن الإعلان عن نهاية الحرب كان مصدر ارتياح أمني واقتصادي كبير لدول الخليج، فإن الإشارة الغامضة في المذكرة لقبول الولايات المتحدة بإدارة مختلفة للملاحة عبر مضيق هرمز، بعد فترة السماح الحر المحددة بستين يومًا، لابد أن تكون مصدر قلق للدول التي يشكِّل لها المضيق منفذًا حيويًّا، بما في ذلك العراق. كما أن ما يستبطنه البند الخاص بصندوق إعمار إيران من احتمال تعرض دول الخليج لضغوط أميركية للمشاركة في هذا الصندوق لابد أن يطرح في دول الخليج تساؤلات حول الطبيعة القانونية والعائد المتوقع لهذه المشاركة.

عقبات في طريق الاتفاق النهائي

لم يعد مسوغًا بعد توقيع مذكرة التفاهم إصرار أي من أطراف الحرب على التمسك بالأوهام التي أسست لاندلاعها. ولكن، هذا لا يعني بالضرورة أن المذكرة تفتتح نهجًا سلسًا وممهدًا نحو التوصل إلى اتفاق نهائي. أولًا: لأن المذكرة لم تُستقبل بموقف موحَّد في إدارة ترامب وفي صفوف الطبقة السياسية الجمهورية الملتفة حول الإدارة. فقد تسببت المذكرة في انقسام حاد سواء في مجلسي النواب والشيوخ، أو في صفوف قيادات الحزب الجمهوري، أو في وسائل الإعلام ومراكز البحث والتفكير المؤيدة لإدارة ترامب. وقد وصف البعض، سيما من المحافظين الجدد ومؤيدي الدولة العبرية، المذكرة بوثيقة الاستسلام، وبأنها تمثل هزيمة للولايات المتحدة، واتهموا الرئيس، ترامب، بالتخلي عن إسرائيل، ونائب الرئيس، فانس، بمعاداة السامية. كما هدد آخرون نائب الرئيس بالعمل على وضع نهاية لحياته السياسية، بمعنى الوقوف أمام ترشحه للرئاسة بعد نهاية ولاية ترامب.

قد لا يترك هذا الجدل أثرًا ما على عملية التفاوض، إن حافظ الرئيس على تأييده للمذكرة وعقد العزم على مواصلة العمل للتوصل إلى اتفاق نهائي. ولكن لا أحد يمكنه توقع الخطوة القادمة للرئيس ترامب. وإذا انتابت الرئيس مخاوف حول نتائج الانتخابات التشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، أو حول تحول معسكر المحافظين الجدد وأنصارهم إلى معارضة إدارته، فقد يذهب المفاوض الأميركي إلى المزيد من التشدد في مفاوضات الاتفاق النهائي، سيما أن الأوراق التي يحتفظ بها الأميركيون لم تزل ذات ثقل كبير.

ثانيًا: لا يقل الانقسام الإيراني حول المذكرة عن الانقسام الأميركي، وإن أظهرت طهران انضباطًا أكبر مما تَكَشَّف في واشنطن. والأرجح أن مذكرة التفاهم أُقِرَّت بأغلبية كبيرة في مجلس الأمن القومي الإيراني، وبتأييد حتى من القادة العسكريين الذين يُدعون لحضور جلسات المجلس دون أن يكون لهم حق التصويت، وأن عدد المعارضين للمذكرة لم يزد عن اثنين أو ثلاثة. ولكن الواضح أيضًا أن التحفظات كانت ملموسة، وأن هذه التحفظات ترتبط بالمخاوف من الثغرات التي قد تفتحها المذكرة في الموقف الإيراني خلال مفاوضات الاتفاق النهائي. وربما كانت تلك المخاوف هي التي أشار إليها المرشد الإيراني الأعلى، مجتبى خامنئي، في خطابه حول المذكرة، يوم 19 يونيو/حزيران.

فقد قال خامنئي إنه كان لديه رأي آخر بشأن المذكرة، وأنه وافق عليها بعد أن تعهد له الرئيس بزشكيان بتحمل مسؤولية صون حقوق الشعب. وقال إن الرئيس بزشكيان أكد له أنه إذا أراد الجانب الأميركي التمادي في مطالبه فلن نخضع لذلك. بمعنى أن خامنئي، وربما مسؤولين آخرين في مركز صناعة القرار الإيراني، تنتابهم مخاوف من أن يوظف الأميركيون الغموض في مذكرة التفاهم (الذي هو سمة تقليدية لكافة اتفاقات حل الصراعات الأولية)، لابتزاز الإيرانيين في المفاوضات، والضغط من أجل مزيد من التنازلات الملموسة، التي قد تمس الاستقلال الوطني.

ثالثًا: وعلى الرغم من التقبل الإسرائيلي الرسمي لمذكرة التفاهم، الذي ظلَّله قدر كبير من المرارة والامتعاض، لم تزل في أيدي الإسرائيليين أوراق كافية لتعطيل عجلة المفاوضات، وربما منع التوصل للاتفاق النهائي.

عقد نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، الذي يبدو أنه حمل مهمة تقديم مذكرة التفاهم للرأي العام الأميركي، مباشرة بعد توقيع المذكرة، وخلال اليومين التاليين، مؤتمرًا صحفيًّا رئيسيًّا في البيت الأبيض، وتحدث إلى وسائل إعلام أميركية كبرى. وندَّد فانس بالهجمات المبطنة في إسرائيل على الرئيس ترامب وإدارته، وذكَّر الإسرائيليين بأنهم باتوا معزولين في كافة أنحاء العالم، وأن الولايات المتحدة فقط من تقف إلى جانبهم. وإضافة إلى تأكيده على أن المذكرة تخدم مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية، حاول فانس أن يقول للأميركيين والإسرائيليين، على السواء: إن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل لا تلتقي بالضرورة دائمًا، وإن على الولايات المتحدة أن تعطي الأولوية لمصالحها وأمنها. ولكن مثل هذه المقاربة يصعب أن تُقبل في إسرائيل، أو في الدوائر الأميركية المعروفة بتأييدها المطلق لإسرائيل.

يمكن لأصدقاء إسرائيل في واشنطن أن يسعوا للانقلاب على إدارة ترامب، وممارسة كافة أنواع الضغط على مفاوضات الاتفاق النهائي. ولأن الإيرانيين نجحوا في فرض ارتباط وثيق مع الوضع اللبناني في مذكرة التفاهم، وجعلوا وقف الحرب في لبنان شرطًا للتقدم في مفاوضات الاتفاق النهائي، يمكن لإسرائيل استخدام وجودها في لبنان ورقة لإفشال المفاوضات، أو على الأقل تعطيلها. فإطلاق النار في لبنان لم يتوقف طوال الأيام الثلاثة التالية على توقيع مذكرة التفاهم، على الرغم من الضغوط الأميركية على نتنياهو. وحتى بعد وقف إطلاق النار، فإن الإصرار على بقاء الجيش الإسرائيلي في قطاع واسع من الجنوب اللبناني، يعني أن أبواب التصعيد في لبنان ستظل مشرعة.

الاتفاق النهائي ومستقبل المشرق

ليس هناك ضمانة، إذن، لأن توصل مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي. فثمة احتمال لأن يصبح الجانب الأميركي أكثر تشددًا في المفاوضات، في محاولة للرد على من وصفوا المذكرة بالهزيمة والاستسلام. والواضح أن الجانب الإيراني ليس في وارد الخضوع، ليس فقط للضغوط التي يواجهها من المعارضين لمذكرة التفاهم، ولكن أيضًا لأن الإيرانيين يشعرون أنهم دفعوا بالفعل ثمن الصمود والمحافظة على الجمهورية ومصالحها الوطنية. وبالنظر إلى السجل الطويل للعلاقات الأميركية-الإسرائيلية، يصعب تصور قبول نتنياهو وأنصاره في الولايات المتحدة بالهزيمة والتهميش. ولا يُستبعد أن يقرروا الذهاب إلى معركة كسر عظام حاسمة مع ترامب ومعسكر التفاهم مع إيران في إدارته.

ولكن، حتى إن تعثرت المفاوضات ولم تأتِ بنتائج حاسمة، أو أخفقت في تحقيق توافق على كافة ملفات التفاوض، فإن هذه الجولة من الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وصلت إلى نهايتها، ولم يعد من الممكن تجاهل وقعها على توازنات القوى في المشرق العربي-الإسلامي. وعلى الرغم من أن احتمال العودة إلى الحرب لم يزل قائمًا، فالمؤكد أن عدة أسابيع أخرى من القصف المتبادل لن تُحدث تغييرًا جوهريًّا فيما استقرت عليه الأوضاع.   

تعيد هذه الجولة تأكيد ما سبق أن كشفته الجولات السابقة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتقدم أدلة كافية لتأكيد حقائق أخرى إضافية. ما تقوله هذه الجولة من الحرب، باختصار، إن مشروع الهيمنة الإسرائيلية على المشرق لم يكن سوى تخيلات عابرة، وإن الصراع على مصير المشرق لا يزال مستمرًّا، وإن النفوذ الأميركي في المشرق لم يواجَه منذ أربعينات القرن الماضي شكوكًا كما يواجه اليوم.

هذا لا يعني بالطبع أن خارطة القوة في المشرق أصبحت واضحة المعالم، أو أن اتجاه تحولات القوى قد حُدِّد بصورة قاطعة. ما يعنيه أن الملفات الكبرى في المشرق العربي-الإسلامي باتت أقرب إلى تقاطعات طرق أوضح مما كانت عليه منذ الحرب الباردة على الأقل، وأن سلطة القرار باتت، إلى حدٍّ كبير، في يد دول المنطقة وشعوبها.

لم يعد ممكنًا تجاهل الخطر الذي يمثله المشروع الصهيوني في فلسطين على كافة بلاد المشرق العربي-الإسلامي، ولا التصالح مع هذا الخطر. ولم يعد ممكنًا ضمان الأمن والحماية بالمراهنة على النفوذ الأميركي أو التحالف مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. ولم يعد ممكنًا أيضا تجاهل الكوارث التي ولَّدتها سياسات التوسع الإيراني في الجوار، على إيران نفسها وعلى الدول التي حاولت الهيمنة عليها. في المقابل، لم يعد ممكنًا تصور تحقيق الأمن والاستقرار في المشرق عبر إقامة تحالفات ومحاور تعزل هذه الدولة أو تلك، أو تتجاهل مصالح هذه الدولة أو تلك.