توصَّل لبنان وإسرائيل، في نهاية جولة المفاوضات الخامسة، التي استمرت طوال أربعة أيام، والتي جرت برعاية وزارة الخارجية الأميركية، مساء الجمعة، 26 يونيو/حزيران، إلى اتفاق إطار، يُفترض أن يؤسس لمرحلة جديدة في علاقات الدولتين، ويهيئ الأرضية لمفاوضات سلام لاحقة. بموجب الاتفاق، أعلنت إسرائيل ولبنان عزمهما إنهاء النزاع بينهما ومعالجة أسبابه الكامنة وإنهاء حالة الحرب، والتزامهما بعملية يستعيد خلالها الجيش اللبناني تدريجيًّا المسؤولية الأمنية في مناطق تجريبية من الجنوب المحتل.
طبقًا للاتفاق، يؤكد الطرفان حقَّ كل منهما "في الوجود بسلام، ورغبتهما المتبادلة في العيش بأمن، بوصفهما دولتين ذاتَيْ سيادة ومتجاورتين". وتلتزم الدولتان بتأسيس "مسار متبادل ومتدرج، وفق تسلسل واضح وشروط محددة، تتولى بموجبه القوات المسلحة اللبنانية بسط سلطة الدولة الفعلية على كامل الأراضي اللبنانية، بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية، بما يتيح للقوات الإسرائيلية إعادة انتشارها تدريجيًا إلى خارج الأراضي اللبنانية".
ويشير الاتفاق إلى تأكيد حكومة الجمهورية اللبنانية "مجددًا التزامها الحازم وغير القابل للرجوع عنه باستعادة سيادتها الكاملة وممارستها على كل أراضيها. وتلتزم حكومة الجمهورية اللبنانية بإعادة ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتحقيق نزع السلاح الكامل والمتحقق منه لكل الجماعات المسلحة غير التابعة لدولة، وضمان عدم اضطلاع هذه الجماعات بأي دور عسكري أو أمني". وبموجب هذا الإطار "تطلب حكومة الجمهورية اللبنانية دعم الشركاء الدوليين، لاسيما الشركاء العرب، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، لتحقيق هذه الغاية".
يقول الاتفاق، أيضًا، أن لا شيء يجب أن يحول دون ممارسة الدولتين "حقَّهما الأصيل في الدفاع عن النفس، وفقًا لما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة، وبما يتوافق مع أحكام القانون الدولي واجبة التطبيق، مع إعادة التأكيد أنه لا يجوز لأي طرف ثالث ممارسة هذا الحق نيابة عنهما. كما يؤكد الاتفاق التزام "حكومة الجمهورية اللبنانية بتنفيذ برنامج صارم قائم على الأداء، يهدف إلى تمكين القوات المسلحة اللبنانية من بسط السيطرة العسكرية والأمنية الكاملة داخل لبنان، وفقًا للترتيبات الأمنية التي يتم الاتفاق عليها في إطار المفاوضات، وتنفيذ نزع سلاح كل الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وممارسة سلطة الدولة بصورة فعَّالة في كل أنحاء لبنان".
ويعد الاتفاق بأن البلدين سيعملان، فور التوقيع على هذا الإطار، "على إنشاء مجموعات عمل تتولى إعداد اتفاق شامل للسلام والأمن. وانسجامًا مع هدفهما المشترك المتمثل في إقامة علاقات مستقرة وسلمية، تلتزم إسرائيل ولبنان باتخاذ إجراءات، تعكس نيتهما الإيجابية، بما في ذلك وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والعمل على البحث عن الرفات وإعادته، والإفراج عن المحتجزين". وكما كان متوقعًا، ولَّد الاتفاق ردود فعل متباينة.
في لبنان، شدَّد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في 26 يونيو/حزيران، على أن الاتفاق الإطاري مع إسرائيل هو "أول الطريق لاستعادة السيادة على كامل أراضينا غير منقوصة، وعودة النازحين إلى أرضهم وبيوتهم". وأكد الرئيس في منشور على منصة إكس الاستمرار في العمل حتى تجسيد دولة بلا احتلال ولا تبعية ولا وصاية. ووجَّه عون شكره للإدارة الأميركية والرئيس ترامب على الجهود المبذولة في استضافة المفاوضات ورعايتها ودعم موقف بيروت، وأشاد بأداء الفريق اللبناني المفاوض. ومثل رئيس الجمهورية، أعرب رئيس الحكومة، نواف سلام، في تصريحات مقتضبة، عن ترحيبه بالاتفاق، مشيرًا إلى أنه يشكِّل "خطوة أولى على طريق استعادة السيادة اللبنانية". وشدَّد سلام على أن تنفيذ الاتفاق مرهون بعدة شروط، أبرزها آلية تنفيذية واضحة وضمانات أميركية ودولية.
من جهة أخرى، قال نعيم قاسم، أمين عام حزب الله في بيان، صدر يوم السبت 27 يونيو/حزيران: إن الاتفاق "باطل" و"إهانة" و"استسلام للسيادة،" وينبغي أن تحل محله مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة. وذكر قاسم أن أي محاولة لربط انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله تتجاوز "الخطوط الحمراء". أما رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، حليف حزب الله ورئيس حركة أمل، فتوجه إلى الشعب اللبناني كافة، محذرًا من أن الاتفاق يفتح الباب للفتنة. وفي حديث لصحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 29 يونيو/حزيران، وصف بري الاتفاق بالإملاءات. وقال إنه أسوأ بعشرات المرات من اتفاق 17 مايو/أيار 1983، مؤكدًا أن "هذا الاتفاق لن يمشي ولن يُنفذ".
وليد جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وأحد أركان الساحة السياسية اللبنانية، والذي تربطه علاقات ودية مع معظم الأطراف، وصف الاتفاق بأنه ثلاثي في الشكل وأحادي في المضمون. وقال جنبلاط: إن الغريب في الاتفاق هو "التغييب الكامل لاتفاقية الهدنة"، التي وُقِّعت عام 1949 بين لبنان وإسرائيل في نهاية حرب 1948، والتي يُفترض أن تمثل مرجعية رئيسة للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية.
الجماعة الإسلامية، ذات النفوذ في أوساط سُنَّة لبنان، والتي يجمعها بحزب الله الموقف المقاوم للاحتلال الإسرائيلي، أصدرت بيانًا أقل حدة، وإن لم يخلُ من تحفظات صريحة على الاتفاق. قالت الجماعة في بيانها: إن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى قرارًا وطنيًّا تحت سقف الدولة ومؤسساتها الشرعية، بعيدًا عن أية إملاءات خارجية. وشدَّدت على أن أي بحث في حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة لا يجوز أن يتم تحت ضغط الاحتلال أو التهديد، بل عبر حوار وطني جاد يُفضي إلى استراتيجية دفاعية شاملة، تعزز قدرة الجيش على حماية الحدود والمواطنين. وحذَّرت الجماعة من خطورة ربط الانسحاب الإسرائيلي بشروط أمنية قابلة للتأجيل والتأويل.
في إسرائيل، وجَّه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الشكر للدولة اللبنانية على جهودها التي أدَّت إلى توقيع الاتفاق. وقال نتنياهو: "في إطار التفاهمات التي تم التوصل إليها، اعترفت الولايات المتحدة ولبنان بحق إسرائيل في الاحتفاظ بمنطقة أمنية داخل لبنان، طالما كان ذلك ضروريًّا لأمن إسرائيل". وأوضح أن إسرائيل "ستواصل الاحتفاظ بالمنطقة الأمنية حتى يتم نزع سلاح حزب الله والمنظمات الإرهابية الأخرى، وحتى يزول التهديد لإسرائيل من جانب لبنان". وصف نتنياهو الاتفاق الإطاري بأنه "تاريخي"، معتبرًا أنه "يسمح بالتقدم نحو إنهاء النزاع، وكذلك نحو تحقيق اتفاق سلام"، وأضاف أن الاتفاق "يعزز إسرائيل ولبنان ويضعف إيران وحزب الله".
فلماذا جاءت مواقف مختلف الأطراف بهذه الحدة من التباين؟ ما الذي يحمله الاتفاق فعلًا من دلالات لموقع لبنان في سياق الحرب المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023؟ كيف، ولماذا وُلد الاتفاق في هذه الصيغة؟ وما الذي يعنيه لمستقبل لبنان ودولته وسلمه الأهلي؟
تنازلات لبنانية غير مسبوقة
ما قاله الرئيس اللبناني، جوزاف عون، من أن الاتفاق يمثل مجرد بداية طريق لاستعادة السيادة وإنهاء الاحتلال وعودة النازحين الجنوبيين إلى بلداتهم ومدنهم هو توصيف صحيح للاتفاق. ولكن، ليس ثمة من يعرف، بمن في ذلك الرئيس شخصيًّا، متى وكيف سيصل هذا الطريق إلى غايته. لم تنشر وزارة الخارجية الأميركية، ولا الدولة اللبنانية أو إسرائيل، ملحقات الاتفاق الأمنية، وليس هناك من أوضح سبب التحفظ على نشر الملحقات. والأرجح، أن ملحق الترتيبات الأمنية قد أُخفي لأنه لن يحظى بأي ترحيب من الرأي العام اللبناني. ولكن، وحتى بالاقتصار على قراءة نص الاتفاق الإطاري، يمكن رؤية حجم التنازلات التي قدمها الجانب اللبناني، مقابل وعود بالغة الغموض، سواء من جهة محدداتها الجغرافية أو الزمنية.
طبقًا للاتفاق، حصلت إسرائيل على ما يُفهم منه اعتراف لبناني بوجود الاحتلال في قطاع واسع من جنوب لبنان، وباستمرار الاحتلال لأمد غير محدد. وهذا ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه في احتلالها الأول للجنوب، الذي استمر من 1982 إلى 2000، والذي كان غطاؤه التحالف مع مجموعة منشقة عن الجيش اللبناني، عُرفت باسم جيش لبنان الجنوبي. والأكثر من ذلك، أن الجانب اللبناني تنازل، طبقًا للاتفاق، عن الحق الذي تتمتع به كل دول العالم، في اللجوء إلى المحافل السياسية والقانونية الدولية لمواجهة الاحتلال الأجنبي. ما يعني أنه مقابل إضفاء الشرعية على الاحتلال تُنزع الشرعية عن أي تحرك مقاوم للاحتلال، بغضِّ النظر عمَّا إن كانت المقاومة مرتبطة بحزب الله أو غيره، بما أن الدولة اللبنانية تعهدت في الاتفاق بالعمل على تجريد الجهات من غير أذرع الدولة ذاتها من السلاح. بل تعهدت بدعوة المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول العربية، بقيادة الولايات المتحدة لتقديم يد العون للبنان في مسعاه لتجريد الجماعات المسلحة في البلاد من سلاحها. يرتكز هذا التحول في الموقف اللبناني السياسي إلى توجه الدولة اللبنانية إلى إنهاء حالة العداء مع دولة إسرائيل، بل والمضي، في مرحلة تالية، لإقامة سلام شامل ودائم معها.
يقول الاتفاق صراحة: إن لبنان لا يريد أن يقوم طرف ثالث بالدفاع عن مصالحه أو تمثيله بأي صورة من الصور. وإن كان الاتفاق لم يخص إيران بالذكر، فالمؤكد أن المقصود هو إيران، وأن الدولة اللبنانية تؤيد وتقر بفصل الجبهة اللبنانية وملف الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان عن مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، التي نصَّت على وقف الأعمال العسكرية في كافة الجبهات، بما في ذلك لبنان. بمعنى، أن الدولة اللبنانية، وبغضِّ النظر عن الموقف من التدخلات الإيرانية في الشأن اللبناني، تتخلى عن الدعم الذي قدمته إيران في مذكرة التفاهم عندما أصرَّت على وقف النار في كافة الجبهات. وكان هذا التوجه لفصل المسار اللبناني عن الحرب على إيران قد كُرِّس في اتفاق المبادئ الإسرائيلي-اللبناني في 4 يونيو/حزيران، الذي أعلن عن وقف إطلاق نار شكلي في الجبهة اللبنانية.
في المقابل، تُقر إسرائيل باحترام سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها ضمن حدودها الدولية. ولكن، وإن كان الاتفاق يعد بصورة غامضة بإعادة انتشار، وليس بانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، فإنه لا يقدم جدولًا زمنيًّا لإعادة الانتشار، بل ويتجاهل كلية رسم حدود واضحة للمنطقة التي سيطول احتلالها إلى أن تنجز الدولة اللبنانية تجريد الجماعات المسلحة من سلاحها ومنع أي تهديد لأمن إسرائيل من لبنان. ولا يوفر الاتفاق، إضافة إلى ذلك، جدولًا زمنيًّا لعودة النازحين الجنوبيين إلى بلداتهم وقراهم، ولا لعملية إعادة إعمار الجنوب اللبناني.
ما يقدمه الاتفاق للبنان في هذا الشأن هو انسحاب إسرائيلي محدود من مناطق، وُصفت بالتجريبية، يتقدم إليها الجيش اللبناني، بعد أن تتأكد إسرائيل من قيام لبنان بتطهير هذه المناطق من المسلحين ومن مصادر التهديد لإسرائيل. وكان مدهشًا أن قرى فرون وزوطر الغربية والغندورية، التي أعلنتها وزارة الدفاع الإسرائيلية مناطق تجريبية، لم تكن محتلة من القوات الإسرائيلية. فكيف، إذن، أمكن لإسرائيل الحصول على كل هذه المكاسب، خلال عملية تفاوض قصيرة نسبيًّا، لم تزد عن خمس جولات؟
خلل إستراتيجي برعاية الخارجية الأميركية
انطلقت المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في منتصف أبريل/نيسان، برعاية الخارجية الأميركية، في ظل غياب أي مستوى من التوازن الإستراتيجي من طرفيها. وقد ذهبت الدولة اللبنانية إلى المفاوضات، بتوافق بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة على استعادة سيطرة الدولة وسيادتها على أرضها وشعبها وشؤونها، وعلى أن لا مخرج للبنان دون وضع نهاية لتعدد مراكز القوة والنفوذ داخل البلاد. ولأن وجود حزب الله المسلح، وعلاقته التحالفية بإيران، وتفرُّده بقرار الحرب مع إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مثَّل التحدي الرئيس لاستعادة سيادة الدولة، وجد رئيسا الجمهورية والحكومة، وعدد من القوى اللبنانية السياسية، أن لا مناص من نزع سلاح الحزب، وإجباره على قصر نشاطه في المجال السياسي.
وقد ترتب على هذه الانعطافة في العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله خطوتان رئيستان؛ الأولى: قرار حكومة سلام، بتأييد من رئيس الجمهورية، في أغسطس/آب 2024، بتجريد الحزب من السلاح وحصر السلاح في كافة أنحاء البلاد بيد الدولة ومؤسساتها، رغم أن الجميع كان يعرف أن الدولة اللبنانية لا تستطيع تنفيذ هذا القرار. أما الخطوة الثانية، فتمثلت في الذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، برعاية أميركية، دون التفاهم مع الحزب، ودون أخذ معارضة الحزب وعدة دوائر أخرى للمفاوضات المباشرة في الاعتبار؛ بل ودون حوار وطني مسبق حول سقف التفاوض. وكان لافتًا قول نبيه بري، رئيس البرلمان، وثالث أعمدة النظام اللبناني، أن رئيس الجمهورية لا يتصل به، وأنه بدوره لا يتصل بالرئيس.
بمعنى، أن الدولة اللبنانية اختارت المفاوضات المباشرة دون أن يكون لديها أية ورقة قوة ملموسة في مواجهة دولة الاحتلال. ورقة القوة الوحيدة كانت الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، راعية المفاوضات ومضيفتها والمحرِّضة عليها، ستوفر الدعم الكافي لوجهة النظر اللبنانية.
المشكلة تكمن في أن المفاوضات جرت برعاية متفردة من وزارة الخارجية الأميركية وفريق الوزير، ماركو روبيو، وعلى خلفية بروز خلافات داخل إدارة الرئيس ترامب، والمعسكر المؤيد له في الحزب الجمهوري، حول الحرب على إيران، وحول التورط الأميركي في الحرب إلى جانب إسرائيل. فنائب الرئيس، فانس، الذي ترأَّس الوفد الأميركي في المفاوضات مع إيران، وقف إلى جانب المعسكر الذي أبدى تحفظات على الحرب وعلى التماهي بين المصالح الأميركية والإسرائيلية، بينما وقف روبيو، الذي يحتفظ بمقاليد وزارة الخارجية وسكرتارية مجلس الأمن القومي معًا، في المعسكر المقابل. وقد عمل روبيو من البداية على إبعاد توم باراك، السفير في أنقرة ومبعوث الرئيس في سوريا والعراق عن الملف اللبناني، بعد أن كان مبعوثًا للرئيس إلى لبنان، أيضًا. كما عمل روبيو على فصل المفاوضات الإسرائيلية-اللبنانية عن المفاوضات الأميركية-الإيرانية التي يقودها فانس.
وكان واضحًا أين يقف فريق روبيو منذ انتهت جولة المفاوضات الرابعة باتفاق المبادئ، الذي لم يكن خافيًا أنه يصب لصالح إسرائيل. ولكن الدولة اللبنانية كانت قد عقدت العزم على المضي إلى آخر الطريق. في الوقت نفسه، كان الوزير روبيو يعمل على حشد كل دعم ممكن للتأكد من أن تفضي جولة المفاوضات الخامسة إلى اتفاق قاطع بين الطرفين، يعزز الموقف الإسرائيلي، ويضع المزيد من العقبات أمام مفاوضات تنفيذ مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية.
لتأمين الدعم والتأييد للمسار اللبناني ومقاربة الخارجية الأميركية للمفاوضات مع إيران، ذهب روبيو إلى الخليج ومفاوضات الجولة الخامسة لم تزل جارية على قدم وساق. وكان روبيو حريصًا على أن يخرج من اللقاء الوزاري مع دول مجلس التعاون الخليجي في المنامة، في 25 يونيو/حزيران، بموقف عربي-خليجي واضح، ليس فقط لتأثير دول الخليج على الرئيس ترامب، ولكن أيضًا لنفوذ هذه الدول في الداخل اللبناني.
وهكذا، وفيما يتعلق بالموقف من المفاوضات الإسرائيلية–اللبنانية، جاء في بيان المنامة أن الوزراء "أكَّدوا مجددًا التزامهم الكامل بسيادة لبنان وأمنه واستقراره ووحدة أراضيه. ولتحقيق هذه الغاية، رحَّبوا بالمفاوضات الثنائية الجارية بين إسرائيل ولبنان، برعاية الولايات المتحدة، والتي تهدف إلى تهيئة الظروف اللازمة لإبرام اتفاق سلام وأمن دائم بين البلدين. في هذا الصدد، شدَّد الوزراء على أهمية الحفاظ على مسار عملية التفاوض، وألا ترتبط بأي نزاعات أخرى. ورحَّب الوزراء بوضع نهج عملي يتيح استعادة الأمن وبسط سلطة الدولة اللبنانية، وترسيم الحدود الدائمة. وأكَّدوا أن السيادة اللبنانية الكاملة لا يمكن أن تتحقق في ظل احتفاظ جماعات مسلحة غير حكومية بقدرات عسكرية خارج نطاق سلطة الدولة اللبنانية، ودعوا إلى نزع سلاح جميع هذه الجماعات بالكامل، واستعادة احتكار الدولة اللبنانية للقوة، آخذين في الاعتبار أهمية دعم القوات المسلحة اللبنانية في تحقيق هذا المسعى".
بالتالي، لم يكن غريبًا أن تبدو الفقرات الخاصة بلبنان في بيان المنامة وكأنها مجرد مسودة لاتفاق الإطار الإسرائيلي-اللبناني، الذي تم التوصل إليه بعد يوم واحد فقط من لقاء المنامة الوزاري.
مصير الاتفاق ومصير لبنان
كرَّر رئيس البرلمان، نبيه بري، في أحاديثه مؤخرًا الدعوة إلى ابتعاد المعارضين للاتفاق عن الحراك الشارعي، وإلى اللجوء إلى القنوات القانونية والدستورية، مشيرًا إلى أن تأجيج الشارع اللبناني يمكن أن يفضي إلى فتنة يصعب التحكم فيها. وينبع موقف بري، الذي وجد تأييدًا من رئيس الحكومة، نواف سلام، ومن زعماء سياسيين آخرين، من الاعتقاد بأن الاتفاق لن يمر، وأن هناك كتلة برلمانية كبيرة ستواجهه. وليس ثمة شك في أن تقدير بري لحجم الكتلة اللبنانية المعارضة صحيح تمامًا. فما عدا حزب القوات اللبنانية، وحزب الكتائب، وحزب الوطنيين الأحرار، وحزب الحوار الوطني (الممثَّل بنائب واحد فقط في البرلمان)، تكاد كافة القوى والتجمعات والأحزاب السياسية، سواء ذات التمثيل البرلماني أو غير الممثلة في البرلمان، تقف في معارضة الاتفاق أو تتحفظ على بعض بنوده.
ولكن، من غير المؤكد ما إن كانت الحكومة ملزمة دستوريًّا بإحالة الاتفاق إلى البرلمان، نظرًا لأنه لا يعد اتفاقًا نهائيًّا بعد، أو أنه ليس من صنف الاتفاقيات التي تتطلب إقرارًا برلمانيًّا. وحتى إن سعت المعارضة لمناقشة الاتفاق في البرلمان، ليس من المؤكد ما إن كان ممكنًا ضمان وجود نصاب قانوني لعقد جلسة المناقشة، مع استمرار الجدل حول ما يعنيه النصاب من عدد النواب بعد أن فقد المجلس منذ انتخابه 11 نائبًا من أعضائه.
بقطع النظر عن كل ذلك، يبدو أن الاتفاق، حتى إن لم يتعرض للإسقاط برلمانيًّا، غير قابل للتطبيق دون توافق سياسي. وفي ضوء التصريحات المختلفة من القوى والأحزاب المعارضة، ليس ثمة أمل كبير في بروز توافق وطني على تطبيق الاتفاق، لا على بنوده المتعلقة بنزع سلاح حزب الله، ولا على البنود التي توفر غطاء شرعيًّا للاحتلال، ولا التي تُسقط حق لبنان في مقاضاة الاحتلال دوليًّا، ولا تلك التي تدعو إلى ذهاب لبنان إلى معاهدة سلام مع إسرائيل.
وفي تطور لافت، ذُكر في دمشق أن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، سيقوم بزيارة إلى لبنان في الأيام الأولى من يوليو/تموز، وأنه يعتزم لقاء رئيسي الجمهورية والحكومة، إضافة إلى أغلب الزعامات السياسية، بمن في ذلك نبيه بري. هناك، بالطبع، عدد من الملفات الشائكة في العلاقات بين البلدين، تستدعي هذا النوع من اللقاءات المباشرة. والواضح أن دمشق تنظر بقدر ملموس من القلق إلى الانقسام الحاد في الساحة اللبنانية، وإلى ما يمكن أن يتركه اتفاق الإطار من أثر على التوغل الإسرائيلي في جنوب غربي سوريا، وما يمكن أن يسببه من تفاقم الوضع الأمني اللبناني.
ورغم أن أهداف الزيارة المعلنة تتعلق بالعلاقات بين البلدين، ثمة من يتوقع أن الشيباني سيسعى إلى تشجيع الأطراف اللبنانية على التوصل إلى توافق وطني على نزع سلاح حزب الله وتطبيق اتفاق الإطار. إن صَحَّ هذا التوقع فلابد أن الشيباني يسعى إلى تقديم مبادرة سياسية لخفض التوتر اللبناني الداخلي، بديلًا من التدخل العسكري السوري، الذي سبق أن شجَّع عليه الرئيس ترامب. ولكنَّ أحدًا لا يمكنه التكهن بما إن كانت سوريا تريد بالفعل تطبيق اتفاق الإطار، أو إن كانت حتى يمكنها فرض تصور سياسي لتطبيق الاتفاق.
في ظل الظروف الحالية، يبدو أن تطبيق الاتفاق بالقوة، سواء قوة الدولة أو قوة حلفاء آخرين للدولة، هو الطريق الوحيد الممكن. ولكن الأرجح أن قيادة الجيش اللبناني، سواء لحسابات القوة البحتة، أو للالتزام بالثوابت الوطنية، تريد تجنب الاصطدام بأي جهة لبنانية، مسلحة أو غير مسلحة. وهذا، كما يبدو، ما جعل بعض اللبنانيين يتوقع أن يحاول رئيس الجمهورية إقالة قائد الجيش، إلا أن خطوة كهذه ستكون بالغة الصعوبة، ويمكن أن تؤدي في حال حدوثها إلى انقسام الجيش على نفسه. الأكثر صعوبة، هو أن تلجأ الدولة إلى استدعاء قوات غربية أو عربية، ليس فقط لأن ليس ثمة من يرغب، غير إسرائيل، في التدخل العسكري في لبنان، ولكن أيضًا لأن مثل هذا التدخل لن ينجم عنه سوى تفاقم الانقسام الداخلي، وربما حتى اندلاع حرب أهلية.
إلى جانب ما سعى إليه فريق روبيو من وضع مزيد من العقبات في طريق مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، قُصد باتفاق الإطار تقوية الدولة اللبنانية، واتخاذ خطوات ملموسة نحو إقامة سلام لبناني-إسرائيلي ورسم خارطة قوة جديدة في المشرق. ولكن، يبدو أن الاتفاق لن يفضي إلا إلى إضعاف الدولة اللبنانية، وإظهار عجزها عن وضع رؤيتها للبنان ومستقبله موضع التنفيذ، وفشلها في حشد أغلبية لبنانية خلف سياساتها، وإلى استمرار الاحتلال، ومن ثم استمرار انخراط قوى لبنانية في المواجهة مع إسرائيل.