إسرائيل وتركيا: توترات عابرة أم تضارب مصالح كبرى؟

تشهد العلاقات الإسرائيلية – التركية توترا متزايدا عكسته تصريحات سياسية وإعلامية صدرت عن الجانبين. فهل هذه مجرد جولة جديدة من المواجهة الخطابية، لن تلبث أن تنتهي كما حدث من قبل، أم أن علاقات البلدين تمر بمنعطف عدائي حقيقي راكمته خلافات عميقة حول ملفات إقليمية، وأجّجه تنافس متصاعد بشأن ميزان القوى في المشرق؟
(الجزيرة)

في السابع من يوليو/تموز، اليوم الأول من قمة حلف الناتو، التي استضافتها العاصمة التركية، أنقرة، أجرت سي أن أن الأميركية مقابلة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو. ولخصوصية موعد المقابلة، كان لابد أن يُسأل نتنياهو عمَّا بات يُعرف في الخطاب السياسي الإسرائيلي بالمسألة التركية. حذَّر نتنياهو في حديثه من أن بيع الولايات المتحدة مقاتلات "أف 35" لتركيا من شأنه "نسف توازن القوى" في منطقة الشرق الأوسط، وقال إنه يعتقد أن لتركيا "طموحات عدوانية"، قاصدًا بذلك نوايا عدوانية تجاه إسرائيل.

ليس ثمة شك أن تصنيف نتنياهو لتركيا، دولة الأغلبية المسلمة، والعضو في حلف الناتو، والتي ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ 1950، دولةً ذات طموحات عدوانية، يمثِّل نقلة أخرى في سلسلة تصريحات تصعيدية بين كبار مسؤولي الدولتين. ففي 11 يونيو/حزيران، ردَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي على انتقادات حادة وجَّهها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لإسرائيل في اليوم السابق بالقول: إن "الديكتاتور المعادي للسامية... آخر من يحق له أن يلقي محاضرات عن الأخلاق". واتهم نتنياهو الرئيس التركي بارتكاب "إبادة جماعية ضد الأكراد ودعم حركة حماس الإرهابية وقمع شعبه وسجن خصومه السياسيين".

وكان الرئيس التركي قال، خلال اجتماع لكتلة حزب العدالة والتنمية النيابية، إن بلاده لن تسمح بـ"فرض الأمر الواقع" على سوريا ولبنان، وإن "أمن تركيا لا يبدأ من حدودها الجنوبية أو من ولاية هاطاي، بل من حلب ودمشق وبيروت". وأضاف أردوغان أن "دمشق وبيروت شقيقتان لإسطنبول"، مشدِّدًا على أن أنقرة لن تتغاضى عن أية هجمات تستهدف البلدين.

أشار أردوغان إلى أن "تركيا تدرك جيدًا الهدف النهائي لأوهام الأرض الموعودة"، وتعهد بأن بلاده "لن تسمح أبدًا بذلك". وتابع بالقول: "إذا لم يتم وضع حدٍّ لبلطجة إسرائيل فإن ثمن ذلك لن تدفعه المنطقة وحدها إنما الإنسانية بأسرها". وأكد أن "إيقاف إسرائيل مسؤولية إنسانية مشتركة"، معتبرًا أن الهجمات التي نفذها رئيس الوزراء الإسرائيلي و"شبكته الإجرامية" في سوريا ولبنان وصلت إلى مستوى بات يهدد تركيا أيضًا، ومحذِّرًا من الانجرار إلى مغامرات أو سياسات تخدم ما وصفها بـ"شبكة المجازر الصهيونية".

في اليوم السابق لحديث أردوغان في 9 يونيو/حزيران، أثارت تصريحات لوزير الداخلية التركي، مصطفى تشيفتشي، ضجة مماثلة في إسرائيل، عندما أعرب عن أمله في رؤية "تحرر القدس" مثلما تحررت "دمشق وحلب وقرة باغ". وقال تشيفتشي، المعروف بتدينه وتوجهاته العثمانية، إنه عندما كان واليًا كان يدعو الله أن يصبح يومًا واليًا على القدس. ولم يلبث أن جاء الرد على تشيفتشي من وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي كتب في منشور له باللغة التركية: "أقول للمسؤول التركي الذي يطلق التهديدات ويحلم بحكم القدس: القدس ليست القسطنطينية، ودولة إسرائيل ليست إمبراطورية صليبية تتهاوى". وأضاف كاتس: "القدس هي عاصمة الشعب اليهودي منذ ثلاثة آلاف عام، وستبقى عاصمة لإسرائيل إلى الأبد. أما الإمبراطورية العثمانية التي تحلم بها أنت وأردوغان فقد انهارت ولن تعود على الإطلاق".

ليست هذه هي المرة الأولى التي تتصاعد فيها حدة التصريحات المتبادلة بين قادة الدولتين منذ تولى حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا في أواخر 2002. ففي 27 يناير/كانون الثاني 2009، اندلعت مشادة كلامية في ملتقى دافوس الاقتصادي بين أردوغان، الذي كان رئيسًا للحكومة التركية آنذاك، والرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريز، على خلفية الحرب التي كان تشنها إسرائيل على غزة. وفي 31 مايو/أيار 2010، اقتحمت القوات الإسرائيلية السفينة التركية، مافي مرمرة، التي كانت تحمل مساعدات لغزة، وقتلت وجرحت نشطاء أتراك على ظهر السفينة. تسبب الحادث في إطلاق سلسلة من التصريحات والتصريحات المضادة بين مسؤولين أتراك وإسرائيليين، وفي طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة، واستدعاء السفير التركي من تل أبيب.

ومنذ اندلعت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تتوقف التظاهرات التركية ضد السفارة الإسرائيلية في أنقرة، وضد قنصلية إسرائيل في إسطنبول. كما تكررت تصريحات كبار المسؤولين الأتراك ضد الحرب، التي لم يتردد وزير الخارجية التركي، حاقان فيدان، ورئيسه أردوغان، في وصفها بالإبادة. كما تراجع التمثيل الدبلوماسي بين الدولتين إلى مستوى القائم بالأعمال، وأوقفت التجارة التركية مع إسرائيل، كما انخفضت حركة السياحة المتبادلة إلى أدنى مستوى لها منذ خمسينات القرن الماضي.

فما الذي يحدث في العلاقات التركية-الإسرائيلية؟ وهل ما تشهده العلاقات، التي مضى عليها أكثر من سبعة عقود، مجرد جولة جديدة من المواجهة الخطابية، لن تلبث أن تنتهي بوساطة أميركية كما حدث من قبل، أو بتغيير في تركيبة الحكومة الإسرائيلية أو أن علاقات البلدين تمر بمنعطف عدائي جوهري، صنعه تراكم الخلافات حول ملفات إقليمية بالغة الحساسية ترتبط بالمصالح القومية؟

خلافات متزايدة ومتراكمة

كانت المسألة الفلسطينية، وحتى سنوات قليلة ماضية، تُعدُّ ملف الخلاف الوحيد بين تركيا وإسرائيل. وعلى الرغم من الانطباع الذي وُلِد منذ تصاعد لغة خطاب قادة حزب العدالة والتنمية، بأن الارتباط التركي بفلسطين يعود إلى تولي أردوغان وحزبه الحكم، فالحقيقة أن لهذا الموقف جذورًا عميقة في تاريخ الدولة الجمهورية التركية. ولابد أن شيئًا ما في الحقبة العثمانية المتأخرة أوجد لفلسطين هذا الموقع الخاص في وعي الطبقة الجمهورية الحاكمة. فإلى جانب القداسة التي أضفاها الموروث الإسلامي على فلسطين، كان مصطفى كمال، مؤسس الجمهورية، القائدَ الأخيرَ للقوات العثمانية في جبهة فلسطين في 1918. وإلى جانب أن خليفته في رئاسة الجمهورية التركية، عصمت إينونو، قاتل في بئر السبع ضد حملة الجنرال البريطاني، إللنبي، التي أنهت الوجود العثماني الطويل في فلسطين وكل بلاد الشام، فربما كان المئات من ضباط حرب الاستقلال والجيل الأول من قادة الجمهورية بين من خدموا في فلسطين وشاركوا في معارك الدفاع عنها.

اليوم، تقف الالتزامات التركية في فلسطين على رأس مسائل الخلاف والتدافع بين تركيا وإسرائيل. فالإسرائيليون يقولون: إن تركيا تحولت إلى الراعي الرئيس لحركة حماس، وإنها لا تستضيف قادة الحركة وحسب، بل إن إسطنبول أصبحت مستقرًّا لعشرات، وربما المئات، من كوادر الحركة الفلسطينية. ويدَّعي الإسرائيليون أن عددًا من هذه الكوادر ينتمي لقوات القسام، ويقوم بالتخطيط لعمليات ضد الأمن الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويتهم الإسرائيليون حماس بتأسيس شركات استثمارية في تركيا لتمويل نشاطات الحركة المختلفة، وبتعزيز مواردها المالية عبر التبرعات التي يتقدم بها متعاطفون أتراك. ويدَّعي الإسرائيليون أن المساعدات الإنسانية التي يقدمها الأتراك لأهالي غزة، وجهود الإعمار التركية، تُوجَّه في الحقيقة لدعم حماس وسيطرتها على القطاع. ولخشية الإسرائيليين المتصاعدة من النفوذ التركي في قطاع غزة، عارضت إسرائيل من البداية وجود قوة تركية عسكرية ضمن القوات الدولية، التي اقتُرح نشرها في قطاع غزة طبقًا للخطة الأميركية لإنهاء الحرب.

وتُعد سوريا الجديدة، سوريا ما بعد نظام الأسد، ملف الخلاف الرئيس الثاني بين الدولتين. فالإسرائيليون لم يخفوا مطلقًا قلقهم من تحالف نظام الأسد مع إيران وحزب الله. ومنذ 2014 على الأقل، وبداية توطيد الوجود العسكري الإيراني في سوريا، شنَّت إسرائيل هجمات جوية دورية على مواقع الصواريخ الإيرانية في سوريا، وعلى خطوط إمداد حزب الله العسكرية عبر الأراضي السورية. ولكن القادة الإسرائيليين كانوا يدركون دائمًا حقيقة موقف النظام السوري السابق الحرج في علاقاته مع حلفائه في إيران وحزب الله، ويعرفون أن نظام الأسد لن يجرؤ مطلقًا على تشكيل تهديد إستراتيجي لإسرائيل. وبسقوط نظام الأسد، وقيام حكم ذي خلفية إسلامية في سوريا، وجد الإسرائيليون أنهم يواجهون وضعًا مختلفًا.

على الرغم من الترحيب العربي-الإسلامي والغربي، بما في ذلك الترحيب الأميركي، بالتغيير في سوريا، لم يُظهر الإسرائيليون أي قدر من الثقة بحكومة الشرع ورفاقه. فالإسرائيليون يعتقدون أن لا شيء قد تغير في توجهات الإسلاميين السوريين، وأن على إسرائيل ألا تأمن لحكمهم وما يخططونه لمستقبل سوريا. وكانت هذه المقاربة للوضع السوري الجديد ما دفع إسرائيل إلى شَنِّ هجمات جوية واسعة النطاق، مباشرة بعد سقوط الأسد، لتدمير ما تبقى من مقدرات سوريا العسكرية، وإلى التوغل لعدة كيلومترات في جنوب غرب سوريا وفي جبل الشيخ، وإلى قيام إسرائيل بقصف القوات السورية التي حاولت استعادة محافظة السويداء من سيطرة الانقساميين الدروز من حلفاء إسرائيل.

يرى الإسرائيليون أن تركيا هي الحليف الأخطر للدولة السورية الجديدة، ليس فقط لأن تركيا تقدم دعمًا ملموسًا لإعادة بناء الجيش السوري، ولكن أيضًا لأن تركيا تسعى إلى تأسيس تواجد عسكري في جنوب غرب وجنوب شرق سوريا، إضافة إلى وجودها في منطقة الحدود التركية-السورية الشمالية. وقد أفادت بعض التقارير أن عددًا من الضباط السوريين تلقوا تدريبات في قواعد عسكرية تركية، وأن تركيا زوَّدت الجيش السوري الجديد بمصفحات ودبابات تركية الصنع. وفي 10 يوليو/تموز، وعلى خلفية عودة الحديث عن إقامة قاعدة عسكرية تركية في بادية حمص، قال إيلي كوهين، وزير الطاقة الإسرائيلي ورئيس الموساد الأسبق: إن أية خطوة تركية في هذا الاتجاه سيتبعها مباشرة إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية دائمة في الجنوب السوري. وبالرغم من أن كوهين قد لا يعبِّر بالضرورة عن موقف الحكومة الإسرائيلية الرسمي، فلابد أن تُفهم تصريحاته على أنها تؤشر إلى أن إسرائيل لا تخطط لأي انسحاب وشيك من الأراضي السورية التي توغلت فيها بعد سقوط نظام الأسد.

ويُعَدُّ تباين المصالح التركية والإسرائيلية بصدد مشاريع خطوط الاتصال ونقل الطاقة ثالث أبرز ملف في خلافات البلدين. بدأت الخلافات في هذا الملف منذ عدة سنوات، عندما أطلقت إسرائيل واليونان مشروعًا لمد خط نقل الغاز الإسرائيلي عبر شرق المتوسط، مرورًا بقبرص اليونانية، واليونان، وصولًا إلى الشمال الإيطالي. وقد عارضت تركيا المشروع من البداية على أساس تجاهله لحقوق قبرص التركية البحرية الاقتصادية في شرق المتوسط، وأعلنت استعدادها لمنع تنفيذه. ولكن المشروع بدا حينها وكأنه وُضع جانبًا بفعل تكلفته الباهظة والعجز عن إيجاد ممولين. ولكن، خلال الأسابيع القليلة الماضية، وبعد تفاقم أزمة المرور عبر مضيق هرمز، عادت اليونان وإسرائيل إلى إحياء المشروع، ولم تتردد تركيا في إعلان معارضة تنفيذه. كما بدأت اليونان وقبرص اليونانية وإسرائيل مناقشة مشروع مواز باسم "الخط البحري العظيم"، يهدف إلى ربط الدول الثلاث بالشبكة الكهربائية الأوروبية، ويمر عبر الحدود البحرية الاقتصادية لقبرص التركية.

من جهة أخرى، تنظر إسرائيل إلى مشروع خط التنمية، الذي وقَّعته تركيا مع حكومة العراق السابقة، والذي يشمل إنشاء خط سكة حديدية يمتد من ميناء البصرة إلى ساحل المتوسط التركي، بوصفه محاولة لإفشال مشروع طريق النقل المقترح من دبي إلى موانئ إسرائيل المتوسطية، رغم عدم تحقق أي تقدم على صعيد تنفيذ خط التنمية. وتدَّعي مصادر إسرائيلية أن تركيا شاركت مؤخرًا في الضغط على السعودية لتحويل محطة وصول خط دبي من إسرائيل إلى سوريا.

وفي أقصى جنوب البحر الأحمر، تتابع تركيا بقلق كبير اعتراف إسرائيل بـ"دولة أرض الصومال" المنشقة عن جمهورية الصومال، والتقارير التي تشير إلى عزم حكومة أرض الصومال السماح لإسرائيل بإقامة قاعدة عسكرية تشرف على مضيف باب المندب. وتعد تركيا، من خلال علاقاتها التحالفية مع جمهورية الصومال، شريكًا أساسيًّا في أمن القرن الإفريقي وجنوب البحر الأحمر. وإضافة إلى احتفاظها بوجود عسكري في مقديشو منذ سنوات، بدأت سفن استكشاف تركية مؤخرًا التنقيب عن النفط في الساحل الصومالي. ولم يكن مستغربًا، بالتالي، أن تعتبر تركيا أن العلاقات المتنامية بين إسرائيل وأرض الصومال لا تهدد وحدة الحليف الصومالي وحسب، بل وأمن واستقرار باب المندب والقرن الإفريقي كذلك.

أما رابع ملفات الخلافات بين تركيا وإسرائيل، فيتعلق بالتوازن الإستراتيجي في منطقة المشرق؛ الأمر الذي أخذ في التبلور خلال العامين الماضيين، منذ أخذ نطاق الحرب في الاتساع من غزة إلى لبنان ثم اليمن وإيران. فقد ظَنَّ نتنياهو في الأشهر القليلة التي أعقبت أكتوبر/تشرين الأول 2023، سيما بعد النجاحات الأولية التي حققها ضد حزب الله، والحملة التي تعهدها، بمشاركة أميركية، ضد البرنامج النووي الإيراني، في يونيو/حزيران 2025، أنه في طريق مفتوح لبسط الهيمنة الإستراتيجية على الجوار الإقليمي، وتحدث صراحة عن تغيير خريطة القوة في المشرق. لذلك، أثار الحراك التركي النشط باتجاه باكستان والسعودية ومصر قلقًا إسرائيليًّا بالغًا.

من المبكر، بالطبع، التيقن مما ستنتهي إليه الجهود التركية على هذا الصعيد، ولكن وزير الخارجية، حاقان فيدان، لم يُخْفِ في مقابلة له، يوم 3 يوليو/تموز، أن تركيا تعمل على إقامة نظام أمني إقليمي يرتكز إلى الدول الإسلامية الأربع الرئيسة، باكستان وتركيا والسعودية ومصر. ورغم أن أنقرة لا تمانع أن يشمل مشروع النظام الإقليمي إيران أيضًا، إلا أن مثل هذا التصور لا يبدو أنه يجد ترحيبًا من الشركاء الآخرين. أما الإسرائيليون فيرون أن تركيا، بعد تراجع نفوذ المحور الإيراني، خاصة في سوريا، تعمل على بناء محور سُني، وأن هدف هذا المحور هو محاصرة إسرائيل.

الواضح أن مشروع النظام الأمني الإقليمي، الذي أشار إليه فيدان، وُلد من حالة القلق واتساع نيران الحرب، التي استهدفت معظم بلدان المشرق في العامين الماضيين، ومن تغير رؤية دول المنطقة لطبيعة وحدود التحالف مع الولايات المتحدة، وما يوفره هذا التحالف من ضمانات، ويفرضه من أعباء. ولكن الواضح أيضًا أن الدول الأربع، التي يدور بينها النقاش حول النظام الأمني الإقليمي، لا تنظر إلى إسرائيل بوصفها طرفًا أصيلًا في مستقبل المشرق وشعوبه، بالرغم من اعتراف كل من تركيا ومصر بإسرائيل، والعلاقات الدبلوماسية التي تربطهما بها.

عمومًا، ومهما كانت رؤية الدول الأربع لإسرائيل ودورها في المشرق، فالإسرائيليون يعتقدون أن هناك مؤشرات متزايدة لا يمكن أن تُفَسَّر، في إطار الجهود التركية، إلا ببناء توازن إستراتيجي مناهض لهم. وهم يرون مثلًا، أن تركيا هي التي لعبت الدور الرئيس في منع القوى الكردية الإيرانية المسلحة من الالتحاق بالحرب ضد نظام الجمهورية الإسلامية، وأن أنقرة بذلت جهودًا لمنع النظام السوري الجديد من التدخل في لبنان لنزع سلاح حزب الله، وأنها تخطِّط لإقامة محطات رادار متقدمة في سوريا، يمكن أن تشكِّل عائقًا أمام سلاح الجو الإسرائيلي لضرب إيران، أو قصف أهداف معينة في سوريا نفسها. ولا يقل خطرًا، من وجهة النظر الإسرائيلية، تسارع وتيرة علاقات التعاون العسكري بين تركيا ومصر، وتركيا وباكستان، سيما في مجالات التقنية العسكرية المتقدمة.

تصادم مصالح قومية كبرى

كان الرأي السائد في كلٍّ من تركيا وإسرائيل، ربما حتى أواخر العقد الثاني من هذا القرن، أن تصاعد حدة التوتر بين الدولتين، من وقت إلى آخر، يعود إلى دوافع عاطفية، أو حتى إلى تباينات شخصية. ونظرًا للتاريخ الطويل من العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والتجارية، ولانضواء الدولتين معًا في المعسكر الغربي، برزت آراء تقول: إن الدعم والتأييد التركيين للفلسطينيين ليسا سوى تعبير عن الارتباط العاطفي بفلسطين، ذات الجذور العثمانية والإسلامية، وإن الصدام المتكرر بين الدولتين هو في جوهره صدام شخصي بين أردوغان ونتنياهو، اللذين لم يجدا طريقة لإرساء شيء من الصداقة والتفاهم والود بينهما.

الحقيقة، أن الخلافات بين الدولتين أخذت في التراكم منذ ما يزيد عن خمسين عامًا، وأن ما كشفته السنوات القليلة الماضية أن هذه الخلافات قد انتقلت شيئًا فشيئًا إلى مستوى تصادم المصالح الكبرى، وأن هذا التصادم لم يكن حتميًّا وحسب، بل ويزداد تفاقمًا واستقطابًا بمرور الوقت. ما حدث منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أن الجمهورية التركية أنهت دورة كاملة، خلال القرن الذي مَرَّ على تأسيسها في 1923، من سياسة العزلة والافتراق عن المحيط الإسلامي ومحاولة الاندماج في الكتلة الغربية، إلى العودة للتواصل مع الجوار الإقليمي العثماني السابق والانخراط الواعي في ملفاته وقضاياه. وإذا كانت النكبة الفلسطينية في 1948 هي ما أطلق شرارة عودة الوعي التركي، فإن المنعطف الفعلي لهذه العودة فُرض على تركيا في منتصف الستينات.

في 1964، فوجئت تركيا، التي كانت قد أصبحت عضوًا في حلف الناتو منذ 1952، ولعبت دورًا رئيسًا في الدفاع عن دول الحلف ومصالحه، برسالة الرئيس ليندون جونسون، التي حذَّرت رئيس الوزراء آنذاك، عصمت إينونو، من التدخل في قبرص، بالرغم من أن العالم بأسره كان يشهد المأساة التي تعيشها جزيرة قبرص بفعل استباحة القوميين اليونانيين لحقوق وحياة المواطنين الأتراك المسلمين. لم ترتبط تركيا بروابط إثنية ودينية بمسلمي قبرص، وحسب، بل كانت أيضًا إحدى الدول الضامنة لاستقلال الجزيرة، ولأمن سكانها وحياتهم وسلامتهم. وهذا ما فرض على حكومة إيجيفيت في النهاية تعهد "عملية السلام"، التي تجلَّت في السيطرة على شمالي قبرص في يوليو/تموز 1974 وتقسِّم الجزيرة.

المؤكد أن سنوات الافتراق حول قبرص بين تركيا وحليفاتها الغربيات، إضافة إلى التلكؤ الأوروبي في قبول عضوية تركيا في السوق الأوروبية المشتركة، ما كان لها أن تمر دون تأثير على رؤية تركيا لموقعها ودورها وعلاقاتها الخارجية. فما إن أدرك الجيل الثاني من قادة الجمهورية التركية حجم العقبات التي تقف أمام طريق قبول الغرب الأورو-أطلسي لبلادهم على قدم المساواة حتى أصبح الموقف من فلسطين عنوانًا لاستقلال القرار، ولقدرة الحكومات التركية المتعاقبة على الدفاع عن مصالح بلادها.

وفي 1969، أصبحت تركيا عضوًا مؤسسًا في المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي لاحقًا)، الذي عُقد أصلًا للمرة الأولى بوصفه رَدَّ فعلٍ على محاولة إرهابي يهودي إحراق المسجد الأقصى. وفي 1975، أعلنت أنقرة اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًّا للشعب الفلسطيني، وصوَّتت في الجمعية العامة لصالح القرار الأممي الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية. وفي 1979، أقرَّت الحكومة التركية فتح مكتب تمثيلي دائم لمنظمة التحرير في العاصمة أنقرة، تحول فيما بعد إلى سفارة فلسطينية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1988، اعترفت تركيا بدولة فلسطين، التي أُعلنت في المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي عُقد في الجزائر.

هذا الانفتاح السياسي والدبلوماسي على الجوار الإسلامي سرعان ما تبعه في الثمانينات انفتاح اقتصادي وثقافي، قادته حكومات تورغوت أوزال. ولكن الأهم، خلال ما بات يُعرف بحقبة أوزال، أن تركيا الثمانينات أصبحت أكثر وعيًا بالاشتراطات الوثيقة بين أمنها وأمن جوارها الإقليمي، أولًا، بفعل احتضان سوريا الأسد لحزب العمال الكردستاني ونشاطاته الإرهابية، وثانيًا، بفعل موجة اللجوء العراقي-الكردي المفاجئة إلى تركيا في أواخر حرب الخليج الأولى.

وبالرغم من الرِّدَّة قصيرة العمر عن سياسة العودة إلى المجال الإسلامي، التي جنحت إليها حكومات الأقلية الحزبية في أواخر التسعينات، إلا أن الاندفاعة التركية نحو الانفتاح على الجوار الإقليمي، العربي-الإسلامي والقوقازي والبلقاني، عادت إلى ما كانت عليه بعد تولي حزب العدالة والتنمية السلطة في أواخر 2002. لم تنبع سياسات العدالة والتنمية الإقليمية من توجهات أيديولوجية عثمانية، كما ردَّدت أوساط مراقبي تركيا في العقد الأول من هذا القرن، بل مثَّلت في جوهرها استمرارًا للتحولات المتلاحقة في رؤية الجمهورية لذاتها، التي ظهرت بوادرها في ستينات القرن العشرين. ما فعلته حكومات العدالة والتنمية، أنها جعلت هذه التحولات أوكد وأرسخ، وأضفت عليها المزيد من الشرعية.

لم يكن غريبًا، بالتالي، أن تنتهي هذه التحولات إلى صدام مصالح متعدد الأبعاد مع الدولة العبرية، التي أرادت تركيا، بالاعتراف بها في أواخر الأربعينات، ضمان بطاقة الالتحاق بالمعسكر الأورو-أطلسي. فإسرائيل في بنيتها التكوينية دولة توسعية، سواء تجلَّت دوافعها التوسعية في رفض رسم حدود ثابتة للدولة، والزحف الحثيث إلى أراضي دول الجوار، أو في محاولة فرض الهيمنة السياسية والاقتصادية والتفوق العسكري على الجوار الإقليمي. أما تركيا، التي تعد نفسها بين القوى الإقليمية الرئيسة في المشرق، فترى أن أمنها وثيق الصلة بأمن دول الجوار العربي والإسلامي كافة، ولا ينفصل عن أمن البحر الأسود وشرق المتوسط والبلقان. ولأن الأمن لم يعد مقتصرًا على سلامة الأرض والبشر، تنظر تركيا إلى أن الأمن الإقليمي يشمل أيضًا العلاقات الاقتصادية، وطرق التجارة والسفر، وأنابيب الطاقة، والنقل الجوي والبحري.

من المنظور التركي، عندما تهدد إسرائيل أمن سوريا أو العراق أو إيران، فهي بالضرورة تهدد أمن إمدادات الطاقة لتركيا، وتدفع إلى إطلاق موجات جديدة من ملايين اللاجئين إلى الأراضي التركية، وتتسبب في إرباك طرق التجارة ومشاريع التنمية الاقتصادية المشتركة. وعندما تتحالف إسرائيل مع اليونان وقبرص اليونانية، فهي تعتدي على الحقوق التركية في شرق المتوسط. وعندما تتدخل إسرائيل في المسألة الكردية، فهي بالضرورة تعمل على تفجير المجتمعات الإسلامية المشرقية من الداخل، وعلى تقويض استقرار تلك المجتمعات. ويمثل تنكر إسرائيل لحقوق الفلسطينيين، وتبنى سياسة تدمير مجتمعاتهم واقتلاعهم من أرضهم، تحديًا صارخًا لتصور تركيا لذاتها بوصفها قوة إقليمية ذات التزامات تاريخية وأخلاقية تجاه أشقائها في الجوار.

بهذا المعنى تنتقل الخلافات التركية-الإسرائيلية من مجرد أحداث عابرة في علاقات دولتين تتشاركان فضاء إقليميًّا أمنيًّا واحدًا إلى تصادم مصالح قومية كبرى، جوهري وغير قابل للاحتواء. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الدولتين في طريقهما إلى خوض حرب مباشرة، كما يهدد بعض وزراء حكومة نتنياهو. فتركيا لا ترى أن الشروط الذاتية والإقليمية والدولية لخوض حرب ضد إسرائيل قد توافرت بعد. وربما لا يزال هناك في قلب الدولة التركية من يعتقد أن ثمة طرقًا أخرى للتعامل مع المهددات التي تحملها السياسات الإسرائيلية، وأن النظام الدولي سيفرض في النهاية على إسرائيل التحول إلى "دولة طبيعية"، والاعتراف بالحقوق الفلسطينية، بالرغم من أن أنصار وجهة النظر هذه في أنقرة يقلُّون عددًا بمرور الأيام.

أما الإسرائيليون، فيعرفون أن تركيا، عضو الناتو، الحليف التقليدي للولايات المتحدة، والقوة العسكرية الهائلة، لن تكون خصمًا سهلًا في حالة نشوب صراع مسلح. وهذا ما أطلق جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية الإسرائيلية حول كيفية استخدام وسائل أخرى لمواجهة تركيا، بما في ذلك الضغط على الولايات المتحدة لمنعها من تقديم العون لتركيا وتمكينها من تحقيق تفوق عسكري إستراتيجي، والعمل من خلال السوق المالية العالمية على إضعاف تركيا اقتصاديًّا ونقديًّا، ومساعدة خصوم أردوغان على إسقاط نظام العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة. ولكن الواضح أن الإسرائيليين، الذين أخطؤوا في فهم طبيعة النظام الإيراني، يخطئون اليوم في إدراك طبيعة التحولات في توجُّهات الجمهورية التركية، وفي تصور تركيا لما باتت إسرائيل تمثله من تهديد لمصالحها القومية.