إدارة الإدراك العام عبر المصطلح السياسي في بيئات ثقافية مختلفة: الحالة الفلسطينية نموذجًا

تسعى الورقة إلى الإجابة على سؤال إشكالي: هل يؤدي اختلاف السياق الثقافي إلى إعادة تأطير المصطلح الفلسطيني بما يخدم أجندات دعائية مضادة؟ وتُثبِت الورقة أن توظيف المصطلح والخطاب في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ليس مجرد مساحة لغوية فحسب، بل يرقى إلى ممارسة وفعل سياسي وثقافي إستراتيجي في صياغة الإدراك العام وبناء الشرعية. فاختلاف السياق الثقافي بين صاحب الدعاية ومتلقيها قد يؤدي إلى تبدلات دلالية تؤثر حتمًا على إدراك الشرعية، وكذلك على تموضع الفاعلين في السردية الدولية.
مصطلح جدار الفصل الذي يُترجم في الإعلام الغربي إلى سياج يمنح وجهًا إنسانيًّا للاحتلال الإسرائيلي (غيتي)

مقدمة

تؤدي اللغة عمومًا، والمصطلحات السياسية على وجه الخصوص، دورًا مركزيًّا في إدارة الصراعات المعاصرة وتشكيل الإدراك العام حولها. فالمصطلح السياسي لا يُعَد عنصرًا محايدًا في عملية التواصل، بل أداةَ إنتاج للمعاني، وإطارًا لمنح الشرعية أو نزعها، ويلعب أيضًا دورًا محوريًّا في تموضع أطراف النزاع ما بين جلاد وضحية(1)، أو ما بين شرعي وغير شرعي(2). وهنا، تتجلى العلاقات العامة الدولية بوصفها ساحة لإدارة السرديات المتصارعة، وحينها يُوكَل للمصطلح دور الأداة الدعائية في تشكيل وإعادة تشكيل الإدراك العام للصراع، في السياق الدولي(3).

في الحالة الفلسطينية، يبرز تحدي توظيف المصطلح بشكل بارز عند محاولة نقل الرسالة الدعائية من الثقافة الفلسطينية عالية السياق التي ترتكز على العلاقات والحمولة الثقافية الرمزية والإيحاءات ذات الدلالة الثقافية في مخاطبة جمهور الثقافات الغربية والدولية ذات السياقات المنخفضة، والتي تميل إلى دقة التعريفات القانونية ووضوح المصطلحات والمقاصد(4). وفي هذه الحالة يتحول الاختلاف من مجرد تمايز لغوي إلى خلاف في هيكلية وصُلْب إنتاج المعاني.

ترتكز هذ الورقة على فرضية مفادها أن فاعلية الرسالة الدعائية الفلسطينية لا تعتمد على مضمونها السياسي فقط، وإنما تعتمد كذلك على مدى مواءمة مفرداتها ومصطلحاتها مع السياق الثقافي المستهدف. كما تفترض الورقة أن غياب تلك المواءمة يفتح مساحات لإعادة تأطير المصطلح بما يخدم مقاصد وأجندات دعائية عكسية. وتتضمن هذه الورقة تحليلًا نوعيًّا لبعض المصطلحات السياسية في الخطاب الفلسطيني الموجَّه للإعلام الخارجي(5).

لقد أصبح استخدام المصطلح أداةً إستراتيجيةً في الصراعات المركبة، ومنها الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، موضوع البحث؛ إذ بات توظيف المصطلح من القضايا المؤثرة في العلاقات الدولية، بينما تواصل إسرائيل القيام بالتحريض على الفلسطينيين، ثم تلجأ إلى توظيف مصطلح "التحريض" محاولةً لمواجهة الجهود الفلسطينية تجاه بناء الهوية والسردية الوطنية. وتسعى إلى وصم كل فعل فلسطيني يقاوم أي شرعية للاحتلال الإسرائيلي وجرائمه بوصفه "تحريضًا"، ويشمل ذلك العمل الدعائي والإعلامي وحتى الأكاديمي الفلسطيني، سواء في الكتب المدرسية، أو في الإعلام بشتى أنواعه.

وقد وصل الأمر باللوبي المناصر لإسرائيل للطلب من "معهد إمباكت" الإسرائيلي القيام بمراجعة تقارير "معهد جورج إيكرت" السويدي المتعلقة بتقييم المناهج المدرسية الفلسطينية(6). معهد إيكرت هو مؤسسة سويدية تختص بنشر أبحاث حول المناهج التعليمية بالعالم. أما معهد إمباكت، وهو مؤسسة إسرائيلية مقرها إسرائيل ولها مكتب في لندن، فتعرِّف نفسها بوصفها "مؤسسة غير حكومية تعمل بجد على التعليم الخالي من العنف"، فقد قام بذلك بحثًا عن التحريض المزعوم في المناهج المدرسية الفلسطينية الذي جرى تطويره أصلًا بالتعاون مع اليونسكو، وكان كاتب التقرير منسقًا لوزارة الإعلام في مشروع تطوير المناهج في حينه(7). كما أصدر معهد إمباكت أكثر من تقرير أحدها عام 2021 وآخر عام 2025، ادَّعى وجود تحريض في المناهج المدرسية الفلسطينية ووفَّر أرضية للتضييق على الحكومة الفلسطينية بشأن تقديم الدعم المالي؛ مما أدَّى إلى تعميق الأزمة المالية التي تعصف بقدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها(8). ومن ثم أعادت إسرائيل تأطير مصطلحات ومفردات في المناهج الفلسطينية وشيطنتها بوصفها تحريضًا يستوجب الإدانة والعقاب، فاستجاب مجتمع المانحين وحجب التمويل عن الفلسطينيين.

وفي هذا السياق، تسعى الورقة إلى الإجابة على هذا السؤال: هل يؤدي اختلاف السياق الثقافي إلى إعادة تأطير المصطلح الفلسطيني بما يخدم أجندات دعائية مضادة؟

وتكمن أهمية الورقة في تحليل نقاط الضعف التي تشوب التوظيف الفلسطيني للمصطلح في مخاطبة الجماهير من الثقافات منخفضة السياق. وتتناول كذلك خطورة التهاون في التعامل مع إعادة تأطير المصطلح الفلسطيني خدمةً لأغراض عكسية تخدم أجندات غير وطنية؛ حيث وصل الموضوع إلى استخدام إسرائيل للموضوع للضغط على المانحين، بل ونجحت في الدفع لربط تقديم الدعم للخزينة الفلسطينية بما تُسَمِّيه "التحريض في المناهج الفلسطينية" ضمن حربها على الرواية والسردية الفلسطينية.

تعتمد الورقة المنهج النوعي الذي يقوم على تحليل مفاهيمي للمصطلح السياسي في السردية الفلسطينية الموجه للإعلام الخارجي. وتستند إلى عدة مقاربات نظرية في الاتصال والعلاقات العامة الدولية من أجل تفكيك الأبعاد الدلالية والثقافية للمصطلحات بوصفها أدوات دعائية في سياقات ثقافية متمايزة.

وترتكز الدراسة على ثلاثة مرتكزات نظرية مترابطة:

- مفهوم الثقافة عالية ومنخفضة السياق، بحسب إدوارد هول (Edward T. Hall)(9)، الذي أوضح أن الثقافات عالية السياق تعتمد المعاني الضمنية والعلاقات الرمزية، وذلك بعكس الثقافات منخفضة السياق التي تعتمد على الدلالات المباشرة والمعاني الدقيقة والمحددة.

- نظرية التأطير، بحسب روبرت إنتمان (Robert Entman)(10)، التي توضح أن اختيار المفردات ليس عشوائيًّا أو بريئًا، بل يُحدِّد زاوية الفهم ثم يطرح إعادة تعريف المشكلة، وأطرافها وأسبابها(11).

- نموذج صناعة الموافقة (Manufacturing Consent) لنعوم تشومسكي (Noam Chomsky) وإدوارد هيرمان (Edward Herman)(12) الذي يُبَيِّن كيف تُنْتَج السرديات في الإعلام بما يخدم المقاصد السياسية وغيرها.

وتسمح هذه المداخل النظرية بفهم المصطلح بوصفه أداة دعائية حاسمة وليس مجرد مفردة، ولذلك يكتسب أهمية إستراتيجية؛ إذ لا يجوز التهاون في التعامل معه(13).

1. المصطلح السياسي أداة عالمية الاستخدام

يوظف الفاعلون في العلاقات العامة الدولية المصطلح أداةً لتشكيل وإعادة تشكيل الصورة الذهنية للدولة أو الحزب أمام الرأي العام العالمي؛ لأن اختيار مصطلحات مثل "احتلال، وشعب أصلاني، وعنف، وجدار الفصل، ومقبرة شهداء، أو حاجز أمني" ليس مجرد قرار لغوي فني بل هو قرار إستراتيجي يُؤَطِّر لتفسير الحدث والمقصد(14).

ويمتد دور الدعاية في العلاقات العامة الدولية إلى أبعد من مجرد إيصال المعلومة، ليمتد كذلك إلى إدارة الإدراك العام عبر عدة آليات، تشمل:

- تحديد المفاهيم الأساسية للنقاش.

- ضبط اللغة المستخدمة في توصيف الأحداث.

- خلق أطر تفسيرية متكررة.

- نشر توصيفات معينة متكررة لتصبح بديهيات.

في هذا السياق، يُعَد عدم تكييف المصطلح مع السياق الثقافي للجمهور مثلبة وخطأ إستراتيجيًّا؛ لأنه في تلك الحالة يفتح للفاعل الخصم مساحة لإعادة تعريف الحدث ضمن أطر تخدم مصالحه، سياسية كانت أو غيرها(15)(16). لذلك، تُعَد إدارة المصطلح في الدعاية بالعلاقات العامة الدولية بمنزلة ممارسة للقوة الناعمة التي تسعى لترسيخ شرعية سياسية أو نزعها عن الخصم في الوعي العالمي.

وفي الحالة الفلسطينية، تغلب صياغة الخطاب من منطلق الثقافة عالية السياق، فيتم استدعاء الرموز التاريخية والثقافية وربما الدينية، وتحميلها باستعارات ذات أبعاد عاطفية ودلالات كبيرة للسياق والثقافة الفلسطينية. غير أن تلك الرسائل تواجه صعوبات في الوصول وتحقيق مقاصدها من الجمهور المتلقي ذي الثقافة منخفضة السياق، والذي يتوقع تلقي تعريفات ومعان محددة وأدلة قابلة للقياس والتحقق، تُساعده في اتخاذ ما يُسَمَّى بالخيار أو القرار المستنير.

أحيانًا ينتج عن هذا الانتقال بين السياقين فجوة دلالية، فيُعاد تأطير المفردات والمصطلحات الفلسطينية لتصبح في سياق مختلف غير المقصود، فتفقد حمولتها الأصلية أو تعاد موضعتها ضمن إطار يخدم أغراضًا ومقاصد مغايرة غير المأمولة أصلًا.

فعلى سبيل المثال، نجد مصطلح "حاجز أمني" (Security barrier) يوضع في سياق عمل شُرَطي غير عدواني بل لحماية الإنسان، بينما لو تم استخدام إغلاق طريق (Road block) لخدم غرض الإشارة إلى القيود على حرية التنقل وشرور تقطيع التواصل الجغرافي والاجتماعي. أما مصطلح "مقبرة الشهداء" فيُعاد تأطيره مصطلحًا له دلالات عكسية تمامًا غير ما يراد منه، وهنا لا نقترح بديلًا له، ولكن نقترح وضعه في سياق يُبَيِّن أنها مقبرة للفلسطينيين في الشتات وتضم مدافن حتى لسكان الدول المضيفة. وبذات السياق، فإن مصطلح "شعب أصلاني" يوضع في سياقات قانونية تتعلق بحماية حقوق الشعوب الأصلانية و"اندماجها في الدول الناشئة"؛ مما يطرح أسئلة لا داعي لها حول الاحتلال وشرعية حقِّ العودة. وهنا كذلك، لا نقترح بديلًا له بقدر التأكيد على اليقظة في استخدامه بسبب ارتباطه بمعاهدات واتفاقيات دولية تشبه التعامل مع الشعوب الأصلانية في أستراليا وكندا والولايات المتحدة، بمعنى أن استخدامه أقرب لموقف سياسي يستلزم الاستخدام الواعي والمستنير.

وكذلك فإن مصطلحات مثل "جدار الفصل" الذي يُترجم بالإنجليزية في الإعلام الغربي إلى سياج (Fence) فيمنح وجهًا ودورًا وديًّا إنسانيًّا يرتكز على ثقافة غربية منخفضة السياق، تعتبر أن "الجدار الجيد يُوجِد جارًا جيدًا". ومن ثم يصبح الجدار ليس شرعيًّا فقط بل ضرورة إنسانية واجتماعية، في حين أن مصطلح الجدار (Wall) في حال وضعه في سياقه الصحيح يخدم الغرض المقصود منه، مثل الإشارة إلى الفصل العنصري والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وخطاب بابا الفاتيكان الذي قال بأن العالم يحتاج لبناء الجسور لا الجدران.

وفي السياق ذاته، فإن استخدام مصطلح "احتلال" (Occupation) إذا أسيء تحديد سياقه قد يتحول لمعنى "إشغال" لمكان أو حيز؛ حيث يعطي نفس المصطلح معاني مختلفة حسب سياقها المحدد. وفي أسوأ الظروف قد تتم الإشارة إلى نفس المصطلح كاحتلال عسكري "مقبول بالقانون الدولي" وهذا صحيح ولكن طبعًا بشروط تشمل أن يكون قصير المدة ولمصلحة الشعب المحتل. لذلك نجد الكثير من التصريحات الفلسطينية قد تنبَّهت إلى ذلك، فأصبحت تستخدم مصطلح "الاحتلال طويل الأمد" (Protracted occupation).

أما مصطلح "عنف"، إذا لم يُوظَّف بشكل سليم، قد يستغل في سياقات تجعله شرعيًّا بل ومطلوبًا أيضًا. ففي الثقافات منخفضة السياق يعد العنف حصرًا على الدولة، أما في حالة غياب تعريف ماهية تلك الدولة، فإن المصطلح سيحمل معاني ودلالات عكسية.

هنا، تتجلى أهمية الدعاية الدولية ذات التأثير المزدوج، فدورها لا يقتصر على إيصال رسالتها ضمن المحددات والسبل العلمية المألوفة بل يتعداه ليشمل تفسير وإعادة تأطير رسالة الخصم بما يخدم أغراضها(17). وهذا يتطلب تطوير وعي ورؤى في استخدامات المصطلح وتفويت فرص إعادة تأطير تلك المصطلحات بما يخدم مصالح الخصم. ورغم ذلك، نلحظ تطورًا فلسطينيًّا في التعامل مع المصطلح؛ إذ نجد استخدام مصطلحات تعمل على تأطير الرأي العام الدولي ضمن منظور مدعوم دوليًّا من جوانب قانونية، مثل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولة وقبول المحكمة الجنائية لوجود شبهات بالإبادة الجماعية في فلسطين تستدعي المحاكمة. بالإضافة إلى تأطير الرأي العام الدولي من منظور مدعوم إنسانيًّا، مثل تقارير الأمم المتحدة كشرعية دولية وتقارير مقررة حقوق الإنسان، فرانشيسكا ألبانيز، ومؤسسات دولية أخرى كمنظمة العفو الدولية وغيرها. هذا التطور المذكور يتجلَّى في استخدام مصطلحات مثل إبادة جماعية، ومسؤولية الدول الطرف الثالث، ومسؤولية الشركات، وترحيل قسري وغيرها. هذه المصطلحات تأتي مع حمولة ثقافية وقانونية ذات دلالات تُجَرِّم فعل الاحتلال وتذكِّر بمسؤولية الفاعلين المؤثرين في المجتمع الدولي.

أسهمت النقاط المذكورة في إسناد التطورات العالمية التي نشهدها تباعًا، مثل احتجاجات الطلاب في جامعات العالم تضامنًا مع فلسطين، وكذلك التطورات على صعيد مؤسسات القانون والمحاكم الدولية، والتي شملت زيارة المدعي العام للجنائية الدولية إلى فلسطين؛ حيث نتج عنها تطوير الملف المنظور أمام المحكمة حاليًّا.

لقد سبق التطور المذكور استخدام فلسطيني لبعض المصطلحات بشكل مسرف في غير مكانه وغير دقيق؛ حيث كنا نسمع بعض التصريحات، مثل رفع ملف الأسرى أو الاستيطان للجنائية الدولية أو لمحكمة العدل الدولية، في حين أن ما جرى فعلًا كان مجرد رفع تقارير (Submission)، أي ببساطة مجرد "علم وخبر" وليس شكوى. وينم ذلك في حينه عن جهل بعمل الآليات الدولية وسبل التعامل معها من خلال توظيف سليم للمصطلح. من المنصف كذلك الإشارة للجهود التثقيفية التي تلعبها مؤسسات الأمم المتحدة المختلفة، خصوصًا مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان لرفع الوعي حول سبل التعامل مع الآليات الدولية؛ الأمر الذي أسهم في إحداث التطور المشار إليه في توظيف المصطلح في التقارير الدورية المرفوعة لآليات الأمم المتحدة وهيئات معاهداتها؛ إذ أصبح من المعروف أن استخدام مصطلحٍ ما يجب أن يسبقه تحديد الغاية منه، مثل تجريم أو تبرئة أو حث، أو غير ذلك، أي إدراك ماهية التأطير المطلوب. طبعًا التثقيف المذكور يتناول الجانب القانوني بمعزل عن دور المصطلح في الجانب الدعائي بالعلاقات العامة الدولية، وتلك فجوة تستلزم الانتباه إليها ليصبح التثقيف حول الدلالة الدعائية للمصطلح جزءًا لا يتجزأ من جهود التدريب ورفع الوعي.

عيِّنة المصطلحات الواردة في الورقة هي من المصطلحات كثيفة التداول بالإعلام والتي تتطلب يقظة متناهية في تداولها، فاستعمال بعضها قد يفتح بابًا لإعادة تأطيرها، وغيرها يتطلب استعماله موقفًا سياسيًّا قبل اللجوء لاستعماله.

بعض المصطلحات الأخرى كالمساواة (Equality) تتطلب كذلك حذرًا وموقفًا سياسيًّا قبل استخدامه في بعض الرسائل الدعائية؛ لأنه قد يُعاد تأطيره بوصفه إشارة للمطالبة بالحقوق المتساوية للفلسطينيين واليهود مثلًا في دولة الكيان، وهو أمر يُناقِض مبدأ حل الدولتين. لذلك نجد الإعلام الإسرائيلي يُكرِّر أن الجميع يتمتعون بحقوق متساوية في الكيان، ويواجه ذلك سردية فلسطينية تقول بعدم وجود المساواة، بينما لا يوجد موقف فلسطيني رسمي حول الموضوع. من الطرق البديلة للتعامل مع الموضوع طرح الموضوع بشكل عكسي، مثل أن يُطرح السؤال حول ما إذا كان غير اليهود مستثنين من المبدأ الأول لقانون القومية الإسرائيلي، وهو قانون أساس بمستوى دستوري، ينص على حصرية حق تقرير المصير لليهود(18).

إن طرح السؤال حول الاستثناء يؤدي إلى نفس النتيجة أيًّا كان الجواب، فإن كان نعم فذلك يعني وجود قانون لا ينطبق على الجميع، ولذلك توصيف واحد لا غير: "فصل عنصري". وإذا كان الجواب لا، فذلك يعني هدم سردية المساواة بالكيان، وله توصيف واحد لا غير: "فصل عنصري". طبعًا يلجأ الاحتلال للتهرب من الإجابة والالتفاف على السؤال بالقول: إن غير اليهود يشغلون وظائف عليا بالكيان، ولن يقبل الإجابة بنعم أو لا.

من المصطلحات الاحتلالية المباشرة ذات المعنى الاحتلالي، ولكن نجدها تسللت للتقارير الإعلامية الفلسطينية، مصطلح "نشاط أمني" بدلًا من إعادة تأطيره فلسطينيًّا ليكون "نشاطًا تخريبيًّا" مثلًا. كما أن مصطلح "تهويد القدس" قد يُقَدِّم المعنى المطلوب فلسطينيًّا، ولكن بالتأكيد لا يفعل ذلك لدى المتلقي في الثقافات منخفضة السياق، وربما لو كان "أَسْرَلَة القدس" أو "تشويه الهوية الفلسطينية للقدس" قد يكون مفيدًا أكثر، وهنا تكمن أهمية الصياغة أو حتى الترجمة الدعائية والإعلامية الهادفة في الحرب بالسرديات.

2. البيئة الرقمية والصراع الرمزي

في الفضاء الرقمي، تتحول المصطلحات إلى "وسوم" (Hashtags) وسرديات مكثفة تتنافس على "خوارزميات الإدراك". وبينما يدعم عمل تشارلز أوزونا (Charles Ozuna) فكرة أن "خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي" تعمل أنظمةً غير مرئية تملي حدود الخطاب العام وتحدد بروز المحتوى أو تهميشه، فإنه يوضح أن هذه الخوارزميات تعمل كـ"ناقلي بريد رقميين" يوصلون أخبارًا محددة بناءً على تفضيلات المنصة(19).

وكما تؤكد دراسة زارينا سالييفا (Zarrina Saliyeva) وعبد الرحمنوف صديقوفيتش (Abdurakhmanov Sodiqovich) أن المصطلحات السياسية ليست مجرد كلمات بل هي "محملة بدلالات تاريخية، وهوياتية، ومعتقدات أيديولوجية. وتوضح أن أي "إزاحة طفيفة في الصياغة أو النبرة يمكن أن تُغيِّر الأثر المقصود للرسالة السياسية"؛ مما يؤدي إلى سوء تفسير أو توترات دبلوماسية. ويدعم ذلك فكرة أن غياب "الحساسية السياقية" عند طرح المصطلح الفلسطيني رقميًّا يُسَهِّل عملية حرف معناه(20). فنجد في السياق الفلسطيني أن غياب المواءمة بين المصطلح الفلسطيني والسياق الثقافي الرقمي المستهدف يفتح ثغرات لإعادة تأطير المصطلح من قبل الخصم. فعلى سبيل المثال، نجح الاحتلال الإسرائيلي في إعادة تأطير مصطلحات المناهج الفلسطينية وشيطنتها بوصفها "تحريضًا" في المحافل الدولية والرقمية؛ مما أدى إلى نتائج سياسية واقتصادية ملموسة مثل حجب التمويل. وعند وضع موضوع غياب حساسية السياق بالمصطلح ضمن إطار الإنتاج الكبير للمعلومة وخوارزميات مبنية ضمن محددات ثقافات منخفضة السياق وتوظيف ذلك في العلاقات الدولية، يتبيَّن مدى الضرر الذي ينتج عن غياب تلك المواءمة. ويتجلى ذلك في تغيير كامل للرواية الأصلية ومقاصد المصطلح بل قد يشكِّل ذلك منفى جديًّا للفلسطيني الذي قد يُحَوِّلُه الأمر لمجرد "ساكن" غير مواطن، أو "جمهور" وليس شعبًا.

3. تحليل المصطلحات والفجوة الدلالية (نماذج تطبيقية)

جدول (1): تداول المصطلحات بين السياقين الفلسطيني والغربي وإعادة تأطيرها إستراتيجيًّا

المصطلح في السياق الفلسطيني

التأطير العكسي (الغربي/الرقمي)

المصطلح الإستراتيجي المقترح

الغاية من التعديل

حاجز أمني

إجراء شرطي للحماية

إغلاق طريق

إظهار تقييد حرية التنقل

السكان

تبسيط واستبدال لمصطلح الشعب الفلسطيني

الشعب الفلسطيني

الصفة الوطنية بما تحويه من صفة الجماعة الوطنية بحسب القوانين الدولية، خصوصًا الاتفاقيات الخاصة بحقوق الإنسان ومكافحة انتهاكاتها، مثل اتفاقية منع الإبادة الجماعية.

جدار الفصل

سياج (Fence) مثلًا للحماية بين الجيران

جدار (Wall) / فصل عنصري

الربط بالقانون الدولي وجدار برلين.

احتلال

إشغال مكاني مؤقت

احتلال طويل الأمد (Protracted)

تجريم الاستمرار وفق المعايير الدولية.

مقبرة الشهداء

تمجيد "العنف" (في الثقافات منخفضة السياق).

مقبرة الشهداء (في سياق إنساني/اجتماعي).

تجنب وصم الضحية بالإرهاب.

تهويد القدس

ممارسة دينية/ثقافية

أسرلة القدس/تشويه الهوية

مخاطبة المنطق القانوني والسياسي

المساواة

حقوق مدنية داخل الكيان

حق تقرير المصير ورفض التمييز العنصري.

إثبات الفصل العنصري (Apartheid)(21)(22)

إن خطورة غياب الحساسية السياقية للمصطلح قد تحمل مخاطر جسيمة في الإدراك العام للحق الفلسطيني، وقد يصل ذلك الأثر ليقارب نكبة حقوقية للفلسطينيين في سياق الدبلوماسية الرقمية والعامة، بما فيها الإعلام، كتجريدهم من شرعية قضيتهم، أو من حق تقرير المصير وغيرها من الحقوق. ويوضح مهند مصطفى تفاصيل عدة تُبيِّن مدى خطورة ذلك(23). 

جدول (2): تحليل بنود قانون القومية الإسرائيلي وأثرها على حق تقرير المصير الفلسطيني

المادة/الموضوع

مضمون النص القانوني

الأثر على الحقوق الفلسطينية

دلالة التحول نحو "نظام المستعمرة"

حق تقرير المصير

حق حصري للشعب اليهودي فقط داخل "دولة إسرائيل".

شطب الحق الطبيعي والتاريخي للفلسطينيين وإلغاء وجودهم السياسي بوصفهم مجموعة قومية.

الدولة تصبح "أداة" في المشروع الصهيوني وليست غاية لمواطنيها: المستعمرة تسبق الدولة.

مكانة اللغة

اللغة العبرية هي لغة الدولة، واللغة العربية لها "مكانة خاصة" فقط.

نزع الصفة الرسمية عن العربية لضرب "الحق الجمعي المركزي" للفلسطينيين وشطب الاعتراف بثنائية القومية.

نفي الوجود الثقافي والسياسي للآخر (الفلسطيني) في الحيِّز العمومي الرسمي.

الاستيطان والأرض

تطوير البلدات اليهودية "قيمة قومية عليا" تعمل الدولة على تشجيعها.

شرعنة سياسات التهويد (خاصة في الجليل والنقب) وخنق التجمعات الفلسطينية ومنع توسعها.

العودة الصريحة لمنطق "الاستعمار الاستيطاني" كقيمة دستورية عليا تتجاوز حقوق المواطنة.

القدس

القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة الدولة.

تكريس سيادة طرف واحد وإغلاق الباب أمام التطلعات السياسية الفلسطينية في المدينة.

فرض واقع السيطرة الاستعمارية المطلقة وتجاهل الحقوق التاريخية والدولية.

مبدأ المساواة

غياب تام لأي ذكر لمبدأ المساواة أو الديمقراطية.

تحويل الفلسطينيين من "مواطنين" إلى "رعايا" في دولة تُعرِّف نفسها عرقيًّا وقوميًّا لطرف واحد.

انتصار "الفوقية العرقية". الدولة تعمل لخدمة "القومية اليهودية" لا لخدمة "المواطنة".

4. التحول نحو المصطلحات القانونية والإنسانية

ثمة تطور ملحوظ في الخطاب الفلسطيني الحديث نحو تبني مصطلحات ذات حمولة قانونية دولية؛ مما يُقَلِّص الفجوة مع الثقافات منخفضة السياق، ومن أبرز هذه المفاهيم:

- الإبادة الجماعية: استخدام المصطلح في إطار شبهات المحكمة الجنائية الدولية.

- مسؤولية الطرف الثالث: مصطلح قانوني يحمِّل الدول والمؤسسات مسؤولياتها تجاه الانتهاكات.

- التشريد القسري: بدلًا من المصطلحات العاطفية العامة، يتم استخدام توصيفات تُجَرِّم فعل الاحتلال الإسرائيلي دوليًّا.

- الشرعية الدولية: بدلًا من الحديث عن الحق الفلسطيني بمعزل عن الأسس القانونية والشرعية الدولية لمواجهة حملات التشويه والشيطنة.

خاتمة

تُثبِت الورقة أن توظيف المصطلح والخطاب في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ليس مجرد مساحة لغوية فحسب بل يرقى إلى ممارسة وفعل سياسي وثقافي إستراتيجي في صياغة الإدراك العام وبناء الشرعية. فاختلاف السياق الثقافي بين صاحب الدعاية ومتلقيها قد يؤدي إلى تبدلات دلالية تؤثر حتمًا على إدراك الشرعية، وكذلك على تموضع الفاعلين في السردية الدولية. لذلك، فإن تطوير خطاب فلسطيني موجه للإعلام الخارجي يستلزم وجود وعي ثنائي: وعي سياسي بطبيعة الصراع، ووعي بمتطلبات وفن إدارة المعنى في البيئات الثقافية منخفضة السياق.

وبهذا المعنى، تُعد عملية إدارة المصطلح عبارة عن ممارسة قوة ناعمة رمزية تُسْهِم بقوة في صياغة الإدراك العام في الساحة الدولية. وتشمل المتطلبات اللازمة من الجانب الفلسطيني الاهتمام بالمصطلح الصادر لضمان تحقيق أغراضه ونقل حمولته الثقافية والسياسية وتضييق احتمالية إعادة تأطيره من قبل إسرائيل، ومن جهة أخرى الاهتمام بالمصطلح الوارد وإعادة تأطيره بما يخدم مقاصد السياسة الوطنية.

كما يستلزم الأمر من الجانب الفلسطيني إدراك أهمية الترجمة الإعلامية والدعائية والدبلوماسية في نقل المصطلح وتشكيل الإدراك العالمي حول القضايا الوطنية. كذلك فإن ضبط الإيقاع الإعلامي والدعائي في العلاقات العامة الدولية هو أمر شديد الأهمية، فلا يعقل أن نجد المصطلح في الإعلام الحزبي يختلف عن غيره في الإعلام الرسمي أو الخاص، فيضيع المعنى وتتسع الاحتمالية لإعادة تأطيره ضد المصالح الوطنية. كما أن غياب مؤسسة إعلامية عامة تتولى تطوير السردية الوطنية والإعلام الوطني، بعد حلِّ وزارة الإعلام، قد أوجد فراغًا في متابعة النقاط آنفة الذكر، خصوصًا فيما يتعلق بالصحفيين في العمل الحر وكذلك صحافة إعلام القطاع الخاص.

إن غياب الدعم لتطوير إعلام القطاع الخاص والأكاديمي والحقوقي القانوني يؤثر سلبيًّا على تطوير الحلول في التعامل مع تطور المصطلحات في حرب السرديات، كما أن ترك الصحفيين العاملين في الصحافة غير الفلسطينية دون دعم وإسناد، سواء بالمعلومة أو المعاملات أو الاستشارات، إنما يوسع من الفجوة الموجودة. ربما يكون إنشاء جسم استشاري من خبراء وحكماء الإعلام، خصوصًا الإعلام الخارجي، إيجابيًّا في تقليص الفجوة المذكورة.

 

نبذة عن الكاتب

مراجع

(1) Robert M. Entman, "Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm," Journal of Communication, Vol. 43, No. 4, (December 1993): 51.

(2) Edward S. Herman, Noam Chomsky, Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media, (New York: Pantheon Books, 2002): 61.

(3) Zarrina Saliyeva, Ziyomuhammadjon Abdurakhmanov, "Translation Peculiarities of Political Texts," PEDAGOGS International Research Journal, Vol. 69, Issue 2, (November 2024): 119.

(4) Edward T. Hall, Beyond Culture, (Garden City, NY: Anchor Press, 1976), 91-92.

(5) Entman, "Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm,": 52.

(6) Georg Eckert Institute for International Textbook Research, Report on Palestinian Textbooks, (Braunschweig: Georg Eckert Institute, 2021), “accessed May 1, 2026”. https://tinyurl.com/ynmaeywc.

(7) Institute for Monitoring Peace and Cultural Tolerance in School Education, The 2020–21 Palestinian School Curriculum: Selected Examples, (Jerusalem: IMPACT-se, 2021), “accessed May 1, 2026”. https://tinyurl.com/dnev2etn.

(8) "Despite EU Vow to End Incitement, Palestinian Textbooks Remain Unaltered — Report," The Times of Israel, January 30, 2022, “accessed May 1, 2026”. https://tinyurl.com/2ukjwvns.

(9) Edward T. Hall, Beyond Culture, 91-92.

(10) Entman, “Framing: Toward clarification of a fractured paradigm,”: 51–58.

(11) Alan MacLeod, Propaganda in the Information Age: Still Manufacturing Consent, (London: Routledge, 2019), 1.

(12) Herman, Chomsky, Manufacturing Consent, 61.

(13) Ibid, 61.

(14) Entman, "Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm,": 52.

(15) Maxwell McCombs, Setting the Agenda: The Mass Media and Public Opinion, (Cambridge: Polity Press, 2004), 91-92.

(16) Herman, Chomsky, Manufacturing Consent, 61.

(17) Herman, Chomsky, Manufacturing Consent, 143-144.

(18) “Basic law: Israel-The nation-state of the Jewish people”, knesset.gov.il, “accessed May 1, 2026”. https://tinyurl.com/4asa7nx8.

(19) Charles Ozuna, "The Propaganda Model Revisited: Analyzing Media and Power Today", (Honors thesis, University of Texas at Austin, 2025): 39.

(20) Zarrina Saliyeva, Ziyomuhammadjon Abdurakhmanov, "Translation Peculiarities of Political Texts,": 120.

(21) “Basic law: Israel-The nation-state of the Jewish people”, op, cit.

(22) مهند مصطفى، "قانون القومية: انتصار ناظم المستعمرة وشطب حق تقرير المصير للفلسطينيين"، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 1 أغسطس/آب 2018، (تاريخ الدخول: 1 مايو/أيار 2026)، https://tinyurl.com/5n6ek8jd.

(23) المرجع السابق.