مقدمة
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، والتصاعد غير المسبوق في حدة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، برزت الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران بوصفها إحدى أخطر الأزمات الإستراتيجية المعاصرة، لما تنطوي عليه من تداعيات تتجاوز حدود أطرافها المباشرين لتصل إلى مجمل التوازنات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الأمن الجماعي، واستقرار أسواق الطاقة، ومسارات التحالفات الدولية. ولا تكتسب هذه الحرب أهميتها من أبعادها العسكرية والأمنية فحسب بل من طبيعتها المركَّبة التي تتداخل فيها حسابات القوة الصلبة مع رهانات النفوذ السياسي، وتتصادم فيها مشاريع إقليمية ودولية متباينة في سياق عالمي يتسم بإعادة تشكيل مراكز القوة وتراجع أنماط الهيمنة التقليدية.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز الرأي العام العربي بوصفه أحد المؤشرات المهمة لفهم طبيعة التفاعل المجتمعي مع الأزمة، ولاسيما لدى الجاليات العربية في المهجر التي تعيش في بيئات إعلامية وثقافية متعددة، وتتلقى روايات متباينة للأحداث؛ الأمر الذي يجعل اتجاهاتها ومواقفها أكثر تعبيرًا عن طبيعة التفاعل بين العوامل السياسية والإعلامية والثقافية المؤثرة في تشكيل الرأي العام.
1. محددات منهجية ونظرية
الإستراتيجية المنهجية
تستقصي الدراسة اتجاهات الرأي العام العربي في المهجر تجاه الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، والعوامل المؤثرة في تشكيل هذه الاتجاهات، ومستوى إدراك الجمهور لأسباب الحرب وتداعياتها ومستقبلها، وذلك من خلال الإجابة على السؤال الرئيس: ما اتجاهات الرأي العام العربي في المهجر تجاه الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران؟ وما العوامل المؤثرة في تشكيل هذه الاتجاهات؟
ويتفرع عن هذا السؤال الإشكالي عدد من التساؤلات المتعلقة بمستوى متابعة الجمهور لأخبار الحرب، وإدراكه لأسبابها والأطراف المسؤولة عنها، وتصوراته لتداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية، وموقفه من أداء الحكومات العربية ووسائل الإعلام، ورؤيته لمستقبل الصراع وانعكاساته على المنطقة.
وتهدف الدراسة إلى قياس مستوى متابعة الجمهور العربي في المهجر لأحداث الحرب ومصادر معلوماته، وتحليل إدراكه لأسباب الحرب والأطراف المسؤولة عنها، واستكشاف تصوراته للتداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية المترتبة عليها، وتقييم نظرته إلى مواقف الحكومات العربية وأداء وسائل الإعلام، فضلًا عن رصد توقعاته لمسارات الصراع المستقبلية وانعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليمي.
كما تنبع أهمية الدراسة من جانبين رئيسيين، ويتمثل الأول في أهميتها النظرية من خلال توظيف نظريات الرأي العام، وفي مقدمتها نظرية وضع الأجندة ونظرية التأطير الإعلامي، في تفسير اتجاهات الجمهور نحو أحد أبرز الصراعات الدولية المعاصرة، بما يُسْهِم في سدِّ فجوة معرفية في الأدبيات العربية المتعلقة بدراسات الرأي العام تجاه النزاعات الدولية. أما الجانب الثاني فيتمثَّل في أهميتها التطبيقية؛ إذ توفر مؤشرات واقعية يمكن أن يستفيد منها صنَّاع القرار ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام لفهم اتجاهات الجمهور العربي وتقدير تأثير الخطاب السياسي والإعلامي في تشكيل مواقفه تجاه القضايا الإستراتيجية الكبرى.
ولتحقيق أهداف الدراسة والإجابة على تساؤلاتها، اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي المسحي بوصفه المنهج الأكثر ملاءمة لقياس اتجاهات الرأي العام وتحليلها، مع استخدام الاستبيان أداةً رئيسة لجمع البيانات. وقد صُمِّم الاستبيان بصورة منهجية شملت عددًا من المحاور الرئيسة، تمثَّلت في الخصائص الديمغرافية للمبحوثين، ومستوى المعرفة والمتابعة، والمواقف العامة تجاه الحرب، والإدراك الإستراتيجي لتداعياتها، والتأثيرات المتوقعة على الدول العربية، وتقييم المواقف الحكومية والإعلامية، والسيناريوهات المستقبلية، إضافة إلى أسئلة مفتوحة لدعم التفسير النوعي للنتائج.
وتكوَّن مجتمع الدراسة من الجمهور العربي المقيم في المهجر؛ حيث اعتمدت الدراسة على عيِّنة غير احتمالية (متاحة/قصدية) بلغ حجمها 135 مبحوثًا، مع مراعاة التنوع في المتغيرات الديمغرافية الأساسية، بما يشمل الدولة والجنس والعمر والمستوى التعليمي والحالة الوظيفية، بما يحقق قدرًا مناسبًا من التمثيل والتنوع في خصائص المشاركين.
وفي ضوء ما سبق، تسعى الدراسة إلى تقديم قراءة علمية منهجية لاتجاهات الرأي العام العربي في المهجر تجاه الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، وربط المعطيات الميدانية بالتحولات الجيوسياسية الراهنة، بما يسهم في بناء فهم أكثر عمقًا لطبيعة العلاقة بين الرأي العام العربي والقضايا الإستراتيجية الكبرى التي تشهدها المنطقة.
الإطار النظري للدراسة
تعتمد الدراسة مجموعة من النظريات المفسِّرة لتشكُّل الرأي العام، خاصة في سياق الأزمات الدولية والصراعات، وأبرز هذه النظريات ما يلي:
نظرية وضع الأجندة
تقوم نظرية وضع الأجندة على فرضية أساسية مفادها أن وسائل الإعلام لا تخبر الجمهور بما يُفَكِّر فيه بشكل مباشر وإنما تُحَدِّد له القضايا التي ينبغي أن يُفَكِّر فيها من خلال ترتيب أولويات الاهتمام العام عبر تكثيف التغطية الإعلامية لقضايا معينة وإعطائها حيزًا أكبر من الاهتمام مقارنة بقضايا أخرى. وترى النظرية أن كثافة التغطية الإعلامية تؤثر في إدراك الجمهور لأهمية القضايا السياسية والأمنية، خاصة في أوقات الأزمات والصراعات الدولية؛ إذ يزداد اعتماد الأفراد على وسائل الإعلام لتفسير الأحداث وفهم تداعياتها. وفي سياق الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، تُساعد هذه النظرية في تفسير العلاقة بين كثافة التغطية الإعلامية للحرب ومستوى اهتمام الجمهور العربي بها، وتأثير ذلك في تشكيل إدراكه للتهديدات السياسية والأمنية والاقتصادية المرتبطة بالصراع(1).
نظرية التأطير الإعلامي
تركز نظرية التأطير الإعلامي على الكيفية التي تُعْرَض بها القضايا والأحداث عبر وسائل الإعلام؛ إذ لا يقتصر دور الإعلام على نقل المعلومات، بل يتعدى ذلك إلى بناء المعاني وتشكيل التفسيرات من خلال إبراز جوانب معينة من الحدث وإغفال جوانب أخرى. ويُشير التأطير إلى اختيار زوايا مُحَدَّدَة لتقديم القضية بما يؤثر في إدراك الجمهور وفهمه للأسباب والنتائج والحلول الممكنة. وتكتسب هذه النظرية أهمية خاصة في تفسير اختلاف اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران، نتيجة اختلاف الأطر المستخدمة في تغطية الحرب؛ إذ قد تُصَوَّر بوصفها تهديدًا للأمن الإقليمي أو مواجهة جيوسياسية أو صراع نفوذ أو عملًا دفاعيًّا(2).
نظرية صناعة الرأي العام
تُفَسِّر نظرية صناعة الرأي العام الكيفية التي تتشكَّل بها الاتجاهات والمواقف داخل المجتمعات من خلال التفاعل بين وسائل الإعلام والنخب السياسية والعوامل الثقافية والاجتماعية. ويرى والتر ليبمان (Walter Lippmann) أن الجمهور لا يتفاعل مع الواقع بصورة مباشرة بل مع صور ذهنية يتم تشكيلها بواسطة الإعلام والخطابات السياسية. كما يشير يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) إلى أن الرأي العام يتكوَّن في المجال العام من خلال النقاشات الاجتماعية والتفاعل الإعلامي. وفي إطار هذه الدراسة، تُساعد النظرية في تفسير كيفية تَشَكُّل مواقف الجمهور العربي تجاه الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران في ضوء الخلفيات السياسية والثقافية والإعلامية المختلفة(3).
نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام
تفترض نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام أن تأثير وسائل الإعلام يزداد بصورة كبيرة خلال فترات الأزمات والحروب، بسبب حاجة الأفراد المتزايدة إلى المعلومات والتفسيرات التي تُساعدهم على فهم الواقع المحيط بهم. فكلما ارتفع مستوى الغموض وعدم الاستقرار السياسي، ازداد اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، ومن ثم يزداد تأثيرها في تشكيل الاتجاهات والمواقف. وتُساعد هذه النظرية في تفسير اعتماد الجمهور العربي في المهجر على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لمتابعة تطورات الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران وتكوين مواقفهم تجاهها(4).
2. اتجاهات الرأي العام العربي في المهجر
المبحوثون وفقًا لبلد الإقامة
شكل (1): توزيع نسب عينة الدراسة وفقًا لبلد الإقامة
أظهرت النتائج تركزًا واضحًا لأفراد العينة في تركيا؛ حيث بلغت نسبتهم 52.6% من إجمالي المبحوثين الذين شاركوا في الاستبيان، ثم جاءت فئة "أخرى تُذكر" بنسبة 20%، ثم المملكة العربية السعودية ومصر بنسبة متساوية بلغت 9.6% لكل منهما، بينما سجَّلت ماليزيا ودول الخليج والأردن نسبًا محدودة لم تتجاوز مجتمعة 8.2%.. وتُشير هذه النتائج إلى أن غالبية المبحوثين يُقيمون في تركيا، وهو ما قد يرتبط بالنطاق الجغرافي الذي تمَّ من خلاله توزيع الاستبيان، كما تمثِّل فئة "أخرى" شريحة مهمة تستحق مزيدًا من التحليل في الدراسات اللاحقة، في حين يُلاحَظ ضعف تمثيل المشاركين من دول الخليج والأردن.
فئات المبحوثين وفقًا لمتغير الجنس
شكل (2): توزيع عينة الدراسة وفقًا للجنس
يُمثِّل الذكور نسبة 93.3% من مجموع أفراد العينة، وهو ما يعادل تقريبًا 14 ضعفًا عدد الإناث. ويُشير هذا التفاوت الكبير إلى أن محتوى الاستبيان يجذب اهتمام الذكور بشكل أكبر. وبلغت نسبة فئة الإناث 6.7% فقط. وفي الدراسات الإحصائية تُعَد هذه النسبة غير كافية لتمثيل وجهة نظر الإناث بشكل دقيق أو للقيام بمقارنات جندرية ذات دلالة إحصائية قوية.
فئات المبحوثين وفقًا لمتغير العمر
أظهرت نتائج الدراسة أن الفئة العمرية (40 سنة فأكثر) تُمثِّل الغالبية العظمى من المبحوثين بنسبة 60.7%، بينما تقاربت نسبتا الفئتين (18–30 سنة) و(31–40 سنة) بواقع 20% و19.3% على التوالي. في المقابل، لم تسجل الفئة العمرية الأقل من 18 سنة أي حضور يُذكر. وتُشير هذه النتائج إلى أن الاهتمام بموضوع الدراسة يتركز بصورة أكبر لدى الفئات العمرية الأكبر سنًّا مقارنة بالفئات الأصغر.
فئات المبحوثين وفقًا للمستوى التعليمي
شكل (4): توزيع نسب عينة الدراسة وفقًا للمستوى التعليمي
أظهرت نتائج الدراسة أن أفراد العينة يتمتعون بمستوى تعليمي مرتفع؛ إذ يحمل 94.8% من المبحوثين مؤهلات جامعية أو دراسات عليا، بينما شكَّلت فئة الدراسات العليا النسبة الأكبر (54.1%). وبلغت نسبة المبحوثين الذين حصلوا على شهادة الثانوية العامة 5.2%، مع غياب تام للمبحوثين الذين لهم مستوى تعليمي أقل من الثانوية العامة. وتُشير هذه النتائج إلى أن الدراسة تُعبِّر بدرجة أكبر عن تصورات النخب العربية المتعلمة في المهجر، والتي يُتوقع أن تتسم مواقفها بوعي أكبر بالقضايا السياسية والإستراتيجية، واهتمام أوسع بمتابعة التطورات الإقليمية والدولية وتحليل تداعياتها.
فئات المبحوثين وفقًا للحالة الوظيفية
أظهرت النتائج أن فئة الموظفين يمثِّلون الشريحة الأكبر من مجموع أفراد العينة بنسبة 38.5%، تليهم فئة أصحاب الأعمال الحرة بنسبة 23.7%، ثم فئة أخرى بنسبة 22.2%، بينما جاءت فئة الطلاب في المرتبة الأخيرة بنسبة 15.6%. وتوضح هذه النتائج أن غالبية المبحوثين ينتمون إلى فئات منخرطة في سوق العمل؛ مما يُعَزِّز قدرة أفراد العينة على إدراك التداعيات السياسية والاقتصادية للصراعات الإقليمية والدولية. كما تعكس النتائج تنوعًا مهنيًّا داخل العينة، مع حضور ملحوظ للموظفين وأصحاب الأعمال الحرة، الأمر الذي يمنح الدراسة منظورًا عمليًّا في تقييم آثار الحرب وتداعياتها المحتملة.
متابعة المبحوثين لأخبار الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران
شكل (6): توزيع نسب متابعة المبحوثين لأخبار الحرب
أظهرت النتائج ارتفاعًا كبيرًا في مستوى متابعة أفراد العينة للحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران. فقد أفاد 71.1% من المبحوثين بأنهم يتابعون أخبارها بشكل يومي، و24.4% يتابعونها أحيانًا، بينما بلغت نسبة المتابعة النادرة 3.7% فقط، في حين تكاد تنعدم نسبة غير المتابعين. وبذلك، فإن 95.5% من أفراد العينة يتابعون تطورات الحرب بصورة منتظمة أو شبه منتظمة. وتعكس هذه النتائج اهتمامًا واسعًا لدى العرب في المهجر بمجريات الحرب وتداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية. كما تُشير إلى أن القضية فرضت نفسها على أجندة الاهتمام العام. ويمكن تفسير ذلك في ضوء نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام، التي تفترض تزايد اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام خلال الأزمات والصراعات للحصول على المعلومات وفهم التطورات الجارية. وتتَّسق هذه النتيجة مع هدف الدراسة المتمثل في قياس مستوى متابعة الجمهور العربي لأحداث الحرب ومصادر معلوماته، كما تجيب بصورة مباشرة عن التساؤل المتعلق بدرجة متابعة الجمهور لأخبار الحرب.
مصادر معلومات المبحوثين خلال الحرب
شكل (7): توزيع نسب مصادر معلومات أفراد العينة
أظهرت نتائج الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي تمثِّل المصدر الرئيس للمعلومات لدى أفراد العينة بنسبة 83%، تليها القنوات التليفزيونية بنسبة 62.2%، ثم المحللون والخبراء بنسبة 46.7%، بينما تراجعت المصادر الحكومية الرسمية والصحف الإلكترونية إلى 28.9% و24.4% على التوالي. وتُشير هذه النتائج إلى اعتماد الجمهور العربي في المهجر بصورة أكبر على المصادر الإعلامية الرقمية والتفاعلية للحصول على المعلومات ومتابعة تطورات الحرب. كما تعكس استمرار الثقة النسبية في القنوات التليفزيونية والمحللين المتخصصين لفهم أبعاد الصراع وتداعياته، في مقابل تراجع الاعتماد على المصادر الرسمية والصحف الإلكترونية. ويمكن تفسير ذلك في ضوء نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام ونظرية وضع الأجندة، اللتين تؤكدان تزايد اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام خلال الأزمات الكبرى وقدرتها على توجيه اهتمامه نحو القضايا الأكثر حضورًا في التغطية الإعلامية. وتتَّسق هذه النتيجة مع أهداف الدراسة المتعلقة بتحديد مصادر المعلومات ومستوى متابعة الجمهور للحرب، كما تُسْهِم في فهم دور وسائل الإعلام في تشكيل اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الصراع.
تقييم أفراد العينة للحرب
شكل (8): توزيع نسب تقييم المبحوثين للحرب
أظهرت نتائج الدراسة أن أكثر من نصف المبحوثين، وبنسبة 54.8%، يرون أن الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران غير متوازنة، مقابل 31.1% عَدُّوها متوازنة، في حين أبدى 14.1% عدم قدرتهم على تحديد موقف واضح منها. وتُشير هذه النتائج إلى وجود اتجاه عام يميل إلى رفض الحرب أكثر من تأييدها، مع استمرار وجود شريحة مترددة أو محايدة. ويمكن تفسير هذه النتيجة بالتخوف من تداعيات الحرب على أمن واستقرار المنطقة والآثار الإنسانية والاقتصادية المترتبة عليها، مقابل وجود فئة ترى أن الحرب ترتبط باعتبارات أمنية أو سياسية تتعلق بموازين القوى الإقليمية. كما تعكس نسبة المترددين تعقيد الصراع وتعدد الروايات الإعلامية بشأنه.
وتتَّسق هذه النتيجة مع نظرية التأطير الإعلامي ونظرية صناعة الرأي العام، اللتين تُفَسِّران تباين مواقف الجمهور تبعًا لاختلاف الأطر الإعلامية والخلفيات السياسية والثقافية للمبحوثين. كما ترتبط مباشرة بهدف الدراسة المتمثل في تحليل اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الحرب والعوامل المؤثرة في تشكيل هذه الاتجاهات.
مواقف المبحوثين من الحرب
شكل (9): توزيع نسب مواقف أفراد العينة من الحرب
أظهرت النتائج تباينًا في المواقف الشخصية تجاه الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران؛ إذ جاءت فئة المحايدين في المرتبة الأولى بنسبة 40.7%، تلتها فئة المعارضين للحرب بنسبة 37.8%، بينما بلغت نسبة المؤيدين 21.5%. وتُشير هذه النتائج إلى أن الاتجاه الغالب بين أفراد العينة يميل إلى الحياد أو المعارضة أكثر من التأييد. ويعكس ارتفاع نسبة المحايدين حالة من الحذر والترقب تجاه صراع معقد تتداخل فيه أبعاد سياسية وأمنية وإقليمية متعددة، بينما تُشير نسبة المعارضين إلى تنامي المخاوف من التداعيات الإنسانية والاقتصادية والأمنية للحرب. وفي المقابل، تمثِّل نسبة المؤيدين شريحة ترى أن المواجهة العسكرية قد تكون مُبَرَّرَة من منظور أمني أو إستراتيجي.
وتكشف النتائج بصورة عامة أن الرأي العام العربي في المهجر لا يتبنَّى موقفًا موحدًا تجاه الحرب بل يميل بدرجة أكبر إلى الحياد الحذر أو المعارضة، بما يعكس تفضيلًا للحلول السياسية والدبلوماسية على حساب التصعيد العسكري. ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء نظريتي التأطير الإعلامي وصناعة الرأي العام، اللتين تُبرزان دور التغطية الإعلامية والخلفيات السياسية والثقافية في تشكيل مواقف الجمهور تجاه الصراعات الدولية. وتتَّسق هذه النتيجة مع الهدف العام للدراسة المتمثل في تحليل اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الحرب، كما تجيب بصورة مباشرة عن التساؤل الرئيس المتعلق بطبيعة هذه الاتجاهات والعوامل المؤثرة في تشكيلها.
منظور المبحوثين لمآلات الحرب
شكل (10): توزيع نسب آراء العينة بشأن مآلات الحرب
أظهرت نتائج الدراسة أن أفراد العينة يتوقعون أن تؤدي الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران إلى تحولات جوهرية في المشهد الإقليمي؛ حيث جاء خيار إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة في المرتبة الأولى بنسبة 72.6%، تلاه زعزعة استقرار المنطقة بنسبة 68.9%، ثم إضعاف إيران بنسبة 53.3%. كما توقع 34.8% من المبحوثين أن الحرب تُعَزِّز النفوذ الأميركي، ويرى 28.9% من أفرد العينة أن الحرب تؤدي إلى تصاعد الصراع الطائفي، بينما يتوقع 20% فقط أن تؤدي إلى تعزيز النفوذ الإيراني. وتُشير هذه النتائج إلى أن غالبية المبحوثين ينظرون إلى الحرب بوصفها حدثًا إستراتيجيًّا تتجاوز آثارُه حدودَ المواجهة العسكرية المباشرة ليؤثر في توازنات القوى والأمن الإقليمي. كما تعكس وجود مخاوف واسعة من تداعيات الحرب على استقرار المنطقة، إلى جانب اعتقاد شريحة كبيرة بأنها ستُسْهِم في إضعاف إيران وإعادة توزيع النفوذ بين القوى الفاعلة في الشرق الأوسط.
ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء نظريتي الاعتماد على وسائل الإعلام والتأطير الإعلامي؛ إذ تؤثر التغطيات الإعلامية والتحليلات السياسية في تشكيل تصورات الجمهور بشأن مآلات الصراع وتداعياته المستقبلية. وتتَّسق هذه النتيجة مع الهدف الفرعي المتعلق بتحليل توقعات الجمهور لمسارات الصراع المستقبلية، كما تُسْهِم في الإجابة عن التساؤلات المرتبطة بمستقبل الحرب وانعكاساتها المحتملة على البيئة الإقليمية.
رؤية المبحوثين لمستقبل الحرب
شكل (11): توزيع نسب آراء المبحوثين حول مستقبل الحرب
أظهرت النتائج تباينًا في توقعات المبحوثين بشأن احتمال توسع الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران إلى حرب إقليمية شاملة؛ إذ يرى 41.5% من أفرد العينة أن الحرب لن تتوسع، مقابل 31.1% يتوقعون توسعها، بينما أفاد 27.4% من أفراد العينة بأنهم غير متأكدين من مسار الأحداث. وتُشير هذه النتائج إلى أن الرأي الغالب يميل إلى الاعتقاد بإمكانية احتواء الصراع ومنع توسعه إقليميًّا، إلا أن نسبة من يتوقعون التوسع أو لا يستبعدونه (58.5%) تعكس استمرار حالة من القلق وعدم اليقين بشأن مستقبل الحرب. كما تكشف عن انقسام نسبي في تقديرات المبحوثين بين من يراهنون على عوامل الردع والضغوط الدولية لاحتواء الأزمة، ومن يرون أن تعقيدات البيئة الإقليمية قد تدفع نحو مزيد من التصعيد.
ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء نظريات الاعتماد على وسائل الإعلام والتأطير الإعلامي وصناعة الرأي العام، التي تؤكد أن تصورات الجمهور تجاه مستقبل الصراعات تتأثر بالتغطيات الإعلامية والتحليلات السياسية والخبرات التاريخية المتراكمة. وتتَّسق هذه النتيجة مع الهدف الفرعي المتعلق بتحليل توقعات الجمهور لمسارات الصراع المستقبلية، كما تُسْهِم في الإجابة عن التساؤلات المرتبطة بمستقبل الحرب واحتمالات تطورها وانعكاساتها على البيئة الإقليمية.
تأثير الحرب على الدول العربية
جدول (1): توزيع نسب آراء المبحوثين حول تأثير الحرب على الدول العربية
|
م |
التأثير |
النسبة |
|
1 |
تأثير سلبي كبير |
%60.7 |
|
2 |
تأثير محدود |
25.9% |
|
3 |
تأثير إيجابي |
%12.6 |
|
4 |
لا تأثير |
%0.8 |
أظهرت النتائج أن غالبية أفراد العينة بنسبة 60.7% يتوقعون أن تترك الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران تأثيرات سلبية كبيرة على الدول العربية، فيما يرى 25.9% أن تأثيرها سيكون محدودًا، و12.6% يتوقعون آثارًا إيجابية، بينما جاءت نسبة من يعتقدون بعدم وجود تأثير للحرب هامشية للغاية. وتُشير هذه النتائج إلى وجود إدراك واسع لدى الرأي العام العربي في المهجر بأن الحرب ستنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة العربية. كما تعكس هيمنة التوقعات السلبية قناعةً بأن كلفة الحرب المحتملة على الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية تفوق أي مكاسب متوقعة، في حين يرى أصحاب الرأي القائل بالتأثير المحدود أن تداعيات الصراع قد تبقى محصورة ضمن أطرافه الرئيسة. وتكشف النتائج بصورة عامة عن توقعات سائدة بأن الحرب تمثِّل عامل ضغط إضافيًّا على المنطقة العربية، مع مخاوف من انعكاساتها على الأمن والاستقرار والأسواق والاقتصادات الوطنية.
ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء نظريات وضع الأجندة والاعتماد على وسائل الإعلام والتأطير الإعلامي، التي تؤكد دور وسائل الإعلام في تشكيل تصورات الجمهور تجاه حجم التهديدات والتداعيات المحتملة للأزمات والصراعات الدولية. وتتَّسق هذه النتيجة مع الهدف الفرعي المتعلق باستكشاف تصورات الرأي العام حول التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية للحرب، كما تُسْهِم في الإجابة عن التساؤلات المرتبطة بانعكاساتها المحتملة على المنطقة العربية.
أبرز التأثيرات المتوقعة للحرب
شكل (12): توزيع نسب آراء المبحوثين حول التأثيرات المتوقعة للحرب
أظهرت نتائج الدراسة أن أبرز التأثيرات المتوقعة للحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران يتمثَّل في ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 89.6%، تلاه التراجع الاقتصادي بنسبة 77%، ثم زيادة التدخلات الخارجية بنسبة 61.5%، والاضطرابات الأمنية بنسبة 54.1%. في المقابل، جاءت موجات اللجوء والنزوح في المرتبة الأخيرة بنسبة 23.7%. وتُشير هذه النتائج إلى أن أفراد العينة ينظرون إلى الحرب بوصفها أزمة ذات تداعيات اقتصادية وإستراتيجية بالدرجة الأولى؛ إذ تتركز مخاوفهم حول انعكاساتها على أسواق الطاقة والاقتصاد الإقليمي والاستقرار الأمني. كما تعكس ارتفاع مستوى الوعي بأهمية منطقة الشرق الأوسط في معادلات الطاقة العالمية، وما قد يترتب على أي تصعيد عسكري من اضطرابات اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود أطراف الصراع المباشرين.
وتكشف النتائج أيضًا عن توقعات بزيادة التدخلات الخارجية وتنامي التحديات الأمنية في المنطقة، في حين حظيت الآثار الإنسانية المرتبطة بالنزوح واللجوء باهتمام أقل مقارنة بالتداعيات الاقتصادية والسياسية. وبصورة عامة، يرى المبحوثون أن كلفة الحرب ستظهر بصورة أكبر في المجالات الاقتصادية والإستراتيجية قبل غيرها من المجالات.
ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء نظريات وضع الأجندة والاعتماد على وسائل الإعلام والتأطير الإعلامي، التي تُبرِز دور التغطية الإعلامية والتحليلات السياسية في تشكيل إدراك الجمهور لأبرز تداعيات الصراعات الدولية وأولوياتها. وتتَّسق هذه النتيجة مع الهدف الفرعي المتعلق باستكشاف التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية للحرب، كما تُسْهِم في الإجابة عن التساؤلات المرتبطة بكيفية إدراك الجمهور لانعكاسات الصراع على المنطقة العربية.
مواقف الحكومات العربية من الحرب
شكل (13): توزيع نسب العينة بشأن مواقف الحكومات العربية من الحرب
أظهرت النتائج تباينًا في تقييم أفراد العينة لمواقف الحكومات العربية تجاه الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران؛ إذ يرى 40.7% أن هذه المواقف كانت مناسبة، مقابل 28.9% عَدُّوها غير مناسبة، فيما وصفها 27.4% بأنها غير واضحة، بينما لم تتجاوز نسبة من عَدُّوها منحازة 3%. وتُشير هذه النتائج إلى غياب إجماع واضح بشأن تقييم الأداء العربي الرسمي، مع ميل نسبي نحو اعتبار المواقف الحكومية مناسبة، مقابل وجود شريحة كبيرة ترى أنها غير كافية أو تفتقر إلى الوضوح. ويعكس ذلك اختلاف توقعات المبحوثين بشأن الدور الذي ينبغي أن تؤديه الحكومات العربية في التعامل مع الأزمات الإقليمية الكبرى.
كما تكشف النتائج أن جزءًا من المبحوثين يُقَدِّر النهج الحذر الذي اتبعته بعض الحكومات العربية لتجنب التصعيد، في حين يرى آخرون أن المواقف العربية لم تكن بالمستوى المطلوب من حيث التأثير أو وضوح الرؤية السياسية. أما انخفاض نسبة من وصفوا هذه المواقف بالمنحازة فيُشير إلى أن غالبية المبحوثين لا ينظرون إلى الحكومات العربية بوصفها أطرافًا منخرطة بشكل مباشر في الصراع. ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء نظريات التأطير الإعلامي وصناعة الرأي العام ووضع الأجندة، التي تؤكد تأثير التغطية الإعلامية والخلفيات السياسية والثقافية في تشكيل تقييمات الجمهور للمواقف الرسمية تجاه القضايا والأزمات الدولية. وتتَّسق هذه النتيجة مع الهدف الفرعي المتعلق بتقييم نظرة الجمهور لمواقف الحكومات العربية من الحرب، كما تُسْهِم في الإجابة عن التساؤل المرتبط بكيفية إدراك الرأي العام العربي للأداء السياسي العربي في التعامل مع الأزمة.
تفضيلات الدول العربية تجاه الحرب
شكل (14): توزيع نسب آراء العينة إزاء تفضيلات الدول العربية
بيَّنت نتائج الدراسة وجود اتجاهين رئيسيين في تفضيلات أفراد العينة بشأن الموقف الذي ينبغي أن تتبنَّاه الدول العربية تجاه الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران؛ إذ جاء خيار الحياد في المرتبة الأولى بنسبة 48.9%، تلاه خيار الوساطة الدبلوماسية بنسبة 44.4%. وبذلك فإن 93.3% من أفراد العينة يفضلون مواقف غير تصعيدية تقوم على تجنب الانخراط المباشر في الحرب أو السعي لاحتوائها سياسيًّا. في المقابل، بلغت نسبة المؤيدين لدعم إيران 6% فقط، بينما لم تتجاوز نسبة المؤيدين لدعم الولايات المتحدة وإسرائيل 0.7%.
وتُشير هذه النتائج إلى ميل واضح لدى الرأي العام العربي في المهجر نحو تبنِّي خيارات سياسية ودبلوماسية بدلًا من الاصطفاف مع أي من أطراف الصراع. كما تعكس إدراكًا واسعًا للكلفة الأمنية والاقتصادية والسياسية التي قد تترتب على انخراط الدول العربية في الحرب، مقابل قناعة بأن الحياد أو الوساطة يمثِّلان الخيار الأكثر انسجامًا مع المصالح العربية. كما تكشف النتائج عن رغبة قوية في أن تؤدي الدول العربية دورًا فاعلًا في خفض التصعيد واحتواء الأزمة عبر الوسائل الدبلوماسية، في حين يحظى خيار الانحياز لأي طرف بتأييد محدود للغاية. ويعكس ذلك تفضيلًا عامًّا للحلول السلمية والحفاظ على استقرار المنطقة بعيدًا عن الاستقطابات والمحاور الإقليمية.
ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء نظريات صناعة الرأي العام والتأطير الإعلامي ووضع الأجندة والاعتماد على وسائل الإعلام، التي تؤكد أن مواقف الجمهور تتأثر بالتغطيات الإعلامية والخبرات التاريخية والإدراك المتزايد لمخاطر الصراعات الإقليمية وتداعياتها على الأمن والاستقرار. وتتَّسق هذه النتيجة مع الهدف الفرعي المتعلق بتقييم نظرة الجمهور لمواقف الحكومات العربية من الحرب، كما تُسهم في الإجابة عن التساؤل المرتبط بالموقف الذي يفضله الجمهور العربي للدول العربية في التعامل مع الأزمة، وتدعم الهدف العام للدراسة المتمثل في تحليل اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الحرب وانعكاساتها الإقليمية.
تقييم العينة لتغطية الإعلام العربي للحرب
جدول (2): توزيع نسب تقييم العينة لتغطية الإعلام العربي للحرب
|
م |
التقييم |
النسبة |
|
1 |
موضوعية |
%29.6 |
|
2 |
منحازة |
%23.7 |
|
3 |
مضلِّلة |
%12.6 |
|
4 |
غير كافية |
%34.1 |
أظهرت نتائج الدراسة تباينًا في تقييم أفراد العينة لتغطية الإعلام العربي للحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران؛ إذ جاءت فئة المبحوثين الذين يرون أن التغطية غير كافية في المرتبة الأولى بنسبة 34.1%، تلتها فئة المبحوثين الذين وصفوها بالموضوعية بنسبة 29.6%، ثم فئة أفراد العينة ممن عدُّوها منحازة بنسبة 23.7%، بينما يرى 12.6% من المبحوثين أن التغطية مضلِّلة.
وتُشير هذه النتائج إلى غياب توافق واضح بشأن أداء الإعلام العربي، مع ميل نسبي نحو الاعتقاد بوجود قصور في التغطية أكثر من وجود رضا كامل عنها. كما تكشف أن ما يُقارب ثلث المبحوثين ينظرون إلى التغطية الإعلامية بنظرة نقدية تتراوح بين الانحياز والتضليل، مقابل شريحة معتبرة ترى أن الإعلام حافظ على قدر من الموضوعية. وتعكس النتائج شعورًا لدى العديد من أفراد العينة بأن التغطية الإعلامية لم تكن بالقدر الكافي من الشمول والعمق التحليلي لمواكبة حدث إقليمي بهذا الحجم، في حين يرى آخرون أن بعض المؤسسات الإعلامية نجحت في تقديم تغطية مهنية ومتوازنة. كما تشير نسبتا الانحياز والتضليل إلى وجود تحديات تتعلق بالاستقطاب السياسي وتراجع الثقة ببعض الوسائل الإعلامية لدى جزء من الجمهور.
وبصورة عامة، تكشف النتائج حالة من عدم الرضا الكامل عن أداء الإعلام العربي، مع مطالب ضمنية بمزيد من الحياد والعمق والقدرة على تقديم تغطية أكثر شمولًا للقضايا الإقليمية الكبرى. ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء نظريات التأطير الإعلامي ووضع الأجندة والاعتماد على وسائل الإعلام وصناعة الرأي العام، التي تؤكد أن طبيعة التغطية الإعلامية وأسلوب عرض الأحداث يؤثران بصورة مباشرة في تقييم الجمهور لمهنية وسائل الإعلام ودرجة الثقة بها. وتتَّسق هذه النتيجة مع الهدف الفرعي المتعلق بقياس مستوى الثقة بالإعلام ودوره في تشكيل الاتجاهات، كما تُسْهِم في الإجابة عن التساؤل المرتبط بكيفية تقييم الجمهور لأداء الإعلام العربي في تغطية الحرب، وتدعم الهدف العام للدراسة المتعلق بتحليل اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الحرب وانعكاساتها المختلفة.
ثقة العينة في المعلومات المتداولة حول الحرب
شكل (15): توزيع نسب ثقة أفراد العينة في المعلومات المتداولة حول الحرب
أظهرت نتائج الدراسة أن غالبية المشاركين 66.7% يثقون في المعلومات المتداولة حول الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران إلى حدٍّ ما، بينما أفاد 31.9% بعدم ثقتهم في هذه المعلومات، في حين لم تتجاوز نسبة من يثقون بها ثقة كاملة 1.4%. وتُشير هذه النتائج إلى أن الثقة السائدة بين المبحوثين هي ثقة حذرة ومشروطة أكثر من كونها ثقة مطلقة، وهو ما يعكس وعيًا بطبيعة البيئة الإعلامية المصاحبة للصراعات الدولية، وما تتسم به من تعدد الروايات وتضارب المعلومات. كما تكشف النتائج عن ميل واضح لدى الجمهور إلى التحقق من الأخبار ومقارنتها عبر مصادر متعددة قبل تبني مواقف نهائية.
ويعكس ارتفاع نسبة من لا يثقون في المعلومات المتداولة وجود قدر من الشك تجاه مصداقية التغطيات الإعلامية، وهو ما قد يرتبط بانتشار الأخبار المُضَلِّلَة وتباين السرديات الإعلامية خلال الأزمات والحروب. أما محدودية نسبة الثقة الكاملة فتُشير إلى تراجع اليقين المعلوماتي وصعوبة الاعتماد على مصدر واحد بوصفه مرجعًا نهائيًّا للمعلومات.
وبصورة عامة، تكشف النتائج عن ثقافة إعلامية نقدية لدى العرب في المهجر، تقوم على الحذر والتحقق أكثر من التسليم المطلق بالمعلومات المتداولة، وهو ما يتَّسق مع اعتمادهم على مصادر إعلامية متنوعة للحصول على الأخبار والتحليلات المتعلقة بالحرب. ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء نظريات الاعتماد على وسائل الإعلام والتأطير الإعلامي ووضع الأجندة وصناعة الرأي العام، التي تؤكد أن مستويات الثقة بالمعلومات تتأثر بطبيعة التغطية الإعلامية وتعدد مصادرها والخبرات السابقة للجمهور مع وسائل الإعلام المختلفة. وتتَّسق هذه النتيجة مع الهدف الفرعي المتعلق بقياس مستوى الثقة بالإعلام ودوره في تشكيل الاتجاهات، كما تُسْهِم في الإجابة عن التساؤلات المرتبطة بمصداقية المعلومات وتقييم الأداء الإعلامي، وتدعم الهدف العام للدراسة المتعلق بتحليل اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الحرب وتفسير العوامل المؤثرة فيها.
السيناريوهات المتوقعة
أظهرت النتائج تباينًا في تصورات أفراد العينة حول السيناريو الأكثر احتمالًا لمستقبل الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران؛ إذ جاء سيناريو استمرار الحرب لفترة طويلة في المرتبة الأولى بنسبة 34.8%، تلاه سيناريو التدخل الدولي لإنهائها بنسبة 26.7%، ثم توسع الحرب إقليميًّا بنسبة 22.2%، بينما جاء سيناريو توقف الحرب نهائيًّا في المرتبة الأخيرة بنسبة 16.3%. وتعكس هذه النتائج ميلًا عامًّا نحو توقع استمرار الأزمة أو تعقدها أكثر من توقع نهايتها السريعة، كما تُشير إلى أن غالبية المبحوثين لا يتوقعون حلًّا قريبًا أو حاسمًا للصراع بل يرون أن الحرب قد تستمر زمنيًّا أو تتطلب تدخلًا دوليًّا لاحتوائها وإنهائها.
وتدل النتائج على أن الرأي العام العربي في المهجر يتبنَّى نظرة حذرة تجاه مستقبل الحرب؛ إذ يرى العدد الأكبر من المبحوثين أن الصراع مرشح للاستمرار نتيجة تشابك المصالح الإقليمية والدولية وتعقيد البيئة الإستراتيجية في الشرق الأوسط. كما يعكس ارتفاع نسبة المؤيدين لسيناريو التدخل الدولي إدراكًا بأن استمرار الحرب قد يدفع القوى الكبرى والمنظمات الدولية إلى التدخل لمنع اتساع تداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية. وفي المقابل، تكشف نسبة الذين يتوقعون توسع الحرب إقليميًّا عن استمرار المخاوف من انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع تشمل أطرافًا إقليمية أخرى، بينما يعكس انخفاض نسبة المتفائلين بإنهاء الحرب محدودية الثقة بإمكانية الوصول إلى تسوية سريعة أو مستقرة في المدى القريب.
وبصورة عامة، توضح النتائج أن توقعات أفراد العينة يغلب عليها القلق وعدم اليقين، مع ترجيح استمرار الحرب أو تدخل أطراف دولية لإنهائها أكثر من توقع الحسم السريع أو التوصل إلى تسوية نهائية قريبة. ويمكن تفسير هذه النتيجة في ضوء نظريات الاعتماد على وسائل الإعلام والتأطير الإعلامي ووضع الأجندة وصناعة الرأي العام، التي تؤكد أن توقعات الجمهور لمستقبل الصراعات تتأثر بدرجة كبيرة بالتغطيات الإعلامية والتحليلات السياسية والخبرات التاريخية المرتبطة بالحروب الإقليمية السابقة. وتتَّسق هذه النتيجة مع الهدف الفرعي المتعلق بتحليل توقعات الجمهور لمسارات الصراع المستقبلية، كما تجيب عن التساؤل المرتبط بالسيناريوهات المتوقعة لمستقبل الحرب، وتسهم في تحقيق الهدف العام للدراسة المتمثل في تحليل اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الحرب واستشراف انعكاساتها المحتملة على المنطقة.
الصراع الجيوسياسي والمشاريع التوسعية
- المشروع الصهيوني: يرى قطاع واسع من المبحوثين أن "حلم إسرائيل الكبرى"، والتوسع الإسرائيلي، والرغبة في الهيمنة على الشرق الأوسط وإضعاف المحيط العربي، هو المحرك الأساسي للصراع.
- المشروع الإيراني: ركزت إجابات كثيرة على الأطماع الإيرانية، ومشروع "تصدير الثورة"، والتمدد والتدخل الإيراني في العواصم العربية (العراق، سوريا، لبنان، اليمن)، والرغبة في توسيع النفوذ.
- الملف النووي الإيراني: يراه المبحوثون عاملًا مباشرًا للتصعيد العسكري ومنطق الردع بين الأطراف.
الأبعاد الاقتصادية وممرات الطاقة
أشار المبحوثون إلى أن الصراع يدور حول مصادر الطاقة (النفط والغاز) والسيطرة على الممرات المائية الإستراتيجية (مثل مضيق هرمز وأمن الملاحة في الخليج).
الصراع الدولي وتغيير النظام العالمي
ربط المبحوثون الحرب بالصراع الدائر بين القوى العظمى (أميركا وروسيا والصين) وتأثير الانتخابات الأميركية وسياسات دونالد ترامب (الابتزاز الاقتصادي، والاتفاقات الإبراهيمية). وعَدَّ البعضُ المنطقة ساحة لتصفية حسابات بناء نظام عالمي جديد.
رؤية المبحوثين للتعامل مع الصراع الجيوسياسي وتداعياته
تقوم رؤية المبحوثين على خمس خطوات إستراتيجية تعكس أولويات الجمهور العربي في المهجر:
أولًا: الحياد الفاعل والنأي بالنفس. فقد احتل خيار الحياد الصدارة في إجابات المبحوثين، ولكن ليس بوصفه حيادًا سلبيًّا، بل مرونة سياسية لحماية الأمن القومي تتمثل في:
- تجنب الدخول في الحرب حتى لا تتحول إلى مواجهة (عربية-إيرانية) بالوكالة عن أميركا وإسرائيل.
- الحفاظ على مسافة واحدة تضمن مرونة سياسية وتمنع استخدام الأراضي أو الأجواء العربية ساحات للصراع.
- القيام بوساطة إقليمية لخفض التصعيد وحماية المدنيين وأمن الممرات البحرية.
ثانيًا: بناء تحالفات جديدة والتخلص من التبعية. وفي هذا المجال أظهر المبحوثون وعيًا كبيرًا بتغير موازين القوى الدولية، وجاءت توصياتهم بضرورة إعادة التموضع الإقليمي على هذا النحو:
- برزت عبارات قوية مثل: "المتغطي بالحماية الأميركية عريان"، والتحذير من أن أميركا لن تحمي المنطقة بل تحمي مصالحها وإسرائيل فقط.
- الدعوة لبناء تحالفات إستراتيجية واقتصادية جديدة مع (الصين، روسيا، تركيا).
- اقترح بعض المبحوثين ضَمَّ اليمن والعراق (حال عودته للحضن العربي) لتعزيز الكتلة الخليجية.
ثالثًا: إنشاء "مشروع دفاعي عربي-إسلامي موحد". فقد طالب المبحوثون بالانتقال من حالة التفرقة إلى العمل الجماعي المؤسسي لمواجهة المشاريع التوسعية (الصهيونية والإيرانية) من خلال:
- إعادة بناء وترميم (جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي) لتكون حائط صدِّ حقيقيًّا.
- التركيز الشديد على بناء قوة ردع ذاتية ومستقلة، والاستثمار في علوم المستقبل العسكرية (المسيرات، الصواريخ البالستية، والذكاء الاصطناعي).
- دعا البعض إلى تأسيس تحالف صلب يضم دولًا محورية، مثل السعودية ومصر وتركيا وباكستان، لملء الفراغ الأمني في المنطقة.
رابعًا: تحصين البيت الداخلي والالتحام بالشعوب. رَبَطَ المبحوثون قوة القرار الخارجي بصلاح الوضع الداخلي للدول العربية.
خامسًا: اقتصاد الحرب وتأمين سلاسل الإمداد. نظرًا للحرب الممتدة وتأثر ممرات الطاقة (خاصة مضيق هرمز ومحيطه في عام 2026)، فإن الوضع يحتاج إلى:
- تقليل الاعتماد على النفط وتأمين الاكتفاء الذاتي الغذائي والتقني.
- وضع خطط طوارئ مسبقة لحماية سلاسل الإمداد وممرات التجارة، واعتماد مبدأ "اقتصاد الحرب".
- إدارة الخطاب الإعلامي لتوعية الأجيال وتجنب نشر الشائعات أو التحريض الطائفي.
(1) Maxwell McCombs, Setting the Agenda: Mass Media and Public Opinion, 3rd ed, (Cambridge: Polity Press, 2020), 28–41.
(2) Paul D’Angelo, Jim A. Kuypers, eds. Doing News Framing Analysis: Empirical and Theoretical Perspectives, 2nd ed, (New York: Routledge, 2020), 12–26.
(3) Jürgen Habermas, The Structural Transformation of the Public Sphere, (Cambridge, MA: MIT Press, 1991), 27–56.
(4) Stephen W. Littlejohn et al., Theories of Human Communication, 12th ed, (Long Grove, IL: Waveland Press, 2021), 331–339.