مقدمة
تشهد منطقة الشرق الأوسط(1) منذ أكثر من ثلاثة عقود سلسلة متلاحقة من التحولات السياسية والأمنية والإستراتيجية العميقة. وقد تزامنت هذه التحولات مع ثورة غير مسبوقة في وسائل الإعلام والاتصال، بدأت مع انتشار القنوات الفضائية خلال تسعينات القرن الماضي، ثم تعاظمت مع صعود الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي؛ الأمر الذي جعل أحداث المنطقة من أكثر القضايا حضورًا في الإعلام ودوائر البحث والتحليل.
ورغم هذا الزخم الكبير في التغطية الإعلامية والإنتاج التحليلي، لا يزال ممكنًا ملاحظة غياب إطار تفسيري شامل قادر على الربط بين مختلف الأحداث والمتغيرات ضمن رؤية إستراتيجية متماسكة. فغالبية القراءات السائدة تميل إلى معالجة الأزمات بوصفها وقائع منفصلة أو استجابات ظرفية لمتغيرات آنية، بينما يقل الاهتمام بالمقاربات التي تنظر إلى هذه التطورات بوصفها تعبيرًا عن تحولات أعمق تمس بنية النظام الإقليمي نفسه بصفته إطارًا مفهوميًّا أشمل.
تنطلق هذه الورقة من فرضية أن فهم التحولات الجارية في الشرق الأوسط يقتضي العودة إلى الإطار الجيوسياسي الأشمل الذي تشكَّلت في ظله دول المنطقة وحدودها وأنماط تفاعلاتها السياسية والأمنية. فالأحداث المتفرقة، على اختلاف طبيعتها، يمكن النظر إليها بوصفها تجليات متنوعة لمسار تاريخي واحد يرتبط بتطور المنظومة الإقليمية التي أُرسيت قواعدها عقب الحرب العالمية الأولى.
بناءً على ذلك، تسعى الورقة إلى دراسة التحولات التي طرأت على هذه المنظومة، ورصد مظاهر التآكل أو الاختلال التي أصابتها، وتحليل المشاريع المختلفة التي طُرحت لإعادة صياغتها، وصولًا إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام الإقليمي في ظل التغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة.
أولًا: النظام السياسي الإقليمي للشرق الأوسط: نشأته ووظيفته
مثَّلت الحرب العالمية الأولى نقطة تحول مفصلية في تاريخ النظام الدولي الحديث؛ إذ لم تقتصر نتائجها على إعادة رسم خرائط النفوذ بين القوى الكبرى، بل أسست أيضًا لبنية سياسية جديدة في عدد من الأقاليم الحيوية، في مقدمتها منطقة الشرق الأوسط.
فمع نهاية الحرب، انهارت ثلاث إمبراطوريات كبرى كانت تمثل أطرًا جيوسياسية جامعة لشعوب ومجتمعات واسعة، هي الإمبراطورية الروسية القيصرية، والإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية النمساوية-المجرية. وقد أدَّى تفكك هذه الكيانات إلى نشوء فراغات إستراتيجية واسعة، سرعان ما تحولت إلى ساحات تنافس بين القوى المنتصرة، وأسهمت بصورة مباشرة في تشكيل الترتيبات السياسية الجديدة التي حكمت العلاقات الدولية خلال العقود اللاحقة.
بالنسبة إلى المشرق العربي، كان انهيار الدولة العثمانية الحدث الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل المجال السياسي للإقليم. فقد أتاح هذا الانهيار للقوى الأوروبية المنتصرة، لاسيما بريطانيا وفرنسا، فرصة إعادة تنظيم المنطقة وفق تصوراتها الإستراتيجية ومصالحها الجيوسياسية، وهو ما تجسد في منظومة من الاتفاقيات والترتيبات السياسية التي أسفرت عن ظهور الكيانات الوطنية الحديثة وحدودها المعروفة اليوم تبعًا لاتفاقيات سايكس-بيكو وخرائط بيرسي كوكس(2).
ورغم نجاح الحركة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك في منع تنفيذ مشروع التقسيم الكامل، الذي نصَّت عليه معاهدة سيفر، والوصول لاحقًا إلى تسوية جديدة عبر معاهدة لوزان عام 1923، مستفيدة من المناخ الدولي الذي بدأ يستشعر الخطر مع تغير الواقع في روسيا وبروز البلاشفة الذين مثَّلوا تحديًا جديدًا للرأسمالية الفتيَّة المندفعة نحو مصادر الطاقة في الشرق الأوسط، فإن معظم الأقاليم العربية التي كانت جزءًا من الدولة العثمانية خضعت لعمليات إعادة تنظيم سياسية وإدارية جرت تحت إشراف مباشر من القوى الاستعمارية المنتصرة.
في هذا السياق، تشكَّلت الدول الوطنية الحديثة في بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية ضمن إطار جيوسياسي جديد ارتبط بالتصورات البريطانية والفرنسية لإدارة المنطقة. وقد أسهم نظام الانتداب في بناء المؤسسات السياسية والإدارية والعسكرية لهذه الدول، التي أصبحت لاحقًا وحدات أساسية في النظام الإقليمي الذي تبلور خلال القرن العشرين.
من منظور جيوسياسي، يمكن القول: إن هذه المنظومة الإقليمية أدَّت عددًا من الوظائف الإستراتيجية الرئيسية على النحو التالي:
أولًا: وفرت البيئة السياسية والأمنية اللازمة لتنفيذ مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم تأمين الظروف الإقليمية التي ساعدت على استمرار الدولة الإسرائيلية بعد قيامها عام 1948.
ثانيًا: ضمنت استقرار تدفق الموارد الإستراتيجية، وفي مقدمتها النفط والغاز، إلى الأسواق الغربية، وهو ما اكتسب أهمية متزايدة مع التحول الصناعي العالمي واعتماد الاقتصادات الغربية على مصادر الطاقة القادمة من المنطقة.
ثالثًا: أسهمت في منع ظهور كيان سياسي أو جيوسياسي إقليمي قادر على توحيد أجزاء واسعة من المجال الإسلامي أو العربي بصورة قد تؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية خارج الإطار الذي رسمته القوى الغربية المنتصرة.
هذا هو الدور الوظيفي للنظام الذي أسهمت الدول الأوروبية في بنائه من خلال الانتداب الفرنسي-البريطاني المباشر الذي لعب دورًا أساسيًّا في بناء الدول الوطنية ومؤسساتها قبل الاستقلال، وقد استمر هذا النظام بالعمل وفقًا لشيفرته الجينية وطبيعته البنيوية بعد الاستقلال. ولا يعني ذلك أن النظام الإقليمي كان ثابتًا أو جامدًا طوال القرن العشرين، فقد شهد تعديلات متكررة في أنماط التحالفات ومراكز النفوذ. غير أن تلك التعديلات جرت غالبًا داخل الإطار البنيوي ذاته، دون أن تمس الأسس التي قامت عليها المنظومة.
فبعد الحرب العالمية الثانية، ومع انتقال مركز الثقل الدولي من القوى الأوروبية التقليدية إلى الولايات المتحدة، شهدت المنطقة سلسلة من الانقلابات العسكرية التي سُميت ثورات، أعادت توزيع التحالفات والولاءات الإقليمية لصالح الولايات المتحدة، لكنها لم تؤدِّ إلى تغيير جذري في البنية الأساسية للنظام الإقليمي. بل يمكن القول: إن واشنطن ورثت إلى حدٍّ كبير الدور الذي كانت تمارسه القوى الاستعمارية الأوروبية، مع إدخال تعديلات تتناسب مع متطلبات النظام الدولي الجديد وظروف الحرب الباردة.
في ذات الوقت الذي تشكَّلت فيه دول المنطقة العربية، شهدت دول مجاورة ذات أهمية إستراتيجية، مثل إيران وأفغانستان، عمليات إعادة تشكيل سياسية هدفت إلى تعزيز استقرار البيئة الإقليمية المحيطة بالشرق الأوسط. ففي إيران، أسهم تأسيس الدولة البهلوية، عام 1925، في إدماج البلاد ضمن منظومة التحالفات الغربية، والسياق الثقافي الغربي حيث تَوَّج رضا خان نفسه شاهًا لإيران باسم "رضا شاه بهلوي"، مؤسِّسًا السلالة البهلوية. وكان ينوي في البداية إعلان قيام الجمهورية على غرار أتاتورك في تركيا لكنه تراجع بضغط من رجال الدين.
أما في أفغانستان، فقد أنهت اتفاقية "راوالبندي" الوصاية البريطانية على البلاد، وتولَّى أمان الله خان الحكم، عام 1919، ليقوم بتحويل نظام الحكم من "إمارة" إلى "مملكة أفغانستان" ونصَّب نفسه ملكًا عام 1926. وقد تعاقبت مشاريع تحديث وإصلاح سياسي واجتماعي منذ مطلع القرن العشرين، بدأها أمان الله خان عندما أصدر أول دستور للبلاد، وأسس مجلسًا للوزراء، وتبنَّى حركة تحديث واسعة شملت التعليم الجماعي، وإلغاء القيود الصارمة على النساء، وفصل الدين عن الدولة؛ ما أدَّى إلى اندلاع حرب أهلية أجبرت الملك على التنازل عن العرش والنفي، عام 1929. بعد ذلك، دخلت البلاد في حروب أهلية وفوضى حتى عام 1933 وتولِّي محمد ظاهر شاه العرش في البلاد. وقد واجهت أفغانستان تحديات داخلية وخارجية حالت دون استقرارها على المدى الطويل.
بصورة عامة، يمكن النظر إلى النظام السياسي الإقليمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الأولى بوصفه منظومة جيوسياسية متكاملة نجحت، بدرجات متفاوتة، في تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها طوال معظم القرن العشرين. غير أن التحولات الدولية والإقليمية التي بدأت تتسارع منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، بدأت تطرح أسئلة متزايدة حول قدرة هذه المنظومة على الاستمرار بالفاعلية ذاتها، وهو ما سيمهِّد لاحقًا لمرحلة من الاختلالات البنيوية ومحاولات إعادة الهيكلة.
ثانيًا: بدايات الاختلال البنيوي في النظام الإقليمي (1979–1991)
إذا كان النظام الإقليمي للشرق الأوسط قد استقر نسبيًّا خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، فإن نهاية سبعينات القرن العشرين مثَّلت بداية مرحلة جديدة اتسمت بتزايد الضغوط على البنية التي قام عليها هذا النظام.
وقد شكَّلت الثورة الإيرانية، عام 1979، نقطة تحول محورية في هذا السياق. فإسقاط نظام الشاه، الذي كان أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، لم يؤدِّ فقط إلى تغيير النظام السياسي في إيران بل أفضى أيضًا إلى ظهور مشروع سياسي ذي مرجعية إسلامية-مذهبية حمل طموحات إقليمية تجاوزت حدود الدولة الوطنية. في قراءة تحليلية تستند إلى احتدام الصراع الكوني في ظروف الحرب الباردة، يرى البعض أن إسقاط نظام الشاه في إيران كان مدعومًا استخباراتيًّا من قبل دول الغرب، وذلك في إطار مشروع لخلق اضطرابات جيوسياسية في آسيا الوسطى التي هي امتداد حيوي للاتحاد السوفيتي(3).
لذلك، جاء التدخل السوفيتي في أفغانستان، أواخر ديسمبر/كانون الأول 1979، لصدِّ التأثيرات الممكنة للثورة الإسلامية شمالًا عبر إنشاء حائط صدٍّ أمام هذه التأثيرات. وقد نجح نسبيًّا في ذلك، على الرغم من وقوعه في فخٍّ أكبر ومأزق أشد. لكن حائط الصد في أفغانستان دفع بثقل الثورة الإيرانية جنوبًا وغربًا وليس شمالًا، وكان من تداعياته الحرب الإيرانية-العراقية، التي استمرت ثماني سنوات بين 1980 و1988. غير أن انتهاء الحرب لم يؤدِّ إلى استعادة الاستقرار الإقليمي. فالعراق خرج من الصراع بقدرات عسكرية كبيرة وطموحات سياسية متزايدة؛ الأمر الذي أثار قلق عدد من القوى الإقليمية والدولية. في ذلك السياق، جاء احتلال الكويت، عام 1990، ليفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التدخل الدولي المباشر في شؤون المنطقة.
شكَّلت حرب الخليج، عام 1991، نقطة تحول مفصلية في تاريخ النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فمن جهة، كرَّست الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ومن جهة أخرى، كشفت عن تصدعات متزايدة داخل البنية السياسية والأمنية التي حكمت المنطقة طوال العقود السابقة. ورغم أن قوات التحالف الدولي تمكَّنت من تحرير الكويت والوصول إلى مناطق واسعة في جنوب العراق، فإن الولايات المتحدة اختارت عدم إسقاط النظام العراقي. فقد توقفت العمليات العسكرية قبل التوجه نحو بغداد، بناءً على قرار اتخذه الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، على الرغم من امتلاك قوات التحالف القدرة العسكرية التي كانت تتيح لها مواصلة التقدم. في الوقت ذاته، سمحت الولايات المتحدة للنظام العراقي بإعادة فرض سيطرته على أجزاء واسعة من البلاد بعد اندلاع الانتفاضات في الجنوب والشمال، عام 1991. وقد أسهم ذلك في إعادة ترسيخ سلطة الدولة المركزية، رغم استمرار العقوبات الاقتصادية ومناطق حظر الطيران والقيود العسكرية التي فُرضت على العراق لاحقًا.
يثير هذا السلوك الأميركي سؤالًا مهمًّا: لماذا توقفت الحملة العسكرية عند ذلك الحد؟ ولماذا لم تدعم واشنطن إسقاط النظام العراقي في تلك المرحلة؟ يمكن تفسير ذلك بأن فكرة إعادة تشكيل النظام الإقليمي بصورة جذرية لم تكن قد نضجت بعد لدى صانع القرار الأميركي، وأن الحفاظ على أحد المكونات الرئيسية للنظام الإقليمي القائم كان يُنظر إليه بوصفه ضرورة للحفاظ على استقرار المنظومة بأكملها.
مع ذلك، فإن نتائج الحرب وما أعقبها من حصار اقتصادي وعقوبات دولية ومناطق حظر جوي أدَّت إلى إضعاف أحد الأعمدة الرئيسية للنظام الإقليمي القائم؛ ما أعطى فرصة جديدة للمشروع الإيراني وطموحاته التوسعية. من هذا المنظور، يمكن النظر إلى عام 1991 بوصفه بداية مرحلة طويلة من التآكل التدريجي في بنية النظام الذي تأسس عقب الحرب العالمية الأولى، وفي هذا المناخ المعقد، بدأت تظهر مؤشرات على تراجع قدرة الترتيبات الإقليمية التقليدية على احتواء التحولات الجديدة.
وعندما نتحدث عن "منظومة" سياسية للشرق الأوسط، فإننا نشير إلى بنية مترابطة تتسم بدرجة عالية من الاعتماد المتبادل بين مكوناتها، بحيث ينعكس إضعاف أحد أركانها بالضرورة على بقية الأركان. صحيح أن التدخل الأميركي آنذاك ورغم الضربة القاسية التي وجَّهها للنظام العراقي، عاد وأسهم في إعادة بسط سلطة الدولة العراقية على أجزاء واسعة من أراضيها، إلا أن التداعيات السياسية والأمنية والإستراتيجية للحرب أحدثت أول شرخ كبير في هذه المنظومة، وهو ما استدعى لاحقًا جهودًا متواصلة لإعادة ترميمها والحفاظ على توازناتها.
كانت هذه المتغيرات الإقليمية تجري في ظل تحولات دولية كبرى تمثلت في انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام عالم أحادي القطب، مثَّل بالنسبة إلى الغرب انتصار النموذج الديمقراطي الليبرالي الرأسمالي بوصفه منظومة سياسية واقتصادية وقيمية. وقد مثَّلت أطروحة فرانسيس فوكوياما حول "نهاية التاريخ" إطارًا مفاهيميًّا قيميًّا للعولمة المأمولة(4).
ثالثًا: محاولة إصلاح النظام الإقليمي عبر مشروع السلام (1991–2000)
تزامنت التحولات التي أعقبت حرب الخليج مع تغيرات عميقة في البيئة الدولية، كان أبرزها انهيار الاتحاد السوفيتي وصعود الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم. في تلك المرحلة، سادت قناعة واسعة لدى العديد من النخب الغربية بأن الصراعات الأيديولوجية الكبرى قد وصلت إلى نهايتها، وأن النظام الدولي يتجه نحو مرحلة جديدة تقوم على الاقتصاد المفتوح والديمقراطية الليبرالية والعولمة المتسارعة[i].
تزامن انتصار الغرب في الحرب الباردة مع تنامي شعور متزايد لدى النخب السياسية والأمنية في إسرائيل بوجود تحديات إستراتيجية طويلة المدى تواجه الدولة. وقد تعزز هذا الشعور في ظل تصاعد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لاسيما خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993)، ثم لاحقًا مع استمرار حالة عدم الاستقرار التي أفضت إلى الانتفاضة الثانية (2000-2005)، إضافة إلى مؤشرات ديمغرافية وسياسية واقتصادية محلية وإقليمية أثارت أسئلة بشأن مستقبل المشروع الصهيوني على المدى البعيد.
في هذا السياق، برزت لدى قطاعات من النخبة الإسرائيلية قناعة متزايدة بضرورة إعادة صياغة البيئة السياسية والإقليمية المحيطة بإسرائيل بما يتوافق مع التحولات التي شهدها النظام الدولي عقب انتهاء الحرب الباردة، وبما يضمن بيئة أكثر استقرارًا وأمنًا للدولة العبرية.
وفي صيف عام 1992، خسر حزب الليكود، بقيادة إسحاق شامير، الانتخابات العامة، لينتقل الحكم إلى حزب العمل برئاسة إسحق رابين الذي شكَّل حكومته في يوليو/تموز من العام نفسه. وقد تبنَّت القيادة الإسرائيلية الجديدة، ذات التوجهات الليبرالية والعلمانية، مقاربة أكثر انسجامًا مع المناخ الدولي السائد آنذاك، والذي اتسم بالتفاؤل بإمكان بناء نظام عالمي جديد قائم على التعاون الاقتصادي وانتشار الديمقراطية الليبرالية بعد انتهاء الاستقطاب الدولي تماشيًا مع الاندفاعة الأميركية لتحقيق رؤية نهاية التاريخ وانتصار الليبرالية النهائي وترتيب العالم وفقًا لهذه الرؤية.
في إطار هذه الرؤية، انخرطت إسرائيل في مفاوضات سرية مع منظمة التحرير الفلسطينية، انتهت بتوقيع اتفاق أوسلو، الذي عُدَّ في حينها خطوة أولى نحو تسوية شاملة للصراع العربي-الإسرائيلي، ومدخلًا لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط على أسس جديدة. وقد تزامنت هذه التطورات مع وصول إدارة ديمقراطية جديدة إلى البيت الأبيض بقيادة الرئيس بيل كلينتون عقب انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 1992؛ الأمر الذي وفَّر بيئة سياسية مواتية لطرح تصورات جديدة حول مستقبل المنطقة. وفي هذا المناخ ظهرت رؤية شمعون بيريز للشرق الأوسط الجديد، التي عُرضت بصورة متكاملة في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، الصادر عام 1993(5).
قامت رؤية بيريز على افتراض أن السلام والتعاون الاقتصادي يمكن أن يشكِّلا الأساس لنظام إقليمي جديد يحوِّل الشرق الأوسط من ساحة صراعات مزمنة إلى فضاء للتكامل والتنمية المشتركة. وقد ارتكز المشروع على عدة مبادئ رئيسية:
أولًا: الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التنمية، من خلال تحويل الموارد المخصصة للتسلح والحروب إلى الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية.
ثانيًا: بناء منظومة للتكامل الاقتصادي الإقليمي عبر مشاريع مشتركة في مجالات المياه والطاقة والنقل والاتصالات والسياحة، بما يخلق شبكة مصالح متبادلة تسهم في ترسيخ الاستقرار والسلام.
ثالثًا: توظيف التفوق التكنولوجي الإسرائيلي ضمن إطار إقليمي أوسع، بحيث تقدم إسرائيل التكنولوجيا والخبرات الفنية، بينما توفر الدول العربية الأسواق ورؤوس الأموال والموارد البشرية، بما يؤدي إلى نشوء منظومة اقتصادية مترابطة.
رابعًا: تسوية النزاع العربي-الإسرائيلي، وخاصة القضية الفلسطينية، بوصفها المدخل الضروري لإطلاق عملية التحول الإقليمي الشامل.
ولكن هذا المشروع واجه عقبات جوهرية حالت دون تحققه. فقد عارضت قوى اليمين القومي والديني في إسرائيل مسار التسوية مع الفلسطينيين، وبلغت المعارضة ذروتها باغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين، عام 1995، وهو الحدث الذي شكَّل ضربة قوية لمسار أوسلو. في المقابل، تعثرت المفاوضات النهائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشأن قضايا الحل الدائم، وفي مقدمتها القدس واللاجئون والحدود والمستوطنات. وانتهت قمة كامب ديفيد، في يوليو/تموز 2000، التي رعاها الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، وجمعت بين ياسر عرفات وإيهود باراك، إلى الفشل دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
ومع انهيار مسار المفاوضات، بدأت الأسس السياسية التي استندت إليها رؤية "الشرق الأوسط الجديد" بالتآكل تدريجيًّا. ولم يكد صيف عام 2000 ينتهي حتى دخل الصراع مرحلة جديدة بعد الزيارة المستفزة والمقصودة التي قام بها آرييل شارون إلى المسجد الأقصى، والتي أسهمت في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
تزامنت هذه التطورات مع وصول الجمهوريين إلى السلطة في الولايات المتحدة بعد فوز جورج بوش الابن في الانتخابات الرئاسية وتوليه الحكم، في يناير/كانون الثاني 2001. وبذلك انتهت المرحلة الأولى من محاولات إعادة تشكيل النظام السياسي الإقليمي في الشرق الأوسط عبر مسار التسوية السلمية والتكامل الاقتصادي، بعد أن أخفقت الرؤية التي تبنَّاها الديمقراطيون في الولايات المتحدة والليبراليون الإسرائيليون في تحقيق السلام مع الفلسطينيين بوصفه المدخل الضروري لإعادة بناء المنظومة الشرق أوسطية على أسس جديدة.
بعد فشل قمة كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، دخل مشروع إعادة بناء النظام الإقليمي عبر مسار التسوية السياسية في أزمة عميقة. مهَّد ذلك الطريق لظهور مقاربات أكثر راديكالية خلال العقد التالي، تقر بشيخوخة المنظومة السياسية التي أُرسيت قواعدها مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وتسعى إلى تحديثها لتستجيب لمتطلبات تطور العالم وظروف المنطقة. ولكن الفشل في تحديث تلك المنظومة أسَّس تاليًا لأول محاولة لاستبدالها جذريًّا وفق رؤية المحافظين الجدد.
رابعًا: مشروع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة
مع وصول إدارة جورج بوش الابن إلى السلطة، مطلع 2001، شهدت السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط تحولًا ملحوظًا مقارنة بالمقاربة التي سادت خلال إدارة بيل كلينتون. فبينما ارتكزت الرؤية الديمقراطية في تسعينات القرن العشرين على افتراض أن العولمة الاقتصادية وانتشار الديمقراطية الليبرالية والتكامل الإقليمي يمكن أن تؤدي إلى تخفيف الصراعات وإعادة تشكيل النظام الدولي بصورة سلمية، تبنَّت الإدارة الجديدة مقاربة أكثر تشددًا في التعامل مع القضايا الدولية والإقليمية، مقاربة يمكن ربطها مع رؤية صاموئيل هنتنغتون ومقولة صدام الحضارات(6).
ضمَّت الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن عددًا من الشخصيات المرتبطة بتيار المحافظين الجدد، وهو تيار فكري وسياسي يرى أن الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الوحيدة بعد انتهاء الحرب الباردة، ينبغي أن تستخدم تفوقها العسكري والسياسي للحفاظ على النظام الدولي الذي تقوده، ومواجهة التهديدات المحتملة قبل أن تتبلور بصورة كاملة(7). لم تكن مجموعة المحافظين الجدد تنتظر أكثر من مبرر مناسب لبدء الحرب، فجاءت عملية الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وتفجير برجي مركز التجارة العالمي، عام 2001، لتطلق شرارة الحرب الكبرى، أو ما عُرف بـ"الحرب العالمية على الإرهاب". لم تقتصر تلك الحرب على ملاحقة التنظيمات المسلحة بل امتدت لتشمل إعادة النظر في البنى السياسية التي عُدَّت، وفق الرؤية الأميركية آنذاك، بيئات حاضنة للتطرف وعدم الاستقرار.
من هذا المنطلق، انتقلت الولايات المتحدة من سياسة التركيز على التسويات السياسية والتكامل الاقتصادي التي ميزت مرحلة التسعينات إلى مقاربة جديدة تقوم على فكرة التغيير السياسي الجذري وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية من خلال القوة العسكرية والضغط السياسي. وقد تجسد هذا التحول أولًا في الحرب على أفغانستان، عام 2001، ثم بصورة أكثر وضوحًا في غزو العراق، عام 2003. وبذلك دخل مشروع إعادة بناء النظام الإقليمي في الشرق الأوسط مرحلة جديدة اختلفت جذريًّا عن مرحلة التسعينات. فبعد أن كان السلام العربي-الإسرائيلي والتكامل الاقتصادي يُنظر إليهما بوصفهما المدخل الرئيس لإعادة تشكيل المنطقة، أصبحت القوة العسكرية والتغيير السياسي المباشر الأداتين الأساسيتين للمشروع الجديد، فيما عُرف لاحقًا بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" و"نشر الديمقراطية" في المنطقة.
اشتُهرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقابلة الجنرال المتقاعد في الجيش الأميركي والقائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويسلي كلارك، التي كشف فيها عن مذكرة سرية من البنتاغون أُعِدَّت بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، تتضمن خطة لغزو و"إسقاط" سبع دول في غضون خمس سنوات، هي: العراق وسوريا ولبنان وليبيا والصومال والسودان وإيران. لم تكن تلك الخطة المسبقة، والرغبة الجامحة لدى القيادة الأميركية لغزو الشرق الأوسط مجرد استعراض للقوة، إنما كانت تعبيرًا عن قناعة بأن المنظومة الإقليمية للشرق الأوسط لم تعد قادرة على أداء الوظيفة المطلوبة منها لضمان الهيمنة الغربية، والأميركية تحديدًا، وحماية أمن إسرائيل.
في هذا السياق، جاءت فكرة إعادة تشكيل المنطقة بوصفها جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى ترسيخ النظام الدولي أحادي القطبية، الذي نشأ بعد انتهاء الحرب الباردة. ولم يكن المشروع الذي تبنَّاه المحافظون الجدد مقتصرًا على البُعد العسكري بل تضمن أيضًا أبعادًا سياسية وثقافية وفكرية هدفت إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع في المنطقة، وإعادة تعريف مفاهيم الحكم والهوية والمواطنة والتنمية. وقد ارتبطت بهذه المرحلة مجموعة واسعة من المبادرات والمشاريع الفكرية التي طرحت تصورات مختلفة لمستقبل الشرق الأوسط، أسهمت فيها مراكز أبحاث ومؤسسات إستراتيجية أميركية مؤثرة، مثل مؤسسة راند. وتُعَدُّ منظومة القيم "الإبراهيمية" المزعومة، بأبعادها العقدية والسياسية والقيمية، إحدى مخلَّفات تلك المرحلة، والتي جرت بلورتها في أروقة مؤسسات مثل "راند".
ولكن مشروع إعادة تشكيل المنطقة واجه تحديات كبيرة منذ مراحله الأولى. فبعد إسقاط النظام العراقي، عام 2003، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام واقع سياسي وأمني معقد لم تكن التقديرات الأولية قد أخذته بالحسبان بصورة كافية. ومع تصاعد المواجهات وتنامي حركات المقاومة المسلحة السُّنِّية، واتساع النفوذ الإقليمي لإيران، ارتفعت كلفة الحرب البشرية والاقتصادية بصورة متسارعة؛ ما أدَّى إلى تراجع التأييد الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة نفسها، وباتت الكلف الاقتصادية للحرب تظهر من خلال أزمات كان أبرزها أزمة الرهن العقاري، في عام 2008، وما أدَّت إليه من تداعيات كارثية على الاقتصاد الأميركي والعالمي.
وبحلول النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبحت الأولوية الأميركية تتركز بصورة متزايدة على إيجاد آلية تضمن تقليص الوجود العسكري المباشر في العراق ونقل المسؤوليات الأمنية إلى الحكومة العراقية. وفي هذا الإطار، جرى توقيع اتفاقية وضع القوات بين الولايات المتحدة والعراق، عام 2008، التي وضعت جدولًا زمنيًّا للانسحاب العسكري الأميركي، ليتواصل تنفيذ الانسحاب تدريجيًّا حتى اكتماله رسميًّا في نهاية عام 2011.
وهكذا انتهت هذه المرحلة من مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة العسكرية دون تحقيق العديد من الأهداف الطموحة التي رُوِّج لها في البداية. فبدلًا من إنتاج نظام إقليمي أكثر استقرارًا وانسجامًا مع الرؤية الأميركية، أسهمت الحرب العراقية في إطلاق تحولات عميقة أعادت تشكيل موازين القوى الإقليمية، وصعدت فيها إيران بوصفها قوة إقليمية نافذة؛ ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار والصراعات التي استمرت آثارها لسنوات طويلة لاحقة.
وهكذا تحولت الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق بوصفها جزءًا من مشروع أوسع لإعادة هندسة البيئة السياسية للشرق الأوسط إلى ورطة عسكرية وسياسية جاءت نتائجها مختلفة إلى حدٍّ كبير عن التوقعات الأولية. فبدلًا من إنتاج نظام إقليمي أكثر استقرارًا، أسهمت تلك الحروب في تفكيك عدد من التوازنات التقليدية، وفتحت المجال أمام صعود فاعلين جدد من الدول والقوى غير الحكومية، كما عمَّقت من حالة السيولة الإستراتيجية التي باتت سمة رئيسية للإقليم.
خامسًا: الثورات العربية وأزمة النظام الإقليمي
وصل باراك أوباما إلى الرئاسة الأميركية، مطلع 2009، في وقت كانت الولايات المتحدة تواجه تداعيات الحربين في العراق وأفغانستان، إلى جانب الأزمة المالية العالمية. وقد انعكست هذه التحديات على أولويات السياسة الخارجية الأميركية، التي اتجهت نحو تقليص الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط وإعادة التركيز على الملفات الداخلية والاقتصادية. في الأثناء، اندلعت موجة الاحتجاجات والثورات العربية ابتداءً من تونس، أواخر عام 2010، قبل أن تمتد إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا ودول عربية أخرى. وقد وضعت هذه التطورات الولايات المتحدة وحلفاءها أمام تحديات غير مسبوقة؛ إذ وجدت القوى الدولية والإقليمية نفسها أمام تحولات متسارعة لم تكن مستعدة للتعامل معها ضمن إطار إستراتيجي واضح ومتكامل.
وقد بدا التردد واضحًا في مواقف العديد من الأطراف الدولية والإقليمية تجاه هذه الأحداث. ففي بعض الحالات أُعلنت مواقف مؤيدة لمطالب التغيير السياسي والإصلاح الديمقراطي، بينما ظهرت في الوقت ذاته مخاوف متزايدة من التداعيات الأمنية والإستراتيجية التي قد تترتب على انهيار الأنظمة القائمة. كما برزت تباينات داخل مؤسسات صنع القرار الأميركية نفسها، وبين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الإقليميين، بشأن كيفية التعامل مع التحولات الجارية في المنطقة.
ويُعد الموقف من الثورة المصرية أحد أبرز الأمثلة على تلك التناقضات. فقد أبدت إدارة أوباما دعمًا نسبيًّا لعملية الانتقال السياسي بعد سقوط نظام الرئيس حسني مبارك، عام 2011، والدخول في عملية انتقالية بقيادة الجيش انتهت بانتخابات فاز فيها مرشح الإخوان المسلمين بالرئاسة. وقد تقبلت الإدارة الأميركية ذلك(8)، في حين أبدت بعض القوى الإقليمية حذرًا شديدًا تجاه مسارات التغيير، معتبرة أن الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني يمثل أولوية تتقدم على متطلبات التحول الديمقراطي، وقد دعمت هذه القوى انقلابًا عسكريًّا أطاح بالرئيس المنتخب، محمد مرسي.
من هذا المنظور، يمكن فهم جزء من التخبط والجدل الذي صاحب الثورات العربية بوصفه تعبيرًا عن اختلاف عميق في الرؤى بشأن مستقبل النظام الإقليمي. فبينما رأت بعض الأطراف أن المنطقة تحتاج إلى إعادة صياغة بنيتها السياسية بما يتوافق مع المتغيرات الاجتماعية والديمغرافية والاقتصادية الجديدة، فضَّلت أطراف أخرى الحفاظ على التوازنات التقليدية القائمة خشية أن يؤدي انهيارها إلى فوضى إقليمية واسعة النطاق.
في خضم هذه التحولات، بدت الولايات المتحدة أقل قدرة أو أقل رغبة في قيادة عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق رؤية واضحة ومتماسكة، مقارنة بالمراحل السابقة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة أو هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. وبدلًا من ذلك، اتسمت السياسة الأميركية بدرجة من البراغماتية وإدارة الأزمات وفق اعتبارات ظرفية ومتغيرة، في ظل غياب أي إستراتيجية متكاملة تجاه المنطقة، وبات الموقف الأميركي من المتغيرات العاصفة في المنطقة محكومًا بعامل وحيد هو الضرورات الأمنية لـ"تل أبيب". وبذلك يمكن النظر إلى مرحلة الثورات العربية بوصفها لحظة كشفت بوضوح عمق الأزمة التي كان يعيشها النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فقد تراجعت فاعلية الترتيبات السياسية التي حكمت المنطقة لعقود طويلة، دون أن تظهر في المقابل منظومة بديلة قادرة على إنتاج توازنات جديدة ومستقرة. ونتيجة لذلك دخلت المنطقة مرحلة من السيولة السياسية وإعادة التشكل لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم.
يمكن النظر إلى الثورة السورية بوصفها الحدث الأكثر تأثيرًا في بنية النظام الإقليمي الذي تشكَّل في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين. فخلافًا لثورات عربية أخرى بقيت آثارها محصورة إلى حدٍّ كبير داخل الحدود الوطنية للدول التي شهدتها، حملت الثورة السورية منذ بدايتها أبعادًا إقليمية ودولية جعلتها تتجاوز كونها نزاعًا داخليًّا إلى كونها صراعًا جيوسياسيًّا وساحة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
لذلك، كان واضحًا أن نجاح الثورة السورية سيُحدث تغيرات عميقة في التوازنات الإقليمية، وهو ما يفسِّر حجم التدخلات الخارجية التي شهدها الصراع منذ سنواته الأولى. فقد تحولت سوريا إلى نقطة تقاطع لمصالح متعارضة بين قوى إقليمية ودولية عديدة؛ الأمر الذي أسهم في إطالة أمد النزاع وتعقيد مساراته السياسية والعسكرية. وخلال سنوات الثورة، تعرضت البلاد لمستويات غير مسبوقة من العنف والدمار والنزوح، وتداخلت فيها أدوار الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين بصورة جعلت الأزمة السورية واحدة من أكثر أزمات القرن الحادي والعشرين تعقيدًا. كما أدَّى التدخل العسكري الخارجي، بما في ذلك التدخل الروسي المباشر منذ عام 2015، إلى إعادة تشكيل موازين القوى على الأرض، مع ما رافق ذلك من تداعيات إنسانية وسياسية واسعة النطاق.
وإذا كانت الثورات العربية قد كشفت عن عمق الأزمة التي يعانيها النظام الإقليمي، فإن الحالة السورية أظهرت حدود قدرة هذا النظام على الاستمرار بصيغته التقليدية. فحجم التغيرات التي أطلقتها الثورة السورية، وما نتج عنها من تحولات في خرائط النفوذ والتحالفات ومراكز القوة، جعل من الصعب العودة إلى الترتيبات الإقليمية التي سادت خلال العقود السابقة.
في الحقيقة، كان سقوط نظام الأسد في سوريا، والذي جاء بعد أربعة عشر عامًا ملحمية، انتقالًا من مخاطر محتملة لانهيار النظام الإقليمي إلى مرحلة الانهيار الفعلي لهذا النظام، لأن حجم التصدع أصبح أكبر من أن يلتئم مرة ثانية. لذلك، فإن السقوط قادم لا مفر منه، وليس الالتفاف الدولي حول النظام الجديد سوى محاولة لضبط ايقاع هذا السقوط والتحكم في مساراته. لقد انتهى عصر النظام الإقليمي الذي رسمته اتفاقية سايكس-بيكو الكولونيالية، والمنطقة تقف اليوم على أمام مفترق هو الأخطر لأنه سيحدد مستقبلها لعقود وربما لقرن جديد.
من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التحولات الجارية في سوريا بوصفها جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وهي عملية لم تكتمل ملامحها بعد. فالمسألة لم تعد تتعلق بمصير دولة واحدة فحسب، بل بمستقبل منظومة إقليمية كاملة تشكَّلت في ظروف تاريخية مختلفة، وواجهت خلال العقود الأخيرة سلسلة متراكمة من الأزمات والتحديات التي أضعفت قدرتها على الاستمرار.
سادسًا: الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة جديدة
استنادًا إلى هذا المنظور التحليلي، سنحاول قراءة الأدوار والتوجهات السياسية للقوى الدولية والإقليمية الفاعلية في المعادلة الجيوسياسية المعقدة للشرق الأوسط. وسنحاول فهم ذلك من خلال المثال الأبرز، وهو دولة الكيان الإسرائيلي.
لا شك أن هذه الدولة تدرك جيدًا الأبعاد الجيوسياسية والإستراتيجية لسقوط النظام الإقليمي. فإسرائيل وُلدت في سياق هذا النظام، واستمرار وجودها رهين إلى حدٍّ كبير باستمرار قدرة الغرب على التحكم في هذه المنظومة الإقليمية. وإن سقوط هذه المنظومة سيكون شاملًا ولن تكون دولة إسرائيل بمنأى عنه. وكما كانت الحال مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، التي جرى توظيفها من قبل المحافظين الجدد لإطلاق العنان لخطة أميركية كان يجري إعدادها مسبقًا، كذلك جاءت عملية "طوفان الأقصى" لتطلق العنان لخطة إسرائيلية لتغيير الشرق الأوسط، هذه المرة من منظور اليمين الصهيوني الأكثر تطرفًا وأصولية. فهذا التيار يرى تصدعات النظام الإقليمي بوضوح، ويدرك جيدًا آثار الانهيار القادم، وقد قدَّم جوابه على ضرورات المرحلة على الشكل التالي:
إذا كان النظام السياسي في الشرق الأوسط آيلًا للسقوط، وإذا كانت الولايات المتحدة ذاهبة باتجاه نقل مركز اهتمامها نحو صراعها مع الصين وملفاتها الداخلية، فعلى إسرائيل، وقبل أن تدرك القوى الإقليمية الكبرى حالة الفراغ القادمة وتبدأ كل من تركيا وإيران العمل على ملئه، أن تبادر وتملأ هذا الفراغ مستفيدة من الدعم الأميركي غير المحدود من أجل إقامة مشروع "إسرائيل الكبرى". هذا المشروع، على غرابته وعدم واقعيته، يبدو كأنه تحول إلى برنامج عمل فعلي للقيادة الإسرائيلية الحالية.
يقوم هذا المشروع على قناعة راسخة لدى قادة الكيان الإسرائيلي بأن الحفاظ على إسرائيل الصغرى، في ظل انهيار النظام الإقليمي، يستدعي قيام إسرائيل الكبرى. وقد عبَّر الساسة الإسرائيليون عن هذه القناعة بأشكال مختلفة كان أشهرها تصريح رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، خلال مقابلة تليفزيونية على قناة i24News الإسرائيلية، منتصف شهر أغسطس/آب 2025. فعندما قام المُحاور، شارون غال، بعرض تميمة تحمل "خريطة الأرض الموعودة" وسأل نتنياهو عما إذا كان يؤمن بهذه الرؤية، جاء ردُّه المباشر بالموافقة، قائلًا: "بالتأكيد"، واصفًا الخريطة التي عُرضت بأنها تمثل "إسرائيل الكبرى"، ومؤكدًا أنه يرى نفسه في مهمة "تاريخية وروحية" لضمان استمرار وجود الدولة وتأسيسها النهائي(9).
هذا هو حال المنطقة من منظور جيوسياسي، وهكذا يستعد الكيان الإسرائيلي لملء الفراغ الجيوسياسي الذي سيتركه انهيار النظام الإقليمي الراهن. وكل ما يجري في المنطقة من أحداث وحروب تشنُّها إسرائيل في غزة ولبنان، وما تقوم به من توغلات في سوريا وتصريحات بحماية إسرائيل "للدروز" ودولة "الباشان"(10)، التي هي مشروع بن غوريون أصلًا، وصولًا إلى الحرب على إيران، إنما هي خطوات استباقية لفرض هيمنة أمنية وعسكرية، تمهيدًا لهيمنة اقتصادية وتقنية، تقود في النهاية إلى تعديل القيم الثقافية وإعادة تشكيل الهويات في إطار المنظور "الإبراهيمي" و"الشرق الأوسط الجديد"، الذي تسعى إسرائيل لتشكيله ورسم حدوده من الفرات إلى النيل. ولكن، هل سينجح هذا المشروع في ظل التدافع المتصاعد بين مشاريع إقليمية أخرى من داخل المنطقة تسعى لترتيب وضعها الجيوسياسي وفق مصالح دولها وشعوبها؟
(1) تسمية الشرق الأوسط تعكس منظور "المركزية الأوروبية"، وقد صاغتها الإمبراطورية البريطانية والمؤسسات الغربية لتقسيم المناطق الواقعة شرق أوروبا وفقًا لأهميتها الإستراتيجية وموقعها الجغرافي بالنسبة إليها، بدلًا من التعبير عن موقعها الفعلي في العالم. لكنه في هذا السياق يتناسب مع موضوع النظام الجيوسياسي الإقليمي، الذي هو بدوره منتج غربي أوروبي.
(2) بيرسي كوكس (Percy Cox) سياسي بريطاني عاش بين 1864 و1937، كان المستشار السياسي لحملة الإنجليز العسكرية لاحتلال العراق. أسهم في رسم سياسات بريطانيا في المنطقة وفي ولادة عدد من الدول الوطنية في الجزيرة العربية ورسم حدودها.
(3) ظهر خلال العقود الماضية الكثير من الدراسات والكتب التي تشير إلى دعم الاستخبارات الفرنسية للثورة الإسلامية بقيادة الخميني، من أبرزها كتابا:
- "الخميني في فرنسا: الأكاذيب الكبرى والحقائق الموثقة حول قصة حياته وحادثة الثورة"، تأليف هوشنك نهاوندي، الوزير ورئيس جامعة طهران في عهد الشاه. يستعرض الكتاب، الذي صدرت ترجمته العربية عن مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية في الرياض، سنة 2017، تفاصيل المرحلة التي سبقت الثورة وكيف كانت الاستخبارات والمؤسسات الفرنسية تتعامل مع الخميني والمعارضة الإيرانية في باريس.
- "الثورة التي لا يمكن تصورها في إيران" (The Unthinkable Revolution in Iran)، تأليف تشارلز كورزمان، الذي صدر عام 2004 عن مطبوعات جامعة هارفارد. يقدم الكتاب قراءة تحليلية لأحداث عامي 1978 و1979 مستندًا إلى وثائق أمنية ومقابلات، ويناقش الموقف الفرنسي والغربي العام إزاء حركة الاحتجاجات وسقوط الشاه.
(4) فرانسيس فوكوياما، "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، ترجمة فؤاد شاهين، وجميل قاسم، ورضا الشايبي، دار الإنماء العربي، 1993.
(5) شمعون بيريز، "الشرق الأوسط الجديد"، ترجمة محمد حلمي عبد الحافظ، الأهلية للنشر والتوزيع، 1994.
(6) صدام الحضارات (Clash of Civilizations) مقولة ونظرية سياسية شهيرة لعالم السياسة الأميركي، صموئيل هنتنغتون، نشرها أولًا كمقال، عام 1993، ثم وسَّعها في كتابه الصادر عام 1996 بعنوان "صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي". تتلخص النظرية في أن الحروب والصراعات الكبرى في العالم لن تكون في المستقبل بسبب الاختلافات الاقتصادية أو الأيديولوجية، كما كانت الحال في الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية، بل ستكون نابعة من الاختلافات الثقافية والدينية بين الأمم.
(7) من أبرز الشخصيات التي ارتبطت بتوجه المحافظين الجدد:
- ديك تشيني، نائب الرئيس، الذي امتلك نفوذًا واسعًا داخل الإدارة وأسهم في رسم السياسات المتعلقة بالأمن القومي.
- دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع، الذي أشرف على العمليات العسكرية الأميركية في أفغانستان والعراق.
- بول ولفوويتز، نائب وزير الدفاع، وأحد أبرز المنظِّرين لفكرة التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط من خلال التدخل الأميركي.
- إليوت أبرامز، المسؤول عن ملفات الشرق الأوسط داخل مجلس الأمن القومي.
- جون بولتون، الذي شغل مناصب رفيعة في الإدارة قبل أن يصبح سفيرًا لدى الأمم المتحدة، وعُرف بمواقفه المتشددة تجاه خصوم الولايات المتحدة.
- ريتشارد بيرل، رئيس مجلس سياسات الدفاع الاستشاري وأحد أبرز الداعين إلى إسقاط النظام العراقي منذ تسعينات القرن الماضي.
(8) تشير مذكرات الرئيس باراك أوباما "الأرض الموعودة" إلى موقفه الواضح في دعم التغيير في مصر ودوره في تنحي الرئيس مبارك عن سدة الحكم، خلافًا لرغبات العديد من حكام المنطقة الذين حذَّروه من ذلك. صدرت هذه المذكرات مترجمة إلى العربية، عام 2021، عن دار نوفل في بيروت، وقد نقلها إلى العربية كارول حداد وأدونيس سالم وعبد أياس.
(9) انظر: الجامعة العربية تدين تصريحات نتنياهو حول "رؤية إسرائيل الكبرى"، بي بي سي عربي، 13 أغسطس/آب 2025 (تاريخ الدخول: 28 يوليو/تموز 2026)،
https://www.bbc.com/arabic/articles/c5ye5rjvyjro
(10) ترتكز فكرة إقليم "الباشان" (ها-باشان) في الفكر الصهيوني على دمج "إستراتيجية الأطراف" الأمنية مع الجذور الدينية والتوراتية. وتهدف إلى خلق كيانات أو مناطق عازلة موالية لإسرائيل في الجنوب السوري وشرق الأردن وجنوب لبنان. انظر في هذا الموضوع: "إستراتيجية الأطراف" لبن غوريون تعود للواجهة من بوابة "أرض الصومال"، الجزيرة نت، 24 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 28 يوليو/تموز 2026)،