الجفاف والتصحر والهجرة: مضاعفات ومحفزات للصراع في الساحل وغرب إفريقيا

يحلِّل المقال تفاعل الجفاف والتصحر والهجرة القسرية في الساحل وغرب إفريقيا بوصفها عوامل مضاعفة للصراع، ويبين كيف تستغلها الجماعات الإرهابية لتوسيع نفوذها. ويخلص إلى أن الاستقرار يتطلب التكيف المناخي، وإصلاح الحوكمة، وحماية الموارد، وتعزيز الوساطة المجتمعية بدل الاكتفاء بالمقاربات العسكرية وحدها.
تشير التقديرات إلى أن 45% من مساحة اليابسة تصحرت في أفريقيا (الفرنسية)

وثَّقت تقييمات وطنية وإقليمية حديثة في دول الساحل وغرب إفريقيا تصاعدًا في الصراع العابر للحدود، والمدفوع بعوامل مناخية. وكشفت دراسة، في يناير/كانون الثاني 2026، أن التصحر أصبح مقدمة هيكلية للتطرف العنيف في مناطق مثل شمال نيجيريا(1)، بينما أشارت أخرى إلى أن الجماعات الإرهابية والمسلحة في وسط الساحل (مالي وبوركينا فاسو والنيجر) تستغل التدهور البيئي لتحقيق أهدافها(2). وأصدر مؤتمر وزاري إقليمي، عُقد في لاغوس، في مايو/أيار 2026، تحذيرًا عاجلًا بشأن العلاقة بين التدهور البيئي والأمن الإقليمي(3)، إضافة إلى التقرير الصادر، في 3 يونيو/حزيران 2026، عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، الذي أشار إلى أن سرعة وتيرة التصحر وامتداد الجفاف يسهمان في تحوُّل وسط الساحل إلى بؤرة للعنف(4). 

يتناول هذا المقال ظواهر الجفاف والتصحر والهجرة القسرية أو البيئية بوصفها محفزات للصراع في الساحل وغرب إفريقيا، اعتمادًا على الأحداث الأخيرة والتقارير الميدانية المختلفة. ويعترف بأن الجفاف والتصحر؛ إذ لا يسبِّبان بشكل مباشر النزاعات الواسعة العابرة للحدود إلا أنهما يضاعفانها ويفاقمان التهديدات بشكل كبير، ويؤديان إلى تحولات ديمغرافية هائلة من خلال الهجرة، ويُرهقان أنظمة الحكم الهشة.

الجفاف والتصحر والهجرة: ثلاث أزمات متداخلة في الساحل وغرب إفريقيا

احتلت ملفات الجفاف والتصحر والهجرة ساحات النقاش في غرب إفريقيا والساحل، مؤخرًا، نتيجة آثارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية. ويمكن تحديد المقصود بكل منها في النقاط التالية:

أ. الجفاف: يُعَدُّ ظاهرةً بيئية متكررة في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، تتسم بنقص حاد في هطول الأمطار يفوق معدل التبخر السريع. ويزداد هذا الجفاف بوتيرة أسرع من متوسط درجة الحرارة العالمية (بنحو 1.5 ضعف المتوسط العالمي)؛ وهو ما يؤدي إلى تدهور شديد في الأراضي واستنزاف للموارد الطبيعية المشتركة، كما فرض ضغوطًا هائلة على الزراعة المعتمدة على الأمطار والرعي -وهما شريانا الحياة في المنطقة-(5). وتشير النماذج المناخية إلى أن ارتفاع درجة حرارة المحيطين الأطلسي والهندي قد عطَّل دورات الرياح الموسمية التقليدية في المنطقة؛ مما سبَّب بداية "خاطئة" ونهاية مبكرة لمواسم الأمطار السنوية. وبدلًا من توفير ترطيب مستدام للدورات الزراعية فإن أحداث هطول الأمطار القصيرة والحادة، التي تقع في أواخر الموسم، تُحدث فيضانات مفاجئة تجرف التربة السطحية وتغمر المحاصيل الصغيرة؛ مما يقلِّل من إمكانية التنبؤ بالمحاصيل الموسمية(6). وقد قُدِّر لموسم الجفاف الممتد من يونيو/حزيران إلى أغسطس/آب القادم أن يواجه 15.4 مليون شخص انعدامًا حادًّا في الأمن الغذائي في الساحل، وخاصة في ظل الارتفاع التاريخي في أسعار الأسمدة في عام 2025، مع وجود أكثر من 1.5 مليون شخص مُعرَّضين لخطر الانزلاق إلى ظروف طوارئ حقيقية(7).

ب. التصحُّر: يسرِّع المناخ المتقلب التطور الطبيعي للتصحر في غرب إفريقيا والساحل؛ حيث تتحول الأراضي الجافة الهشَّة إلى أراضٍ غير منتجة. وينتج عن انخفاض رطوبة التربة، والرعي الجائر المكثف، وإزالة الغابات المحلية للحصول على الحطب، تدهورٌ مستمر للغطاء النباتي الإقليمي(8). ومع فقدان شبكات الجذور الواقية، تجرف الرياح والمياه التربة السطحية الغنية بالعناصر الغذائية، فتتدهور الأراضي بشكل لا رجعة فيه. ويتجلى هذا في المناطق الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو؛ حيث إن تحويل المراعي المفتوحة التقليدية المرنة إلى قطع أرض مجزأة يقيِّد استخدام الأراضي. ومع التصحر الزاحف جنوبًا، يتقلص الحجم الإجمالي لكل من الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة وأراضي الرعي الغنية بالعناصر الغذائية؛ مما يُفكِّك الحواجز الجغرافية التي كانت تعزل، تاريخيًّا، المناطق البيئية المختلفة.

ج. ظاهرة الهجرة: تُعدُّ الهجرة في المنطقة نمط تنقُّل ديناميكي يتجذر تقليديًّا في العمل الموسمي والتجارة والرعي، ولكنه اليوم يصطدم بالنزوح القسري الحاد الناجم عن الأزمات الأمنية المتفاقمة والصدمات المناخية المتزايدة(9). ويتجلى، باستقراء الإحصاءات منذ عام 2025 في المنطقة، أن ظاهرة الهجرة تصاعدت مع أزمة الأمن في الساحل الأوسط، وتحديدًا في بوركينا فاسو ومالي والنيجر؛ إذ إن الأزمات فيها أدَّت إلى نزوح أكثر من 3.44 ملايين شخص، وأجبرت أعدادًا كبيرة من اللاجئين على التوجه جنوبًا نحو دول سواحل خليج غينيا، مثل ساحل العاج وغانا وتوغو وبنين. كما أن آثار الجفاف والتصحر الحاد، وتناقص موارد المياه، يسرِّعان هجرة المجتمعات الرعوية جنوبًا(10).

وقد أدَّى تشديد الرقابة على الحدود وعمليات الطرد القسري من مراكز العبور في بعض دول شمال ووسط إفريقيا(11) إلى تعطيل رحلات الهجرة التقليدية في المنطقة، وأجبر على التنويع السريع لمسارات العبور؛ مما أدى إلى تحويل مسارات المغادرة البحرية الخطرة جنوبًا، على طول طريق المحيط الأطلسي، إلى أماكن مثل غامبيا. وفي حين أن الغالبية العظمى من الهجرة في غرب إفريقيا تبقى داخل المنطقة، فإن دور العوامل الهيكلية، كالحاجة الاقتصادية وتغير المناخ، في الصراعات بالمنطقة يتضاءل تدريجيًّا؛ حيث لا تسهم إجراءات إنفاذ الحدود إلا في إعادة تشكيل جغرافية المسارات، بدلًا من تخفيف الضغط الأساسي للهجرة.

آثار المباشرة للجفاف والتصحر في غرب إفريقيا والساحل

تتجلى الآثار المباشرة للجفاف والتصحر في أزمة انعدام الأمن الغذائي المزمن في غرب إفريقيا والساحل، وفقدان سبل العيش الريفية، والاستنزاف المنهجي للموارد المائية المشتركة؛ إذ إن كون غالبية الزراعة في المنطقة لا تزال تعتمد على الأمطار بشكل شبه كلي يعني أن المحاصيل الزراعية تتذبذب استجابةً لندرة المياه؛ مما يُدخل المجتمعات الهشة في صدمات اقتصادية(12). كما أن كون مستويات المياه الجوفية وخزانات المياه السطحية الحيوية، مثل حوض بحيرة تشاد، تشهد استنزافًا حادًّا نتيجةً لزيادة التبخر وتصاعد الطلب البشري يعني انخفاضًا في توافر الموارد(13)، وبالتالي انهيار الاتفاقيات الاقتصادية العرفية المحلية، مثل مقايضة مخلَّفات المحاصيل بالسماد الرعوي، التي كانت تُعزز العلاقات بين المزارعين المستقرِّين والرعاة الرُّحَّل(14).

يعمل الجفاف والتصحر والاضطرابات البيئية الناتجة عنهما كعوامل مُضاعفة قوية للمخاطر، تُغيِّر أنماط تنقل سكان المنطقة، وتخلق مواجهات محلية وصدامات(15)، وذلك لأن الرعاة الرحل، بسبب جفاف المراعي الشمالية، يضطرون إلى تغيير مسارات هجرتهم التقليدية، فيدخلون المناطق الزراعية الجنوبية في وقت مبكر من الموسم قبل أن يتمكن المزارعون من حصاد محاصيلهم(16)، وهو ما يخلق حالات تدمير للمحاصيل، ويؤدي إلى مواجهات على المستوى الجزئي والشخصي حول الحقول المداسة والوصول إلى نقاط المياه المتبقية، فتتصاعد هذه المواجهات إلى عنف موسع بسبب الإخفاقات المؤسسية الهيكلية.

الهجرة وتحولها من آلية للتكيف إلى محفز للصراع في غرب إفريقيا والساحل

تطورت طبيعة تنقل البشر في غرب إفريقيا والساحل من إستراتيجية تاريخية استباقية لكسب العيش إلى آلية تفاعلية دائمة للبقاء؛ إذ كانت الهجرة، تقليديًّا، عبر حزام الساحل بمنزلة استجابة دورية مرنة للتغيرات المناخية المتوقعة؛ حيث استخدم الرعاة والعمال الزراعيون الترحال الموسمي عبر الحدود، وتحديدًا ممارسة نقل الماشية بين مراعٍ صيفية وشتوية ثابتة، لموازنة المخاطر الاقتصادية وترشيد استهلاك الموارد الطبيعية. ولكن عدم انتظام هطول الأمطار واستمرار الجفاف قد عطَّلا هذه الممارسة المستدامة؛ إذ يجبر انهيارُ النظم الزراعية المحلية وانخفاضُ منسوب المياه الجوفية سكانَ الريف على النزوح الدائم غير المخطَّط له. وبدلًا من العودة إلى مجتمعاتهم الأصلية بعد موسم يضطرون إلى التخلي عن أراضي أجدادهم؛ مما يُعيد صياغة الهجرة الإقليمية عاملًا هيكليًّا لنقل الأزمات، ينقل مواطن الضعف المحلية إلى مناطق جغرافية جديدة(17).

وباستقراء أحداث السنوات الأخيرة في المنطقة، يتجلى أن هذا النزوح الدائم يسلك مسارين جغرافيين مختلفين، يخلق كل منهما نقاط ضعف اجتماعية واقتصادية وضغوطًا على إدارات المراكز والبلديات. يتمثل المسار الأول في تدفق داخلي مكثف من الريف إلى المدن بسبب الجفاف والتصحر وغيرهما من الاضطرابات المناخية، يُغذِّي توسعًا سريعًا وغير مُدار في العواصم الرئيسية والمدن الثانوية، مثل نيامي (في النيجر)، وباماكو (في مالي)، وواغادوغو (في بوركينا فاسو)(18). وهذا التدفق المفاجئ للمهاجرين والنازحين يرهق قدرة البلديات والمراكز الحضرية والبنية التحتية، بما في ذلك شبكات الكهرباء وأنظمة إدارة النفايات ومرافق الصحة العامة، كما يزيد من ارتفاع معدلات البطالة الهيكلية، ونقص حاد في المساكن، وتقلبات أسعار المواد الغذائية. ونتيجةً لذلك، تُصبح بعض المستوطنات العشوائية المتنامية في ضواحي هذه المدن "مراكزَ حرمان" قد توفر بيئة خصبة للتجنيد من قبل العناصر المسلحة غير الحكومية، إلى جانب اضطرابات مدنية بسبب التوزيع غير العادل للموارد والخدمات البلدية(19).

يتمثل المسار الثاني في حركة عبور حدودية دائمة من الشمال إلى الجنوب؛ حيث تهاجر مجتمعات الرعاة في شمال الساحل إلى مناطق السافانا الأكثر رطوبة وخصوبة، ومناطق الغابات بدول سواحل خليج غينيا. كما هي الحال مع معاناة مراعي الرعي التقليدية في مالي والنيجر من جفاف شديد واستنزاف للتربة، التي تجبر الرعاة على التحرك الهيكلي جنوبًا نحو دول مثل نيجيريا وغانا وساحل العاج، وتُقرِّب رعاةَ الفولاني شبه الرُّحَّل، ومعظمهم مسلمون، من مجتمعات زراعية مستقرة، ومعظمهم مسيحيون، في المناطق الداخلية لدول الخليج على مدار العام. وهذا التداخل الجغرافي غيَّر أنماط استخدام الأراضي المحلية، محوِّلًا ما كان في السابق مراعيَ موسمية مؤقتة إلى مواجهة مباشرة على تلف المحاصيل بسبب الحقول المداسة، ومنافسة دائمة على قطع أرض صالحة للزراعة وممرات المياه العذبة المتضائلة(20).

وبينما تبدأ هذه المواجهات العنيفة على الموارد على المستوى الشخصي إلا أنها تتصاعد بوتيرة سريعة بسبب ضعف الحوكمة الريفية وإخفاقات مؤسسية هيكلية، مثل آليات حل النزاعات التقليدية المحلية، بما في ذلك اتفاقيات الرعي الإقليمية ومعاهدات الترحال الرعوي التي نظَّمتها الأجيال، واتفاقيات الوصول المشترك إلى الموارد التي كانت تحدد التوقيت الدقيق لتحركات القطعان، وتضع تدابير تعويضية عن الأضرار العرضية التي تلحق بالمحاصيل، وغيرها من الآليات التقليدية التي انهارت بسبب الحجم غير المسبوق للهجرة والنزوح غير المنظم والمدفوع بتغير المناخ وغيرهما.

ولأن الرعاة يصلون خارج النطاق الزمني التاريخي، وهم مجبرون على البقاء لأجل غير مسمى، فإن المعاهدات المحلية القائمة تعجز عن توفير أطر كافية لتقاسم الموارد على المدى الطويل. وفي غياب وساطة محلية عملية فاعلة، تتصاعد المخالفات البسيطة المتعلقة بالملكية، مثل دوس الماشية للحقول أو استخدام مصادر المياه في القرى. وفي مناطق مثل الحزام الأوسط في نيجيريا وشمال غانا، سرعان ما يستغل المضاربون السياسيون وأطراف أخرى هذه المواجهات الصغيرة والمظالم غير المسوَّاة، ويؤطِّرون التنافس على الموارد على أسس عرقية ودينية صارمة، محوِّلين الاحتكاك البيئي البسيط إلى نزاعات طائفية منتشرة وطويلة الأمد.

توظيف الأزمات البيئية والهجرة في تمدد الجماعات الإرهابية

أصبحت ظواهر الجفاف والتصحر والهجرة ضمن الإستراتيجيات التي تستغلها الجماعات الإرهابية والمتمردة لتوسيع نطاق سيطرتها الإقليمية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا. ويتجلى ذلك في استخدام "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" وتنظيم "داعش في الساحل" و"بوكو حرام" الصدماتِ البيئيةَ الناتجةَ عن تلك الظواهر، من خلال ملء الفراغات الإدارية التي خلَّفتها سلطات الدولة العاجزة. فعلى سبيل المثال، في المناطق التي تعاني من ندرة مياه شديدة وتآكل التربة، تقدم هذه الجماعات حوافز اقتصادية بديلة، وإدارة أساسية للموارد، وحماية محلية للسكان اليائسين، مستخدمةً المصاعب البيئية أداةً لتدعيم التطرف وتعزيز عمليات تجنيد مقاتلين جدد. كما أن فقدان آليات العيش التقليدية يعني أن مجتمعات بأكملها تواجه فقرًا هيكليًّا مفاجئًا يجعل الفئات العمرية الشابة عرضةً لتبنِّي مصادر دخل بديلة غير مشروعة، بما في ذلك الانضمام إلى الأنشطة الإجرامية والإرهابية(21).

وتنصِّب الجماعات الإرهابية نفسها حُماةً مسلحين لفصائل إثنية نازحة محددة عند اشتعال الصدامات والتنافس على الموارد الريفية، محولةً بذلك المظالم الزراعية المحلية إلى جبهات نشطة للتمردات الإرهابية. وقد سهَّل هذا التكتيك امتداد العنف عبر الحدود بشكل واضح. فعلى سبيل المثال، نجحت خلايا مسلحة إرهابية ناشئة، مثل جماعة "لاكوراوا" و"محمودا"، في التلاعب بالمناطق الحدودية لإنشاء مناطق نفوذ متصلة تتأرجح بين منطقة الساحل الأوسط وشمال نيجيريا. ومن خلال هذه الديناميكية، تسخِّر هذه الخلايا النزوح القسري وممرات الهجرة غير المنضبطة سلاحًا لتقويض أمن الحدود، وتعطيل هياكل التجارة الإقليمية، وإنشاء ملاذات آمنة تكتيكية في جميع أنحاء المنطقة، إضافة إلى ما سُجِّل من وجود مخبرين للجماعات الإرهابية ضمن لاجئين ومهاجرين في بعض المجتمعات بالمنطقة.

مسارات مواجهة الجفاف والتصحر والهجرة في الساحل وغرب إفريقيا

يتطلب التصدي للعوامل المتشابكة المتمثلة في الجفاف والتصحر والهجرة القسرية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا التقييم النقدي للتدخلات البرنامجية والحلول القائمة؛ إذ عانت هذه التدخلات، على مستوى الدولة، من فجوة بين الإنفاق والنتائج؛ حيث فشلت مخصصات الدفاع الوطني في كبح جماح التقلبات الإقليمية نتيجة الإهمال المؤسسي للعوامل البيئية والهيكلية(22). وإدراكًا لدور التدهور البيئي في تفاقم الأزمات الأمنية والصراع في المنطقة، تحتاج السياسات الإقليمية المعاصرة إلى التركيز على كيفية التكيف مع تغير المناخ بوصفه حجر الزاوية في استقرار الدولة، مع التعامل مع شبكة معقدة من الإصلاح البيئي، والتحديثات القانونية المؤسسية، والانتقال، الذي طال انتظاره، من العمليات العسكرية التقليدية إلى أطر الأمن البشري(23).

وقد أظهرت مختلف مبادرات الإصلاح البيئي الجارية التناقض الصارخ بين التصميم المركزي للدولة والواقع المحلي؛ فمبادرة "الجدار الأخضر العظيم"، التي صُمِّمت في الأصل حاجزًا متصلًا من الأشجار بطول 8000 كيلومتر لوقف زحف الصحراء الكبرى، واجهت منذ فترة عقبات تشغيلية هائلة، ولم تحقق سوى جزء ضئيل من هدفها في إعادة تأهيل الغابات بسبب تشتت التمويل الدولي وضعف دمج المجتمعات المحلية في المبادرة(24). وقد أظهرت تقييمات نقدية حديثة أن زراعة الأشجار التي تفرضها الحكومة غالبًا ما تفشل؛ لأن السكان المحليين، الذين هم في أَمَسِّ الحاجة إلى الغذاء، يفتقرون إلى الحوافز الاقتصادية للحفاظ على الشتلات والأشجار غير المنتجة أو "غير المثمرة"(25).

وفي المقابل، حققت الزراعة الحراجية بقيادة المجتمعات المحلية، وإعادة تأهيل الغابات الطبيعية التي يديرها المزارعون، والتي تُعطي الأولوية لأنواع ذات قيمة بيئية واجتماعية، مثل نخيل التمر، معدلات نجاح أعلى؛ حيث تُزوِّد صغار المزارعين المحليين بأعلاف الماشية، والفواكه الصالحة للأكل، ومواد البناء المستدامة. وهذه الجهود غير المركزية متعددة العوامل تنجح لأنها تُوَافِق بين المعرفة البيئية المحلية والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الملموسة، مع أن دراسات قد كشفت أن توسيع نطاقها يتطلب الابتعاد عن أدوات التمويل المناخي الدولي قصيرة الأجل والمثقلة بالديون، والتي تُهيمن حاليًّا على أطر التكيف المناخي بمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وهناك حاجة ماسَّة إلى تخفيف حدَّة الاحتكاك بين الرعاة الرحل والمزارعين من خلال إصلاحات مؤسسية عميقة تسد الفجوة بين القوانين الوطنية الرسمية وممارسات حيازة الأراضي العرفية. ومن أبرز الحلول المؤسسية إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاقيات المحلية، وتحديث الممرات الرعوية المُخصصة لتوجيه تدفقات الرعي والحد من التعدي على المحاصيل. ففي وسط مالي، مثلًا، أدَّى تطبيق الاتفاقيات المحلية بموجب قانون التوجيه الزراعي إلى خلق مساحات حوار مُنظمة يتفق فيها المزارعون المستقرون والرعاة الرحل جماعيًّا على حدود المراعي، وهي خطوة نجحت في تهدئة النزاعات على الموارد قبل تحولها إلى عنف واسع. ومع ذلك، تواجه عمليات تحديد الحدود المكانية لهذه المبادرة ضغوطًا تشغيلية؛ حيث تُجبر التغيرات المناخية الحادة الرعاة على الخروج عن الممرات القانونية الثابتة(26).

يضاف إلى ما سبق أن إصلاحات حيازة الأراضي الشاملة لا تزال تعاني من قصور شديد؛ إذ يُظهر أكثر من نصف الدول الإفريقية عزوفًا مؤسسيًّا عن الاعتراف القانوني بالمشاعات العرفية كملكية مشروعة للمجتمعات الريفية. وبدون تسجيل جماعي للأراضي لحماية المراعي المشتركة والغابات المجتمعية من التخصيص التجاري للدولة أو التعدي الزراعي، تُحرَم المجتمعات الريفية الضعيفة من أراضيها بشكل روتيني؛ مما يُقوِّض أطر إدارة الموارد التي تحمي المناطق الحدودية من اندلاع الصراعات.

جدير بالذكر أن تحقيق السلام طويل الأمد في دول المنطقة، وخاصة الساحل، يتطلب الانتقال الجذري من الاستجابات العسكرية الحركية البحتة إلى التنمية القادرة على الصمود في وجه تغير المناخ، وحل النزاعات على المستوى المحلي؛ إذ، لأكثر من عقد من الزمان، أَوْلَت إستراتيجيات الأمن الوطنية والدولية في المنطقة أولوية قصوى لعمليات مكافحة الإرهاب العسكرية المكثفة، وهو نهج فشل باستمرار في تحييد حركات التمرد والإرهاب؛ لأنه يتجاهل الدوافع الهيكلية للتطرف، والتي تشمل إساءة استخدام السلطة من قبل مسؤولي الحكومة، والإجراءات خارج نطاق القضاء، والغياب التام للمؤسسات القضائية الرسمية في المناطق الحدودية النائية. وهناك ضرورة لنزع سلاح الدورة العنيفة من خلال استخدام مبادرات التكيف المناخي إستراتيجيةً غير عسكرية لمكافحة الإرهاب، وذلك بدمج برامج أمنية رسمية قائمة على المجتمع، وتقنين الوساطة في الموارد عبر الحدود، وتوفير شبكات أمان اجتماعي واقتصادي موجهة للسكان النازحين بيئيًّا، وغيرها من الأمور التي تعزز استبدال مرونة مستدامة ومنهجية بـ"اقتصاد الفدية"، وتمكِّن من تفكيك دوافع العيش الاقتصادية التي تستغلها الجماعات المسلحة لتجنيد الشباب(27).

خاتمة

يُستنتَج مما سبق أن الجفاف والتصحر والهجرة عوامل بيئية مُضاعِفة للصراع بمنطقة الساحل وغرب إفريقيا، وتفاقم مواطن الضعف الهيكلية: الحوكمة، والقضايا المجتمعية والتاريخية والاقتصادية. ويُشكِّل التقاء هذه العوامل بُعدًا حاسمًا في العنف الهيكلي والصراعات المجتمعية في المنطقة؛ فموجات الجفاف الشديدة والتصحر تجبر الرعاة الرحل على التوجه جنوبًا نحو المناطق الزراعية الخصبة؛ مما يؤدي إلى منافسة حادة ومواجهات بين الرعاة والمزارعين المستقرين على موارد الأرض والمياه المتضائلة. وتتحول هذه المواجهات المحلية إلى صراعات سياسية على أسس إثنية ودينية، لتتفاقم إلى نزاعات مجتمعية مسلحة طويلة الأمد. كما يسهم الفراغ الإداري الحاد وفشل أطر الوساطة التقليدية في زعزعة استقرار المناطق الحدودية النائية، فيُجبر سكان الريف على تشكيل جماعات مسلحة للدفاع عن أنفسهم أو الانضمام إلى الجماعات المسلحة وطلب مساعدتها.

وتستغل الجماعات الإرهابية هذا التدهور البيئي وفجوات الحوكمة لتوسيع نفوذها، وتتغلغل في المجتمعات التي تشعر بالتهميش من خلال توفير الدخل والحماية. وبدلًا من الاعتماد على الأيديولوجيا، تُرسِّخ هذه الجماعات أنظمة حوكمة وقواعد استخدام موارد موازية، محولةً بذلك المظالم الاقتصادية والاجتماعية المحلية إلى مصدر للتجنيد. وعليه، يتطلب كسر هذه الحلقة المفرغة الابتعاد عن نموذج الحل العسكري البحت في مكافحة الإرهاب، والتوجه نحو خطط استقرار شاملة تدمج بين التكيف المناخي، وإصلاح حيازة الأراضي، وتعزيز الوساطة المجتمعية.

نبذة عن الكاتب

مراجع

1. Joshua, Yuwa Dooyum. "Desert Encroachment Preceding Insecurity: A Silent Crisis in Nigeria's Sahel Region." Journal of Climate Change and Pollution 2, no. 1 (2026): 24-25.

2. Diori, H. I., Langnel, Z., Jansiri, N., & Okafor, E. N. (2026). Protracted violence and insecurity: a quantitative analysis of persistent drivers of rising conflict in the Sahel. Frontiers in Political Science, 8, 1763275.

3. “West and Central Africa Urges More Climate Funding as Displacement Rises.” International Organization for Migration, 15 May 2026, https://tinyurl.com/s2kj9mjh (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2026)

4. “24 million people in the Sahel urgently need aid and the world needs to do more.” UN's Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), 3 June 2026, https://tinyurl.com/bdrt5d97 (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2026)

5. “The Sahel and the Challenges of Climate Change.” Alliance Sahel, https://tinyurl.com/3ntfaax9 (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2026)

6. Larémont, Ricardo René. "Climate change and conflict in the Western Sahel." African Studies Review 64, no. 4 (2021): 748-759.

7. مصدر سابق:

“24 million people in the Sahel urgently need aid and the world needs to do more.” UN's Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA).

8. “Drivers of Land Degradation in the Sahel.” Spatial Agent, https://tinyurl.com/56f9fben (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2026)

9. Abraham Ename Minko. “On Shifting Sands in Africa’s Sahel Region: Tensions between Security and Free Movement.” Migration Policy Institute, https://tinyurl.com/yc244hjm (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2026)

10. International Organization for Migration (IOM), “DTM West and Central Africa — Liptako Gourma and Central Sahel Crisis Dashboard 65 (February 2026)”. IOM, West and Central Africa, Mar 26 2026, https://tinyurl.com/3faf7rr4 (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2026)

11. “Quarterly Mixed Migration Update: West Africa, Quarter 1, 2026.” MMC/Reliefweb, 28 Apr 2026, https://shorturl.at/OOCFW (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2026)

12. Benjamin, Eneasato Onyekachi. "Climate Change, Resource Scarcity, and Cross-Border Conflict: The International Dimensions of Farmer-Herder Violence in West Africa." INOSR Arts and Management, (2026), 12(1), 19–34.

13. Mahmood, A. “The G5 Sahel: At the nexus of fragility, conflict, and climate”. International Growth Centre (2025), Policy Brief, https://shorturl.at/IKxIs (تاريخ الدخول: 9 يونيو/حزيران 2026)

14. مصدر سابق:

Benjamin, Eneasato Onyekachi. "Climate Change, Resource Scarcity, and Cross-Border Conflict: The International Dimensions of Farmer-Herder Violence in West Africa."

15. المصدر السابق.

16. Ndimbo, Gabriel Kanuti, and Faraja Sanga. "Climate-induced stress, migration and the escalation of farmer-herder conflicts in Sub-Saharan Africa: a systematic review." Cogent Social Sciences 12, no. 1 (2026): 2646711.

17. المصدر السابق.

18. OECD, African Development Bank, Cities Alliance, & United Cities and Local Governments of Africa. (2025). Africa's urbanization dynamics 2025: Planning for urban expansion. OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/2a47845c-en ; Cepero, Oriol Puig. "A climate of migration in the Sahel: between mobility and immobility." Vegueta: Anuario de la Facultad de Geografía e Historia 26, no. 1 (2026): 181-202.

19. مصدر سابق: Benjamin, Eneasato Onyekachi. "Climate Change, Resource Scarcity, and Cross-Border Conflict: The International Dimensions of Farmer-Herder Violence in West Africa." ;

Fobi, Solomon, and Cai Lianyu. "Urban Migration Policies, Migrant Contributions, and Rural Development: Evidence from Ghana." Journal of Urban and Rural Studies, no. 1 (2026), 112–128.

20. المصدر السابق.

21. Aina, Folahanmi, and John Sunday Ojo. "(De) Weaponizing Climate-Induced Recruitment: Prospects of Climate Change Adaptation as a Non-Kinetic Counter-Terrorism Strategy in the Lake Chad Basin Region." Global Society 39, no. 4 (2025): 446-469.

22. Umar, S. U. (2026). Non-kinetic governance strategies as a panacea for state fragility and banditry in Northwest Nigeria. African Journal of Social Sciences and Humanities Research, 9(2), 131–149.

23. مصدر سابق:

Aina, Folahanmi, and John Sunday Ojo. "(De) Weaponizing Climate-Induced Recruitment: Prospects of Climate Change Adaptation as a Non-Kinetic Counter-Terrorism Strategy in the Lake Chad Basin Region."

24. Medina-Serrano, Natalia, Anne-Geneviève Bagnères, Mouhamadou Moustapha Ndiaye, Valentin Vrecko, Doyle McKey, and Martine Hossaert-McKey. "Seasonal variation in insect assemblages at flowers of Balanites aegyptiaca, an ecologically and socially important tree species in the Ferlo region of Senegal’s Great Green Wall corridor." Peer Community Journal 6 (2026), 6, e37.

25. المصدر السابق.

26. Ba, Baba, Hippolyte Affognon, and Fiona Flintan. "From conflict to collaboration: how local natural resource management conventions foster peacebuilding between farmers and herders in central Mali." Disasters 50, no. 2 (2026): e70043.

27. مصدر سابق:

Aina, Folahanmi, and John Sunday Ojo. "(De) Weaponizing Climate-Induced Recruitment: Prospects of Climate Change Adaptation as a Non-Kinetic Counter-Terrorism Strategy in the Lake Chad Basin Region."