الفلان والجهادية في الساحل الإفريقي: من المظلومية إلى التمرد المسلح

يتناول النص تحولات الجهادية الفلانية في الساحل، مبينًا جذورها التاريخية، وعوامل تهميش الفلان، وصعود كتيبة تحرير ماسينا بقيادة أمادو كوفا، وعلاقة هشاشة الدولة والصراعات العرقية بتوسع الجماعات المسلحة، مع استشراف سيناريوهات المستقبل بين التصعيد العرقي، والفراغ الأمني، والتسويات المجتمعية.
انتشار السلاح أحد عوامل الصراع والحروب في منطقة الساحل الأفريقي (وكالة الأنباء الفرنسية)

الفلان قومية تقطن دولًا عديدة في القارة الإفريقية، وتُعد واحدة من أكبر المجموعات العرقية في الساحل وغرب إفريقيا، وتشكِّل أقلية في كل الدول باستثناء غينيا. اعتنق الفلان الإسلام مبكرًا، ونشروه في أدغال القارة الإفريقية. لم يقتصر دور الشعب الفلاني في المنطقة على الجانب الديني بل أقاموا لأنفسهم سلطنات إسلامية مستقلة. ومع اشتعال الأزمة في منطقة الساحل الإفريقي، وجد الفلان أنفسهم في قلب العاصفة، قبل أن يتعرضوا للاستهداف العسكري، بعد أن تم تصنيفهم من بعض الحكومات في دول الساحل بأنهم حاضنة للجماعات الجهادية؛ مما أدَّى إلى تعرضهم للانتقام من قبل القوات المالية والفرنسية، ومؤخرًا من قبل فاغنر التي صارت تُعرف بالفيلق الإفريقي في الجيش الروسي، بعد أن استعانت بها سلطات المجلس العسكري الحاكم في دول الساحل.

الفلان في الساحل الإفريقي: الامتداد التاريخي والجغرافي

ينتشر شعب الفلان في غرب القارة الإفريقية، فهم مجموعة عرقية كبيرة، تتوزع على امتداد حوالي 20 دولة، من موريتانيا والسنغال غربًا إلى السودان شرقًا، غير أنهم أقلية في كل الدول التي ينتشرون فيها، ما عدا غينيا كوناكري. ويعود ذلك إلى طبيعة نشاطهم الاقتصادي الذي يعتمد على الحل والترحال وتتبُّع مساقط الغيث؛ فيتحركون في ربوع السهول والصحاري بحثًا عن الكلأ لقطعان أبقارهم، وبذلك صار الفلان من أكبر القوميات شعبية وانتشارًا في القارة الإفريقية(1).

لقد اختلف علماء الأنثروبولوجيا والتاريخ واللغات في تحديد أصول الفلانيين اختلافًا كبيرًا يصل إلى حدِّ التناقض، فقد عجز المؤرخون عن إثبات أصلهم حتى اليوم؛ فالبعض يُرجع أصولهم إلى أصول صومالية أو نوبية، ومنهم من يقول إنهم من أصول هندية، ومنهم من يقول إنهم من أصول عربية حميرية، ومنهم من يقول إنهم من أصول سريانية يهودية.

يُطلق الفلان على أنفسهم "فُلْبِي"، ويطلق عليهم شعب سيراليون وغامبيا وشعب الماندليك في مالي "فله"، أما شعب الولوف في السنغال فيطلق عليهم "بُولُّ"، وفي موريتانيا يُعرفون -وهي التسمية التي تطلقها عليهم قبائل الطوارق- بـ"فله"، والهوسا أطلقوا عليهم "فولاني"، وفي بلاد الكانوري "البرنو" يُعرفون بـ"الفلاتا"(2).

اعتنق الفلانيون الدين الإسلامي منذ قديم الزمان؛ إذ قاموا بدور كبير في نشر تعاليم الإسلام في مختلف مناطق الغرب الإفريقي، وذلك من خلال تحفيظ القرآن وتدريس علوم الحديث والفقه في حلقات المساجد ودور العلماء والمشايخ(3). كما تولوا إدارة القضاء والإمامة والخطابة والحسبة والمظالم. ولم يقتصر دور الفلان على الجوانب الدينية، كما أنهم أسسوا لأنفسهم ممالك إسلامية مستقلة دقيقة التنظيم، ومن أهمها دولة الأئمة في كل من فوتا تورو وفوتا جالون، وإمبراطورية سكتو الإسلامية بزعامة ابن فودي، بالإضافة إلى دولة "الدينا" في ماسينا التي أسسها أحمد بن أحمد لبو(4).

كان الفلان رأس الحربة في التصدي للقوى الاستعمارية في منطقة الساحل الإفريقي، وبعدما بسط الاستعمار الفرنسي نفوذه على المجال الجغرافي الذي كانوا يحكمونه، "ماسينا"، ظل الفلان يعيشون في عزلة تمليها طبيعة حياتهم البدوية، بالإضافة إلى رفضهم القاطع للتعاطي مع القوى الاستعمارية، فقد عاشوا على هامش مناطق نفوذ الاستعمار، متجنبين؛ ما أمكن، الاحتكاك به أو بحلفائه، ومبتعدين عن المدن والمؤسسات والمدارس. وظلت القطيعة السمة البارزة، حتى في الدولة الوطنية ما بعد الاستعمار، في كثير من الأوقات(5).

يُعد الفلان من أكبر القوميات التي تسكن الساحل الإفريقي. عُرفت منطقة الساحل في الأدبيات التاريخية بوصفها حزام التَّماس بين الشمال الإفريقي وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهي، من منظور الجغرافيا، تمثل شريطًا جغرافيًّا ممتدًّا من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي. لكن تسمية الساحل، مصطلحًا جيوسياسيًّا حديثًا، أضيق من التعريف الجغرافي آنف الذكر؛ إذ تقتصر على منطقة تشمل خمس دول، هي: تشاد، والنيجر، وبوركينا فاسو، ومالي، وموريتانيا، وكلها تقع في الحزام الصحراوي، وتُعد بلدانًا حبيسة لا تتوفر على إطلالات بحرية، باستثناء موريتانيا المطلة على المحيط الأطلسي(6).

هشاشة الدولة في الساحل الإفريقي: الأسباب والتداعيات

في ظل عالم مضطرب في القارة الإفريقية، تبقى وضعية الهشاشة إحدى القضايا المحورية التي تؤثر على الاستقرار. ومع استمرارية الاضطرابات في الساحل الإفريقي، أصبحت مستويات الهشاشة مرتفعة في الساحل؛ فتوسعت الجماعات الجهادية، كنصرة الإسلام والمسلمين في كلٍّ من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إلى جانب تزايد الجريمة المنظمة، كتهريب الأسلحة والمخدرات والاتجار بالبشر(7).

بالإضافة إلى جبهة تحرير أزواد ذات النزعة الانفصالية، أصبحت الجماعات المسلحة أكثر اندماجًا في الاقتصاد غير الرسمي، بما يعزز قدرتها على الاستمرار رغم الجهود الأمنية. وانسحاب ثلاث من دول الساحل هي: مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "الإكواس"في العام 2024، وتأسيسها لمنظمة منفصلة تحت اسم تحالف دول الساحل، شكَّلَ انقسامًا جيوسياسيًّا، وأدَّى -لاحقًا- إلى تفاقم الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية(8).

تُعد ظاهرة الدولة الهشة في الساحل تحديًا كبيرًا للأسرة الدولية؛ إذ تواجه تحديات كبيرة في مجالات الحكم الرشيد والحوكمة والأمن القومي والتنمية، كما تعاني من ضعف هياكل الحكم والقانون وانعدام الشفافية والعدالة الاجتماعية. لذا، تُعد إشكالية الأمن الإقليمي في الساحل من أكثر الإشكاليات تعقيدًا، نظرًا لارتباطها ببيئة إستراتيجية تتداخل فيها الصراعات الجيوسياسية والتوازنات غير المستقرة وتعدد الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، فضلًا عن تداخل التأثيرات الدولية والإقليمية في منظومة واحدة يصعب فصل مستوياتها أو عزل متغيراتها(9).

الدولة الهشة هي التي تعاني من ضعف في هياكلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتفتقر إلى القدرة على توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها وضمان الأمن والاستقرار. وبالرغم من تعدد تعريفات الدولة الفاشلة، إلا أن جميع الصفات يمكن القول بأنها تتوافر في دول الكونفيدرالية: مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر؛ إذ إنها فشلت في فرض سيطرتها على كامل التراب الوطني، وعدم قدرة الحكومات على حماية حدودها من الاختراقات الخارجية(10).

افتقاد الأنظمة الحاكمة إلى الشرعية، وانعدام التداول السلمي للسلطة، وتفشي الفساد والمحسوبية، وغياب دولة القانون، فضلًا عن الانقسام المجتمعي في تغذية الصراعات الإثنية، وتنامي النزعات الانفصالية لدى الأقليات في دول الساحل(11). وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى عدد من العوامل والأسباب لفشل الدول في الساحل:

أولًا: اللجوء إلى الخيارات والوسائل غير الدستورية كمسارات سهلة للوصول إلى السلطة، كالانقلابات العسكرية كوسيلة للاستيلاء على السلطة وإجهاض مسار الانتقال الديمقراطي. فقد عانت دول الساحل، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، من ذلك منذ 2020؛ إذ انتشرت عدوى الانقلابات العسكرية، وذلك من خلال تقديم بعض المبررات بأن الدولة الوطنية هي في الأساس مصطنعة من قبل القوى الاستعمارية، لذا تعمل لصالح القوى الإمبريالية من خلال النخب السياسية الموالية لها؛ مما أدَّى إلى فشل الحكومات الوطنية في تحقيق الأمن والتنمية(12).

ثانيًا: الهشاشة الاقتصادية، واستمرار سياسات التهميش والإفقار، ارتبطا بالتطور التاريخي للدولة الوطنية؛ مما أسهم في تنامي معدلات الفقر والتضخم، وزيادة أعباء الديون، وذلك يعود إلى فساد النخب الحاكمة وانعدام الشفافية والحوكمة(13).

ثالثًا: الصراعات الأهلية والنزعات الانفصالية. يُعد انتشار الجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي بمنزلة إعلان لفشل الدولة في القيام بوظائفها الأساسية، وعلى رأسها الوظيفة الأمنية؛ إذ تسيطر الجماعات المسلحة على مساحة واسعة من دول كونفيدرالية الساحل، وحيث استمرت المواجهات العسكرية بين الحكومات والجماعات المسلحة؛ مما عزز الانتماءات العرقية والدينية لدى العديد من القوميات في الساحل(14).

أمادو كوفا والتحولات الجهادية للفلان في الساحل

تأسست كتيبة تحرير ماسينا في العام 2015 على يد الداعية الفلاني أمادو كوفا، بعد سلسلة من التحولات التي شهدتها مالي عقب التدخل الفرنسي، عام 2013، عبر عملية سيرفال؛ مما أدى إلى تفكك تحالف الحركات المسلحة التي كادت أن تسيطر على العاصمة، باماكو. واستمدت الكتيبة تسميتها من إمبراطورية ماسينا الإسلامية، في محاولة لإحياء إرث الهوية الفلانية في الساحل(15).

رسَّخت كتيبة ماسينا نفوذها في دلتا النيجر، وتمكنت من تثبيت موطئ قدم لها في كلٍّ من ولايتي موبتي وسيغو، ثم توسعت غربًا نحو كولي ونيورو، وجنوبًا إلى شمال بوركينا فاسو، وشرقًا حتى تخوم تمبكتو(16).

لم يكن التمدد مجرد انعكاس لانهيار الأجهزة الأمنية بل نتاجَ إستراتيجية متعددة الأبعاد ارتكزت على استغلال الشعور الجمعي بالمظلومية لدى الفلان بعد أن كان آخر رئيس للجمهورية في مالي منهم ألفا عمر كوناري؛ إذ رأس البلاد لفترتين من 1992 وحتى 2002، ويُعد أول رئيس منتخب، وأعاد مقاليد الحكم إلى سلفه بعد انتهاء ولايته المنصوص عليها دستوريًّا، بالإضافة إلى تعامل الجيش المالي غير المنضبط، وتورطه في انتهاكات استهدفت المدنيين الفلان؛ مما أدى إلى إذكاء الصراع(17).

تبنَّى أمادو كوفا إستراتيجية لم تكن معهودة لدى الجماعات الجهادية من قبل، وهي إبراز تهميش الفلان بوصفها قومية تعد نفسها مضطهدة في دول غرب إفريقيا، وبالأخص في الساحل. وقد عمد الزعيم كوفا، في خطبه وخطاباته ورسائله المنتشرة على نطاق واسع، إلى مخاطبة الفلان، وحثهم على الانضمام إلى صفوف حركة تحرير ماسينا(18). لذا أصبحت الجبهة أسرع الجماعات الجهادية نموًّا، وتوسعت في الساحل الإفريقي متجاوزة حدود مالي بل امتد تأثيرها إلى دول خليج غينيا وساحل العاج وتوغو وبنين، واستطاعت استقطاب أعداد كبيرة من الشباب من الرعاة وطلاب المدارس الدينية، وتمكنت من تنفيذ هجمات عنيفة في الساحل وبعض دول خليج غينيا، لتصبح القوة الضاربة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي(19)، بالإضافة إلى تسيير الشأن اليومي لسكان المدن التي تقع تحت سيطرتها، مثل توفير الخدمات الأساسية كالتعليم الديني والصحة والأمن ورواتب الموظفين في مجالات الصحة. وتمارس جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نفوذًا كبيرًا في الساحل ومالي وبوركينا فاسو والنيجر(20).

اعتماد المقاربة العسكرية وسيلةً أحادية في التصدي لمخاطر الجماعات الجهادية في الساحل حقَّق بعض النجاحات، كاستعادة القوات الفرنسية السيطرة على مناطق واسعة في الساحل، لكن حدث تراجع في سيطرة جيوش دول الساحل على الأنظمة الحاكمة، رغم استعانة تلك الحكومات بقوات فاغنر أو الفيلق الإفريقي الروسي(21).

تمكنت جبهة تحرير ماسينا من تبني تكتيكات الكرِّ والفرِّ وشد الأطراف، من حيث استخدام سيارات الدفع الرباعي والدراجات النارية والمسيرات. لقد تغيرت طبيعة العنف الجهادي إلى درجة عالية من الحركة والقدرة على المناورة، وبرز ذلك بوضوح خلال الهجوم الأخير الذي استهدف كلًّا من العاصمة، باماكو، وقاعدة كاتي وموبتي وسيفاري؛ إذ تولَّت جبهة تحرير ماسينا قيادة العمليات العسكرية في تلك المناطق(22).

الميليشيات المسلحة والصراع العرقي في الساحل الإفريقي

الوضع الأمني في منطقة الساحل شديد الاضطراب؛ إذ تتواصل الاشتباكات العنيفة في النيجر وبوركينا فاسو ومالي مع الجماعات الجهادية والانفصالية، وتستمر الهجمات على المدن والقواعد العسكرية بالرغم من الجهود التي تبذلها الأنظمة العسكرية في تحالف دول الساحل لمواجهة الإشكالية الأمنية، فضلًا عن الرهانات على القوات الروسية(23). 

قوات الدفاع الذاتي هي مجموعة من المدنيين ينظمون أنفسهم في شكل ميليشيا مسلحة، من أجل توفير الحماية الذاتية وتنفيذ القانون. ونشأت ميليشيات الدفاع الذاتي في ظل الهشاشة الأمنية التي أصابت كونفيدرالية دول الساحل؛ إذ تنامت ظاهرة العصابات المسلحة، فضلًا عن الجماعات المسلحة، بالإضافة إلى الصراعات الإثنية ذات البُعد العرقي في فضاء الساحل(24).  

بدأت الميليشيات الموالية لحكومات دول الساحل تلعب دورًا متزايد الأهمية في مواجهة الجماعات المسلحة. ففي مالي، تُعد ميليشيات الدوغون الأبرز، وتعني بلغة الدوغون "الذين يعتمدون على الله"، وتأسست في عام 2016 في مناطق وسط مالي؛ إذ تعاني المنطقة من نزاعات تاريخية حول المراعي والأراضي الزراعية الشحيحة بين المزارعين المستقرين والفلان الرعاة الرحل(25)؛ مما دفع العديد من أبناء الفلان إلى الانضمام إلى كتيبة ماسينا، التي وعدت بإعادة توزيع عادل للأراضي. وفي ذات السياق، شكَّل الدوغون مجموعة "دان نا أمباساغو"؛ إذ اعتمدت على تقاليد أخويات الصيد، وتهدف الجماعة إلى حماية السكان المحليين ومحاربة الجهادية، إلا أنها تهاجم في كثير من الأحيان المدنيين الفلان(26).

تفاقمت أعمال العنف ضد المدنيين عام 2018؛ إذ شرع المسلحون من ميليشيات الدوغون في إبادة قرى الفلان، ومحاصرتها، وإحراقها، وقتل سكانها، وطردهم، وإبعاد مواشيهم عن المراعي الخصبة(27).

شكَّلت مجزرة قرية "أوغاوساغو"، في ولاية موبتي وسط مالي، حالة غير مسبوقة من انهيار التعايش الاجتماعي في وسط البلاد؛ إذ ارتكب مسلحون من ميليشيات "دانا أمبا ساغو"، في عام 2019، مجزرة ضد الفلان. وحاولت الحكومة في باماكو احتواء الأزمة بقرار يقضي بحل الميليشيا ونزع سلاحها، لكن القرار ظل حبرًا على ورق، بعد أن أعلن زعيم الميليشيا، يوسف تولوبا، رفضه، وساندته زعامات الدوغون، وأعلنوا استعدادهم لمواجهة الحكومة إذا ما حاولت نزع أسلحتهم بالقوة. وبعد استيلاء العسكر على السلطة في مالي، راهنت الحكومة على الميليشيات لفرض هيبة الدولة وإعادة الأراضي التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة(28).

تُعد قوات المتطوعين للدفاع عن الوطن في بوركينا فاسو إحدى البنى شبه العسكرية التابعة للدولة في واغادوغو، وقد أُنشئت رسميًّا عام 2020 بمرسوم من الرئيس روك مارك كريستيان لدعم الجيش والأجهزة الأمنية في مواجهة الجماعات الجهادية. واستفاد شعب الموسي من التوترات التاريخية بينه وبين الفلان الرحل المرتبطة بالأرض والمراعي؛ إذ ارتكبت الميليشيات الموالية للحكومة، التي تتكون أساسًا من الموسي، العديد من الانتهاكات الجسيمة التي وصلت إلى حدِّ التطهير العرقي ضد الفلان؛ مما دفع العديد من الفلان إلى الانخراط في الجماعات الجهادية(29).

منذ تأسيسها، ظلت الميليشيات في بوركينا فاسو تعتمد على الجيش في التدريب والأجور والإمدادات والدعم الطبي، فضلًا عن وسائل النقل والتسليح. ولم تتغير العلاقة بين الحكومة والميليشيات بعد وصول إبراهيم تراوري إلى السلطة عبر انقلاب عسكري؛ إذ اعتمدت الحكومة على ميليشيا الموسي بشكل كبير في مواجهة الحركات المسلحة؛ مما أجَّج التوتر التاريخي بينهم والفلان(30).

الاعتماد على الميليشيات المسلحة في دول الساحل، في ظل عجز الجيوش الوطنية عن مواجهة الحركات المسلحة أو كبح الجريمة المنظمة، واستخدام الميليشيات أساليب خارج القانون، انعكس سلبيًّا على النسيج الاجتماعي، وعزَّز دوامة العنف في مساحات واسعة تتراجع فيها سلطة الدولة. لذا يمكن قراءة الجهادية الفلانية في الساحل من خلال السيناريوهات التالية:

السيناريو الأول: تأجيج الصراع العرقي

اعتماد الميليشيات على البُعد العرقي يفاقم من حالة الانقسام بين المكونات المحلية: الفلان والدوغون والموسي والطوارق والسونغاي... إلخ، وبالتالي تتحول الحرب ضد الجهاديين إلى حرب أهلية شاملة؛ مما سيدفع أعدادًا كبيرة من الفلان إلى الانضمام إلى كتيبة ماسينا، بوصفها الجسم القادر على حمايتهم من ميليشيات الدوغون والموسي. لذا، فإن هذا السيناريو يقتضي انفكاك جبهة تحرير ماسينا عن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة(31).

السيناريو الثاني: الفراغ الأمني

الوضع الأمني في الساحل؛ إذ تفقد الحكومات السيطرة على مناطق بأكملها، وتتكبد القوات العسكرية هزائم متتالية. وقد أدَّت الهجمات الأخيرة، التي وقعت في أبريل/نيسان 2026، إلى تفاقم الصراع بين المجتمعات الرعوية والزراعية. لذا، من المتوقع أن تبقى التعقيدات في الساحل كما هي اليوم، دون تحولات جذرية، وبالتالي يتراوح وضع الفلان بين الانخراط في صفوف جبهة تحرير ماسينا أو رفض ذلك، لكن ستظل التهديدات على الفلان حاضرة من قبل ميليشيات الدوغون والموسي(32).

السيناريو الثالث: التعايش السلمي

الوساطات المجتمعية والعرقية في دول الساحل بديل مؤقت في ظل ضعف مؤسسات الدولة وتراجع سلطة القانون؛ إذ لعبت الزعامات الأهلية والدينية دورًا محوريًّا في احتواء النزاعات وحماية النسيج الاجتماعي من الانهيار الكامل. أما الاستقطاب الاجتماعي والاقتصادي الناتج من التنافس على الأراضي وموارد الرعي والزراعة، فقد زاد من هشاشة البنية الاجتماعية، لكن إمكانية التسوية التقليدية واردة من خلال التفاهمات المجتمعية بين الزعامات. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لحكومات دول الساحل أن تتبنى مقاربة جديدة للتسوية ومعالجة إشكاليات التهميش، والتخلي عن الرهانات العسكرية. بالتالي، ستكون التسوية عنصرًا أساسيًّا لعزل الفلان عن الجهادية في الساحل(33).

خاتمة

تضافرت عوامل عدة، بينها الظلم والتهميش وغياب العدل والحقوق في دول الساحل، واستشراء البطالة، لتجعل شباب الفلان يواجهون ظروفًا حياتية صعبة للغاية تجعلهم أمام خيارات صعبة، منها الانضمام إلى الجهادية. وبالرغم من أن جبهة تحرير ماسينا بدأت محليًّا، وتركَّزَ نشاطها على المستوى المحلي والإقليمي، فإن الفلان لم يعودوا مجرد قومية محدودة النفوذ في الساحل، بل تحولوا إلى أهم اللاعبين في مسارات الجهادية. فما بدأ تمردًا محليًّا للفلان ضد الظلم والتهميش سرعان ما تطور إلى مشروع عابر للحدود يهدد بإعادة تشكيل ورسم خرائط السيطرة والسلطة في الساحل.

نبذة عن الكاتب

مراجع

1- الطيب عبد الرحيم محمد، الفلاتة في إفريقيا ومساهمتهم الإسلامية والتنموية في السودان، الخرطوم، دار الكتاب الحديث، 1994، ص 16-25.

2- شعب الفولاني… لغز وراثي تكشفه دراسة حديثة، الجزيرة نت، 13 أبريل/نيسان 2025، (تاريخ الدخول: 15 مايو/أيار 2026)، https://share.google/wgNR1NIJuwsdIBE0n

3- شعب الفلان،.. أكراد إفريقيا المشتتون، الجزيرة نت، 30 مايو/أيار 2016، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2026)، https://share.google/BRP4tCxyd6NuP6spj

4- عائد عميرة، ماذا تعرف عن قومية الفولاني التي سكنت غرب إفريقيا..؟، نون بوست، 13 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول: 16 مايو/أيار 2026)، https://share.google/KBCtBcZoAE2FbDqg2

5- عثمان برايم باري، جذور الحضارة الإسلامية في الغرب الإفريقي، القاهرة، دار الأمين للنشر، 2000، ص 185-187.

6- عبد الله عبد الماجد إبراهيم، الغرابة (الجماعات التي هاجرت في غرب إفريقيا واستوطنت سودان وادي النيل ودورهم في تكوين الهوية السودانية)، الخرطوم، دار الحاوي للطباعة والنشر، 1998، ص 212-214.

7- نهاد محمود، شيماء محيي الدين، المقاربات الوطنية والإقليمية والدولية مع ظاهرة الدولة الهشة في غرب إفريقيا منذ عام 2012، مجلة الدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة، العدد 4، ج 1، أكتوبر/تشرين الأول 2025، ص 14-17.

8- المصدر نفسه.

9- علي جمعة العبيدي، الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل والصحراء وانعكاساتها على الأمن القومي الليبي، المركز الديمقراطي العربي، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2024، (تاريخ الدخول: 18 مايو/أيار 2026)،https://share.google/RkJfihSrOu10oa8yX

10- عبد العاطي عامر سالم، الدولة الهشة في إفريقيا وإشكالية بناء الدولة الوطنية، مجلة جامعة بني وليد للعلوم الإنسانية والتطبيقية، ليبيا، ديسمبر/كانون الأول 2023، ص 399-409.

11- جميلة سي يوسف، إشكالية بناء الدولة في إفريقيا، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، المجلد 6، العدد 1، 2022، ص 44-45.

12-كنزة مفيش، الدولة الهشة أم وضعية الهشاشة: قراءة في إشكالية بناء الدولة في إفريقيا، مجلة الجزائر للدراسات السياسية، المجلد 8، العدد 1، 2021، ص 56.

13- المصدر نفسه، ص 58.

14- الهادي علوي، إشكالية الدولة في إفريقيا، مجلة المعرفة للدراسات والأبحاث، العدد 2، يناير/كانون الثاني 2023، ص 39-45.

15- انظر الموضوع:

Le centre du Mali abandonné à la violence des milices , France 24, publié le 28 Mars 2019 ,vu  le 18 mai 2026.https://share.google/oX2gBo0j38pS0ABDA

16- انظر الموضوع

En Afrique, le fantasme d’une communauté  peule radicalisée, Le Monde, publié le 05 septembre 2018, vu le 18 mais 2026.https://share.google/OQqezJlWNuZyESSB8

17- عبد الله مامادو با، العنف ضد قبائل الفلان… إلى أين تتجه منطقة الساحل الإفريقي؟، مركز الجزيرة للدراسات، 21 أبريل/نيسان 2019، (تاريخ الدخول: 21 مايو/أيار 2023)،https://share.google/95vZeQ923NaIt4Rk8

18- المصدر نفسه.

19- محمد محمود أبو المعالي، الجهاديون الفلان في مالي والسيناريوهات المحتملة، مركز الجزيرة للدراسات، 30 يوليو/تموز 2025، (تاريخ الدخول: 19 مايو/أيار 2026)،https://share.google/FHuY5n2ILqrUtUUZT

20- محمد الصالح جمال، كتيبة ماسينا، الإرهاب العرقي الجديد في الساحل الإفريقي، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، 31 يناير/كانون الثاني 2020، (تاريخ الدخول: 20 مايو/أيار 2026)،https://share.google/xaEPZku7eVSrouLvH

21- المصدر نفسه.

22- عبد الناصر سلم حامد، باماكو والحركات الجهادية: تمدد الفوضى من قلب مالي إلى حزام الساحل: قراءة تحليلية في ديناميات الصراع في الساحل الإفريقي، 3 ديسمبر/كانون الأول 2025، (تاريخ الدخول: 21 مايو/أيار 2026)، https://share.google/o7mIMIyrrCt0Zztmj

23- عباس صالح، مجموعات الحماية الذاتية: استنساخ تجربة الصحوات في الساحل الإفريقي، العربي الجديد، 11 مايو/أيار 2020، (تاريخ الدخول: 22 مايو/أيار 2026)، https://share.google/o1W82a2F120qsJhuR

24- المصدر نفسه.

25- محمد محمود أبو المعاطي، ميليشيات الدفاع الذاتي في الساحل: من محاربة الجهاديين إلى تفكك المجتمع والدولة، مركز الجزيرة للدراسات، 21 مايو/أيار 2026، (تاريخ الدخول: 26 مايو/أيار 2026)،https://share.google/WYacAr6vwsOdTIp9v

26- المصدر نفسه.

27-سيرغي أليدينوف، الميليشيات الموالية للحكومات في الساحل … السلاح خارج يد الدولة، المجلة، 9 ديسمبر/كانون الأول 2025، (تاريخ الدخول: 26 مايو/أيار 2026)، https://share.google/v8YdxyX0vbxhq13wi

28- المصدر نفسه.

29- رانيا حسين خفاجة، ميليشيات الدفاع الذاتي في إقليم الساحل الإفريقي: رؤية تحليلية من منظور نظرية الوكالة، مجلة كلية السياسة والاقتصاد، العدد التاسع عشر، يوليو/تموز 2023، ص 69-73.

30- المصدر نفسه، ص 74-78.

31- أحمد عبد العليم، تداعيات الوكلاء الميليشياويين على أمن الدول، القاهرة، السياسة الدولية، اتجاهات نظرية، المجلد 54، العدد 218، أكتوبر/تشرين الأول 2019، ص 21.

32- انظر الموضوع:

Jacques Deveaux , Mail : la force européenne Takuba se déploie lentement , publié le 23/09/2021, vu le 27/05/2026,https://share.google/JUarw2xesv8mc0fZU

33- انظر الموضوع:

Julien Antouly , Quels accords encadrent les interventions militaires au Mali ?, publié le 31/01/2022, vu le 29/05/2026,https://share.google/FhpnwSAUwqYTV0hcD