مقدمة
تحتل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين موقعًا متقدمًا في النظام الدولي المعاصر، بوصفها أكثر العلاقات الثنائية تأثيرًا في مسار الاقتصاد العالمي والتوازنات الجيوسياسية. فالبلدان يمثلان معًا أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتتشابك مصالحهما الاقتصادية إلى درجة يصعب معها الفصل الكامل بينهما، وهو ما يجعل من هذه العلاقة حالة خاصة من "الاعتمادية المتبادلة التنافسية"؛ التي تتضمن تعاونًا اقتصاديًّا في ظل انعدام ثقة إستراتيجي.
ولا يمكن قراءة التنافس الثنائي بين أكبر اقتصادين في العالم بمعزل عن السياق الأوسع الذي فرضته إدارة ترامب الثانية على بنية النظام الدولي ذاته، فمنذ توليه السلطة، مطلع عام 2025، انتهج ترامب مقاربة "التعاملات" (Transactionalism) بديلًا عن الالتزامات التي قام عليها النظام الدولي منذ الحرب العالمية الثانية(1). فبعد مرور أقل من عام تقريبًا على توليه سلطاته للمرة الثانية، قرر انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية، من بينها 31 منظمة تابعة للأمم المتحدة، مثل منظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)(2)، إضافة إلى الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ بذريعة أن هذه المؤسسات تقوِّض استقلالية أميركا وتخدم أجندات العولمة وليس المصلحة الوطنية الأميركية(3).
وهذه الخطوات لا تمثل تراجعًا عن التزامات مالية فقط، بل إعادة تعريف جوهرية لمفهوم النظام الدولي المستند على القواعد (Rules-Based Order)، ويستبدل الخطاب الأميركي الرسمي بالالتزام المؤسسي التعددي مقاربة قائمة على النفوذ الاقتصادي والعقوبات والتعريفات الجمركية، كما تمتد هذه المقاربة إلى الحقل الاقتصادي، حيث تتعارض توجهاتها مع ما تبقى من "إجماع واشنطن" (Washington Consensus) الذي حكم قواعد التجارة الحرة وانفتاح الأسواق وحركة رؤوس الأموال منذ ثمانينات القرن الماضي، في مسار يمكن وصفه بأنه تفكيك تدريجي للنظام العالمي الذي قادته واشنطن لعقود.
المسار التفاوضي من بوسان إلى واشنطن
تأتي زيارة شي جين بينغ إلى واشنطن، الأولى منذ أحد عشر عامًا، تتويجًا لمسار تفاوضي بدأ يتشكل منذ نهاية عام 2025؛ فقد أرسى لقاء بوسان في بوسان الكورية الجنوبية على هامش قمة آبيك ما يمكن وصفه بهدنة تجارية خفضت من حدة التعريفات الجمركية، والتزمت بيجين بموجبها بزيادة مشترياتها من المنتجات الزراعية الأميركية، في مقابل تساهل واشنطن في بعض قيودها التصديرية(4).
غير أن جوهر النقاش تجاوز منذ زمن مسألة التعريفات الجمركية وحدها إلى إعادة تعريف شكل العلاقة الاقتصادية بين البلدين، وتُظهر الأرقام حجم التحول الذي طرأ على الميزان التجاري بين البلدين خلال السنوات الأخيرة؛ فبعد أن بلغ العجز التجاري الأميركي مع الصين ذروته عند نحو 382 مليار دولار، عام 2022(5)، تراجع إلى نحو 202 مليار دولار، في عام 2025(6)، مدفوعًا بانخفاض الواردات الأميركية من الصين من 536 مليار دولار، عام 2022، إلى نحو 308 مليارات، عام 2025، أكثر من كونه يمثل ارتفاع الصادرات الأميركية إليها، مع ملاحظة أن جزءًا من هذا التراجع يعكس أيضًا إعادة توجيه تدفقات التصنيع والتجارة نحو اقتصادات آسيوية أخرى كفيتنام(7).
وعلى صعيد المشتريات الزراعية، التزمت الصين عقب قمة بيجين، في مايو/أيار 2026، بشراء ما لا يقل عن 25 مليون طن من فول الصويا الأميركي سنويًّا حتى عام 2028، إضافة إلى ما لا يقل عن 17 مليار دولار من المنتجات الزراعية الأميركية الأخرى سنويًّا(8). وقد تسارعت وتيرة هذه المشتريات مع اقتراب قمة واشنطن، لكن بيجين لم تكن نفذت بحلول أغسطس/آب 2026، سوى نحو ربع التزامها السنوي، وهو ما يُبقي هذا الملف عرضة للتوظيف السياسي كورقة ضغط أو مكافأة في المفاوضات التي ستجمع الزعيمين(9).
ولن يكون مستغربًا أن تفضي قمة واشنطن إلى إعلانات محدودة بشأن الزراعة والحواجز غير الجمركية، وربما تفاهمات جزئية حول تصنيف فئات من السلع غير الحساسة لا يزال الجانبان يختلفان حول معاييرها، لكن التوصل إلى اتفاق تجاري متكامل يعيد صياغة العلاقة الاقتصادية من جذورها يظل أمرًا مستبعدًا، وتظل إدارة ترامب مهتمة بانتزاع التزام صيني بتوسيع إمدادات المعادن النادرة إلى الأسواق الأميركية، نتيجة تفاهم مبدئي جرى التوصل إليه في قمة بوسان سابقًا، إضافة إلى مباحثات حول تراخيص التصدير الخاصة بهذه المواد كأحد البنود المدرجة رسميًّا على أجندة واشنطن. غير أن حل هذا الملف بشكل جذري يتجاوز حدود أي قمة ثنائية، لأنه مرتبط ببنية سلاسل التوريد العالمية نفسها؛ فواشنطن تدرك أن تفكيك احتكار بيجين لهذا القطاع يتطلب سنوات من الاستثمار في مصادر بديلة، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الأميركي بإفريقيا وأميركا اللاتينية بوصفهما بديلين محتملين.
مضيق هرمز وأمن الطاقة
مثَّلت الحرب الأميركية-الإيرانية، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، أحد أكثر التطورات الإقليمية تأثيرًا على حسابات بيجين، رغم أنها غير مدرجة مباشرة على أجندة قمة واشنطن. وكان مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، الساحة الأكثر تأثيرًا في هذه الحرب؛ إذ أقدمت إيران على إغلاقه، أواخر مارس/آذار 2026، وأعلنت سيادتها عليه، فيما فرضت واشنطن حصارًا بحريًّا مقابلًا، ليتحول المضيق إلى حصار مزدوج عطَّل إلى حدٍّ كبير حركة الناقلات النفطية(10).
وتكمن الأهمية القصوى لهذا الملف بالنسبة للصين في حجم اعتمادها على نفط الخليج؛ إذ استوردت بيجين، عام 2025، نحو 42% من احتياجاتها النفطية من دول الشرق الأوسط(11)، وبذلك يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقارب 45 إلى 50% من إجمالي مستوردات الصين من النفط الخام، أي نحو 5.4 ملايين برميل يوميًّا(12)؛ وهو رقم يفوق ضعف ما تستورده الصين من روسيا عبر خطوط الأنابيب البرية.
ولكن الصين تحتفظ باحتياطي إستراتيجي يعادل نحو 120 يومًا من صافي مستورداتها النفطية(13)، إلى جانب مخزونات عائمة تفوق 46 مليون برميل من الخام الإيراني موزعة في محطات تخزين آسيوية، وإمكانية إعادة توجيه جزء من الإمدادات السعودية والإماراتية (نحو 5 ملايين برميل يوميًّا) عبر خطوط بديلة تتجاوز المضيق والتي تعرضت لهجمات مؤخرًا(14)، وهو ما مكَّن الصين من الصمود مرحليًّا في وجه اضطراب ممتد، وإن كانت مستوردات الغاز الطبيعي المسال أكثر عرضة للتأثر لقلَّة البدائل المتاحة لها.
وفي البعد الإستراتيجي الأعمق، قد ترى بيجين في استمرار هذه الحرب فرصة غير مباشرة بقدر ما هي تهديد؛ إذ يستنزف الانخراط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط موارد واشنطن وتركيزها بعيدًا عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ وملف تايوان، وإن كان ذلك قد يعني في المقابل أن الصين معرضة لتراجع نفوذها في المنطقة إذا ما انتهت الحرب بتفوق أميركي/إسرائيلي حاسم؛ وهي مخاطرة تبدو بيجين جاهزة للتعامل معها.
التكنولوجيا والخطوط الحمراء
من جهة ثانية، يمثل الملف التكنولوجي وتحديدًا صناعة أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، المواضيع الأكثر ارتباطًا بمفهوم الأمن القومي في نظر الطرفين، وهو ما يجعلها أصعب ملفات المساومة مقارنة بالتجارة التقليدية، فواشنطن تواصل تشديد قيودها على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين، سعيًا لإبطاء تقدمها في مجالي التسلح والذكاء الاصطناعي العسكري(15)، بينما ترى بيجين في هذه القيود محاولة أميركية لتكريس تفوقها التقني بما يحرم الصين من موقعها الطبيعي كقوة صناعية وتكنولوجية صاعدة.
وتمتد هذه المواجهة إلى ما يشبه حرب اتصالات تخوضها واشنطن ضد الصين، وفي قلبها شركة هواوي (Huawei)؛ فقد طلبت من بريطانيا، عام 2020، إزالة معدات هواوي بالكامل من شبكات الجيل الخامس (5G) لديها بحلول نهاية عام 2027، عقب مراجعة أجرتها أجهزتها الأمنية خلصت إلى أن العقوبات الأميركية التي استهدفت سلسلة توريد الرقائق للشركة تهدد إمكانية الوثوق بمعداتها مستقبلًا(16)، وتبعتها لاحقًا دول أخرى مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا في حظر معدات هواوي(17).
ولم تكتف واشنطن بحظر معدات الشركتين داخل شبكاتها فقط بل قررت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية (FCC) إدراج بعض الشركات على قائمة الكيانات الخاضعة لقيود تصدير التكنولوجيا لدى وزارة التجارة(18) بما في ذلك عدد كبير من حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا لإقناعهم بعدم اعتماد أنظمة الاتصال الصينية الصنع في بنيتهم التحتية الحساسة(19)، وقد واصلت واشنطن هذا النهج في الأشهر التي سبقت قمة واشنطن؛ إذ وسَّعت لجنة الاتصالات الفيدرالية، في يوليو/تموز 2026، قوائم حظرها على معدات صينية مرتبطة بمخاطر سيبرانية(20)، فيما حذرت وزارة التجارة من أن استخدام رقائق هواوي "Ascend" المخصصة للذكاء الاصطناعي يشكِّل خرقًا لقواعد التصدير الأميركية(21).
أما الخط الأحمر الثاني فيتمثل بتايوان؛ حيث إن بيجين لا تقبل المساس به أو حتى مقاربته بمنطق الصفقات، فالقيادة الصينية تصف الملف التايواني بأنه في صميم العلاقات الصينية-الأميركية في العلاقة الثنائية(22)، وتعده مسألة سيادة وطنية لا تحتمل أي تدخل خارجي، في حين تستند واشنطن إلى قانون العلاقات مع تايوان (Taiwan Relations Act) الذي يلزمها بدعم قدرات الجزيرة الدفاعية(23).
وقد شهدت الأشهر الأخيرة تطورات لافتة في هذا الملف؛ إذ أقدمت الإدارة الأميركية، قبيل قمة بيجين في مايو/أيار 2026، على تجميد صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار، في أعقاب تحذير صيني مباشر وجَّهه شي جين بينغ لترامب بشأن تبعات الاستمرار في تسليح الجزيرة(24). وأعلن ترامب لاحقًا أنه سيبحث مسألة مبيعات الأسلحة لتايوان مباشرة مع نظيره الصيني، وهو تصريح أثار القلق في تايوان من احتمال أن تتحول الجزيرة إلى ورقة تفاوضية ضمن مساومة أميركية-صينية أوسع، ومن المرجح أن لا تقدم واشنطن تنازلات جوهرية وعلنية بشأن الالتزامات الدفاعية تجاه تايوان، لأن ذلك سيضر بمصداقية التزاماتها الأمنية في عموم منطقة المحيطين، الهندي والهادئ.
إفريقيا وسباق الموارد والممرات المتنافسة
تحولت إفريقيا في السنوات الأخيرة إلى ساحة مركزية لسباق استخراج المعادن الحيوية اللازمة لصناعات المستقبل، من السيارات الكهربائية إلى تخزين الطاقة والصناعات الدفاعية. وتشير التقديرات إلى أن الصين لا تزال تتقدم على الولايات المتحدة في هذا السباق؛ حيث رسخت الشركات الصينية حضورًا استثماريًّا وتشغيليًّا يصعب على واشنطن منافسته في المدى القريب(25).
وتواصل مبادرة "الحزام والطريق" الصينية توسعها في إفريقيا وأميركا اللاتينية عبر مشاريع البنية التحتية والموانئ وخطوط النقل، بما يعزز من نفوذ بيجين الاقتصادي والدبلوماسي طويل الأمد في هاتين المنطقتين، ويمنحها أوراق ضغط إضافية في مفاوضاتها مع واشنطن حول سلاسل التوريد العالمية للمعادن الحرجة. وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة تسريع وتيرة انخراطها الإفريقي عبر شراكات استثمارية وتعدينية جديدة، لكنها تصطدم بفجوة زمنية وهيكلية تراكمت على مدى عقدين من التراجع النسبي للحضور الأميركي.
ويمتد هذا التنافس إلى الربط اللوجستي العالمي؛ حيث يعد ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC)، الذي أطلقته واشنطن وشركاؤها الغربيون على هامش قمة العشرين في نيودلهي، عام 2023(26) إحدى أبرز ساحات الاشتباك غير المباشر بين القوتين.
دول الخليج من جهتها، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، تتعامل مع هذا التنافس بين الممرات بمنطق البدائل وليس بمنطق الاصطفاف الحصري؛ إذ تشارك في مبادرتي الحزام والطريق وفي ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا في آنٍ واحد(27)، محتفظة بعلاقات تجارية صينية عميقة وتراهن على الاستثمار الغربي والتقارب مع واشنطن، ليتحول الخليج بذلك إلى نقطة تقاطع بين أكبر مشروعي ربط لوجستي عالمي. وبهذا المعنى، فإن أي تهدئة تجارية تحققها قمة واشنطن المرتقبة لن تلغي التنافس البنيوي على مسارات الربط الإقليمي والعالمي بل قد تعيد توجيهه نحو أشكال أكثر تنظيمًا خلال العقد المقبل.
أوروبا بين حليف أميركي وسوق صيني
من شبه المؤكد أن بيجين لا تريد هزيمةً روسية كاملة في حربها ضد أوكرانيا؛ إذ من شأن ذلك إضعاف حليفها الإستراتيجي الرئيسي في مواجهة واشنطن وحلفائها. لكنها في الوقت نفسه لا تريد التورط بشكل مكشوف يعرِّضها لعقوبات غربية قد تستهدف قطاعاتها المصرفية والتجارية الحيوية. ومن هنا تحرص بيجين على الحفاظ على "شراكة بلا حدود" مع موسكو من الناحية الخطابية، مع ضبط مستوى الدعم الفعلي بما يجنِّبها التبعات المترتبة على ذلك.
وتجد أوروبا نفسها في موقع أكثر حساسية من مجرد الحياد في هذا التجاذب الأميركي-الصيني، فهي حليف أمني تقليدي لواشنطن، لكنها في الوقت نفسه شريك تجاري كبير لبيجين، وتعتمد جزئيًّا على مستورداتها من المعادن النادرة ومكوناتها الصناعية. ويكمن القلق الأوروبي من احتمال أن تفضي أي تفاهمات أميركية-صينية ثنائية في واشنطن إلى ترتيبات تمس مصالح أوروبا التجارية والأمنية دون أن يكون لها مقعد على طاولة التفاوض، خصوصًا في ملفين متشابكين: مستقبل الصناعات الأوروبية المتضررة من المنافسة الصينية، وموقف بيجين من الحرب في أوكرانيا التي تمس الأمن القومي الأوروبي مباشرة.
ومن المتوقع أن يسعى ترامب خلال قمة واشنطن إلى حثِّ الرئيس الصيني على الانخراط بشكل أكثر جدية في التوسط لإنهاء الحرب، ولكن يرجح أن تبقى بيجين حريصة على عدم الظهور بمظهر من يمارس ضغطًا مباشرًا على موسكو بما يخدم المصالح الغربية، تمامًا كما تتعامل بحذر مماثل مع الملف الإيراني ومضيق هرمز؛ حيث تفضِّل بيجين الحفاظ على استقرار الملاحة دون الظهور بمظهر المؤثِّر السلبي على طهران لصالح واشنطن.
ضعف الثقة وسندات الخزانة الأميركية
ويعد الإقبال على السندات الأميركية أحد علامات الثقة أو ضعفها بين الطرفين، وتُظهر بيانات الخزانة الأميركية تراجعًا صينيًّا في الإقبال؛ فقد بلغت حيازة الصين (باستثناء هونغ كونغ) من سندات الخزانة الأميركية نحو 688.7 مليار دولار بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2025، مقارنة بذروة تاريخية بلغت نحو 1.32 تريليون دولار في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، أي بانخفاض يتجاوز 47% عن أعلى مستوياتها(28).
وقد تسارعت وتيرة البيع الصيني للسندات مع اندلاع الحرب الأميركية-الإيرانية ومخاوف العملة المصاحبة لها؛ إذ باعت بيجين نحو 41 مليار دولار من السندات الأميركية خلال شهر مارس/آذار 2026 وحده(29)، وهو -على ما يبدو- تراجع مدفوع بمزيج من القلق حيال استدامة الدَّيْن الأميركي المتصاعد (الذي تجاوز 40 تريليون دولار)(30)، والمخاوف من تسييس السياسة النقدية الأميركية عبر ضغوط سياسية متكررة على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
وبالتوازي، تقوم الصين بتنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، عبر سلسلة من مشتريات الذهب امتدت لأكثر من 13 شهرًا حتى بلغ احتياطيها منه نحو 74.12 مليون أونصة(31). ويعكس تقليص السندات وتكديس الذهب توجهًا إستراتيجيًّا صينيًّا نحو ما يوصف بـ"إعادة التموضع النقدي"، أو التخفيف التدريجي من الاعتماد على الدولار كأصل احتياطي وحيد. وهو مسار يحمل دلالات مباشرة لقمة واشنطن؛ فبقدر ما يمنح هذا التراجع بيجين هامشًا أكبر من الاستقلالية المالية، فإنه يضع ملف تمويل الدين الأميركي المتصاعد، كأحد نقاط الاحتكاك الهيكلية التي لا تُطرح علنًا في البيانات الختامية للقمم، لكنها تختبر الثقة المتبادلة بين الاقتصادين الأكبر في العالم.
سيناريوهات العلاقة والقواسم المشتركة
تكشف قراءة الملفات المطروحة على أجندة قمة واشنطن أن العلاقة الأميركية-الصينية غاية في التعقيد والتشابك. حيث تتعايش الاحتياجات المتبادلة والاستقرار الاقتصادي مع تشدد واضح في الملفات ذات الطابع الأمني والسيادي، في وقت يتراجع فيه الإطار المؤسسي متعدد الأطراف الذي كان يضبط إيقاع هذا التنافس، ويحل محله تفاوض ثنائي تحكمه موازين القوة القائمة. وبناءً على مسار المفاوضات من بوسان إلى بيجين ثم واشنطن، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل هذه العلاقة التي من الواضح أن قضية الشرق الأوسط المرتبطة بفلسطين والصراع العربي-الإسرائيلي لا تشغلها، فالملفات الأكثر حضورًا ترتبط بكيفية تسهيل التجارة والاستثمارات فيما تتأجل القضايا الحرجة، في ضوء ذلك يبرز عدد من السيناريوهات لضبط العلاقة بين البلدين.
السيناريو الأول: يتمثل في استمرار منطق التسويات المتلاحقة بما يشمل اتفاقات تجارية جزئية وتفاهمات محدودة حول المعادن والزراعة، مع إبقاء الملفات الأكثر حساسية كتايوان وأشباه الموصلات دون حسم، في إطار إدارة للتوتر لا تستهدف حلولًا جذرية. أما السيناريو الثاني، الأقل احتمالًا؛ فيتمثل في تصعيد حاد قد تشعله أزمة غير محسوبة حول تايوان أو أوكرانيا، أو تشديد مفاجئ لضوابط التصدير من أحد الطرفين، بما يعيد العلاقة إلى مربع المواجهة المفتوحة. فيما السيناريو الثالث يقوم على توسيع مجالات التعاون بشكل انتقائي في مجالات جديدة تفرضها متغيرات التكنولوجيا، مثل الذكاء الاصطناعي أو استقرار إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز أو حتى بعض مسارات الربط اللوجستي بما يخفف كلفة التنافس الإستراتيجي.
وهذا يعني أن القواسم المشتركة الممكنة بين العملاقين محصورة في مجالات لا تمس جوهر التنافس والحذر الإستراتيجي، بل تسعى لإدامة استقرار وحماية الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد من صدمات غير محسوبة، في سعي لتجنب تحويل أزمات إقليمية كالملف الإيراني أو الأوكراني إلى مواجهة مفتوحة بين القوى الكبرى. أما الخطوط الحمراء؛ فتبقى تايوان بالنسبة لبيجين مسألة سيادة لا تقبل المساومة، والتفوق التكنولوجي والعسكري بالنسبة لواشنطن شرطًا لا تنازل عنه لضمان مكانتها العالمية.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو زيارة بينغ إلى واشنطن محطة لإدارة الخلاف أكثر منها نقطة تحول جذرية في مسار العلاقة، فالبلدان لا يسيران نحو صدام حتمي، لكنهما لا يسيران أيضًا نحو شراكة إستراتيجية، في إدراك واضح لأن الانفصال الكامل مكلف للغاية، وأن الثقة الكاملة مستحيلة. في عالم يشهد انكفاء واشنطن عن المؤسسات متعددة الأطراف وإعادة رسم قواعد اللعبة الدولية من جديد، يصبح الجهد منصبًّا على إيجاد مساحة مشتركة تحكمها المصلحة المتبادلة أكثر مما تحكمها القناعة أو الالتزام المؤسسي المشترك، فيما على بقية دول العالم التكيف مع هذه الديناميكية.
- Ravi Agrawal, "Trump Is Ushering In a More Transactional World," Foreign Policy , January 7, 2025, “accessed September 10, 2026“
https://foreignpolicy.com/2025/01/07/trump-transactional-global-system-us-allies-markets-tariffs/ .
- “Fact Sheet: President Donald J. Trump Withdraws the United States from International Organizations that Are Contrary to the Interests of the United States," Jan7 2026, “accessed September 8 2026 ” https://www.whitehouse.gov/fact-sheets/2026/01/
- Nate Perez, Rachel Waldholz Trump is withdrawing from the Paris Agreement (again), reversing U.S. climate policy” NBR Papers, Jan7 2025, “accessed September 8 2026” https://www.npr.org/2025/01/21/nx-s1-5266207/trump-paris-agreement-biden-climate-change,
- Trump Strikes a New Deal on Economic and Trade with China, November1 2025, “accessed September 5 2026. https://www.whitehouse.gov/fact-sheets/2025/11/
- Mark Niquette, "Trump's Tariffs Send US Trade Deficit With China to 21-Year Low," Bloomberg, Feb. 19 2025 ,” Accessed. Sep.6 2026“, https://www.bloomberg.com/news/articles/
- Jenna Ross, "U.S. Trade Is Falling With China—but Surging With Taiwan and Vietnam," Visual Capitalist , February7 2025 , “Accessed September 6 2026” https://www.visualcapitalist.com/sp/ter02-u-s-trade-falling-with-china-surging-with-taiwan-and-vietnam/
- Arendse Huld, "The Xi-Trump Beijing Summit: What Was Agreed—and What Was Not,", China Briefing, May 21 2025, “Accesses September 6 2026,” https://www.china-briefing.com/news/xi-trump-beijing-summit-what-was-agreed/
- Ryan Hanrahan, "China Ramping Up US Soybean Purchases," Farm Policy News, August 10 2026, “accessed September 7 2026”, https://farmpolicynews.illinois.edu/2026/08/china-ramping-up-us-soybean-purchases/
- Priyanka Shankar, "Iran Shuts Hormuz Strait: But Wasn't It Already Closed?," Al-Jazeerah, 11 January 2026, “Accessed September 7 2026”, https://www.aljazeera.com/news/2026/6/11/iran-shuts-hormuz-strait-but-wasnt-it-already-closed
- Erica Downs, "Implications of the Conflict in the Middle East for China's Energy Security," Center on Global Energy Policy March 4 2026, “Accessed September 8 2026”. https://www.energypolicy.columbia.edu/
- Niccolo Conte, "Charted: Oil Trade Through the Strait of Hormuz by Country," Visual Capitalist , March 3 2026, “Accessed September 9 2026 “ , https://www.visualcapitalist.com/charted-oil-trade-through-the-strait-of-hormuz-by-country/ .
- James Drumnod, China and It’s Strategic Petroleum Reserve, AGBI, Aug. 6 2026, “Accessed September 8 2026”, https://www.agbi.com/oil-and-gas/2026/08/china-and-its-strategic-petroleum-reserve/
- S&P Global , Iranian Oil Boosts Asian Floating Storage, Sep 11 2026 “Accessed Sep 15 2026” https://www.spglobal.com/energy/en/news-research/latest-news/refined-products/
- John Power, "US Says Ban on AI Chip Shipments Applies to Chinese Firms Outside China" , Al Jazeera , June 1 2026, ” Accesses September 14 2026” https://www.aljazeera.com/economy/2026/6/1/us-says-ban-on-ai-chip-shipments-applies-to-chinese-firms-outside-china
- Huawei to be Removed From UK 5G Net work by 2027. July 14 2020, “Accessed September 16 2026” https://www.gov.uk/government/news/
- Canada to ban Huawei-ZTE Equipments -5G, CNN, May 19 2022, “Accessed September 14 2026”, https://www.cnn.com/2022/05/19/tech/canada-huawei-zte-5g-equipment/index.html.
- FCC Designates Huawei and ZTE as National Security Threats , FCC, June 30 2020, “Accessed September 14 2026” , https://www.fcc.gov/document/fcc-designates-huawei-and-zte-national-security-threats
- Javier Huerta Bravo, "Update on 5G Security Measures Across Europe," Cullen International , Oct 31 2024 , “accesed Sep. 15 2026”, https://www.cullen-international.com/news/2024/10/Update-on-5G-security-measures-across-Europe.html
- Jack Burnham, FCC Introduces New Bans on Chinese-Produced Equipment Linked to Cyber Risks, Foundation for Defense of Democracy, June 30 2026, “Accessed September 15 2026” https://www.fdd.org/analysis/2026/06/30/fcc-introduces-new-bans-on-chinese-produced-equipment-linked-to-cyber-risks/ ؛
- Charlotte Trueman, "Department of Commerce Formally Rescinds AI Diffusion Rule, Says Deploying Huawei Ascend Chips Violates US Export Rules,Data Center Dynamics, May 14 2025, “Accessed September 15" https://www.datacenterdynamics.com/en/news/
- Foreign Minster Spokesperson Lin Jian Regular Press Conference , May 7 2026 , “Accessed Sep. 14”, 2026”, https://www.fmprc.gov.cn/eng/xw/fyrbt/lxjzh/202605/t20260507_11906405.html
- Taiwan Relations Act Public Law 96-8-22, March 30 2022, “Accessed September 14 2026”, https://www.ait.org.tw/taiwan-relations-act-public-law-96-8-22-u-s-c-3301-et-seq/
- Mary Bruce et al., "Trump Won't Commit to Arms Sale to Taiwan After Stark Warning From Xi," ABC News , May 16 2026, “accessed September 10 2026”, https://abcnews.com/Politics/trump-xi-set-hold-2nd-round-talks-ahead/story?id=132938291
- Nathan Schoonover, "China in Africa: March 2025," Council on Foreign Relations, May 28 2025, “Accessed September 10 2026” https://www.cfr.org/articles/china-africa-march-2025 .
- World Leaders Launch A Landmark IMEC, September 9 2023, “accessed September 12 2026” https://bidenwhitehouse.archives.gov/briefing-room/statements-releases/…
- Two Cpmpeting Trade Vision in the ME United by Ambition, Control Risk, June 25 2024, “accessed September 14 2026” https://www.controlrisks.com/our-thinking/insights/two-competing-trade-visions-in-the-middle-easy-united-by-ambition
- Sylvia Ma, "China Cuts US Treasury Holdings to Lowest Level Since 2008 Amid Debt Ceiling Fears, South China Morning Post, December 19 2025, “accessed September 15 2026" https://www.scmp.com/economy/china-economy/article/3337010/china-cuts-us-treasury-holdings-lowest-level-2008-amid-debt-ceiling-fears.
- Frank Tang and Sylvia Ma, "China Joins Global Sell-off of US Treasuries in March as Iran War Prompts Panic,South China Morning Post , May 19 2026, “accessed September 15 2026" https://www.scmp.com/economy/china-economy/article/3354028/china-joins-global-sell-us-treasuries-march-iran-war-prompts-panic
- Mary Cunningham, "National Debt Tops $40 Trillion After Doubling in Less Than a Decade, Treasury Data Shows,", CBC News, August 21, 2026, “accessed September 17 2026”, https://www.cbsnews.com/news/national-debt-tops-40-trillion-doubles/
- China’s Foreign Exchange Reserves Hit $3,364.4b at end-Nov, gold hits 74.12m oz, Global Times , December 7 2025 , “Accessed September 16 2026”,