من تعز إلى اتساع المواجهة العسكرية: تحولات عملية "فجر اليمن" وآفاقها

تتناول هذه الورقة التحولات العسكرية والإستراتيجية التي شهدتها الحرب اليمنية عقب إطلاق عملية "فجر اليمن"، في أكتوبر/تشرين الأول 2026، لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وتسلط الضوء على الأهمية الجيواستراتيجية لمحافظة تعز، وتأثير المعارك الدائرة فيها على موازين القوى ومسارح العمليات العسكرية، خصوصًا في لحج والساحل الغربي وباب المندب. كما تحلل أهداف العملية وقدرات القوات الحكومية، ومدى نجاحها في تحقيق مكاسب ميدانية، في مقابل تقدم الحوثيين واتساع نطاق المواجهة. وتستشرف الدراسة المسارات المحتملة للحرب، واحتمالات امتدادها إلى جبهات جديدة، وتداعياتها على أمن الملاحة في البحر الأحمر، والمصالح الإقليمية، وفرص العودة إلى المفاوضات السياسية في ظل موازين القوى المتغيرة.
2 نوفمبر 2026
(الأناضول)

بعد اجتياح الحوثيين لجنوبي الساحل الغربي، ابتداءً من المخا إلى باب المندب، تبنَّت الحكومة اليمنية، مدعومة بالتحالف العربي، عملية عسكرية عنوانها: "فجر اليمن". وقد كان سقف التوقعات بأنها المعركة التي ستقضي على انقلاب الحوثيين، وتستعيد مؤسسات الدولة، انطلاقًا من استعادة الساحل الغربي، ودعم تعز في معركتها أمام توغل الحوثيين في مديرياتها. ولا تزال العملية قائمة في اتجاهات مثيرة للجدل.

لذلك، تناقش هذه الورقة، بمنهجية تحليلية، ما تمثله تعز من أهمية استراتيجية في الميزان الوطني، والعملية العسكرية فجر اليمن، ونطاقات العنف الدائر بين الحكومة والحوثيين، والمسارات المستقبلية المحتملة لهذا العنف.

أولا: الثقل الجيواستراتيجي لتعز وتأثير القتال فيها على مسارح العمليات

  1. الثقل الجيواستراتيجي لتعز ومعادلات القوة

تمثل محافظة تعز المكافئ الجيواستراتيجي للعاصمة صنعاء، وعنصر التوازن لمتغيرات عِدَّة على مستوى اليمن، وأبرزها المتغيران السياسي والإيديولوجي الديني اللذان أثارهما الحوثيون، مجددًا، عقب إسقاطهم سلطة الرئيس عبدربه منصور هادي، والسيطرة عليها، في 21 سبتمبر/ أيلول 2014. وقد تصدَّرت تعز مشهد الرفض السياسي والمسلح للحوثيين، عبر نُخبِها السياسية والعسكرية والفكرية والشعبية، وتمسك 12 مديرية بالحكومة الشرعية، حتى الهجمة الأخيرة عليها في سبتمبر/ أيلول 2026، وذلك عقب انكسار قوات المقاومة الوطنية، جنوبي الساحل الغربي، في الشهر ذاته([1]).

تمتد جغرافيا محافظة تعز على مساحة قدرها نحو 10,008كم²، وُزِّعت، إداريًّا، إلى 23 مديرية([2])، ويضم مركزها الإداري الذي يحمل الاسم نفسه، ثلاثًا منها، هي: القاهرة، وصالة، والمظفَّر. فيما تُعدُّ ثلاث أخريات ظهيرًا جبليًّا يحمي المركز، وهي: المِسْراخ، وصَبِر المَوادِم، ومَشرَعة وحَدْنان، وتشمل كلها مساحة جبل صَبِر، فيما تمثِّل مُديريَّتا باب المَندَب وذو باب، القطاع الساحلي للمحافظة، ما أضفى عليها قمية استراتيجية أخرى يمثلها ميناء المخا، ومضيق باب المندب، وجزيرة ميُون (بِريم) الواقعة في قلب المضيق. ويشكِّل ثقلها السكاني عاملًا حاسمًا في العديد من المجالات، نظرًا إلى بلوغه عام 2026، نحو 4,118,913 نسمة([3])، فيما كان عام 2004، نحو2,393,425  نسمة، أي ما يمثِّل 12.16% من سكان البلاد([4]).

تقع مدينة تعز على مفترق ثلاث طرق مواصلات استراتيجية تتحكَّم في التنقل بين محافظات البلاد، شمالًا وجنوبًا وغربًا. حيث تقود الطريق الشمالية إلى صنعاء، انطلاقًا من الحَوْبان، ومرورًا بمحافظتي إب وذَمار، وتقود الطريق الجنوبية إلى عدن انطلاق من الحوبان- الراهدة، مرورًا بمحافظتي الضالع ولحج، أما اتجاه الغرب فيقود إليه الطريق الممتدة إلى الحُديِّدة، انطلاقًا من تعز-الرمادة. وخلال سنوات الحرب الناشبة منذ عام 2015، راوحت معظم هذه الطرق بين الإغلاق والفتح؛ نتيجةً لاستغلالها في دعم العمليات العسكرية؛ حيث تعرضت للقصف المدفعي وبالطيران، وبثِّ الألغام، وتجريف الأمطار مع انعدام أعمال الصيانة. فيما برزت الطُّرقات الثانوية كبديل لها، بعد توسيعها وتطويرها، كطريق هَيْجَة العَبد التي تربط بين تعز وعدن، "هيجة العبد"، مرورًا بمديرية المقاطِرة في محافظة لحج. كذلك الطرق الرابطة بين مراكز المديريات لمحافظة تعز وبين الساحل الغربي، التي تبدأ بالمخا وتمرُّ عبر مديريات مَوْزع والوازعية والمعافر، ثم تتفرع إلى مدينة تعز ومدينة التُربة (مركز مديرية الشَّمَايتين) عبر منطقة البيرين.

تضم جغرافيا محافظة تعز، بما فيها مركزها، جبالًا وتِبابًا منفردة، وأخرى ضمن سلاسل شاهقة، تحقِّق ميزات عسكرية، تكتيكية وعملياتية، استُغلت خلال الحرب الحالية، بتمركز المقاتلين فيها، ونَصْبِ الوسائل النارية والرادارية والرقابية، للتحكُّم في المجالات الحيوية المحيطة بها، وحماية التعزيزات العسكرية، والإمدادات اللوجستية، فضلًا عن حرمان الخصوم منها. وفي السياق، يبرز جبل صَبِر، الذي يبلغ ارتفاعه 3015 مترًا، ويطلُّ جانبه الشمالي والشمالي الغربي على مدينة تعز التي تقع أحياء منها على سفوحه، بارتفاعات متفاوتة بين 1200-1550 مترًا، فوق سطح البحر([5]). ويعد جبل العروس، أعلى قمة فيه، وتضم مرافق ووسائل عسكرية للدفاع الجوي والاتصالات والرادار. وفي محيط المدخل الغربي للمدينة عِدَّة جبال وتباب حاكمة، أبرزها جبل هان، وجبل أسْود، وتبَّة الميدان، وهي كلها خطوط اشتباك بين القوات الحكومية والحوثيين.

  1. تأثير القتال في تعز على مسارح العمليات

تندرج محافظة تعز ضمن مسرح عمليات المنطقة العسكرية الرابعة التابعة للحكومة، التي تضم إلى جانبها محافظات الضالع ولحج وعدن وأبين، وفقًا لما هو متبع منذ عام 2013([6]). وبذلك فإن العمليات العسكرية التي تنفَّذ في تعز تخضع لقيادة المنطقة، والتي يقودها اللواء حمدي شكري، وهذا الترابط العملياتي والجغرافي يحتم أن تكون معركة تعز ولحج وحدةً واحدة، في الأهداف والعمليات، إلا أن التنسيق في ذلك يبدو منخضًا.

اضطلعت المعارك التي دارت في المرتفعات الجبلية بتعز، بما فيها المرتفعات المقابلة للساحل، في ذو باب والوازعية وموزع، بدور كبير في إضعاف قدرات الحوثيين، بل مكَّنت من مباغتة قواتهم في ذو باب، من قبل قوات العمالقة، وفي سبيلها دارت أشرس المعارك. وذلك لكونها عمقًا بريًا لكل من المخا وذو باب ولمضيق باب المندب، وتميزها بالتأثير المباشر في تأمين الساحل أو تهديده. والحال كذلك مع طرقات تعز، بوصفها خطوط للإمداد تتغذى المعارك من خلالها، وتتيح للقوات ووسائلها القتالية فرصًا عديدة للانتقال والمناورة في مختلف الظروف([7]).

مثَّل استمرار صمود تعز أمام هجمات قوات الحوثيين، عامل استنزاف لهذه القوات، ولتراجع اندفاعتها، وهذا الأمر من شأنه دعم العمليات المستقبلية التي سيستعاد بها المناطق التي سقطت من قبضة القوات الحكومية. وقد عرقل صمود الجيش والمقاومة الشعبية في تعز خطط الحوثيين في الوصول المبكر إلى محافظتي لحج وعدن، بل مكَّن القوات الحكومية المتمركزة في لحج من التقدم نحو مديرية ذو باب الساحلية.

ثانيًا: تعز وعملية "فجر اليمن": الأهداف والقدرات

بعد يومين من انكسار قوات المقاومة الوطنية، أمام قوات الحوثيين، أعلن المتحدث باسم وزارة دفاع الحكومة، في 11 سبتمبر/ أيلول 2026، عن ما وصفه بصندوق القتل، الذي شمل المخا وجبل النار، والطريقين الواصلتين بين تعز والمخا وأجزاء من ساحلها، في سبيل استخدام كافة أسلحتها للقضاء على تحركات الحوثيين وأسلحتهم([8]). وفي 5 أكتوبر/ تشرين الثاني، أطلق رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، العملية العسكرية الموسومة "فجر اليمن"، لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير صنعاء، وإنهاء الانقلاب، وصولًا إلى بسط سلطة الدولة، وتمكين مؤسساتها من وظائفها([9]).

حُشد لهذه العملية نحو 100 ألف جندي من قوات العمالقة وقوات درع الوطن، جاء على لسان وزير الدفاع، الفريق طاهر العقيلي، أن العملية ليس لها حد زمني، وأنها تتكون من ثلاث مراحل رئيسة، كل مرحلة تضم مرحلتين فرعيتين، هما: ألف وباء([10]). وتزامنت العملية مع إعلان التحالف العربي، عن مشاركة 100 طائرة مقاتلة، خلال الساعات الأولى لانطلاق العملية، كإسنادٍ جوِّي للقوات البرية الحكومية، مع اضطلاع هذه الطائرات بحماية الملاحة في باب المندب، بعد ما استُنفدت جهود التهدئة مع الحوثيين، وتعاظم تهديداتهم في البحر الأحمر وخليج عدن([11]).

والحقيقة أن طيران التحالف العربي، والطيران الحكومي غير المأهول (المسيَّرات)، اضطلعا بدور حاسم في تقويض قدرات الحوثيين، وتحييد تعزيزاتهم من القوى والوسائل، وهو الجهد العسكري الملموس والأبرز لعملية فجر اليمن. فقد أحدث فجوات عميقة في قوى الحوثيين الحية، ووسائلهم النارية الهجومية، كالصواريخ الباليستية والمجنحة(الكروز)، والطائرات غير المأهولة. حيث تركَّزت ضربتها في المستودعات الاستراتيجية، ومنصات الإطلاق المتحركة، والقواعد البرية والبحرية، ومراكز القيادة والسيطرة، ومعاقل القادة الميدانيين، ومعامل التصنيع العسكري، وورش الإصلاح والتأمين الفني، ومحطات الإمداد بالوقود، وذلك في صنعاء وصعدة وحجة وعمران والجوف والحديدة، بوصفها أبرز مناطق تمركز هذه الإغراض([12]).

لوحظ أن القوات الحكومية لم تستغل، على نحو فاعل، نتائج الضربات في تغيير خرائط النفوذ لمصلحتها، أو لرفع الحصار عن تعز، وقد تُعزى المسألة إلى التحديات التنظيمية والقيادية التي تواجهها، لا سيَّما أن معارك الحوثيين الأخيرة تشير إلى نمط قيادي محترف، ومختلف عمَّا كانت عليه من قبل، ما دفع إلى الاعتقاد بوجود خبراء إيرانيين ومن حلفاء إيران، ودعم لوجستي ومعلوماتي تقف وراءه دول كبرى، أبرزها روسيا والصين([13])، علاوة على ترسانة الأسلحة التي استُحوذ عليها، بعد هزيمة قوات المقاومة الوطنية، في سبتمبر/ أيلول 2026.

لا يبدو أن تعز استفادت من عملية فجر اليمن، عدا ما يخص دور طيران التحالف، كما أنه لا يؤخذ القتال فيها على أنه فعل ناشئ عن هذه العملية؛ لأن تعز تخوض معاركها أمام الحوثيين منذ أغسطس/ آب 2026، ولا تزال قوات المحور فيها، مسنودةً بالمقاومة الشعبية، تخوض المعارك دون أي دعم كافٍ لمواجهة الحوثيين الذين يقاتلون بقوام سلاح دولة. ومع استمرار المعارك تضاعفت تحديات التعويض عن المقاتلين والأسلحة، وفي ظل حصار محكم لطرق الإمداد بين عدن وتعز، والشبكة الفرعية للطرق.

ثالثًا: نطاق المواجهة وترابط جبهاتها

كان سقف التوقعات الشعبية تجاه عملية فجر اليمن عاليًا، كأن تضُم جبهات التماس التي جمدتها الهدنة الإنسانية في إبريل/نيسان 2022، واستحداث جبهات جديدة تفرض معادلة ضغط حاسمة، لتستعيد الحكومة ما خسرته أمام الحوثيين في المخا وباب المندب، ثم التقدم بعمليات تعرُّضية إلى مناطق يمكن أن تفضي إلى حسم سريع، خاصة الحديدة، بوصفها الميناء الاستراتيجي للبلاد، وصنعاء بوصفها العاصمة السياسية. وعلى مدى أربعة أسابيع رسمت المعارك حدودًا جغرافية واضحة للصراع، وتشكَّل معها مسرح عمليات متغير، يضم الجزء الجنوبي الغربي من المنطقة العسكرية الرابعة (تعز ولحج)، والأجزاء الصحراوية من المنطقتين العسكريتين، الثالثة والسادسة (مارب والجوف)، هجمات الحوثيين على السعودية فقد وسعت الحرب إلى خارج الحدود مثلما كانت قبل الهدنة الإنسانية.

ووفقًا لوزير الدفاع فإن الخطط الرئيسة للقيادات والجبهات موحدة، والتنفيذ غير مركزي، بما يتيح للقادة الميدانيين حرية المبادرة باتخاذ القرارات دون الرجوع إلى القيادة العليا. ما يعني أن تقديرات المواقف الناشئة هي الفيصل، غير إن معظم القادة لا يتمتعون بخلفيات عسكرية أكاديمية، وتراكم خبرات طويلة ومتنوعة؛ لأنهم تلقوا خبراتهم في هذه الحرب، ومنهم من التحق بها مؤخرًا. ومما يبدو أن ثمة تنسيقًا بين قوات المحور بتعز، وفصائل المقاومة الشعبية المتمركزة في أريافها، رغم ما تفرضه ظروف القتال من تحديات إضافة إلى الجغرافيا الصعبة.

رابعًا: حدود التقدم والمسارات المحتملة للمعارك

  1. حدود تقدم القوات الحكومية

تكشفُ الخرائط الناشئة عن أربعة أسابيع من عملية فجر اليمن، عن تغُّيرات ميدانية طفيفة، لا تعكس أهداف العملية وعنوانها العريض، فقد اقتصرت إنجازاتها على ما قامت به قوات العمالقة من هجوم على جزء من القطاع الساحلي الغربي شمالي باب المندب، عبر التفاف قصير، عزلت، بموجِبه، قوات الحوثيين في المخا عن قواتهم في باب المندب، والاستيلاء على مهبط صغير للطائرات في مديرية ذو باب الواقعة بينهما. أما في مارب والجوف، فقد عبَّرت المواجهات عن الحد الأدنى من الدفاع النشط، وتجاوُز حالة الدفاع السلبي الذي التزمته قوات المنطقتين العسكريتين الثالثة والسادسة المتمركزة فيهما، منذ إعلان الهدنة الإنسانية في أبريل/نيسان 2022.

كان كلُّ ما أُحرز، مجرَّد تقدمات محدودة في العمق الصحراوي للمحافطتين، دون أيِّ سيطرة فعلية، سواء على معسكر، أو مركز إداري، أو هيئة طبيعية حاكمة، أو طريق مفصلية، أو مفترق طُرق. ومؤخرًا اقتربت قوات الحكومة بمحافظة الجوف من مركزها الإداري (مدينة الحزم)، عبر جهتها الجنوبية الشرقية، مع فرض سيطرة نارية مباشرة، نسبيًّا، على خطوط إمدادات للحوثيين، في اللبَنَات والدحيضة بمديرية خَبِّ والشَّعْف([14]).

وعوضًا عن أن تحرز القوات الحكومية ضمن عملية فجر اليمن تقدمًا، استكمل الحوثيون إسقاط المديريات الجنوبية لريف محافظة تعز، وفرضوا حصارهم على مركز المحافظة، بوصولهم إلى منفذها الغربي. ولما عجزوا عن اقتحامها اتجهوا لضرب جبهات المقاومة الشعبية والجيش في مديريات المسراخ، وصَبِر الموادم، ومشرعة وحَدنان، التي تحمي ظهر المدينة، وشنُّوا عليها هجمات غير مسبوقة، للوصول إلى قمة العروس بجبل صبر المطل عليها، والذي يمنحهم هيمنة نارية عليها، وبما يمكِّن من اختراقها. وكذلك كان التعامل مع المقاومة الشعبية والجيش بمديرية حَيْفان ومديرية المقاطرة المجاورة لها، بمحافظة لحج؛ فقد تمكنوا من السيطرة على طريق هيجة العبد، وقلعة المقاطرة المطلة عليها التي يتجاوز ارتفاعها 2100 متر فوق سطح البحر، والتي يمتد مجال الرؤية فيها إلى عدن، ومناطق الحُجرية في تعز([15]).

خلال الفترة المنصرمة لفجر اليمن، شن الحوثيون سلسلة هجمات على مطاري عدن والريان، ومقر الحكومة في عدن، وعلى أرصفة خفر السواحل بالميناء، ومراكز تدريب أمنية في شبوة وعدن، وبذلك أظهروا أنهم من يرسم محليًّا، حدود المواجهة ونطاقها، بل تبادلوا الضربات من السعودية، وعلى مرافق استراتيجية عديدة، كالمطارات، وموانئ النفط. وفي المقابل، أرسلت القوات الحكومية، خاصة المتمركزة في محور طور الباحة في لحج، رسائل سلبية، بشأن قدرة عملية فجر اليمن على الصمود، إن لم تحرَّك مختلف الجبهات.

  1. المسارات المحتملة للمعارك

بعد أن تخطي الحوثيون حدود لحج، أصبح هدفهم الأول من هذا التقدم واضحًا، وهو الوصول إلى منطقة رأس العارة الساحلية، غربي لحج، لتأمين قواتهم المتمركزة في جزيرة ميُون والمناطق المحيطة بها، شرقًا وشمالًا، التي تحاصرها القوات الحكومية. وبقدر ما يحقق ذلك من مكاسب استراتيجية للحوثيين، فإنه، في الوقت نفسه، يحقق مكاسب مماثلة لحليفتهم إيران، في ظل تجدد المخاوف بشأن تعرضها لضربات أميركية بعد الانتهاء من الانتخابات النصفية، 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، إذا ما أخفقت المساعي الدولية لاحتواء الأزمة. ولعل مما يشير إلى تقاسم إيران هذه المكاسب مع الحوثيين، ظهور سفيرها بصنعاء، في لقاءات رسمية غير مسبوقة، تُذكِّر بنشاط السفير السابق، حسن إيرلو، قبل وفاته بصنعاء، في ظروف غامضة، في ديسمبر/ كانون أول 2021؛ حيث تزامن ذلك النشاط مع الهجوم غير المسبوق الذي شنَّه الحوثيون على مارب، بغية إسقاطها والسيطرة عليها.

يتمثل الهدف الثاني في اجتياح عدن، وتأمين ذلك بتقدم قوات الحوثيين في جبهات الضالع، وأبين، إلا أن هذا الهدف قد يبدو مؤجلًا قليلًا، نظرًا إلى الكلفة الباهظة التي سيدفعها الحوثيون من قدراتهم، وربما من الأرض التي سيطروا عليها مؤخرًا في لحج وتعز وربما كذلك في صنعاء ومحيطها. ولذلك قد يكون توغُّل الحوثيين في لحج ورقة ضغطٍ لتعزيز قبضتهم على باب المندب، والعودة إلى المفاوضات السياسية، ومن ثم تثبيت مكاسب الأخيرة التي أحرزوها في الساحل الغربي وتعز.

أمام هذين المسعيين، قد تتسع المواجهة أكثر لتشمل عدة جبهات، ومسارح عمليات، وقد يتجاوز ذلك جغرافيا اليمن إلى الجغرافيا السعودية، وممرات الشحن في البحر الأحمر. وهذا السيناريو يعيد التذكير بالتدابير الدفاعية المبكرة التي اتخذتها السعودية، ومنها تكوين التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، المعلن عنه في يوليو/ تموز 2026، وحلف مكة الدفاعي المعلن عنه في أغسطس/ آب، الذي ضمَّ، إلى جانب السعودية، كلًا من تركيا وباكستان. فضلًا عن ذلك، الموقف المصري المتمثل في تفويض البرلمان، رئيس البلاد عبد الفتاح السيسي، باتخاذ الإجراءات اللازمة لمساندة السعودية، بعد التنسيق الدفاعي المشترك([16]).

ليس هناك من تفسير لموقف الحكومة تجاه تقدم الحوثيين، وتراجع قواتها أمامهم، إلا أن يكون ذلك ضَعْفَا في قدراتها العسكرية أمام قدرات الحوثيين التي تضاعفت خلال الهدنة الإنسانية. وإلى جانب ذلك تراكُم خبراتهم في التعامل مع الصواريخ والطائرات غير المأهولة، والوسائط الحربية البحرية، التي منحتهم القدرة على التكيف مع التهديدات التي يثيرونها برًا وبحرًا، ومع ما قد يطاولهم من مثلها مستقبلًا([17]). حيث كان لهذا التطور دور في حسم المعارك الأخيرة لمصلحتهم، مع حصولهم على ترسانة جديدة من الأسلحة استولوا عليها خلال الجولة الحالية من الحرب. فضلًا عن ذلك، تبرز التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها الحكومة، والتي تشتَّت معها قرارها السياسي والعسكري والأمني.

رغم كل ذلك، قد يكون تقدم الحوثيين، جنوبًا، استدراجًا إلى مستنقع الهزيمة، أو يمكن أن يوجَّه على هذا النحو، بدعم السعودية وحلفائها، ومن ثم طردهم من صنعاء بعد أن تكون قواتهم قد تشتت وضعف موقفهم الدفاعي؛ لأن الحرب الراهنة لم تعد تعني هذه الحكومة فحسب، بل والسعودية وذوي المصالح معها؛ وكذلك لأن الحرب، في شِقٍّ أصيل منها، بين إيران والسعودية.

خاتمة

تكشف حصيلة الأسابيع الأربعة الأولى من عملية "فجر اليمن" عن فجوة واضحة بين أهدافها المعلنة ونتائجها الميدانية؛ إذ لم تُحدث تحولًا جوهريًّا في موازين القوى لمصلحة الحكومة، بل اتسع نفوذ الحوثيين في تعز ولحج، رغم استمرار صمود مدينة تعز أمام هجماتهم. وقد أظهر هذا التباين محدودية قدرة القوات الحكومية على استثمار الإسناد الجوي، وكشف عن اختلالات في القيادة والتنظيم والتنسيق بين الجبهات. وفي ظل استمرار تقدم الحوثيين نحو المناطق المتاخمة لباب المندب، تتزايد احتمالات اتساع المواجهة إلى مسارح عمليات جديدة. ويظل مسار الحرب مرهونًا بقدرة الحكومة وحلفائها على تجاوز اختلالاتهم العسكرية، ووقف تقدم الحوثيين، وإعادة تشكيل موازين القوى؛ وإلا فإن المكاسب الميدانية الأخيرة قد تمنح الحوثيين أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات مقبلة، أو تدفع نحو جولة أوسع من الحرب تتجاوز تداعياتها حدود اليمن.

 

نبذة عن الكاتب

مراجع

([1] (يُنظَر: "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، "سيطرة الحوثيين على باب المندب: الخلفيات والتداعيات"،17 سبتمبر/ أيلول 2026، (تاريخ الدخول: 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2026) ، https://tinyurl.com/59p4mmph

([2]) "المركز الوطني للمعلومات"، نبذة تعريفية عن محافظة تعز، (تاريخ الدخول: 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://l1nq.com/llx23w8

([3]) ينظر: World Population Review, Taiz Population, accessed 26/10/2026, at: https://sl1nk.com/1259sde

([4]) المركز الوطني للمعلومات، مرجع سابق.

[5]) عبد الله محمد عبد الله الرهمي، التركيب الداخلي لمدينة تعز، في الجمهورية اليمنية، دراسة في السكان والمسكن (رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية، 1992)، ص27.

[6]) المؤتمر نت، "قرار رئاسي بتقسيم مسرح العمليات العسكرية وتسمية المناطق العسكرية وتعيين قياداتها"، 10 إبريل/ نيسان 2013، (تاريخ الدخول: 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://almotamar.net/news/107092.htm

[7]) محمد عبد العاطي، "اليمن وباب المندب... هل تغير "فجر اليمن" ميزان القوة؟"، مركز الجزيرة للدراسات، 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، (تاريخ الدخول: 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6688

[8]) صندوق القتل منطقة عمليات محددة عبر خطوط الطول ودوائر العرض، لتنسيق نيران الطيران الحربي والمدفعية أثناء استهداف العدو داخل المناطق المحددة بهذا الصندوق، وبما يوفر مرونة عالية لهذا الاستهداف، والمناورة بالنيران، لضرب تحركات العدو. ينظر: 26 سبتمبر نت (الموقع الرسمي الناطق باسم القوات المسلحة اليمنية)، "القوات المسلحة: بدأ القصف في صندوق القتل المعلن سابقًا"، 11 سبتمبر/ أيلول 2026، (تاريخ الدخول: 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://www.26sepnews.net/2026/09/11/1-16737/

[9]) الموقع الرسمي لفخامة الرئيس د. رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، "رئيس مجلس القيادة يعلن انطلاق عملية فجر اليمن لاستعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء"، 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، (تاريخ الدخول: 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://presidentalalimi.net/news2566.html

[10]) قناة الإخبارية، "وزير الدفاع اليمني يكشف مجريات عملية فجر اليمن"، 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، (تاريخ الدخول: 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://www.youtube.com/watch?v=O42rz-4mb0I

[11]) الشرق الأوسط، "التحالف: 100 مقاتلة شاركت في "فجر اليمن" وتدمير 324 هدفًا عالي القيمة"، 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، (تاريخ الدخول: 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://tinyurl.com/4ppjmk5h

[12]) وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، "تحالف دعم الشرعية: دمرنا 324 هدفاً عالي القيمة مع انطلاق عملية "فجر اليمن" ونؤمن الحماية الجوية لمضيق باب المندب"، 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، (تاريخ الدخول: 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://mail.sabanew.net/story/ar/153480

[13]) موقع إندبنت عربية، "القوات اليمنية: مقتل 4 إيرانيين متخصصين في الصواريخ والمسيرات في تعز"، 28 سبتمبر/أيلول 2026، (تاريخ الدخول: 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2026)، https://tinyurl.com/vbercca6

[14]) 26 سبتمبر نت، "القوات المسلحة تستعيد مواقع استراتيجية حاكمة شرق مدينة الحزم"، 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، (تاريخ الدخول: 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://sl1nk.com/d6aetzz

[15]) 26 سبتمبر نت، "المقاطرة" صمود أسطوري في وجه الأئمة قديماً وأحفادهم حديثًا"، 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، (تاريخ الدخول: 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://tinyurl.com/mu4z44fh

[16]) بوابة الأهرام، "النواب يوافق على تفويض الرئيس السيسي باتخاذ ما يلزم من إجراءات لمساندة السعودية"، 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، (تاريخ الدخول: 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2026)، https://gate.ahram.org.eg/News/5972402.aspx

[17]) عبد العاطي، "اليمن وباب المندب... هل تغير "فجر اليمن" ميزان القوة؟"، مرجع سابق.