حلّ يوم 30 سبتمبر/أيلول 2026، وانتهى وجود قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق، ولكن من دون تنفيذ الالتزام المقابل الذي سبق للحكومة العراقية أن أعلنته في يوليو/تموز الماضي، والمتمثل في استكمال نزع سلاح الفصائل في الموعد ذاته، ليكون العراق، في 1 أكتوبر/تشرين الأول، خاليًا من القوات الأجنبية ومن المجموعات المسلحة خارج إطار الدولة على حد سواء.
توقفت الحكومة العراقية عن اعتبار الثلاثين من سبتمبر/أيلول موعدًا "نهائيًا" لنزع سلاح الفصائل، وجرى تحديد موعد جديد يمتد إلى منتصف العام المقبل، 2027، لتحقيق هدف أُعيدت صياغته تحت عنوان "حصر السلاح بيد الدولة".
وأعلن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، الموعد الجديد خلال اجتماعاته مع المسؤولين الأميركيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وجاء ذلك متسقًا مع الجدل الذي يشهده العراق منذ أكثر من شهرين، والمصحوب بتهديدات متبادلة ومخاوف من الوصول إلى حافة مواجهة بين القوات الحكومية والفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، وما قد تجرّه مثل هذه المواجهة من حرب أهلية داخل المناطق الشيعية ذاتها.
تعريف الدولة لذاتها
لا يمكن اعتبار ما يجري في العراق مجرد خلاف تقني حول جمع أسلحة غير مرخصة، بل هو صراع على تعريف الدولة العراقية لنفسها وعلى من يمتلك قرار استخدام القوة وقرار الحرب والسلم. ولهذا فإن التعبير العراقي الرسمي "حصر السلاح بيد الدولة" أوسع سياسيًّا من العملية التقليدية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لأنه يتعامل مع تنظيمات تملك في الوقت نفسه القوة العسكرية والنفوذ السياسي والموارد الاقتصادية والامتدادات الإقليمية، وتمتلك قدرة الرفض ومواجهة الحكومة، إن تطلب الأمر.
خلال الصيف، بدا أن رئيس الوزراء، علي الزيدي، كان حاسمًا للغاية بعد لقائه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في يوليو/تموز الماضي؛ حيث تعهد بإنهاء وضع السلاح خارج الدولة بحلول 30 سبتمبر/أيلول 2026، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي. لكن اصطدام الخطة برفض ثلاث جماعات مرتبطة بإيران على الأقل، وبموقف إيراني معارض لنزع السلاح في ظروف الحرب، وبخشية القوى الشيعية من اقتتال داخلي، دفع بغداد إلى الانتقال من منطق الإنذار النهائي إلى منطق التسوية المرحلية.
وقع التطور الأهم في 21–22 سبتمبر/أيلول؛ حيث أعلن الزيدي، من نيويورك، عن تصور يقوم على هدنة أولية لمدة 90 يومًا تتوقف فيها هجمات الفصائل، في مقابل عدم تعرضها لهجمات أميركية، ثم تبدأ عملية تسليم/حصر الأسلحة تدريجيًّا لتنتهي في 30 يونيو/حزيران 2027. وبعد لقائه وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قال المبعوث الأميركي، توم باراك: إن واشنطن وبغداد متفقتان على أن تكون "الدولة وحدها"، بنهاية يونيو/حزيران 2027، صاحبة القوة العسكرية، وقد بدا تصريح باراك شديد الأهمية، فقد أوحى بأن واشنطن تبدو الآن مستعدة لقبول تمديد المهلة، لكنها لا تبدو مستعدة لقبول تغيير الهدف النهائي.
أسهمت ثلاثة متغيرات في تصاعد موجة الحملات الخاصة بسلاح الفصائل: الأول هو انتهاء مهمة التحالف الدولي؛ حيث استخدمت الفصائل الوجود الأميركي طويلًا لتبرير الاحتفاظ بما تسميه "سلاح المقاومة"، لكن الزيدي قلب الحجة عليها: إذا غادرت القوات الأجنبية، فإن المبرر السياسي والقانوني لوجود قوة مسلحة مستقلة عن الدولة يصبح أضعف. وقد قال صراحة: إن خروج القوات الأميركية يعني أنه لن يبقى "مبرر أو حاجة لأي مقاومة" داخل العراق، وفي هذا السياق، قررت الحكومة العراقية تسمية يوم 30 سبتمبر/أيلول (يوم السيادة)، واعتبرته عطلة رسمية، لتقديمه فيما يبدو بوصفه منجزًا وطنيًّا، يعزِّز حجة الحكومة بحصر السلاح، وإنهاء وجود المجموعات خارج الدولة.
يتمثل المتغير الثاني بالحرب الأميركية–الإيرانية الأوسع في المنطقة، فالعراق لم يعد يستطيع التعامل مع الفصائل باعتبارها قضية داخلية فقط، لأن بعضها شارك فعليًّا في المواجهة الإقليمية. وتقدِّر وكالة رويترز أن مظلة "المقاومة الإسلامية في العراق" تضم نحو عشر فصائل متشددة، بإجمالي يقارب 50 ألف مقاتل، ولديها صواريخ بعيدة المدى وقدرات مضادة للطائرات ومسيَّرات متطورة، إضافة إلى مصالح اقتصادية في البناء والعقارات والصيرفة. وقد يكون عدد الفصائل الدقيق مدعاة للجدل، فبعضها مجرد عناوين إعلامية، يُعتقد أنها تُستخدم واجهةً لتبنِّي بعض الهجمات ورفع اللوم والحرج عن التنظيمات الحقيقية الفعَّالة ذات الحضور العسكري والسياسي العلني والمؤثر.
وبكل الأحوال، فالفصائل الموالية لإيران يمكن أن تستخدم هذه القدرات العسكرية الضخمة، ضد أهداف أميركية أو خليجية من الأراضي العراقية، وبذلك فإنها تستطيع -من دون قرار الحكومة- إدخال الدولة العراقية كلها في هذه الحرب التي تسعى الحكومة ذاتها للبقاء خارجها والنأي بالنفس عنها.
أما المتغير الثالث فهو تغير مستوى الضغط الأميركي؛ إذ إن إدارة ترامب لم تعد تتعامل مع المسألة بوصفها إصلاحًا عراقيًّا داخليًّا مستحبًّا، بل بوصفها اختبارًا لسيادة الدولة العراقية وعلاقتها الإستراتيجية بواشنطن.
يتضمن الخطاب الأميركي الحالي ثلاثة مطالب مترابطة، هي: تفكيك البنية العسكرية المستقلة للفصائل، منع استخدام الأراضي العراقية لشنِّ هجمات خارجية، وجعل قرار استخدام القوة حصريًّا بيد الدولة.
وفي لقاء روبيو-الزيدي في نيويورك، قالت الخارجية الأميركية: إن الطرفين اتفقا على أهمية أن يقوم العراق بـ"تفكيك الميليشيات الإرهابية"، ومنع الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية، وممارسة سيادته بصورة كاملة.
وفي 23 سبتمبر/أيلول 2026، قال توم باراك: إن نزع سلاح الفصائل مهم "للعراق وللعراقيين"، وأشاد بمسار الزيدي. كما أبدى روبيو دعمًا واضحًا له، قائلًا: إن واشنطن لا تشك في التزامه، مع إقراره بأن المهمة "تحدٍّ هائل وصعب".
انقسام الفصائل
منذ طرح الزيدي موقفه الخاص بزع السلاح، أبدت بعض الفصائل استعدادًا بدرجات مختلفة للامتثال أو إعادة تنظيم وضعها، وكان من بين أبرز هذه الفصائل: عصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي، وسرايا السلام، مع اختلافات كبيرة في طبيعة العلاقة بالدولة. أما المعسكر الأكثر تشددًا فقد رفض علنًا فكرة نزع السلاح من الأصل، وطرح بعضها (شروطًا) لذلك تتضمن تحقيق متطلبات لا يمكن توقع تحقيقها إلا في سياق زمني بعيدة المدى، وأخرى غير ممكنة قانونيًّا أو فنيًّا، ومن أمثلة هذه الشروط: ضمان عدم عودة القوات الأميركية، وإنهاء ما تعده النفوذ الأميركي في القرار السياسي والاقتصادي العراقي، وخروج القوات التركية، وإزالة الأخطار الإستراتيجية التي تواجه العراق، وتطوير قدرات القوات المسلحة العراقية، ولاسيما الدفاع الجوي، وحل قوات البيشمركة الكردية التابعة لحكومة إقليم كردستان.
ويضم هذا المعسكر كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، إلى جانب فصائل أخرى تعد نفسها جزءًا من (المقاومة الإسلامية في العراق) وتعلن عن بعض العمليات المسلحة والمواقف، لكنها قد تكون مجرد واجهات إعلامية للفصائل الثلاث السابقة، وجميع هذه الفصائل تؤكد ارتباطَها مع إيران ضمن (محور المقاومة) وولاءَها للمرشد الإيراني الأعلى بصفته الولي الفقيه وصاحب (الحق الشرعي) في قيادتها وتوجيه الأوامر لها.
الحجة التي تقدمها الفصائل ليست ببساطة (لن نسلِّم السلاح) بل إن الدولة العراقية، وفق تصورها، لا تمتلك حتى الآن القدرة الكافية للدفاع عن نفسها أمام الولايات المتحدة أو إسرائيل أو التهديدات الخارجية، ولذلك ينبغي أن تبقى "المقاومة" قوة ردع موازية. وحسب تصريحات عديدة سابقة لقيادات شيعية بارزة، فإن هذه المجموعات المسلحة، فضلا عن الحشد الشعبي، هي تشكيلات (عقائدية) مهمتها "حماية النظام السياسي" في العراق، وهو ما يعتبره معهد واشنطن مرادفا عمليا لحماية المعادلة الحاكمة القائمة على المحاصصة الطائفية وتثبيت نفوذ الأغلبية الشيعية. لكن في كل الأحوال، فإن بقاء الفصائل المسلحة تبرز المشكلة الدستورية والسيادية؛ حيث يعني قبول هذه الذريعة عمليًّا وجود مركزين لاتخاذ قرار الحرب والسلم.
المقاربة بين الموقفين الأميركي والإيراني
لم يصدر عن إيران أي موقف رسمي علني يقول ببساطة: "نرفض نزع سلاح الفصائل العراقية"، لكن بعض التقارير الإعلامية داخل العراق، أشارت إلى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، أوصى الفصائل الموالية لإيران خلال زيارته غير المعلنة لبغداد، في أغسطس/آب الماضي، بسلوك مزدوج: (عدم تسليم السلاح في الوقت الحاضر، وتجنب الدخول في مواجهة عسكرية مع حكومة الزيدي). وطلب قاآني، وفق هذه المصادر، البحث عن تسوية سياسية تسمح بتحقيق هذا الهدف المزدوج.
ويبدو هذا الهدف الإيراني منطقيًّا من زاوية المصالح الإستراتيجية الإيرانية؛ حيث تعد خسارة قدرات الفصائل العراقية، في ظروف الحرب الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، خسارة جزء مهم من الدفاع المتقدم والردع الإيراني غير المباشر. لذلك، قد تقبل طهران بـ(تنظيم) سلاح الفصائل أو (الدمج القانوني والإداري) لها في المنظومة الأمنية العراقية، لكنها ترى إزالة القدرة العملياتية المستقلة لهذه الجماعات خسارة إستراتيجية كبيرة، في هذه المرحلة على الأقل. وبعبارة أدق، فإن طهران تستطيع التعايش مع تغيير الشكل القانوني للسلاح، لكن المشكلة بالنسبة إليها هي فقدان وظيفته الإستراتيجية.
تسببت محاولات التسوية ما بين المطالب الأميركية والاحتياجات الإيرانية بظهور جدل المصطلحات، ما بين (نزع) السلاح أو (حصر السلاح) أو (تنظيم السلاح). ولا يبدو هذا الجدل، مجرد معركة لغوي شكلية، فهو يؤسِّس للشكل القانوني والميداني الذي يمكن أن يكون عليه مستقبل المجموعات خارج الدولة في العراق، ورؤية الدولة ذاتها لنفسها، ولحقِّها الحصري باحتكار العنف.
في هذا السياق، قال رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي: إن تعبير (نزع السلاح) لم يعد مستخدمًا في المفاوضات، وإن الحديث أصبح عن (تنظيم السلاح) أو (احتوائه)، وطَرَحَ سؤالًا عمَّا إن كان ذلك يشمل جميع الأسلحة أم أنواعًا محددة منها؟ وهل يمكن التفريق بين الثقيل والمتوسط والخفيف؟
توحي هذه الرؤية، وتجاوز مهلة الثلاثين من سبتمبر/أيلول، بمحاولة تحقيق تسوية يسعى الإطار التنسيقي للوصول إليها، ويبدو أن المضمون الأساسي لهذه التسوية يتضمن التخلي عن صيغة حلِّ الفصيل المسلح، وتسليم جميع أسلحته، ومن ثم إدماجه في القوات النظامية، لتتضمن الصيغة الجديدة تخزين السلاح الثقيل للفصيل المعني، ووضعه اسميًّا تحت سلطة الحشد الشعبي والقائد العام، مع استمرار جزء من بنيته التنظيمية والسياسية.
تحمل الصيغة الثانية بالطبع فارقًا جوهريًّا عن الأولى، والتساؤل الأهم فيها عن مصير السلاح الثقيل الذي يمكن أن تسلِّمه الفصائل، ويضم صواريخ ودبابات ومدافع ومركبات مدرعة وطائرات مسيرة، ومن يسيطر فعليًّا على مخازن هذه الأسلحة، ويصدر أوامر استخدامها؟ وهل تصل سلسلة القيادة فعلًا إلى القائد العام للقوات المسلحة؟ والسؤال الأهم هنا سيكون بالطبع: ما جدوى وجود مخازن أسلحة منفصلة دون وضعها تحت سيطرة القوات الجيش، إذا كان الفصيل المعني قد انخرط بالفعل في هياكل الحشد الشعبي؟ وكذلك، ما مصير الأسلحة المتوسطة والخفيفة، ولماذا يحتفظ بها الفصيل المعني، رغم أنها يمكن أن تُستخدم بفاعلية في حال نشوب صراع أهلي، وتؤمِّن استمرار هيمنة قادة هذه الفصائل على البيئة المحلية كمراكز قوى، قد تتحول إلى نمط من العصابات في مناطق انتشارها؟
الإطار التنسيقي ومحاولة منع الانفجار
تبدو الصيغة المقترحة لتنفيذ قرار (حصر السلاح) حلًّا ممكنًا لتجاوز أزمة عاجلة، لكنه يؤسِّس لأزمات مقبلة، ويُبقي الجماعات خارج الدولة، لكنه يحولها من تهديد دول الإقليم والمصالح الأميركية فيها إلى مجرد تهديد داخلي. يبدو هذا الواقع مقبولًا عند أطراف الإطار التنسيقي، أو بعضها. قام الإطار بتشكيل لجنة ثلاثية ضمَّت نوري المالكي، ومحمد شياع السوداني، وهادي العامري للتفاوض مع الفصائل والقيام بما يتجاوز الوساطة إلى إيجاد مقاربة بين خيارين صعبين: أن يقف بالكامل مع الزيدي ضد الفصائل، فيخاطر بانقسام البيت الشيعي وربما بصدام مسلح داخله، أو أن يقف مع الفصائل ضد الحكومة، وبذلك يعرِّض العراق لمواجهة مباشرة مع واشنطن وعقوبات وضغوط مالية وسياسية. وفي حال قام بترك الملف بلا حل، فإنه يُضعف رئيس الوزراء والدولة أمام الأميركيين والفصائل على حدٍّ سواء.
هنا ظهر الخيار الرابع، وهو شراء الوقت وتحويل المهلة الحاسمة إلى عملية سياسية تدريجية، ويبدو أن ذلك نجح حينما أعلن الزيدي الانتقال من موعد 30 سبتمبر/أيلول 2026 إلى 30 يونيو/حزيران 2027. ويبدو حتى الآن أن الأميركيين وافقوا على الموعد الجديد.
وحسب تصريحات الزيدي، فإن تراجعه عن الموعد الأصلي لا يعني تراجعه عن المبدأ، فهو يقول في تصريحات له في نيويورك: إن حصر السلاح "ليس اختياريًّا، بل ضرورة"، ويضيف أن آخرين تحدثوا عن الموضوع ثم تراجعوا تحت الضغوط، أما بالنسبة إليه فالقضية، إلى جانب مكافحة الفساد، "مسألة شرف".
تتضمن الخطة الجديدة التي قدَّمها الزيدي في نيويورك ثلاث مراحل تبدأ يوم 30 سبتمبر/أيلول 2026 بهدنة أَمَدُها 90 يومًا، تتضمن توقف الفصائل المسلحة عن أية هجمات ضد دول المنطقة أو القوات الأميركية فيها. وبالمقابل تمتنع الأخيرة عن مهاجمة الفصائل خلال هذه المدة. بعد ذلك تبدأ الفصائل بتسليم أسلحتها الثقيلة، وإعادة هيكلة تنظيماتها لتندمج داخل الحشد الشعبي، على أن تكتمل هذه العملية بحلول 30 يونيو/حزيران 2027.
تسمح هذه الترتيبات للزيدي بتحقيق ثلاثة أهداف في وقت واحد، وهي: عدم الدخول في حرب داخلية مع الفصائل، والحصول على قبول أميركي بتمديد الجدول، وإعطاء القوى الشيعية وقتًا للتفاوض على شكل الإدماج. ويبدو أن الأهداف الثلاثة قد تحققت بالفعل، لكن ذلك لا يمنع وجود مخاطرتين في هذه المقاربة، فمن جانب، يتوجب على الزيدي أن يضمن عدم قيام الفصائل بأي نشاط عسكري إقليمي خلال فترة الـ90 يومًا بدءًا من 1 أكتوبر/تشرين الأول وحتى نهاية العام 2026، كما تضمنت الخطة من الأساس. ومن جانب آخر، فإن الأشهر التسعة المقبلة إذا انتهت من دون انتقال حقيقي في سلسلة القيادة والسيطرة، فقد يتحول التأجيل من تسوية انتقالية إلى مجرد إعادة إنتاج الوضع السابق.
العراق وسياق الحرب الأميركية-الإيرانية
ترتبط جميع المقاربات المطروحة حول مصير سلاح الفصائل العراقية، بمسار ونتائج المواجهة الأميركية-الإيرانية، حتى إن
صحيفة نيويورك تايمز نقلت عن مسؤول أمني عراقي قوله: إن الخطة بكاملها قد تفشل ما لم يتحقق سلام بين واشنطن وطهران، وذلك يؤكد أن تنفيذ جدول زمني لنزع السلاح في ظل استمرار الحرب شديد الصعوبة.
واصلت الفصائل العراقية الادعاء بأن سبب وجودها بوصفها (مقاومة إسلامية) يرتبط بوجود القوات الأميركية في العراق، وعندما ينتهي وجود هذه القوات مع موعد 30 سبتمبر/أيلول يمكن لذريعة البقاء أن تعود فورًا إلى أصلها الحقيقي، وهو ارتباطها بالصراع الإيراني مع الولايات المتحدة، وهكذا فإذا استمرت الحرب، ستقول الفصائل إن سبب وجودها لم يختفِ، فيما سترى إيران أن التخلي عنها أثناء الحرب بمنزلة نزع طوعي لأحد أذرع الردع.
بالمقابل، وفي حال حدث اتفاق أميركي-إيراني أو تهدئة إقليمية مستقرة، فإن تكلفة احتفاظ الفصائل بالسلاح ترتفع، لأن حجة "المقاومة في زمن الحرب" تصبح أضعف، لكن ذلك لن يعني انتهاء الفائدة من وجود الفصائل بالنسبة لإيران، حيث ستستمر أهميتها بوصفها قوة ردع متقدمة، لكن نمط وجودها سيتعرض حتمًا إلى ضغط شديد، وربما سيكون على طهران أن تجد مقاربات مختلفة تحتفظ فيها بنفوذها في العراق، وأن تحافظ في الوقت نفسه على التسوية المحتملة مع واشنطن.
هنا سيكون المتغير الأكثر أهمية ليس موقف الزيدي أو الفصائل ولا حتى ضغوط واشنطن أو طهران وحدها، وإنما مسار الصراع الأميركي-الإيراني نفسه.
وبكلمة، فإن ما تحاول القوى السياسية العراقية فعله فعليًّا اليوم هو تأجيل الاستحقاقات الصعبة في الصدام مع الفصائل المتمردة على نوع السلاح من دون التخلي رسميًّا عن سيادة الدولة، بمعنى تحويل الأزمة من مواجهة صفرية بين الدولة أو الفصائل إلى عملية تفاوضية تتضمن وقف العمليات المسلحة، وضبط تحركات الفصائل ثم تسليم السلاح الثقيل، تليها إعادة الهيكلة والدمج وصولًا إلى إنهاء الاستقلال العملياتي.
في سياق هذه الخطة، يواجه العراق مشكلة جوهرية، هي أن الجماعات المطلوب نزع سلاحها ليست حركات متمردة مهزومة، أي إنها غير مجبرة عمليًّا على الاستجابة لمطالب الحكومة، ناهيك عن الضغط الأميركي الذي تعده أصلًا معاديًا وتآمريًّا. هذه الفصائل يحظى بعضها بوجود داخل النظام السياسي والدولة والحشد والبرلمان والاقتصاد في الوقت نفسه، ولها قدرات عسكرية ضخمة، وموارد اقتصادية مستقلة، ولهذا فإن قدرة الحكومة على فرض النتيجة بالقوة محدودة للغاية.
لكن العنصر الذي يخفف من هذا التعقيد أن واشنطن وافقت، على ما يبدو، بفكرة العملية التدريجية لنزع أو حصر السلاح، وبالموعد الجديد الذي قدمه الزيدي، كما أن إيران، من جانبها أيضًا، لا تبدو راغبة في دفع الفصائل إلى قتال الحكومة العراقية. والأهم، أن طهران قد تجد في حال التوصل إلى تسوية مع واشنطن أن إدماج الفصائل في الدولة العراقية، وقوات الأمن، سيمنحها نفوذًا إضافيًّا في العراق، ستكون بحاجة شديدة له في المستقبل.
بالطبع تخلق هذه المعادلة مساحة سياسية نادرة: واشنطن تقبل التأجيل ولكن لا تقبل بقاء السلاح المستقل، وإيران تقبل التفاوض والتنظيم ولكنها لا تريد نزع القدرة العسكرية قبل التسوية الإقليمية، والحكومة تريد حصر السلاح لكنها تقبل بمقاربة تتجنب من خلالها حربًا داخلية، والفصائل تريد ضمانات إستراتيجية قبل التخلي عن قوتها.
والاختبار الحقيقي لهذه المقاربات لن يكون في عدد البنادق التي تُسلَّم أمام الكاميرات، وإنما أربعة أمور: الصواريخ، والمسيَّرات، ومخازن السلاح الثقيل، وسلسلة إصدار أوامر العمليات. إذا انتقلت هذه فعليًّا إلى سلطة القائد العام، يكون العراق قد بدأ انتقالًا بنيويًّا نحو احتكار الدولة للقوة. أما إذا بقيت بيد قيادات الفصائل مع تغيير التسميات والأطر القانونية، فسيكون ما حدث إعادة تنظيم للسلاح لا نزعه ولا حصره فعليًّا بيد الدولة.