لم يعرف تاريخ المشرق الحديث منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، على مستوى العلاقات بين كياناتها الوليدة، مرحلة استقرار يمكن تذكُّرها بأي درجة من الشعور بالافتقاد أو الرغبة في الاستعادة. ولكن المؤكد أن حالة الاضطراب الأمني التي تعيشها بلدان هذه المنطقة من العالم، بغضِّ النظر عن طبيعة أنظمة حكمها، في السنوات الثلاث الماضية، هي بكافة المقاييس غير مسبوقة. ولا يبدو أن دول المنطقة، أو قوى العالم الرئيسة، ذات الاهتمام البالغ بشؤونها، استطاعت بعدُ التوصل إلى تصور واضح للخروج من هذا الاضطراب.
في حالات سابقة، كانت الاضطرابات الأمنية في الإقليم تتعلق بخللٍ ما في وضع نظام حكم معين في هذا البلد أو ذاك، وتفاقم تدافعات النفوذ بين دول الجوار على مستقبل هذا النظام وارتباطاته؛ أو تسببت أطماع دولة ما في دولة جارة في اندلاع صراع محدود، انقسمت فيه دول الإقليم بين طرفي الصراع. وفي حالات أخرى، أطلقت الطموحات التوسعية لدولة إسرائيل حربًا ضد إحدى دول الجوار العربية، أو حربًا متعددة الجبهات، استمرت لأسابيع أو شهور، قبل أن تتدخل القوى الكبرى، تحت مظلة الأمم المتحدة، لتفرض نهاية للحرب، بصورة أو بأخرى.
ولكن ما يعيشه المشرق العربي-الإسلامي منذ ثلاث سنوات هي حالة متعددة الأوجه من الاضطراب: حرب إسرائيلية ضد الفلسطينيين وعدد من دول المشرق الأخرى، ونزاعات مختلفة التجليات بين دولتين أو أكثر، وتدافعات على النفوذ في أكثر من ساحة. وربما يمكن القول بأن الاشتعال المفاجئ للجبهة اليمنية منذ أغسطس/آب الماضي، ونجاح قوات الحوثيين في السيطرة على باب المندب، ومن ثم مبادرة حكام صنعاء إلى إطلاق عدة موجات من الصواريخ والطائرات المسيرة ضد أهداف سعودية في خميس مشيط وجيزان وجوار مكة المكرمة وينبع، لم يكن سوى حلقة أخرى في حالة الاضطراب المشرقي المديد. ولكن، يبدو أيضًا أن هذه الحلقة تمثل لحظة ذروة لهذا الاضطراب، ولحظة كاشفة في الوقت نفسه.
منذ أواخر الحرب العالمية الثانية، عندما فُرض على فرنسا الجلاء من سوريا ولبنان، وبدأت بريطانيا عملية الانسحاب الطويلة من شرق السويس، التي لم تصل نهايتها إلا في أواخر الستينات، تولَّت الولايات المتحدة المسؤولية الأمنية في معظم أنحاء الشرق الأوسط. وحاول الاتحاد السوفيتي، خلال سنوات الحرب الباردة، تأمين موطئ قدم في هذه الدولة أو تلك، كما في سوريا أو مصر أو العراق، لبعض سنوات في مرة، أو عدة عقود في مرة أخرى. ولكن الهيمنة الأميركية كانت الأكثر شمولًا واستقرارًا، سواء قبل أو بعد تبلور التحالف الأميركي مع دولة إسرائيل. وباستثناء إيران، التي اتسمت علاقاتها بالولايات المتحدة منذ الثورة الإسلامية، في 1979، بأثقال من الشكوك المتبادلة، لم يعد هناك منذ نهاية الحرب الباردة من منافس للمظلة الأميركية في معظم المجال المشرقي.
لذلك، كان الموقف الأميركي من القصف الحوثي ضد المملكة العربية السعودية أحد أبرز مفاجآت سنوات الحرب والاضطراب الأمني الماضية. في اليوم التالي على سيطرة الحوثيين على باب المندب، وبعد أن وجَّه الحوثيون صواريخهم إلى الأراضي السعودية، أدلى الرئيس الأميركي بأول تعليق له على تطورات الوضع اليمني، ردًّا على سؤال حول ما إن كانت الولايات المتحدة ستتدخل لمد يد العون للحلفاء في السعودية. قال ترامب، في الطريق لزيارة رسمية إلى العاصمة الإيرلندية، دبلن: "إن الحوثيين اتصلوا بنا، وهم لا يريدون قتالنا"، مؤكدًا أن "كل شيء سيسير على ما يرام وبشكل رائع في المنطقة". وأشار ترامب إلى أن هناك دولة واحدة فقط ليست الجماعة الحوثية سعيدة بها!
أثار تصريح ترامب مختلف أنواع التعليقات في الخليج والجزيرة العربية حول ما تبقى من علاقات التحالف العربية مع الولايات المتحدة. كما أطلق سلسلة أخرى من الأسئلة حول جدوى، أو عدم جدوى، اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية، التي وقَّعتها السعودية وباكستان وتركيا، وعُرفت باتفاقية مكة المكرمة. أما أغرب ردود الفعل على تصريح الرئيس ترامب فقد جاءت من كُتَّاب ومسؤولين إسرائيليين أمنيين سابقين، لم يخفوا ترحيبهم بتراجع الدور الأميركي في المنطقة، بوصفه فرصة كبرى للدولة العبرية، موصين الحكومة الإسرائيلية بتقديم كل مساعدة ممكنة لردع الحوثيين. فكيف يمكن أن يُفهم الدور الأميركي في سلسلة التداعيات التي دفعت المشرق العربي-الإسلامي إلى هوة الاضطراب الأمني خلال السنوات الثلاث الماضية؟ وهل يشهد الإقليم فعلًا بوادر انسحاب أميركي؟ وأية قوة، أو منظومة أمنية، يمكن أن تساعد على خروج المشرق من هذه الحالة من الفوضى الأمنية المتفاقمة؟
أي دور أميركي؟
يبدأ التأريخ السهل لهذه الحقبة من عدم الاستقرار من "طوفان الأقصى"، الهجوم واسع النطاق عبر السياج الحدودي لقطاع غزة على مستعمرات ومواقع عسكرية في الجانب الإسرائيلي من الحدود، الذي نفَّذته كتائب القسام التابعة لحركة حماس، فجر السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. خلال الأعوام الثلاثة التالية، ردَّت إسرائيل على تلك العملية بحملة تدمير إبادية لقطاع غزة، استهدفت البنى التحتية والمساكن وسبل الحياة وسكان القطاع كافة. كما أطلقت قوات الجيش الإسرائيلي حملة أمنية لاقتلاع مجموعات المقاومة الفلسطينية في مدن ومخيمات الضفة الغربية، وعملت على تهجير آلاف اللاجئين في مخيمات شمال الضفة من بيوتهم، وعلى تدمير قطاعات واسعة من هذه المخيمات. وما إن اطمأنت السلطات الأمنية الإسرائيلية لنتائج حملتها في مناطق الضفة المختلفة حتى أفسحت المجال لجموع من المستوطنين للتحرك وإرهاب وإهانة، وأحيانًا قتل المزارعين الفلسطينيين وأبناء القرى الطرفية، وتخييرهم بين الهجرة أو الحصار.
حاول حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن منذ بداية الحرب إسناد الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم. ورغم أن ذلك الإسناد لم ينجم عنه تغيير ملموس في ميزان القوى، ولم يترك أثرًا يُذكر على الآلة العسكرية الإسرائيلية، إلا أن إسرائيل لم تتردد خلال 2024 في شَنِّ هجمات تدميرية على مواقع الحزب، وعلى مراكز عسكرية واقتصادية يمنية. ومنذ سبتمبر/أيلول 2024، بدأت إسرائيل هجومًا شاملًا على حزب الله، استهدف آلافًا من كوادره وقياداته الرئيسة، لم يلبث أن تحوَّل في الشهر التالي إلى هجوم على لبنان ذاته وتوغل عميق في الجنوب اللبناني. كما لم تتردد إسرائيل في الإغارة على مواقع جماعات عراقية مسلحة، اتُّهمت بدورها بمساندة إيران أو حزب الله.
وكانت إسرائيل، التي اتهمت إيران بمساعدة الفلسطينيين وحزب الله والحوثيين، قد أغارت على السفارة الإيرانية في دمشق، في أبريل/نيسان 2024؛ ما أدى إلى مقتل عدد من الدبلوماسيين وقيادات الحرس الإيرانيين. وفي يوليو/تموز من العام نفسه، اغتالت إسرائيل إسماعيل هنية في قلب العاصمة الإيرانية، طهران. وكما كان متوقعًا، أدت الهجمات إلى اندلاع موجة من تبادل القصف الجوي بين إيران وإسرائيل، في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، أطاح الثوار السوريون بنظام الأسد، ووضعوا نهاية لنفوذ إيران وحزب الله في سوريا. ولكن، بدلًا من أن ينظر الإسرائيليون بإيجابية إلى التغيير الإستراتيجي في سوريا، سارعوا، وبدوافع احتياطية بحتة، إلى تنفيذ حملة قصف جوي واسعة النطاق لتدمير ما تبقى من مقدرات سوريا العسكرية، وإلى التوغل في الجانب السوري من خط فصل القوات، الذي كان قد وفر تأمينًا مديدًا للأوضاع على جانبيه منذ هدنة 1974.
نشرت كل من هآرتس الإسرائيلية، في 8 سبتمبر/أيلول، ونيويورك تايمز، في 25 من الشهر نفسه، وذا أتلانتيك، في 26 في ذات الشهر، تقارير قالت إنها تستند إلى مصادر موثوقة، أفادت بأن العملية الفلسطينية، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تكن مفاجئة، ولم تكن دون أسباب. طبقًا لتلك التقارير، أرسل يحيى السنوار، مسؤول حماس في قطاع غزة، عبر قناة اتصال مع الإسرائيليين، خلال الشهرين السابقين، تحذيرات تؤكد أن الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع لم يعد قابلًا للتحمل، وأن إسرائيل ما لم تبادر إلى تخفيف القيود المفروضة على حياة ومعاش الغزيين، وإقرار صفقة تبادل أسرى تكفل الإفراج عن أصحاب الأحكام العالية من الأسرى الفلسطينيين، عليها أن تستعد لمواجهة عملية عسكرية كبيرة لكسر جمود الوضع. ولم تكن رسالة السنوار الوحيدة، فقد تسلمت حكومة نتنياهو، حسب تقارير متواترة، تحذيرات مشابهة من مصادر إماراتية ومصرية، سياسية وأمنية رفيعة المستوى.
المهم، أنه ما إن حلَّت الذكرى الأولى للسابع من أكتوبر/تشرين الأول حتى كانت النار تشتعل في كافة أنحاء المشرق. والمدهش، بالرغم من أن إدارة الرئيس بايدن كانت على وعي كامل بأن إسرائيل هي المسؤول الأول عن انفجار الوضع في قطاع غزة، وأن إسرائيل تقف خلف توسع نطاق الحرب وعدم الاستقرار في المنطقة برمتها، لم تبادر إلى لجم قرار الحرب الإسرائيلية، ولم توجه أي انتقاد لأساليب المستخدمة في تلك الحرب، ولم تتوقف عن إمداد آلة الحرب الإسرائيلية بكل ما تحتاجه من معدات وذخائر ومعلومات وأنظمة دفاع جوي.
وإن كان ثمة من توقع أن تشهد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تغييرًا ما بعد تسلم إدارة الرئيس ترامب مقاليد البيت الأبيض، فسرعان ما خاب ظنه. لقد طوَّرت إدارة ترامب، بوساطة وضغوط تركية وسعودية، مقاربة إيجابية لسوريا الجديدة، سيما فيما يتعلق بالعقوبات المتراكمة على البلاد وحل المسألة الكردية. ولكن إدارة ترامب لم تتخذ أية خطوات ذات أثر لفرض الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي احتُلَّت بعد سقوط نظام الأسد، أو لمنع الإسرائيليين من التدخل في محافظة السويداء، رغم أن واشنطن ترامب كانت على وعي كامل بأن العبث الإسرائيلي بالشأن السوري لا علاقة له بالسابع من أكتوبر/تشرين الأول.
وفي يوليو/تموز 2025، شاركت الولايات المتحدة بصورة مباشرة في الحملة الإسرائيلية التي استهدفت تدمير المنشآت النووية الإيرانية. ورغم أن إيران كانت قد انخرطت في مباحثات جادة مع الولايات المتحدة حول مشروعها النووي، أو ما تبقى منه، إلا أن واشنطن، وبتخطيط مسبق مع إسرائيل، بدأت حربًا شاملة على إيران، منذ أواخر فبراير/شباط 2026. في الحالتين، وبالرغم من أن إيران لم تُخْفِ نواياها بتوسيع نطاق الحرب إن تعرضت لتهديد وجودي من الولايات المتحدة، لم تقم واشنطن باستشارة حلفائها العرب والأتراك، بل ولم تخبرهم مقدمًا، بخططها للحرب على إيران.
أخفقت الحرب في تحقيق هدفها الأساسي، المتمثل في إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية. ولكنها في الوقت نفسه، سرعان ما استهدفت دول الخليج كافة، إضافة إلى الأردن والعراق، وأفضت إلى إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي لدول الخليج، والرافد بالغ الأهمية للاقتصاد العالمي، وتسببت في انفجار الصراع من جديد في اليمن.
وفي غزة، ساعدت واشنطن على التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، في أكتوبر/تشرين الأول 2025. ولكن، بالرغم من أن إدارة ترامب سعت إلى تقديم جهودها في القطاع في إطار مشروع عالمي لإحلال السلام، لم تستطع إيقاف غارات إسرائيل المتكررة على المناطق التي ظلت خارج السيطرة الإسرائيلية، ولا استطاعت فرض انسحاب، ولو جزئيًّا، من المنطقة التي تحتلها إسرائيل، التي تزيد عن نصف مساحة القطاع، ولا رفع الحصار الوحشي المفروض على أكثر من مليونين من الأهالي الفلسطينيين. وحتى مجلس السلام، الذي شكَّلته إدارة ترامب بهدف الإشراف على عملية إحلال السلام في غزة، لم يتخذ أية خطوات ملموسة للبدء في تطبيقها.
كما ساعدت واشنطن أيضًا على التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الجبهة اللبنانية، وفي توقيع الاتفاق الإطاري، اللبناني-الإسرائيلي، في 26 يونيو/حزيران الماضي. ولكن الاتفاق، مثله مثل جولات التفاوض السوري-الإسرائيلي، التي عُقدت بمشاركة أميركية، لم يُفْضِ إلى انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان، ولا حتى إلى توقف إسرائيلي قطعي عن إطلاق النار. وحتى ما ذُكر عن إخلاءات إسرائيلية تجريبية من مناطق محدودة لصالح الجيش اللبناني، سرعان ما اتضح أنها ليست سوى نوع من الوهم التفاوضي.
بعبارة أخرى، لم تكن الولايات المتحدة، ممثلة في إدارة الرئيس الديمقراطي بايدن، أو إدارة الرئيس الجمهوري ترامب، شاهدًا خلال السنوات الثلاث الماضية على الاضطراب الأمني واسع النطاق في المشرق وحسب، بل كانت شريكًا في صناعة هذا الاضطراب، في مناسبة أو أخرى، وفي منطقة اشتباك أو أخرى. بخلاف الالتزام بأمن إسرائيل، بل وحتى سعيها للهيمنة على شؤون الإقليم، لم يعد ثمة ما يبعث على اطمئنان دول المنطقة الكامل للمظلة الأمنية الأميركية.
المظلة الأميركية وبدائلها
خلال الشهرين الفاصلين بين فوز الرئيس ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وعودته الثانية إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الأول 2025، جال عدد من المقربين من الرئيس المنتخب في عدد من العواصم الأوروبية والشرق أوسطية. خلال لقاءاتهم غير الرسمية بمسؤولي الدول التي زاروها، قال مبعوثو ترامب إن إدارته ستتبنى سياسة نقل الأعباء (burden shifting) أو مشاركتها (burden sharing)، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا، وفيما يتعلق بمستقبل الناتو أو التحالفات الثنائية الأخرى.
والحقيقة، أن فكرة تخفيف الوجود، أو حتى الانسحاب من الشرق الأوسط، لا تعود إلى إدارة ترامب، بل إلى رئاسة أوباما، عندما بدأت مؤسسات الدولة الأميركية، وليس فقط مسؤولو إدارة الرئيس، تعيد تقدير الأولويات الأميركية الإستراتيجية في جنوب وشرق أسيا، في الباسيفيك، وفي غرب الأطلسي. ولكن أوباما، الذي اتخذ خطوات ملموسة نحو بناء تحالفات جديدة في الشرق الآسيوي، وذهب إلى توقيع اتفاق نووي مع إيران، فوجئ باندفاعة داعش في العراق وسوريا، وبتصاعد قوة طالبان في أفغانستان، واضطر من ثم إلى التخلي عن سياسة إعادة النظر في الوجود الأميركي في الشرق الأوسط.
من جهته، حاول ترامب في ولايته الأولى دفع حلفائه في الناتو إلى المشاركة في تحمل المزيد من الأعباء، وكاد أن يتخذ قرارًا بالانسحاب من سوريا وشمال العراق، إلى أن تراجع بضغط من جنرالات الجيش الأميركي. كما أوباما، أحجم الرئيس ترامب عن تقديم مساعدة ملموسة للسعودية في الحرب مع الحوثيين، والمؤكد أن قرار إلغاء الاتفاق النووي الذي وقَّعته إدارة أوباما مع إيران، اتُّخِذ استجابة للضغوط الإسرائيلية، وليس لخدمة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، تمامًا كما كان قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، والاعتراف بضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية.
إدارة بايدن، من جهة أخرى، لم تعمل على بلورة تقييم إستراتيجي جديد للموقف الأميركي في الشرق الأوسط، ولا حتى على اتخاذ موقف واضح من الملف النووي الإيراني، أو الدفاع عن أمن الخليج. والمؤكد أن ذهاب السعودية إلى اتفاق تطبيع العلاقات مع إيران، الذي أُنجز بوساطة صينية في ربيع 2023، وُلِد من الشعور السعودي بحالة الشلل التي أصابت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خلال ولاية بايدن. وليس ثمة شك أن اندلاع الحرب في أوكرانيا، دفعت إدارة بايدن إلى الانشغال بتفاصيل المخاطر غير المتوقعة في القارة الأوروبية.
بهذا المعنى ينبغي النظر إلى سعي إدارة الرئيس ترامب في إدارته الثانية لتخفيف ومشاركة الأعباء في الشرق الأوسط وأوروبا بوصفه وليد تحول إستراتيجي في رؤية الولايات المتحدة لموقعها ودورها في العالم، وليس مسألة مزاجية تتعلق بالرئيس وبعض مساعديه. ولم يكن غريبًا بالتالي أن تأتي إستراتيجية إدارة الرئيس ترامب المعلنة في أواخر 2025 لتعيد جدولة الأولويات الأميركية في المسرح الدولي، وتضع أميركا اللاتينية في صدارة اهتمامات واشنطن. الغريب كان ذهاب إدارة ترامب إلى الحرب على إيران في أواخر فبراير/شباط الماضي.
فقرار الحرب اتُّخذ في افتراق صارخ عن إستراتيجية الرئيس العالمية، المعلنة قبل شهور قليلة. واتُّخذ القرار بعد لقاءات تنسيق أميركي-إسرائيلي، بما في ذلك لقاء جمع الرئيس ترامب بنتنياهو قبل أيام قليلة من بدء الحرب. واتخذ القرار على أساس أن الحرب لن تستمر أكثر من أسابيع قليلة، وأنها ستنتهي بإسقاط النظام الإيراني وتولي نظام حكم جديد، مختلف، يكون مستعدًّا للتفاهم حول كافة المطالب الأميركية-الإسرائيلية. ولكن إخفاق الحرب في تحقيق أهدافها، وعجز إدارة ترامب حتى الآن عن الخروج بصورة المنتصر، هو السبب الرئيس خلف عودة الولايات المتحدة إلى التورط في الشرق الأوسط، وليس التخلي عن إستراتيجية تخفيف الوجود ونقل الأعباء ومشاركتها. الحقيقة، أن ما تبقى من المظلة الأميركية لم يعد يتجلى إلا في المشاركة في تفاقم حالة الاضطراب الأمني وتهديد الاستقرار الإقليمي.
ومهما كان الشكل الذي ستتخذه الحرب على إيران في مرحلتها القادمة، فالواضح أن دول المشرق العربية-الإسلامية تقف الآن على مفترق طرق من الاضطراب، يفصل بين نهاية عصر المظلة الأميركية، ومحاولة البحث عن منظومة أمنية جديدة، تسهم في استعادة الاستقرار، وتشكل قوة ردع منيعة لمصادر التهديد المحتملة.
تُطرح أولى البدائل في أوساط ترى استحالة تحقيق توافق سياسي-إستراتيجي بين دول المشرق، وأن دول المنطقة أضعف من أن تستطيع تحمل مسؤوليات الدفاع عن نفسها. ولأن عقودًا من الركون إلى التحالف مع القوى الكبرى تحولت إلى تقاليد سياسية مستقرة في المنطقة، فقد برزت في دوائر شرق أوسطية أفكار حول دور صيني أكبر. أما ثاني البدائل فيُقدَّم في صورة دعوات لتعزيز التعاون مع إسرائيل.
والواضح أن اقتراحات التوجه شرقًا لا تقرأ بدقة اللحظة التي تمر بها مسيرة الصين نحو احتلال الموقع الذي يليق بها في نادي الكبار، ولا محاولة القيادة الصينية تجنب سلوك القوى الغربية الكبرى في القرنين الماضيين. كما يتجاهل دعاة التوجه شرقًا أن نظام الحكم في بيجين هو في النهاية ليس جمعية خيرية، وأنه يتعامل مع العالم من زاوية مصالح الصين الحيوية، الاقتصادية والجيوسياسية. وربما كانت مقاربة الجانب الصيني لقضايا التفاوض التي شهدتها زيارة الرئيس شي جين بينغ الأخيرة لواشنطن مؤشرًا كافيًا على طبيعة رؤية الصين لمصالحها ودورها على المسرح الدولي.
كانت إيران، طبقًا لمصادر أميركية، واحدة من أهم مسائل المفاوضات الأميركية-الصينية خلال يومي زيارة الرئيس الصيني، سيما أن الأميركيين يعتقدون أن الصين تستمر في تقديم مساعدات استخباراتية للإيرانيين، وأن البنوك الصينية لا تزال مشرعة الأبواب للتعامل مع إيران، سواء باليوان أو الدولار. لم يرفض الجانب الصيني التعامل مع المطالب الأميركية بشأن إيران من زاوية أخلاقية، ولكنه طالب الجانب الأميركي بخطوات مكافئة فيما يتعلق بالموقف الأميركي من تايوان. فالذهاب باتجاه الخيار الصيني، في الحقيقة، لا يمثل سوى تكرار نمطي لما مرَّت به أحوال المشرق منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، والانتقال من مظلة التفاهم البريطاني-الفرنسي إلى المظلة الأميركية.
كما تغفل الدعوة إلى التعاون مع إسرائيل لضمان أمن الإقليم الدور الإسرائيلي الرئيس في تفاقم حالة الاضطراب الأمني، والتهديد الإستراتيجي الذي تمثله إسرائيل لجوارها العربي-الإسلامي طوال العقود الماضية، وليس فقط في السنوات الثلاث الأخيرة. لا تتعلق خلافات معظم دول المشرق مع إسرائيل بالمسألة الفلسطينية، ورفض إسرائيل الاستجابة لمطالب الحد الأدنى العربية حول التسوية السلمية وإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وحسب، ولكن أيضًا بالتوسع الإسرائيلي في سوريا ولبنان، والتدخلات الإسرائيلية متعددة الأوجه في الشأنين، السوري واللبناني، إضافة إلى التهديد الإسرائيلي المديد لإيران. ثمة دول عربية أقامت بالفعل علاقات تعاون أمني وإستراتيجي مع إسرائيل، كما فعلت تركيا لسنوات قليلة في تسعينات القرن الماضي، ولكن ذلك التعاون يظل حالة استثنائية، يصعب أن تُبنى عليها منظومة إقليمية واسعة النطاق.
في النهاية، يبدو أن مبادرة المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا بالإعلان عن اتفاقية دفاع مشترك ثلاثية، كانت الخطوة الأكثر استجابة للشروط الموضوعية التي تحيط ببلاد المشرق العربي-الإسلامي. ولكن، يبدو أيضًا أن هذه المبادرة كانت مجرد خطوة أولى، وأن طريق الانتقال من اتفاقية دفاع ثلاثية إلى نظام أمني إقليمي أوسع نطاقًا لا يزال محفوفًا بالتحديات.
تحديات الانتقال من الاتفاقية الثلاثية إلى نظام أمني إقليمي
خلال الأسابيع القليلة التي تلت توقيع اتفاقية مكة المكرمة، تعرضت الاتفاقية لكثير من السخرية. وما إن عاد الوضع اليمني إلى الانفجار، حتى أُثيرت أسئلة أخرى عن مدى جدية الاتفاقية وحقيقة التزام دولها بما يفرضه الدفاع المشترك. وكان على وزير الخارجية التركي، خلال مؤتمر صحفي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، أن يلجأ للتذكير بالحالات المحدودة التي استُدعي فيها البند الخامس من ميثاق حلف الناتو، الخاص بدفاع دول الحلف المشترك، في الخمسين عاما الماضية. وربما ليس من العدل مقارنة اتفاقية مكة المكرمة، التي لم يمر على توقيعها سوى أسابيع قليلة، ولم يجر التصديق عليها بعد في البرلمانين، التركي والباكستاني، بحلف غربي أُسِّس قبل أكثر من ثلاثة أرباع القرن.
ولم تلبث التقارير حول خطوات التعاون العسكري بين الدول الثلاث، السابقة واللاحقة للتوقيع، أن عززت من الثقة بمصير الاتفاقية، بداية من تمركز بعثة جوية عسكرية باكستانية في السعودية، وتوقيع اتفاقيات نقل تقنية صناعة المسيرات التركية للسعودية، ومشاركة الأخيرة في برامج تصنيع الدبابات والطائرات المقاتلة في تركيا، وما تكفلت به ترسانات تركية لتصنيع سفن عسكرية لصالح البحرية الباكستانية. وفي الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول، أُعلن في تركيا عن تخرج الدفعة الثانية من طياري البحرية السعودية، المتخصصين في منظومات الطائرات المسيرة. وفي اليوم التالي، استضافت العاصمة السعودية أول اجتماع لقادة أركان دول الاتفاقية الثلاث. كما أشار وزير الخارجية التركي إلى قرب الإعلان عن تشكيل أمانة عامة للاتفاقية، وعن اسم الضابط الذي سيقوم بدور الأمين العام، مرجِّحًا أن تكون الرياض مقر الأمانة العامة.
تؤكد هذه المؤشرات جدية وفاعلية التصور الذي وُلِدت منه اتفاقية الدفاع المشترك، ولكن هذا لا يعني أن الاتفاقية تتقدم في طريق التطور إلى نظام أمني إقليمي بلا عقبات. وربما تكون العلاقة مع الولايات المتحدة أولى القضايا الملتبسة التي تتطلب توضيحًا. فليس خافيًا أن واشنطن رحَّبت بالاتفاقية، وأنها على الأقل لم تكن بين المعارضين، أو المتخوفين. ويتعلق التفسير الوحيد الممكن لموقف واشنطن الإيجابي من الاتفاقية بعزم إدارة ترامب المضي قدمًا في سياسة تخفيف الوجود في الشرق الأوسط، والرغبة في أن تشارك دول المنطقة الرئيسة والصديقة للولايات المتحدة في تحمل أعباء المحافظة على أمن واستقرار الإقليم. وهذا، إن صَحَّ، لا يقلِّل من أهمية إرادة دول الاتفاقية الثلاث في العمل على بناء نظام إقليمي يستند إلى قوى المنطقة نفسها، للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.
المشكلة أن واشنطن لم تحدد بعدُ طبيعة مصالحها الحيوية في المنطقة، التي ترغب في الحفاظ عليها إن استمرت في سياسة التحلل من معظم التزاماتها في الإقليم، سيما بعد أن تنتهي الحرب على إيران بصورة أو أخرى. فهل ستظل واشنطن، مثلًا، تدعم سعي إسرائيل للهيمنة على شؤون الإقليم، وتدفع المزيد من الدول العربية إلى التطبيع معها؟ هل ستسعى واشنطن إلى الاحتفاظ بدور الشريك في قرار سوق النفط العربي، الذي طالما أصرَّت عليه طوال العقود الماضية؟ هل ستترك لدول الاتفاقية، ومن سيلتحق بها، الحرية في بناء علاقات متعددة، من الاقتصاد إلى التسليح، مع قوى كبرى أخرى، مثل الصين وروسيا، أم ستظل أوجه من هذه العلاقات مشروطة بالتقدير الأميركي؟ وماذا عن مصير القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة؟ هذه الأسئلة وغيرها لابد من تبين الإجابة عليها، قبل أن تستطيع الدول الثلاث التقدم والبناء على الاتفاقية.
ولكن العلاقة مع الولايات المتحدة ليست سوى واحدة من التحديات التي تواجه قيام نظام أمني إقليمي. فربما يبدو منطقيًّا أن تقتصر اتفاقية الدفاع المشترك في مرحلتها الأولى على الدول الثلاث التي وقَّعتها. فهذه هي القوى الثلاث الرئيسة في المشرق، اقتصادًا ودفاعًا وسياسة ووزنًا معنويًّا، وتجمعها روابط وعلاقات وثيقة سابقة على توقيع الاتفاقية. ولكن الانتقال من اتفاقية دفاع مشترك ثلاثية إلى نظام إقليمي يجب أن ينتقل بالاتفاقية إلى مستوى التحالف، ويفسح المجال لالتحاق أكبر عدد ممكن من الدول، بغضِّ النظر عن ثقل وموقع تلك الدول. وقد أثار تجاهل مصر في الاتفاقية الثلاثية الكثير من الجدل، وسيكون من الصعب تطور الاتفاقية إلى مظلة إقليمية واسعة إن بدت الدول الثلاث المؤسِّسة وكأنها تفرض وصاية ما على الدول الأخرى.
وتبدو إيران وكأنها الفيل في القاعة، يراها الآخرون ضيفًا ثقيلًا، ولكنهم جميعًا على دراية باستحالة التخلص منها، وصعوبة تجاهلها في الوقت نفسه. فلا يمكن، بالطبع، وضع تهديد أمن المنطقة واستقرارها، بكافة أنواعه ومصادره، في سلة واحدة. ولا ينبغي كذلك المساواة بين الخطر الذي تمثله إيران وإسرائيل والحوثيون واليونان والهند. لقد تسببت توجهات "تصدير الثورة" وطموحات التوسع الإيراني في إيقاع الكثير من الأذى بالمجتمعات ووحدة الدول في كل من العراق وسوريا واليمن، وشكَّلت خطرًا على أمن واستقرار دول أخرى، ولكن إيران في النهاية جزء أصيل من المجال المشرقي، وسيصعب استعادة استقرار المنطقة دون تطوير مقاربة جماعة للعلاقة معها؛ مقاربة تضع حدًّا لما تمثله إيران من تهديد لجوارها، وتعترف بمصالحها المشروعة، وتعمل على انضوائها في نظام أمني إقليمي.
تتعلق المسألة الأخرى بالغة الأهمية لأمن المشرق بوضع سوريا، ليس فقط لأن نظام الحكم السوري الجديد يعد صديقًا لتركيا والسعودية، ولكن أصلًا لأن النظام الإقليمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الأولى جعل الصراع على سوريا صراعًا على المشرق برمته. وقد خرجت سوريا من حكم البعث الطويل، ومن سنوات الثورة على نظام الأسد، في أضعف حالاتها اقتصاديًّا، وهي غير قادرة على الدفاع عن نفسها، ولم تستكمل بعدُ استرجاع وحدة البلاد، ولم تتمكن من إخراج قوات الاحتلال الإسرائيلية من المناطق التي توغلت فيها بعد سقوط النظام السابق. ودون أن تُقدَّم لسوريا المساعدة الضرورية لترميم آلتها الاقتصادية، وإعادة بناء مقدراتها الدفاعية، ودعم جهودها لاستعادة وحدتها، وإخراج الإسرائيليين من مناطق التوغل، يصعب تصور تبلور نظام أمني مشرقي فعَّال.