عامان على ولادة سوريا الجديدة: تحديات الأمن والسيادة والاقتصاد

بعد عامين على سقوط نظام الأسد وقيام حكم جديد في سوريا، تحقق عدد من الإنجازات الملموسة على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية. ولكن، مثلها مثل البلدان التي عاشت سنوات من الثورة أو الحرب الأهلية، تحتاج سوريا الجديدة إلى المزيد من العمل والجهد لتحقيق التعافي الكامل وبداية النهوض الفعلي في كافة المجالات.
(الفرنسية)

بعد أسابيع قليلة، في الثامن من ديسمبر/كانون الأول، تكمل سوريا الجديدة، ما بعد نظام الأسد، عامين من عمرها. في الذكرى الأولى لانتصار الثورة، وأوضاع البلاد لم تزل في حالة من السيولة والاضطراب، لم يكن ثمة توقعات كبيرة لدى عموم السوريين، ولا كان هناك من يطالب بكشف حساب من النظام الجديد. فقد استلمت القيادة الجديدة سوريا ممزقة، تعاني من دمار واسع النطاق، منقوصة السيادة، وفي حالة انهيار وشلل اقتصاديين غير مسبوقين في تاريخها الحديث كله، وكان الملايين من أبنائها لا يزالون يعيشون نازحين داخل البلاد وفي مخيمات لجوء في دول الجوار.

ولكن قادة النظام الجديد، بدأوا خوض معركة إنقاذ البلاد وإعادة بنائها بنفس التصميم الذي خاضوا به المواجهة الطويلة والمؤلمة مع النظام السابق. فخلال عامين، سيما في العام الماضي، نجحت سوريا في رفع كافة العقوبات المفروضة عليها، دولة ومؤسسات وأشخاصاً، التي تراكمت منذ سبعينات القرن الماضي، وأعادت التموضع في الساحة الدولية، سياسياً واقتصادياً ومالياً. وإلى جانب تأسيس علاقات تحالفية مع تركيا وقطر والسعودية، أعادت سوريا بناء علاقاتها مع عدد كبير من الدول العربية والإسلامية. كما أقامت علاقات وثيقة بالولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، دون أن تخسر علاقاتها التقليدية مع روسيا.

وأجرت سوريا انتخابات برلمانية غير مباشرة، أسست لأول برلمان بعد سقوط نظام الأسد. صحيح أن البرلمان لا يُتوقع له أن ينعقد لفترات طويلة خلال السنوات الثلاث المتبقية من المرحلة الانتقالية، ويُستبعد أن يتمكن من مراجعة تشريعية شاملة لمئات القوانين القمعية التي استند إليها النظام السابق. ولكنه، على الأقل، قدم للرأي العام ممثلين للشعب، بات من الممكن أن يُسمِعوا صوته للسلطة التنفيذية. وبإمكانه متابعة كافة التحوّلات الحرجة في طريق إعادة بناء الدولة، وإعادة إنشاء اللحمة الوطنية، كما أن مجلس الشعب السوري سيكون الحاضنة التي ترعى وضع الدستور الدائم.

الأهم، ومنذ الأيام الأولى لانتصار الثورة، كان من الواضح أن تعافي سوريا مشروط بمدى التقدم الذي يمكن تحقيقه في مجالات الأمن والسيادة والاقتصاد. وأن استعادة استقرار البلاد ووحدتها الوطنية، وثيق الصلة بمدى التقدم الذي يمكن أن يحرز على صعيد الأمن وإكمال بسط سيادة الدولة على أرضها، وفي المجال الاقتصادي. فكيف يمكن تقدير حجم الإنجاز السوري، بعد عامين على انتصار الثورة، في هذه المجالات؟

الأمن والسيادة

في سوريا، وبصورة لا تختلف كثيراً عن كافة الدول التي عاشت سنوات من الحرب الأهلية، ثمة ارتباط وثيق بين ملفي الأمن والسيادة. فقد كانت سوريا، التي انتقلت خلال أقل من أسبوعين في أواخر 2024 من حكم عائلة الأسد إلى قيادة ثوار سابقين، معارضين للنظام السابق، دولة ممزقة، تسيطر على أجزاء واسعة منها ميليشيات كردية في الشمال وشمال شرقي البلاد، وميليشيات درزية في محافظة السويداء. كما تواجدت فيها قوات أجنبية، أميركية في الجزيرة، وتركية في الشريط الشمالي، وروسية في غرب البلاد وساحلها على المتوسط؛ بينما كانت الميليشيات الشيعية من كافة الجنسيات تنتشر في مختلف أنحاء البلاد. وخلال أيام قليلة بعد انهيار نظام الأسد، توغلت القوات الإسرائيلية في جنوب غرب البلاد لعدة كيلومترات، تحت غطاء حملة قصف جوي، استهدفت تدمير ما تبقى من مقدرات سوريا العسكرية. وتمركزت في شريط محاذ لخط 1974 لفصل القوات، وبدأت بناء مراكز لها توحي باحتلال طويل الأمد.

شكلت الميليشيات القومية والطائفية، كما القوات الإسرائيلية، تهديداً أمنياً لنظام الحكم الجديد، ولمساعي دمشق بسط سيادتها على الأرض السورية، وإعادة توحيد البلاد. وقاومت الميليشيات الدرزية محاولات قوات الأمن السوري الدخول إلى مركز المحافظة. كما منعت أجهزة الدولة المركزية من الإشراف على كافة أفرعها في السويداء. وبدا واضحاً أن الميليشيات الدرزية المسلحة المرتبطة بشيخ العقل حكمت الهجري، الذي فتح قنوات اتصال مع إسرائيل منذ ما قبل سقوط نظام الأسد، تعمل على تحقيق نوع من الاستقلال الذاتي للسويداء عن الدولة السورية.

في الشمال والشمال الشرقي، أقامت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ سنوات إدارة ذاتية في الجزيرة السورية شرق الفرات، بدعم أميركي عسكري ومالي. وقطعت قسد علاقات مؤسسات الدولة، التعليمية والقضائية والإدارية مع دمشق، وقاومت مساعي حكومة الرئيس الشرع بسط سيطرة الدولة السورية على محافظات الجزيرة، وعلى حقول الغاز والنفط في الشرق السوري. ولأن قوات قسد انتشرت أيضاً في عدد من أحياء مدينة حلب، شكلت هذه القوات تهديداً أمنيا مباشراً ومديداً لطرق الاتصال بين سوريا وتركيا، ولمحاولات الإحياء الاقتصادي لحلب، التي تعد المركز الحيوي للصناعة والتجارة السورية.

وفي أوائل مارس/آذار 2025، فوجئت دمشق بحركة تمرد دموي في معظم بلدات منطقة الساحل العلوية، قادها ضباط وزعماء ميليشيات النظام السابق. وسيطر المتمردون على جبلة وبانياس وقرى القرداحة، وهاجموا قوات الأمن العام في مدن اللاذقية وطرطوس، وأوقعوا مئات القتلى. وربما كان تمرد الساحل المنعطف الأولى في تعامل دمشق مع ملف الأمن والسيادة، الذي لم يعد ثمة مفر من مواجهة التهديد الوجودي الذي يمثله لسوريا، سيما بعد ظهور مؤشرات متزايدة رأت من خلالها دمشق أن قادة التمرد تربطهم صلات متفاوتة مع أجنحة من قسد في الشمال والشمال الشرقي ومع معسكر الهجري في السويداء.

وكانت وحدات إضافية من قوات الجيش والأمن العام، التي لم يكن تنظيمها قد اكتمل بعدُ، دُفعت إلى مناطق التمرد. ولأن الشعور بالخطر كان لا يزال مسيطرا على معظم فئات الشعب السوري، فقد تدفقت أعداد كبيرة من المتطوعين المسلحين إلى بلدات وأحياء مدن الأغلبية العلوية. وخلال أيام قليلة انتهى التمرد، ولكن تجاوزات خطيرة كانت قد ارتكبت، وتسببت في مقتل مئات من الأهالي العلويين، ونشر مناخ من الرعب في أوساط علويي سوريا.

في منطقة سيطرة قسد، كانت إدارة الرئيس ترامب، وانسجاماً مع سياسة تخفيف الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، ورغبة واشنطن في دعم استقرار النظام السوري الجديد، أبلغت القيادات الكردية بأنها في طريقها للانسحاب من سوريا، وأن عليها الاتفاق مع دمشق لوضع نهاية للانقسام وللإدارة الذاتية. وبالرغم من التكاليف الباهظة لإخماد التمرد في بلدات الساحل العلوية، فقد وفر فشل التمرد حافزاً إضافياً لقيادة قسد للمضي في النهج التفاوضي. وفي 10 مارس/آذار 2025، وبوساطة أميركية قادها توم باراك، السفير الأميركي في أنقرة، الذي أصبح لاحقا مبعوثا رئاسيا لسوريا، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع، والقائد العام لقسد مظلوم عبدي، اتفاقاً لحل الإدارة الذاتية وانضواء كافة مؤسسات قسد المدنية والعسكرية في أجهزة الدولة السورية. بيد أن قسد لم تتحرك بجدية نحو تطبيق اتفاق مارس/آذار إلا بعد أن حسمت قوات الدولة السورية الموقف الأمني في حلب وريفها الشرقي، وعبرت الفرات إلى الجزيرة في يناير/كانون الثاني 2026، وتقدمت سريعا إلى أبواب الحسكة.

أنجزت العمليات في الشمال والشمال الشرقي في موازاة التقدم الملموس في مسار حل حزب العمال الكردستاني في تركيا. ولم يعد ثمة خيارات أخرى أمام قيادة قسد، سوى التوصل إلى توافق تفاوضي مع دمشق، يحفظ لأكراد الجزيرة السورية حياتهم وكرامتهم، ويستعيد حقوقهم في المواطنة، التي حرموا منها منذ عقود طويلة. وبإصدار الرئيس السوري المرسوم 13، الذي ألغى عواقب تعداد 1962، وتوقيعه ملحق اتفاق مارس/آذار 2025 مع مظلوم عبدي، بدأت بالفعل عملية دمج قوات قسد في الجيش والأمن العام السوري، وبسط دمشق سيادتها على منطقة الإدارة الذاتية السابقة.

في 20 أغسطس/آب 2026، أعلن مظلوم عبدي اكتمال عملية دمج الإدارات الكردية المدنية والعسكرية في مؤسسات الدولة السورية. كما أعلن في دمشق عن تعيين سيبان حمو، قائد قوات حماية الشعب الكردية، معاوناً لوزير الدفاع السوري، ومظلوم عبدي مستشاراً للرئيس الشرع، ونائبة مظلوم عبدي السابقة في قسد، إلهام أحمد، عضواً في مجلس الشعب. ولكن الحديث عن اكتمال عملية الدمج كان بالتأكيد مبالغاً فيه. فحتى بعد مرور شهرين على تصريحات عبدي، لم تزل العملية تتقدم بقدر ملموس من البطء.

في الأثناء، تقدم الآلاف من أكراد الجزيرة لنيل الجنسية السورية، ولكن من الصعب القول بأن سلطة الدولة المركزية على الإدارات القضائية والأمنية في الحسكة والقامشلي قد بُسطت بصورة كاملة. كما أن دمج مسلحي وحدات حماية الشعب، وقوات حماية المرأة، وقوات الأمن الداخلي الكردية (الأشايس)، ما زالت متعثرة. والأهم، بالنسبة إلى سكان الجزيرة من العرب المسلمين والمسيحيين، أن دمشق لم تستعد بعد كافة المدارس والجامعات التي كانت تحت سيطرة قسد وأجرت تغييرات على مناهجها الدراسية. ولكن ذلك كله لا يعني أن ثمة انتكاسة متوقعة في تطبيق الاتفاق. فمسار حل الإدارة الذاتية، ومعالجة الملف الأمني في الجزيرة، سيما في الحسكة والقامشلي، عملية متعددة الأوجه، وليست بالسهولة التي تصورتها الأطراف المختلفة.

الأزمة في السويداء كانت بالتأكيد أكثر تعقيداً من أزمتي الساحل ومنطقة الإدارة الذاتية الكردية. في شمال وشمال شرق سوريا، دفع الأميركيون من البداية باتجاه تسوية توافقية بين قسد والدولة السورية، والأرجح أن التمرد في الساحل أدارته عناصر من النظام السابق، ولم يتوفر له دعم مادي وتسليحي ملموس. أما في السويداء، فليس ثمة شك في أن الحراك الانقسامي الدرزي ما كان ممكناً دون التدخل الإسرائيلي.

في يوليو/تموز 2025، وبينما كانت الآمال تتزايد بحل المسألة الكردية، انفجر الوضع في السويداء كما لم ينفجر منذ ولادة سوريا الحديثة. وطوال الشهور الفاصلة بين انهيار النظام السابق وانفجار السويداء، مُنعت أجهزة الدولة السورية وقوات أمنها من دخول مركز المحافظة. ولكن أحداثا متسارعة أبرزها اعتداء ارتكبته قوة من الميليشيا الموالية للشيخ الهجري على حافلة يقودها مواطن سوري على الطريق إلى دمشق. وبالرغم من أن الميلشيات قررت مواجهة قوات الأمن، إلا أن الأخيرة سرعان ما فرضت سيطرتها على مدينة السويداء وعلى معظم بلدات المحافظة الأخرى، وهو ما دفع إسرائيل إلى إطلاق حملة قصف جوي على وحدات الأمن السورية، وإجبارها على الانسحاب. وخلال الأيام القليلة التالية، ولأن ميليشيات الهجري لم تتورع عن مهاجمة أبناء العشائر السنية في محيط السويداء، وتهجير أعداد كبيرة منهم، وأسر أعداد أخرى، اندفع المئات من أبناء العشائر في درعا والجزيرة وشمال دمشق لنجدة أقاربهم في السويداء، ما تسبب فيما يشبه الاشتباك الأهلي المصغر، الذي لم يتوقف إلا بعد تدخل حاسم من دمشق.

ومنذ أواخر يوليو/تموز 2025، وحتى الآن، تعيش السويداء تحت سيطرة مليشيات الهجري، التي سعت بالقوة إلى فرض قطيعة بين أهالي المحافظة ودمشق، دون أن تكترث للتدهور الفادح في الأحوال الاقتصادية، أو لمصير آلاف الطلاب الذين مُنعوا من الالتحاق بمراكز الامتحانات التي خصصتها الدولة لهم في أطراف المحافظة، أو في الجامعات في أنحاء سوريا الأخرى. كما تعرضت الأصوات المعارضة لهيمنة ميليشيات الهجري ولمشروع الانفصال عن سوريا والاحتماء بالمظلة الإسرائيلية، للقمع والإسكات، وأحياناً للطرد من المحافظة.

في دمشق، تتردد تقديرات بأن مشكلة السويداء في طريقها للحل، وأن ضغوطا أميركية على إسرائيل تتزايد لوضع حد لتدخلها في شأن المحافظة. والحقيقة أن إسرائيل كانت تدرك من البداية أن إلحاق السويداء، أو مد مظلة حماية إسرائيلية دائمة على المحافظة هو أمر مستحيل جغرافياً وديمغرافياً واقتصاديا – ماليا. ولا يُستبعد أن يكون مسؤولون إسرائيليون، أو بعض الدروز في إسرائيل قد أبلغوا الهجري أن عليه خفض توقعاته من الدعم والحماية الإسرائيلية. إلى جانب ذلك، يلاحظ أن الانقسامات في أجنحة معسكر الهجري، السياسية والمسلحة، أخذت في التفاقم مؤخراً بفعل تدهور مستوى المعيشة، وزيادة معاناة أهالي المحافظة. وترجّح بعض الأوساط أن حلاً للأزمة في السويداء، يستند إلى التوافق السوري – الأردني – الأميركي، الذي جرى التوصل إليه في أغسطس/آب 2025، بات وشيكاً.

الملف الأمني الأكثر استعصاءً، والذي ليس من الواضح بعدُ ما إن كان سيجد طريقه إلى حل وشيك، هو ملف التوغل الإسرائيلي في الجانب السوري من خط فصل القوات، والذي امتد شمالاً من جبل الشيخ. وكانت القيادة السورية قد عرضت من البداية على إسرائيل اتفاقا أمنيا معززا، وتعهدت بأن لا تمثل سوريا الجديدة تهديدا أمنيا لها، مقابل الانسحاب من المناطق التي توغلت فيها القوات الإسرائيلية، والعودة من ثم إلى خط فصل القوات. ضمن هذا الأفق، ساعد الأميركيون على تنظيم لقاءين بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، في يوليو/تموز 2025 بباكو، وفي يناير/كانون الأول 2026 بباريس. وذكرت مصادر سورية أن الطرفين توصلا فعلاً في لقاء باريس إلى مسودة اتفاق أمني جديد، ولكن رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو رفض توقيعه.

لم يستطع الأميركيون تنظيم أية جولة تفاوض جديدة منذ لقاء باريس. ورغم الضغوط العربية والتركية على الحليف الأميركي لبذل جهود أكبر لحل مسألة التوغل الإسرائيلي في الأرض السورية، ليس من الواضح ما إن كان الأميركيون يتحركون بجدية كافية لحسم هذا الملف، أو أنهم يواجهون مقاومة إسرائيلية لمساعيهم. ما يقوله الأميركيون للسوريين أن عليهم الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية واتضاح توجهات الحكومة الإسرائيلية المقبلة. ولكن ما لم يعد خافياً على كافة الأطراف، الإقليمية والدولية، أن سياسة تقسيم سوريا وتشظيتها سياسياً، التي اتبعتها حكومة نتنياهو منذ ما بعد ديسمبر/كانون الأول 2024 قد فشلت، وأن سوريا في طريقها لاستعادة وحدتها عاجلاً أو آجلاً.

المعضلة الاقتصادية

يشغل الملف الأمني، لحساسيته ووقعه المباشر على مصير البلاد والشعب، الرأي العام السوري، والرأي العام العربي – الإسلامي المهتم بسوريا الجديدة. أما الملف الاقتصادي، الذي لا يكاد يوجد شك في أنه الأكثر أهمية وارتباطاً بمصائر الدولة والشعب في المدى القريب، فلا يكاد يجلب انتباه الرأي العام. ربما لأن العامين الماضين شهدا وعوداً مبالغاً فيها حول تحسن الاقتصاد السوري واستعادة عافيته. وربما لأن السوريين لا يزالون يأملون في أن يتقدم أصدقاء سوريا في الجوار العربي – الإسلامي والعالم للمساعدة، خاصة بعد رفع كافة العقوبات التي فُرضت على سوريا في الخمسين عام الماضية.

الحقيقة أن الاقتصاد السوري، بعد مرور عامين على إطاحة النظام السابق، ليس في وضع جيد. وما لم يشهد هذا الوضع تحسناً ملموساً في العام المقبل، العام الثالث من أعوام المرحلة الانتقالية الخمس، فسيكون من الصعب الحفاظ على استقرار مناطق التوتر الأمني، التي استعادت الدولة السيادة عليها. ومن الصعب وضع نهاية لمخيمات اللجوء وعودة ملايين السوريين من لاجئي الداخل والخارج إلى بلداتهم وقراهم. ومن الصعب تشجيع المزيد من الطاقات السورية في المهجر على العودة والمساهمة في انهاض البلاد سياسيا واجتماعيا. ومن الصعب إيجاد فرص عمل كريمة لمئات آلاف من العاطلين عن العمل، أو الذين سينهون دراستهم الجامعية. ومن الصعب، أيضا، إحراز تقدم ملموس في جهود إحياء الانتماء الوطني في صفوف فئات الشعب السوري المختلفة.

لقد تسلم نظام الحكم الجديد سوريا في أواخر 2024، وهي تعاني من تهجير ما لا يقل عن ثلث سكانها ما بين مناطق اللجوء الداخلي والخارجي. وكانت البلاد قد حُرمت، منذ 2015 على الأقل، من معظم ثرواتها النفطية والغازية، ومن معظم ثروتها الزراعية، في الجزيرة، التي وقعت تحت سيطرة قسد. وفي المناطق التي ظلت تحت إدارة دمشق، كانت عملية التحكم في مفاصل البلاد الاقتصادية قد تسارعت بصورة حثيثة منذ أولى سنوات الألفية من قبل مجموعة صغيرة من رجال الأعمال المرتبطين بنظام الأسد بصلات قرابة أو شراكة، ما تسبب في هجرة نسبة يصعب تقديرها من رؤوس الأموال إلى خارج البلاد، سيما تركيا ولبنان ومصر ودول الخليج. ولأن سنوات الحرب الاهلية أوقعت دماراً متفاوتاً بالمدن السورية الرئيسة، سيما حلب وحمص وبلدات ريف دمشق، فقد طال الدمار جزءاً كبيراً من مقدرات البلاد الإنتاجية، الزراعية والصناعية والتجارية. وكان تقرير للبنك الدولي، صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قد قدّر حجم الأضرار المادية المباشرة للبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بما لا يقل عن 108 مليار من الدولارات.

ومنذ ألغى النظام السابق اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا في أعقاب تحول الثورة إلى العمل المسلح، وفرضت قيود على حركة التجارة والنقل مع الأردن ودول الخليج، بعد تحول سوريا الأسد إلى مصدر هائل للحبوب المخدرة، تراجعت إلى حد كبير معدلات التبادل التجاري مع جوار سوريا العربي والإسلامي. ولم يساعد الدعم الإيراني، والامتيازات الاقتصادية والبحرية التي مُنحت لروسيا خلال سنوات الثوة والحرب الأهلية، سوى في الحفاظ على بقاء آلة الحكم والسيطرة في أدنى مستوياتها، دون أن ترشح إلى القاعدة الاقتصادية للبلاد، التي استمرت في التدهور بصورة متسارعة.

وطبقاً لأرقام البنك الدولي، انخفض نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي بين 2011 و2022، العام الأخير الذي جرى فيه قياس المؤشرات الاقتصادية السورية، من حوالي ألف وخمسمائة إلى 670 دولاراً، أي بالنزول إلى ما يزيد عن الخمسين بالمئة. كما انخفض معدل من أنهوا المرحلة الابتدائية من التعليم مما يقارب 100 بالمئة من التلاميذ في سن الابتدائية في 2011، إلى حوالي 62 بالمئة في 2023. ثلثا السوريين، وأيضاً طبقاً لبيانات البنك الدولي، يعيشون في حالة فقر، بدخل يقل عن 4 دولارات للفرد يومياً. ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعيش 90 بالمئة من السوريين حالة فقر، 66 بالمئة منهم في حالة فقر مدقع. وبينما تقدر تكلفة الاحتياجات الشهرية لأسرة سورية من خمسة أفراد بنحو 197 دولاراً، لا يتجاوز الحد الأدنى من الأجر الشهري 95 دولارا. وتظهر بيانات عدد الشركات التي تم تسجيلها وبدء عملها في 2025 صعوبة إعادة بناء قطاع خاص فعال في سوريا الجديدة. فطبقاً للبينات الرسمية في نهاية العام الماضي، تعمل في سوريا 30 ألف شركة فقط، وهو رقم ضئيل بالفعل، إن قورن بدول الجوار السوري، بينما أفادت البيانات الرسمية بتسجيل 18 ألف شركة جديدة. ولكن هذا الرقم الأخير يبدو هو الآخر مبالغاً فيه إلى حد كبير، لأن معظم هذه الشركات لم يتم تسجيلها رسمياً للعمل بصورة مستقلة.

كما قدر البنك الدولي، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار أميركي. وإن وضع الدخل القومي السوري في 2011، الذي كان بلغ 67 ملياراً من الدولارات، في الاعتبار، فإن إعادة الإعمار ستستغرق أكثر من ثلاث سنوات، في حال ظل الدخل القومي على ما هو عليه في 2011، وإن استثمر في كليته في إعادة الأعمار، بمعزل عن حاجات سوريا الضرورية الأخرى، من الطعام والطاقة إلى الأمن والتسلح. ولا يزال هذا المستوى من الدخل القومي بعيد المنال. فكيف تعامل قادة النظام الجديد مع الكارثة الاقتصادية التي أوقعت بالبلاد؟

الحقيقة، أن الحكم الجديد، بقيادة الرئيس الشرع، تسلم البلاد دون أن يكون لديهم تصور واضح حول كيفية إدارة الاقتصاد السوري. وقد ارتبطت تجربة قادة سوريا الجديدة بإدارة الشؤون الاقتصادية في إدلب والمنطقة المحررة من جوارها. ولكن سوريا ليست إدلب، وفي الدولة السورية ما بعد الأسد لم يكن ممكنا تجاهل التداخل بالغ التعقيد بين مسائل الأمن والانقسام الطائفي والإثني، من جهة، وتحديات الاقتصاد، من جهة أخرى. وخلال الشهور الأولى من التحرير، دار نقاش في صفوف النظام حول النموذج الاقتصادي الأنسب لسوريا الجديدة. ويبدو أن ما استقر عليه الأمر هو المزاوجة بين الاقتصاد الحر والمحافظة على قدر ملموس من ملكية الدولة، دون أن يستقر الرأي بعد على حجم القطاع العام. ما كان واضحاً من البداية، أن دمشق لن تسعى إلى سياسة الاقتراض من الخارج، كما فعلت مصر مثلاً. ويبدو أن قادة النظام الجديد يرون أن متطلبات استعادة حيوية القطاع الاقتصادي، وسد حاجات الدولة الملحة يمكن الحصول عليها دون الارتهان للديون الخارجية.

بناء على ذلك، راهنت دمشق على عودة رجال الأعمال السوريين الكبار، المنتشرين في الخليج وأوروبا، والذين لم تربطهم صلات بالنظام السابق، إلى السوق السورية، وإلى الاستثمار في مشاريع طويلة الأجل. وراهنت كذلك على منح ومساعدات متوقعة من الدول العربية الصديقة، سيما السعودية وباقي دول الخليج، وعلى جذب الشركات الخليجية الكبرى لإنجاز مشاريع إعادة البناء. كما راهنت على مساعدات محتملة من دول الاتحاد الأوروبي، الحريصة على استقرار سوريا، وإيقاف تدفق المهاجرين السوريين وعودة اللاجئين الذين لم يستقروا بعد في دول اللجوء الأوروبي. أخيرا، راهنت دمشق على استعادة السيطرة على مصادر الثروة في البلاد، سيما حقول النفط والغاز، والمعابر الحدودية، وتنشيط حركة النقل والعبور التجاري.

ولكن النتائج كانت مختلطة، بحيث فاق المردود التوقعات في بعض الحالات، وكان أقل بكثير من المتوقع في حالات أخرى. فقد عادت أعداد من أصحاب رؤوس الأموال الصغرى إلى البلاد بصورة تدريجية، سيما أولئك العاملين في قطاع الخدمات، وأصحاب الصناعات الصغيرة، الذين كانوا قد اضطروا إلى الهجرة خلال سنوات الثورة والحرب الأهلية. ولكن، ليس ثمة أدلة على عودة أغلب أصحاب رؤوس الأموال الكبرى، ولا على إيفائهم بتعهداتهم في المساعدة على إنهاض مدنهم وبلداتهم التي أعلنوها في العامين الماضيين. ويعزى تردد هؤلاء أحياناً إلى أسباب سياسية، وأحيانا أخرى إلى عدم الاطمئنان بعد إلى المناخ الأمني. في المقابل، أجرى عدد من كبار رجال الأعمال الذين عُرفوا بارتباطهم بالنظام السابق مصالحات مع الحكم الجديد، تنازلوا بموجبها عن بعض ممتلكاتهم مقابل الاحتفاظ بممتلكات أخرى وإعفائهم من ثم من المساءلة القانونية، وتطبيع نشاطهم الاقتصادي في البلاد. وقد نُقلت الممتلكات المصادرة إلى الصندوق السيادي السوري، الذي أنشئ بمرسوم رئاسي. وبالرغم من أن حجم وعمل الصندوق السيادي لا يزال يفتقر إلى قدر من الشفافية، هناك اعتقاد في دمشق بأن الصندوق في طريقه لأن يصبح أحد أكبر مصادر ثروة الدولة، إلى جانب وزارة الأوقاف.

إلى جانب ذلك، وُقّعت اتفاقيات مع عشرات الشركات ورجال الأعمال العرب، سيما من السعودية والإمارات وقطر، لإعادة بناء المناطق المدمرة، أو تشييد أحياء جديدة، أو مراكز تسوق، في مدن سوريا الرئيسة، إضافة إلى عقود لتوسعة مطاري دمشق وحلب، وتوسعة ميناء طرسوس. ولكن العمل في مطار دمشق الدولي، الذي تولاه كونسورتيوم من شركتين كبريين، قطرية وتركية، كان المشروع الوحيد الذي قطع شوطاً ملموساً بالفعل. وذُكر مؤخراً أن هذه المجموعة القطرية – التركية بدأت دراسات جدوى لإنشاء عدد من محطات الطاقة الكهربائية في مختلف أنحاء البلاد.

قُدّمت كذلك منح صغيرة من الاتحاد الأوروبي، وبعض الدول الأوروبية، ومن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ولكن هذه المنح خُصّصت في معظمها، إما لحاجات إنسانية محدودة، أو لإعادة تنظيم القطاع المالي وإصلاح النظام المصرفي. وثمة شواهد على ارتفاع مستوى إيرادات الدولة من تنشيط حركة التجارة والنقل عبر سوريا، والسياح غير السوريين، إضافة إلى صادرات النفط العراقي عبر الموانئ السورية. كما أن عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي فتحت الباب لزيادة تحويلات السوريين في الخارج، سواء لمساعدة أقاربهم في سوريا، أو للعمل على إصلاح ممتلكاتهم المهجورة بعد مغادرة البلاد في العقود الماضية. أما المساعدات المالية العربية المباشرة، فقد اقتصرت حتى الآن على تحمل السعودية وقطر عبء رواتب القطاع العام لمدة عام، يعتقد أنه سينتهي بنهاية العام الحالي، إضافة إلى تسديد مساهمات سوريا المتأخرة في المنظمات الدولية.

ولكن السعودية وقطر وتركيا قدمت مساعدات عينية ملموسة، وليست مالية، لعدد من الوزارات، بما في ذلك وزارة الداخلية، وزارة الصحة، وزارة الدفاع، وعدد من بلديات المدن الرئيسة. كما قامت مؤسسة العون الخارجي التركية بترميم عدد من الأضرحة والمعالم الأثرية، مثل مقام ابن عربي والتكية السليمانية في دمشق، وساهمت في ترميم وتجديد الجامع الأموي بدمشق. كافة أعمال الترميم وإعادة التجديد الأخرى للمواقع الدينية والسياحية والتجارية والتعليمية والحكومية، التي أنجزت أو في طريقها للإنجاز، مثل أموي حلب، بازار حلب، جامع خالد بن الوليد، محطة الحجاز، وعشرات المدارس والمستشفيات في كافة أنحاء البلاد، أو مراكز الخدمات الحكومية والقضائية، أجريت بجهود سورية بحتة.

ليس ثمة بيانات رسمية بعد حول مستويات الفقر والبطالة. ولكن الواضح، ورغم الزيادة الملموسة في رواتب العاملين في القطاع العام وفي الحد الأدنى للأجور، أن ملايين من العائلات السورية لا تزال تجد صعوبة بالغة في توفير متطلبات المعاش الأساسية، مثل الطعام وأجور السكن وتكاليف المواصلات واستهلاك الكهرباء. وتشير أدلة متزايدة إلى تراجع القدرة الشرائية للفئات الأقل حظاً. وطبقاً لتقديرات برنامج الأغذية العالمي، ارتفعت تكلفة السلع الأساسية من صيف العام الماضي إلى صيف هذا العام بنسبة 34 بالمئة على الأقل، مقابل التراجع ملموس في قيمة العملة السورية الجديدة، التي كانت شهدت انتعاشاً مؤقتاً في أواخر 2024.

إلى جانب ظاهرة التسول المنتشرة في مختلف المدن السورية، ثمة مشاهد محزنة لأعداد كبيرة من الصبيان، الذين اضطروا لترك تعليمهم للعمل في قطاع الخدمات لمساعدة الأهل. ولم تبدأ أية حركة إعمار ملحوظة في أحياء المدن الرئيسة المدمرة. أما في بعض المناطق المدمرة التي ذُكر أنها توشك أن تعمّر، فقد ثار جدل كبير بين الأهالي والحكم المحلي حول طبيعة الإعمار المخطط له في أرضهم وممتلكاتهم السابقة. وبالرغم من أن سوريا شهدت خلال العامين الماضيين عودة بطيئة للاجئي الخارج، سيما للاجئين السوريين في لبنان والأردن وتركيا، إلا أن أعداد اللاجئين في الخارج، كما لاجئي الداخل، مازالت كبيرة. ورغم الجهود التي بذلتها الدولة لإعادة الماء والكهرباء وإصلاح بعض من الطرق إلى البلدات والقرى المدمرة، فقد كان على أغلب من عاد من اللاجئين تحمل أعباء ترميم أماكن سكنهم.

هناك مؤشرات واضحة على أن الدولة تعاني من شح السيولة المالية. ففي مايو/أيار الماضي، اندلعت احتجاجات في الجزيرة وريف حماة على انخفاض السعر الذي تعرضه الدولة لشراء القمح من المزارعين؛ الأمر الذي اضطر الرئيس الشرع إلى التدخل بمرسوم رئاسي لرفع سعر طن القمح الذي تعرضه الدولة على المزارعين. ورغم الوعود المتكررة، لم تبدأ بعد عملية إعادة آلاف الموظفين الذين فُصلوا تعسفاً في العقد ونصف العقد الماضي إلى أعمالهم، أو إحالتهم إلى التقاعد. كما اضطرت الحكومة خلال الشهور التالية على اندلاع الحرب على إيران إلى فرض زيادة كبيرة في أسعار المحروقات والكهرباء، بكل ما في ذلك من أثار على أسعار السلع الأخرى وعلى تكلفة الإنتاج الزراعي، ومن ضغوط على الأسر محدودة الدخل. وتشير تقارير غير مؤكدة بعد إلى أن بعض المشاريع التي يجري العمل عليها لمصلحة الدولة، أخذت في التباطؤ، نظراً لتأخر الدفعات المالية التي يُفترض تقديمها لمتعهدي هذه المشاريع.

تحديات متداخلة

تختلف الدول الخارجة من الحرب الأهلية في طبيعة وحجم التحديات التي تواجهها. ولكنها تتفق جميعاً في كون إعادة بناء التماسك الوطني مهمتها الأولى، والشرط الرئيس لاستعادة الاستقرار والتعافي. وسوريا ليست استثناءً، فكافة عواقب سنوات الثورة والتدافع الأهلي، من المسألة الكردية، إلى أزمة السويداء، ومن شعور العلويين بالعزلة والخوف، إلى التوغل الإسرائيلي في جنوب غرب البلاد، تشير جميعاً إلى أن إطاحة النظام السابق لم يكن سوى خطوة أولى نحو إعادة بناء سوريا ولحمتها الوطنية.

والمؤكد أن قادة سوريا الجديدة حققوا خلال العامين الماضيين عدداً من الإنجازات الملموسة في هذا الطريق، ليس فقط فيما يتعلق بوضع سوريا الدولي وعلاقاتها العربية والإسلامية، ولكن أيضاً على صعيد احتواء حالات التشرذم والانقسام الداخلي، بأقل الخسائر. ولكن مهمة توحيد سوريا، وبسط سيادة الدولة على أرضها وشعبها، لم تصل إلى غاياتها النهائية بعد. ولا يزال هناك عمل كبير لابد من القيام به في شمال شرقي البلاد، وفي الساحل، أمنياً بصورة نسبية، وفيما يتعلق بتعزيز روح المصالحة وتأكيد قيم المواطنة. أما في السويداء ومنطقة التوغل الإسرائيلي، فإن خطوات الاسترداد الأولى لم تبدأ بعد.

وسيكون من الصعب، وربما المستحيل، إعادة بناء التماسك الوطني وتحقيق الاستقرار إن اقتصر الأمر على تحقيق وحدة الأرض، وتعزيز المناخ الأمني، والدفاع عن الحدود، والإعلاء من سيادة الدولة. فالهويات الوطنية لا تولد بمجرد ولادة الدولة، بل تُصنع، وتُرعى، وتجري تنميتها، وتُحمى أسسها بمرور الزمن. ولاستعادة التماسك الوطني، ينبغي أن توفر الدولة حياة كريمة لأغلب شعبها، وتتمكن من إعمار ما دُمّر من الأحياء والبلدات وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة ملايين اللاجئين، وإيصال متطلبات الحياة الضرورية من الماء والكهرباء إلى المنازل في القرى والمدن على السواء، وإتاحة فرص عمل للعاطلين، وإيجاد مقاعد مدرسية كافية لمن هم في سن التعليم وبناء نظام تعليمي موحد لكافة أبناء الجماعة الوطنية، وطرح خطاب تلتقي حوله فئات الشعب المختلفة. وهذا ليس ممكناً دون موارد كافية، تتيح لأجهزة الدولة تعهد هذه المهمات الملحة. والواضح أن موارد الدولة السورية الجديدة لا تزال محدودة.

بإطاحة النظام السابق، وتحرير سوريا من نفوذ القوى الإقليمية والدولية، حقق السوريون انقلاباً هائلاً في خارطة القوة الإقليمية، ساعد على تعزيز أمن تركيا ودول الخليج كافة. وسوريا الآن في حاجة لمساندة أشقائها العرب والمسلمين في الجوار المشرقي، سياسياً واقتصادياً. وعلى هؤلاء الأشقاء أن يساعدوها على استعادة سيادتها على كافة أراضيها والنهوض من جديد، حتى وهم يواجهون أعباء الحرب على إيران والاضطراب الإقليمي، الأمني والاقتصادي.