الأزمة الليبية: معطى جيوبوليتكي جديد

كتاب يتناول من زاوية عسكرية واستراتيجية الثورة الليبية والتدخل الخارجي تحت مبدأ الحماية الأممي، والتداعيات الناتجة على موازين القوى الدولية ومستقبل الأمن الأوربي.
201312764918126734_20.jpg

 

يتناول جون فلوري، الجنرال المتقاعد في سلاح الجو الفرنسي، ومستشار الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران وقائد هيئة أركان القوات الجوية الفرنسية خلال حرب الخليج 1991 (مؤلّف "حروب الخليج" و"المستنقع الأفغاني")، في كتابه هذا، الأزمة الليبية، مركزًا على الجوانب العسكرية والسياسية بعد أن تطرّق بإيجاز إلى الجوانب التاريخية.

يقول: إن استخدام القوة العسكرية الثقيلة ضد المنتفضين في شرق ليبيا سرعان ما أثار انشغال المجموعة الدولية، حيث تبنى مجلس الأمن (26 فبراير/شباط2011) قرارًا يقضي بتجميد الأموال الليبية في الخارج وفرض حظر عسكري عليها. وتولت القوات البحرية الغربية (الأميركية، والفرنسية، والبريطانية، والإيطالية، والألمانية) تطبيق الحظر العسكري. واقترحت فرنسا وبريطانيا إقامة منطقة حظر جوي لمنع القذافي من استخدام طائراته ضد المنتفضين لكن روسيا والصين المعارضتين لأي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية للدول رفضتا الاقتراح. أمام مواصلة القذافي مجازره، طُرحت مسألة الحظر الجوي مجددًا، فيما واصلت طائرات التجسس (الرادارات المحمولة) وأجهزة التصنت الإلكترونية الغربية مراقبتها للوضع ميدانيًا متتبعة تطور المعارك وتموقع القوات النظامية وتنقلها. وقد انصب الاهتمام الغربي على القدرات الدفاعية الليبية (رادارات، قواعد جوية، بطاريات الصواريخ أرض-جو). ولتجنب لفت انتباه القذافي، كانت طائرات التجسس الغربية تحلّق في مناطق توجد خارج مجال تغطية رادارات جيشه أو تمر بمحاذاة الساحل الليبي، موهِمة بتتبعها مسار طائرات النقل المدني. وساهمت أيضًا الأقمار الصناعية الغربية للمراقبة العسكرية وتلك المختصة بالتصنت في جمع المعلومات العسكرية، كما تولت غواصات غربية مراقبة تحركات القوات البحرية الليبية.

لم يعلّق الكاتب على هذه التحركات، لكن من الواضح أن حشد الدول الغربية لمثل هذه الإمكانات المتطورة والمكلفة لجمع المعلومات عن قدرات ليبيا وتحرك قواتها كان يندرج ضمن إستراتيجية تدخل مبرمجة سلفًا.

الموازنة بين الخيارات

بعد أن اشتد الخناق على بنغازي وتحسبًا لمجازر، احتدم النقاش دوليًا حول التدخل لحماية المدنيين، وهو نقاش قديم يُذكّر بأزمات الصومال، ورواندا، والبوسنة، وكوسوفو. فاعتبرت فرنسا وبريطانيا أنه لا يمكن لأوروبا أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام جرائم ضد الإنسانية محدِقة في ليبيا. وكانت هناك ثلاثة دوافع تدعم هذه القناعة:  فرار العديد من الليبيين والعمال الأجانب من قمع نظام القذافي؛ حيث فرّ حوالي مليون شخص نحو تونس ومصر، في وقت تواجهان فيه صعوبات بسبب التحولات الداخلية. وكانت هناك تخوفات من تدهور الأوضاع جرّاء عدم قدرتهما على التصدي للوضع؛ بل إن لم يتحسن الوضع فإن المهاجرين سيضطرون إلى العودة ثم سيتدفقون على أوروبا التي تعاني أزمة، وسيزيد ذلك من التوترات المرتبطة بالهجرة؛ علاوة على أن وقوف فرنسا إلى جانب بن علي خلال الثورة التونسية صدم الرأي العام الفرنسي، وبالتالي فإن تدخلاً لنجدة الثوار الليبيين سينسيه ذلك. هناك من أضاف دافع النفط، يقول المؤلّف، لكن هذه الحجة غير مقبولة في نظره لأن النفط الليبي كان يُصدّر بشكل عادي، وليبيا كانت تسعى لرفع طاقتها الإنتاجية.

كان أمام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ثلاثة خيارات: الاكتفاء بمنطقة حظر جوي، تدمير كل الإمكانات الجوية والبرية التي تهدد المدنيين، شن عملية جوية-برية. فيما يتعلق بالخيار الأول (منطقة حظر جوي) فقد أثبتت التجربة العراقية فعاليتها نسبيًا لأن قدرات العراق تم تدميرها أثناء حرب 1991، أما في الحالة الليبية فهي تقتضي أولاً تدمير المنظومة الدفاعية الليبية حتى لا تتعرض الطائرات الغربية المكلفة بتطبيق الحظر للخطر؛ وعليه فمنطقة الحظر الجوي غير كافية، خاصة وأن القذافي يحتفظ بدباباته ومدفعيته لمواصلة المجازر؛ ومن ثم أُسقط هذا الخيار. أما الخيار الثالث، فقد رفضه الثوار لأنهم يريدون التحرر بأنفسهم؛ فتم الاتفاق على خيار التدمير الجوي للقدرات الثقيلة للنظام والمحاصِرة للثوار، إضافة إلى إقامة منطقة حظر جوي وتحييد منظومة الدفاع الجوي للجيش الليبي. حينها سعت فرنسا لاستصدار قرار من مجلس الأمن، ونجحت في مسعاها بتبنيه في (17 مارس/آذار2011)، وهو القرار 1973 القاضي باتخاذ كل الإجراءات الضرورية لحماية المدنيين مع استبعاد الغزو البري. وقد امتنعت روسيا والصين عن التصويت، فيما لم تدعم ألمانيا القرار لمعارضتها التدخل. وهنا يعرض الكاتب لمواقف كل دولة عضو في مجلس الأمن، بما في ذلك الدول غير دائمة العضوية، مبديًا استغرابًا من الموقف الألماني الذي أثار حسبه تساؤلات المراقبين، خاصة وأن رفض التدخل في إطار مبادئ إنسانية يجعل الذين كانوا يقولون بمنح ألمانيا مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن يفكرون في الأمر، على حد قوله. ويقول المؤلف: إن ساركوزي لم يكن يرغب في أن تظهر "هذه العملية كحرب المستعمرين القدامى على بلد عربي وإفريقي"؛ لذا أكد على ضرورة إشراك الجامعة العربية والمنظمة الإفريقية.

منذ تبني القرار 1973 والجيش الفرنسي يحضّر نفسه للتدخل، وتلقى ضباط مركز العمليات الجوية تعليمات من هيئة الأركان بشأن الأهداف التي يجب تدميرها، وعندها خططوا كل تحركاتهم: تموقع الطائرة-الرادار التي ستراقب مجمل القصف؛ تحديد مناطق تحليق الطائرات المقاتلة؛ خطوط سير الطائرات المزوِّدة بالوقود في الجو؛ الأهداف؛ حماية الطائرات المتدخلة من الطيران الليبي ومن صواريخ أرض-جو.

نسّق هؤلاء مع البريطانيين والأميركيين، خاصة وأن التدخل يتطلب عددًا معتبرًا من الطائرات وأن عامل المفاجأة يقتضي عدم استخدام الراديو. وفي صباح 19 مارس/آذار 2011، أمر ساركوزي القوات الفرنسية بالاستعداد للتدخل في نفس اليوم بداية من الخامسة مساء. وعليه، فعندما استقبل في قصر الإليزيه أول مدعويه للقمة حول ليبيا، كان القسم الأكبر من الطائرات يحلق في الجو. وبمجرد انتهاء القمة على الخامسة مساء، أمر الطائرات الفرنسية بالتدخل فقصفت أهدافها وأنقذت بنغازي. تلاه تدخل الطائرات البريطانية والكندية ثم الأميركية التي تدخلت بقوة، وأطلقت البحريتان: البريطانية والأميركية حوالي مائة صاروخ بحر-جو لتدمير منظومة الدفاع الليبية من صواريخ أرض-جو.

اتُّفق بداية من 21 مارس/آذار 2011 على تكليف مركز العمليات الأميركي في رامشتاين (ألمانيا) بمهمة التنسيق، بعدها توسع القصف لبقية المدن الليبية. وفي 25 مارس/آذار 2011، انطلقت أول دورية مشتركة (من طائرات ميراج 2000) الفرنسية-القطرية مكلفة بإنذار الطائرات المتدخلة في العملية (الملاحَظ أن المؤلّف نادرًا جدًا ما يستخدم مفردة حرب) في حالة الخطر؛ لتلحق بها فيما بعد طائرات إف-16 الإماراتية. لم يتجرأ القذافي خلال الحملة الجوية على استخدام مقاتلاته مما سمح للحلفاء بتدميرها قبل أن تُستخدم. أما جدية تهديد منظومته الدفاعية المكونة أساسًا من صواريخ أرض-جو؛ فقد تم التأكد منها بفضل تحليق الطائرات الاستطلاعية الغربية قبل 17 مارس/آذار 2011، لذا كان تدميرها هدفًا أساسيًا لسلاح الجو الفرنسي.

الناتو: ضرورة القيادة

في 31 مارس/آذار، تم تحويل قيادة العمليات إلى الناتو بعد مفاوضات صعبة؛ فأميركا لم تكن ترغب في الظهور على الخط الأول، وكانت تتخوف من انقلاب الرأي العام العربي ففضلت تحويل القيادة للناتو. أما ألمانيا، فلم تكن مستعدة للتورط في تدخل تعارضه أصلاً، بل سحبت سفنها الحربية من عملية مراقبة الملاحة البحرية الأطلسية في المتوسط تجنبًا لاستخدامها في حرب ليبيا. أما تركيا فأدانت منذ البداية التدخل، ولم تقبل نقل قيادة العمليات للناتو إلا مقابل الوعد بالإبقاء على قيادات أطلسية على أراضيها. أما فرنسا التي تفضّل الإبقاء على التنظيم السائد قبلت في نهاية الأمر بنقل القيادة للناتو.

وعليه "فبداية من 31 مارس/آذار تولى الناتو قيادة العمليات العسكرية لحماية الشعب الليبي من مجازر أنذر بها القذافي. وأُسندت قيادة العمليات، تحت إمرة الناتو، إلى الجنرال الكندي شارل بوشار والذي وُضعت تحت قيادته قوات بحرية أطلسية مركزها نابولي (إيطاليا) وقوات جوية أطلسية مركزها إزمير (تركيا). ووُضع تحت تصرف الائتلاف حوالي 200 طائرة كلها أطلسية باستثناء قطر والإمارات (انحسرت مهماتهما في الدفاع الجوي والمراقبة)، كذلك طائرات-رادار فرنسية وبريطانية وطائرات مزوِّدة بالوقود (80% منها أميركية)، إضافة إلى طائرات أميركية وبريطانية لمراقبة التحركات البرية... أما الطائرات بدون طيار فنظرًا لانكشافها لم تُستخدم إلا بعد تبديد تهديد الصواريخ الليبية".

لتسهيل التنسيق مع الثوار، تم في مطلع إبريل/نيسان 2011 إرسال ضباط اتصال فرنسيين، وبريطانيين، وإيطاليين، تبعهم مدربون عسكريون من القوات الخاصة للدول الثلاث لتدريب إطارات الجيش الليبي الذين التحقوا بالمجلس الوطني. والتحق بهؤلاء مختصون من دول عربية مثل الإمارات وقطر.

قامت طائرات الأطلسي خلال النصف الأول من شهر إبريل/نيسان بـ 160 طلعة جوية، 60 منها لتدمير أهداف برية. لا تقود حتمًا كل الطلعات الجوية إلى قصف لأن قواعد إطلاق النار كانت صارمة. إلا أن الغموض على أرض الميدان تسبّب أحيانًا في استهداف عربات الثوار مما أدى إلى تشديد تلك القواعد وأيضًا إلى آجال أطول لتلقي الأوامر؛ ففي أفغانستان مثلاً عشر دقائق في المعدل تكفي لأن تتموقع عموديًا مقاتلة فوق قوات أطلسية طلبت الدعم الجوي، حيث وضع الحلفاء وسائل حديثة جدًا لتجنب الأخطاء. لكن في ليبيا يمنع القرار 1973 نشر قوات برية والثوار غير قادرين من حيث التكوين والعتاد على التجاوب مع مثل هذه الوسائل. ثم إنه تعين في بعض الأحيان عدم قصف عربات قوات القذافي لتتبع تنقلها حتى تصل إلى وجهتها، وهكذا تمكنت القوات الأطلسية من تحديد موقع مراكز إمدادها وتدميرها. كما حال استخدام الدروع البشرية دون تنفيذ الضربات الجوية، فمثلاً في 8 إبريل/نيسان 2011 استخدمت مقاتلة-مقنبَلة فرنسية واحدة فقط سلاحها من أصل 30 طائرة.

أعلنت الولايات المتحدة في 4 إبريل/نيسان 2011 تعليق استخدام طائراتها في العملية العسكرية، باستثناء تلك المزوِّدة بالوقود جوًا، الضرورية لمواصلة الحرب. ويُرجِع المؤلّف انسحابها هذا إلى: عدم رغبتها في تحمل المسؤولية إن فشلت الثورة الليبية، والحد من الكلفة العسكرية لتدخلها، ووضع أوروبا أمام مسؤولياتها وضرورة تقاسم الأعباء العسكرية، وتحول الاهتمام الأميركي من منطقة الأطلسي إلى منطقة الهادي وخاصة الصين، ورغبة أميركا في أن تتحمل أوروبا المسؤولية في جوارها الجغرافي.

أوردت صحيفة واشنطن بوست في 15 إبريل/نيسان 2011 خبر نفاذ الذخيرة الدقيقة لدى سلاح الجو البريطاني والفرنسي وتعذر تعويضها بذخيرة أميركية لأسباب تقنية (الطائرات غير مجهزة لاستقبال ذخيرة أميركية). يقول المؤلف: إذا كان هذا الخبر الخاص بنفاد المخزون ليس خاطئًا بالنسبة لكندا مثلاً فإنه عار من الصحة بالنسبة لفرنسا؛ فالقصف (الجوي والبحري) الذي نفذته القوات الفرنسية بين 19 مارس/آذار و21 أكتوبر/تشرين الأول 2011 لم يتسبب إطلاقًا في نفاد مخزونها. ثم إن بعض الأسلحة الأميركية يمكن حملها وإطلاقها من الطائرات الفرنسية. ليضيف أنه من خلال حالة عابرة تخص الناتو، أرادت الصحافة الأميركية أن تقول: لا تشتروا الطائرات الفرنسية وإلا ستواجهون نفاد الذخيرة. "حلفاء في الحرب لكن متنافسون على الصعيد التجاري. يتعين تذكر ذلك!".

فيما دعمت فرنسا وبريطانيا في مايو/أيار 2011 قواتهما بإمدادات جديدة من العُدّة والعتاد، أعلنت النرويج انسحابها اعتبارًا من أول أغسطس/آب 2011، فيما بدت إيطاليا مترددة. وفي هذا السياق، تقرر بعدها بشهر تسليح الثوار لقناعة الحلفاء بأن المعركة في الشرق لن تكفي لإزاحة القذافي. وعليه توجب فتح جبهة غربًا لتحقيق هدفين: إمداد ثوار جبل نفوسة بالإمكانات العسكرية للقتال، وإجبار القذافي على تشتيت قواته؛ وذلك بإنزال أسلحة عبر المظلات. ونفّذت العملية -التي رفضتها بريطانيا- القوات الفرنسية التي أنزلت بالمظلات 40 طنًا من الأسلحة والذخيرة القطرية لفائدة الثوار الليبيين. وبعدها، وصل مدربون عسكريون من الإمارات لتدريبهم على استخدامها.

بداية من مطلع يوليو/تموز 2011، بدأ الخناق يشتد على طرابلس التي تتعرض للقصف. وفي أواخر أغسطس/آب، بدأت الخلايا النائمة في طرابلس تنشط وتم تدمير عدة أهداف عسكرية إستراتيجية، مما سهل دخول 100 كوماندوز ليبي، بدون شك ترافقهم وحدات من القوات الخاصة الغربية والقطرية، شرق طرابلس قادمين من مصراتة. واستخدم الثوار في حرب الشوارع طائرة (درون) صغيرة الحجم تم شراؤها من كندا. أما غربًا، فقد هاجم الأمازيغ القوات النظامية واستولوا على ثكنة عسكرية محصنة. وتوالى سقوط المدن الواحدة تلو الأخرى. وهنا يروي المؤلف ظروف اعتقال القذافي قائلاً: إنه بعد معارك في سرت، غادرت قافلة من العربات متجهة جنوبًا فتعرضت لقصف صاروخي من طائرة (درون) أميركية أجبرها على الانقسام إلى مجموعتين. وتمكنت مقاتلة فرنسية من تعقب المجموعة الأولى وقصفتها، فحاول بعضها الفرار جنوبًا لكن القصف الثاني أوقفها. هذا ما سمح للثوار بمهاجمتها والقبض على القذافي. وتعليقًا على صور اعتقاله وقتله يقول المؤلف: إنه دون تبرير ما حدث فإنه ربما يمكن تفهم رد فعل هؤلاء الثوار. ليضيف: إنه لا أحد كان يتمنى محاكمته من طرف المحكمة الجنائية الدولية التي لا يمكنها أن تصدر حكمًا بالإعدام الذي كان الليبيون يطالبون به. ثم إن بعض أتباعه كانوا سينفذون تفجيرات للضغط من أجل الإفراج عنه. أضف إلى ذلك أن القذافي أعلن -بغضّ النظر عن صحة ذلك من عدمه- أنه دفع عمولة في إطار صفقات تجارية دولية، وموَّل حملات انتخابية في دول غربية...

هكذا انتهت الحرب وأوقف الناتو طلعاته الجوية في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، وقد تم تنفيذ 9658 طلعة تحت إمرته بين 31 مارس/آذار و23 أكتوبر/تشرين الأول 2011. تُضاف إليها 2000 طلعة جوية تمت بين 19 و30 مارس/آذار. للإشارة فإن كل هذه الطلعات لا تنتهي بقصف أو بإطلاق النار، لأن جزءًا منها يخص عمليات استطلاع ومراقبة. أما في عرض البحر، فقد تم استجواب 3124 سفينة، تم تفتيش 296 منها، فيما حُوّلت 11 منها إلى القواعد البحرية الأطلسية في المتوسط.

قصور أوروبي وفرنسي

يقول المؤلف: إن الأزمة الليبية أثبتت جاهزية وتأهب سلاح الجو الفرنسي. وهذه الحرب غير تقليدية لأنها حرب حماية لا حرب تدمير، تمكن سلاح الجو الفرنسي من التكيف معها ومن التحكم في العنف. ويضرب مثالاً على ذلك: تفادت مقاتلة-مقنبلة فرنسية استخدام القوة النارية الضاربة لتدمير دبابة ليبية على مشارف مدينة البريقة لأنها كانت متوقفة فوق حوض مائي (النهر الصناعي) الذي يزود المدينة بالمياه مفضلة استخدام قنبلة خاملة. هناك مسألة لم يُشِر إليها الكاتب هنا، وهي أن القنابل الخاملة تُستخدَم في التدريبات العسكرية، وقد استخدمتها الطائرات البريطانية في العراق لأنها ضعيفة التكلفة مقارنة بالقنابل العادية فضلاً عن محدودية وقعها (لذا كثيرًا ما تُستخدم في حرب المدن).

يقول المؤلف: إن هذه الحملة كانت ناجحة لكنها كشفت بعض النقائض في القدرات؛ أولها: قلة طائرات التزويد بالوقود في الجو (C-135)؛ ففرنسا لا تملك منها إلا 14 طائرة تم اقتناؤها في 1964، وهي بحاجة إليها في أفغانستان وتشاد في نفس الوقت. وعليه فالأميركيون هم الذين تولوا 80% من عمليات التزويد بالوقود في الجو بفضل أسطولهم (أكثر من 700 طائرة). ثانيها: معاناة فرنسا من نقص في طائرات مراقبة التحرك على الأرض، فكان الاعتماد على أميركا. ثالثها: افتقارها إلى الصواريخ المضادة للرادارات وللقنابل الخاملة لتدمير المدرعات في المناطق العمرانية. كل هذا يقود المؤلف إلى الحديث عن الصناعة العسكرية الأوروبية وعن الدفاع الأوروبي، محملاً ألمانيا المجازفة بآفاق سياسة أوروبية للدفاع والأمن بسبب موقفها من الأزمة الليبية! ليتطرق بعد ذلك إلى الخلافات الأطلسية البينية وإلى الفارق بين نفقاتهم العسكرية وضعف أوروبا مقارنة بأميركا، وكذلك إلى إشكالية الركيزة الدفاعية الأوروبية في إطار الناتو، ويرى أن المشكلة تكمن في غياب سياسة أوروبية للدفاع والأمن. وينتقد مجددًا ألمانيا بسبب موقفها من الأزمة الليبية، فيما يُبدي تفهمًا لموقف بولونيا قائلاً: إن لهذه الأخيرة عذرًا، وهو تخوفها من أن تجعل الحرب في ليبيا الحلف ينظر إلى الجنوب وينسى روسيا.

ويخلص الكاتب إلى القول -مشيرًا ضمنيًا إلى حالة فرنسا-: إن الحملة الجوية على ليبيا "أثبتت مجددًا أهمية سلاح الجو، والضرورة بالنسبة لأمة تريد أن تلعب دورًا دوليًا أن تمتلك قدرات جوية ذات مستوى كاف". كما أثبت أن "سلاح الجو أداة استثنائية لمواصلة الدبلوماسية بوسائل أخرى". بيد أن تقليص حجم سلاح الجو في ميزانية الدفاع الفرنسية بنسبة 50% خلال الـ 15 سنة الأخيرة تسبّب في النقائص المشار إليها أعلاه. وعليه "يجب ألاَّ تكون ميزانية الدفاع من هنا فصاعدًا متغيرًا لتصحيح اختلالات الميزانية العمومية". وبما أن التحرك الجوي الأوروبي لم يتم إلا بالدعم الأميركي في مجالات حساسة مثل الاستخبارات والتزود بالوقود جوًا، فمن الواضح أنه لا يمكن للحلفاء القيام بعملية إستراتيجية دون مساعدة أميركا ووفق مشيئتها. ليختتم قائلاً: إن تنفيذ القرار 1973 كان أول تطبيق دولي لمسؤولية الحماية التي حددتها الأمم المتحدة، وإن تطبيقها في ليبيا عملية ناجحة لتفاديها المجازر التي كان القذافي يعِد بها. وعليه فهي تفتح الباب أمام حالات مشابهة، وإن كانت كل حالة مختلفة عن الأخرى، واستخدام القوة يكون بعد التفكير العميق المسبق؛ ومن ثم فإن عالم اليوم يختلف عن العالم الذي عرفناه منذ 20 سنة. ولم تكن الأزمة الليبية السبب في ذلك وإنما كاشفة له، وإنه "آن الأوان لأوروبا أن تستخلص الدروس من ذلك".

خلاصات

ربما قوة هذا الكتاب هي ضعفه أيضًا، أي أنه جاء في بعضه على الأقل سردًا عسكريًا لبعض يوميات الحرب؛ فكان مفيدًا من الناحية العسكرية والمعلوماتية، لكنه افتقر إلى التحليل المعمق وغلب عليه أحيانًا الطابع الصحفي. ويمكن حصر أهم نقائصه في الآتي:

  • أولاً: غياب القراءة التحليلية النقدية لمجريات التدخل في ليبيا بل جاء نصه أحيانًا وكأنه بيان رسمي.
  • ثانيا: انتقاد متكرر لألمانيا دون تبرير ذلك بحجج مقنعة؛ حيث كتب يقول: إن الذين كانوا ينادون بتوسيع مجلس الأمن إلى دول مثل: الهند، والبرازيل، وألمانيا يترددون اليوم لأن هذه الدول استبعدت في الأزمة الليبية مسؤولية الحماية التي قالت بها الأمم المتحدة. وكما لاحظنا أعلاه فهو يتفهم مبررات بولونيا (المبنية على مدركات تهديد لا تشاركها فيها قوى أورو-أطلسية كبرى)، بينما لم يسع لفهم مبررات ألمانيا ناهيك عن تفهمها.
  • ثالثًا: أبدى المؤلّف موقفًا غريبًا من تركيا؛ فقد انتقد رئيس الوزراء طيب أردوغان لكنه لم يقل شيئًا عن علاقة ساركوزي وكامرون بالقذافي. بل ذهب إلى أبعد من ذلك مستخدمًا نبرة ولهجة صراع "الحضارات" لتبرير رفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي على أساس حُجة لا سند لها؛ حيث كتب يقول: إن "تركيا، التي أدانت منذ البداية التدخل، لم تقبل تحويل قيادة العمليات للناتو إلا مقابل الوعد بالإبقاء على قيادات أطلسية على أراضيها"، و"يبين هذا الموقف مرة أخرى الهوة الكبيرة التي تفصل الأتراك عن رعايا الاتحاد الأوروبي ذوي التقاليد اليهودية-المسيحية والثقافة الإغريقية-الرومانية!". ونجد تقريبًا نفس الخلفية السياسية عندما يتحدث عن "الربيع العربي"، معبّرًا عن تخوف الأوروبيين من تطبيق دول شمال إفريقيا الشريعة ومحاولة تصديرها ومن تصلب عود التيارات السلفية، وربما دعم الحكومات للقاعدة، مؤكدًا على ضرورة دعم الحكومات العربية التي تطلب المساعدة الغربية. أما تحليله للتحولات العربية الراهنة فجاء سطحيًا يغلب عليه التهديد السلفي، فضلاً عن تضمنه خطأً واضحًا وهو قوله: إن المغرب فصل بين "الروحي والسلطة الزمنية". وهذا طبعًا غير صحيح؛ إذ لا توجد أية دولة عربية حسمت العلاقة بين المقدس والمدنس.
  • رابعًا: رغم تأكيده مرارًا على "مسؤولية الحماية" (حماية الشعب) التي عليها يُؤسّس التدخل في ليبيا ويُشرعنه فإنه لم يقل ولو كلمة واحدة عن فلسطين والصراع العربي-الإسرائيلي، بل إن فلسطين لم تُذكَر تمامًا في كتابه. وهذه مفارقة، خاصة وأن المؤلف يطمح لاستخلاص الدروس من الحملة على ليبيا. هكذا حُرم الشعب الفلسطيني، مثله مثل الشعب السوري –في هذا الكتاب–، من "مبدأ "مسؤولية الحماية".

معلومات عن الكتاب
المؤلف: جون فلوري Jean Fleury.
عنوان الكتاب: الأزمة الليبية: معطى جيوبوليتكي جديد، Crise libyenne : la nouvelle donne géopolitique.
عرض: عبد النور بن عنتر.
عدد الصفحات: 190
سنة النشر: 2012

نبذة عن الكاتب