مؤتمر بحثي للجزيرة للدراسات: التحولات الاجتماعية والاتصالية الراهنة تتطلب مناهج جديدة لفهم الظاهرة الإعلامية وتفسيرها

أجمع نخبة من الأساتذة الأكاديميين والباحثين المختصين، الذين شاركوا في مؤتمر "المشكلات النظرية والتطبيقية لمناهج البحث في علوم الإعلام والاتصال"، على أهمية الموضوع الذي يستجيب لمشكلة حقيقية تتمثَّل في كيفية تطوير البحث العلمي في حقل الإعلام والاتصال بالمنطقة العربية، باعتبار أن التفكير في المنهج، وفي العُدَّةِ المنهجية، يُعد مرتكزًا لإنتاج المعرفة الإعلامية، ومُتَطَلَّبًا لبناءِ العمليةِ البحثية، حيث يُؤدي إهمالها، أو سوء الفهم لإجراءاتها، إلى نسف نتائج البحث. وتتعاظم أهمية هذا الموضوع الذي ناقشه مركز الجزيرة للدراسات في اللحظة الراهنة، باعتبار التطورات التي تشهدها البيئة الإعلامية والرقمية وما تحتاج إليه من عُدَّة منهجية تواكب التغيرات التي تحصل في مستويات متعددة (تكنولوجية وسلوكية وقيمية)، ثم هناك النقاش الأكاديمي الواسع الذي يجري اليوم عبر منصات مختلفة ومتعددة حول مناهج البحث في الغرب والشرق.

وتوزعت أعمال المؤتمر، الذي نظَّمه مركز الجزيرة للدراسات، خلال يومي 8 و9 ديسمبر/كانون الأول 2021، إلى أربع جلسات نقاشية؛ حيث تناولت مداخلات الباحثين المشاركين مشكلات مناهج البحث في علوم الإعلام والاتصال، وأخلاقيات البحث العلمي في حقل الإعلام والاتصال، والبيئة الإعلامية الرقمية ودراسات الإعلام، وتطوير البحث العلمي في علوم الإعلام والاتصال.

  مشكلات مناهج البحث في علوم الإعلام والاتصال  

قدَّمت الدكتورة مي العبد الله، رئيسة الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال بلبنان، في الجلسة الحوارية الأولى، رؤية نقدية لمناهج البحث في علوم الإعلام والاتصال، خاصة المنهج الإثنوغرافي في البيئة الرقمية، وتساءلت عن إمكانياته وقدراته الإجرائية، وكيفية تطبيقه على مستخدمي الإنترنت فيما يتعلق بفهم وتفسير الظواهر الإعلامية الرقمية، وحدود فاعلية التحليل الاجتماعي وتطبيقه على أفراد لا يكشفون هوياتهم الحقيقية في البيئة الرقمية. ولاحظت أن الاتصال الرقمي لا يمكن تجاوزه اليوم فهو يعكس الحياة الاجتماعية الحقيقية؛ حيث يظل عالم الشبكات مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالعالم الخارجي، ولا يقبل أهل العلم دراسة العالم الخارجي دون عالم الشبكات. ودعت الدكتورة العبد الله إلى تطوير المناهج السببية، والمناهج التي تركز على الوصف الدقيق للحالات الدراسية، وتصنيف البيانات، وهو ما يقوم به المنهج الإثنوغرافي، فضلًا عن الاهتمام بالمقاربة الجزئية للظواهر والقضايا الإعلامية.

وبيَّن الدكتور الصادق رابح، أستاذ الإعلام بقسم الإعلام في جامعة قطر، في مداخلته البحثية، أن اختيار المنهج البحثي يجب أن تحكمه القدرة على إنتاج معرفة فاعلة ومتفاعلة في علاقتها بالواقع، وهو ما يتطلب وعيًا إبستمولوجيًّا، أي إن التصورات والرؤى التي يحملها الباحث عن العلم وعلاقته بالمنهج تحكم العملية البحثية وإنتاج معرفة متصالحة مع "ذواتنا ومجتمعنا". ويساعد هذا البُعد الإبستمولوجي في تموضع الباحث تجاه المقاربة التي يعتمدها، ويحدد انتماءه إما إلى المقاربة الأمبريقية أو البنائية أو المادية. لذلك فإن الدراسات التي تسودها "المطبات المنهجية"، أو يكتنفها "الوهن المنهجي"، بحسب الدكتور رابح، يكون مردُّ ذلك هو غياب الوعي بالبراديغم الذي ينتمي إليه البحث، وهو يحيل (البراديغم) إلى الاستراتيجية البحثية باعتبارها تمثِّل رؤية فلسفية توجِّه مسار البحث من الإشكالية إلى النتائج، والتفكير في الموضوع، وهو كذلك (البراديغم) البوصلة أو المُوجِّه الذي يسير الباحث على هداه عمومًا.

من جانبه، أوضح الدكتور محمد نجيب الصرايرة، عميد كلية الإعلام بجامعة البترا في الأردن، أن الظواهر والقضايا الإعلامية الجديدة لا يزال الباحثون يتعاملون معها من خلال الموروث النظري القديم، وهذه الرؤية لا تقود إلى معرفة أصيلة تؤسس لمفاهيم جديدة. كما أن حوالي 90% من النشاط البحثي الإعلامي يقع ضمن دائرة الوصفي، سواء في إطارها الكمِّي أو النوعي، ويُتعَامَل معها بشيء من التبسيط، وهي ذات حدود لا يمكن تجاوزها. ولاحظ أن مشكلة البحث في الإعلام لا يمكن فصلها عن حالة الاضطراب السائدة في العالم العربي في جميع مجالات وشؤون الحياة، معتبرًا أن واقع البحث في حقل الإعلام والاتصال مرآة لتلك الحالة. ودعا الدكتور نجيب الصرايرة إلى "الخروج من دائرة الوصفية إلى رحاب التحليلية"، واستخدام المناهج المختلطة/البينية "نحن بحاجة إلى المناهج الكمية والكيفية وربط نتائجنا بالواقع السياسي والاجتماعي، وتطوير مناهج بينية تستخدم أكثر من منهج في الدراسة، ونركز عليها كمسار جديد في الدراسات الإعلامية المستقبلية". كما دعا إلى الاهتمام بالدراسات التتبعية (أو الدراسات الطولية) والدراسات المستقبلية/الاستشرافية، والدراسات النقدية لتطوير الحالة البحثية في الإعلام.

وتساءل الدكتور يوسف تمار، أستاذ الإعلام بكلية الإعلام في جامعة الجزائر 3، إن كان ينبغي للباحثين في مجال الإعلام والاتصال مراجعة الأدبيات المنهجية من أجل معالجة قضايا الإعلام الجديد أم يمكن الحفاظ عليها وتكييفها مع الواقع الثقافي والاجتماعي والحضاري في المنطقة العربية. وخلص في ورقته البحثية إلى أن استخدام المقاربات المنهجية التقليدية في فهم موضوع الإعلام الجديد لا يزال حاضرًا في الدراسات العلمية، لاسيما في الأطروحات العلمية التي يستخدم معظمها لحد الآن الأدوات المنهجية نفسها كما رصدها في دراسة الإعلام التقليدي.    

وأشار الدكتور تمار إلى أن البحوث العربية لم تتملَّك نظريات علوم الإعلام والاتصال بشكل خلاق من خلال تجريبها وتعديلها وإثرائها وتجديدها، وكذلك لم تبادر إلى استنباط مرجعيات جديدة وأصيلة نابعة من رحم الواقع العربي، وهو ما أدى إلى غلبة المقاربة الوصفية، وهيمنة الأسلوب الإنشائي الخطابي، والانسياق وراء التعميمات، واختزال البحث في الإعلام في الدراسة الكمية التي لم تُفْضِ إلى تراكمات متواصلة ومعارف نظرية تؤسس لشرعية العلم.

ورصد الدكتور سعد سلمان المشهداني، أستاذ الصحافة في قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة تكريت، أهم مشكلات الدرس الأكاديمي العربي، ولاحظ عدم وضوح العلاقة بين الإطار النظري والجانب التطبيقي للبحث. كما أن هذا الدرس يعاني التعقيد في المعلومات المتعلقة بالبحث الإعلامي، وحل المشكلات المنهجية التي تعترض البحث، لاسيما ضبط متغيرات البحث، ومجاله التطبيقي، والجهاز المفاهيمي والتحكم في استعمالاته. وأشار الدكتور المشهداني إلى قصور الدرس الأكاديمي عن الربط الوثيق بين احتياجات البحث والمجتمع بشكل عام ومتطلبات سوق العمل. كما لا يزال هذا الدرس قاصرًا عن استيعاب الاتجاهات الحديثة في مجال محتوى الدراسات الصحفية والمعرفة الإعلامية، والدراسات الصحفية الدولية المقارنة، والدراسات الجديدة في وضع بحوث الأجندة. ومما لاحظه الدكتور المشهداني أيضًا أن قدرة الأستاذ الجامعي في الدرس الأكاديمي لا تزال قاصرة عن تطوير قدرات الطالب في اختيار موضوع جديد للدراسة والخطة المناسبة له.

(الجزيرة)

 المتحدثون في الجلسة الأولى من اليمين: محمد نجيب الصرايرة، مي العبد الله، يوسف تمار، الصادق رابح، سعد المشهداني، وأدارها المذيع بقناة الجزيرة مباشر، مصطفى عاشور. 

أخلاقيات البحث العلمي في حقل الإعلام والاتصال

ناقش الدكتور لقاء مكي، باحث أول بمركز الجزيرة للدراسات ومدير تحرير مجلة لباب للدراسات الاستراتيجية والإعلامية، في مداخلته خلال الجلسة الثانية من أعمال المؤتمر، قضية التحكيم العلمي ومشكلاته، وبيَّن أن التحكيم عملية مهمة لتقويم البحوث العلمية لضمان مصداقيتها وتجنبًا للتشكيك في صلاحيتها. ورغم اعتماد المعاهد والمجلات العملية على السرية من أجل ضمان الموضوعية في التحكيم، إلا أن هذه العملية تشهد مشاكل كبيرة بعضها لا يرتبط بالمؤسسة، سواء كانت جامعية أو مجلة علمية، كما لا ترتبط بالأشخاص، وإنما ترتبط بالسياق العام الذي يعمل فيه الباحثون أو المحكَّمون. وتتجلى أبرز المشكلات التي رصدها الدكتور لقاء مكي في عملية التحكيم في الافتقار لمنهج تقويمي موحد يمكن اعتماده أسلوبًا في عملية التقويم؛ لأن الباحثين لا يُدرَّبون في المؤسسات الأكاديمية على هذه العملية، مما يجعل التحكيم يخضع إلى المعايير التي يضعها المُحكَّم بنفسه أو من خلال فهمه لعملية التحكيم.

وأشار الدكتور مكي إلى ندرة التخصصات وصعوبة العثور على محكَّمين متخصصين في فروع الإعلام المختلفة، فضلًا عن التفريط في بعض مسؤوليات المُحكَّم الذي يقدِّم أحيانًا انطباعات وآراء سريعة وليست ذات أهمية، وفي بعض الأحيان يكون هناك إفراط وتشدد في عملية التحكيم رغم إمكانية إدخال التعديل على البحث وسهولة تصويب الملاحظات التي لا تمس جوهره. ودعا الدكتور مكي إلى وضع معايير أساسية لتحكيم البحوث والدراسات، ووضع قواعد استرشادية عامة لعملية التحكيم العلمي، وأن تكون هناك دورة واحدة على الأقل خلال المسار الأكاديمي للأستاذ الجامعي في مجال التحكيم حتى يكون مؤهلًا لهذه المهمة العلمية.

ومن جانبه، بيَّن الدكتور عبد الكريم الدبيسي، أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الشرق الأوسط بالأردن، في مداخلته التي تناول فيها البحوث الجامعية والاعتبارات الأخلاقية للبحث العلمي ومأسسة ضمان الجودة، أن ضعف أخلاقيات البحث العلمي له تأثيرات سلبية على المستوى الفردي والجمعي وأيضًا على مستوى جودة البحث العلمي. وأعاد التذكير بأخلاقيات البحث العلمي التي تُمثِّل مجموعة المبادئ والقيم والمعايير وقواعد السلوك التي يجب أن يلتزم بها الباحث في عملية البحث، ومنها: الأمانة العلمية، والموضوعية، والحياد، والمصداقية، والتوازن، والنزاهة العلمية، والدقة في جمع المعلومات والصدق في نقلها، وعدم تزوير البيانات، والتواضع العلمي في طرح الأفكار ونقد الآخرين.

وأكد الدكتور الدبيسي أن الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي له دور في ضمان جودة التعليم ومخرجاته، وهو ما يؤدي إلى العدالة وتراجع الممارسات غير المنصفة في إجراءات الترقية، كما يؤدي الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي إلى التنافس الشريف بين أعضاء الهيئة التدريسية. ولاحظ ظهور بعض الإشكاليات في الممارسة البحثية بالمنطقة العربية، مثل سرقة البحوث واستلالها من متونها الأصلية، والمتاجرة وشراء البحوث وأطروحات الدكتوراه، بل هناك إعلانات خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي تروِّج خدماتها بشأن إعداد البحوث والدكتوراه، وهو ما يستلزم وضع أطر قانونية لمعالجة المتاجرين في هذا المجال من أجل وضع حدٍّ لتدهور البحث العلمي، ثم تفعيل الدور الرقابي والمساءلة في قضية النزاهة والأمانة العلمية، وصياغة ميثاق موحد لأخلاقيات البحث العلمي في مجال الإعلام والاتصال.

وتناولت الدكتورة فاطمة الصمادي، باحث أول بمركز الجزيرة للدراسات، في ورقتها البحثية، مظاهر الفقر المنهجي والنظري في بحوث الإعلام والاتصال من خلال عينة لـ"برنامج زمالة الجزيرة"، ولاحظت أن المشكلة الرئيسية في هذه البحوث -رغم حسن اختيار الموضوع البحثي- تتمثَّل في الصعوبات التي تواجه الباحث في بناء السؤال الإشكالي وفرضية البحث ومجتمع الدراسة، واعتماد البناء النظري المناسب لمقاربة المشكلة البحثية. كما أن الباحث يقفز إلى النتائج مباشرة، وهو ما اعتبرته الدكتور الصمادي إشكالية منهجية كبيرة تضاف إلى ضعف القدرة في دراسة الظواهر ذات البعد الزمني الواسع (الدراسات التتبعية)، والضعف في الأساليب البحثية الحديثة، ومراكمة المعلومات دون القدرة على بناء نموذج نقدي لتمييزها، لذلك يحتاج الباحث إلى التدريب على بناء نموذج نظري يأخذ بعين الاعتبار السياقات الحاكمة للحالة موضع الدراسة.

وتحدث جمال زرن، أستاذ الإعلام بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار بجامعة منوبة تونس، في مداخلته التي تناولت مشكلات المجلات الإلكترونية لبحوث الإعلام والاتصال، عن الزمن الأكاديمي البحثي الجديد في سياق البيئة الرقمية، والذي يختلف عن الزمن في منصات النشر الورقي (بحث، تحكيم، نشر)؛ إذ يسمح الزمن الأكاديمي الجديد بنشر نتائج البحوث، وإزالة الحدود بين عملية البحث والاطلاع على نتائج الدراسة، كما يمكِّن هذا الزمن من تشبيك الباحثين. وفي هذا الزمن الأكاديمي الجديد هناك مقروئية جديدة تختلف عن المقروئية التقليدية، والسرعة في النشر، لكن هناك تحديات أيضًا تواجه النشر في المجلات الإلكترونية، خاصة غياب الكوادر المتخصصة في الإشراف على المحتوى الإلكتروني لهذه المجلات، وقلَّة التفاعل من قِبَل الأكاديميين الذين يمكنهم المساهمة في تطوير المنتوج البحثي الإعلامي وتحمل المسؤولية للنهوض بهذا الحقل.

(الجزيرة)

المتحدثون في الجلسة الثانية من اليمين: عبد الكريم الدبيسي، فاطمة الصمادي، جمال زرن، لقاء مكي، وأدارها المذيع في قناة الجزيرة مباشر، مصطفى عاشور. 

البيئة الإعلامية الرقمية ودراسات الإعلام

رصد الدكتور نصر الدين لعياضي، أستاذ التعليم العالي بكلية علوم الإعلام والاتصال في جامعة الجزائر، في ورقته البحثية "مناهج البحث في علوم الإعلام والاتصال في السياق الرقمي: بين الخلاف والاختلاف"، خريطتين أساسيتين مستمدتَيْن من مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية، لكنهما تحددان الاستراتيجيات البحثية والتوجهات المنهجية الكبرى لدراسة الظواهر الإعلامية في البيئة الرقمية انطلاقًا من عينة ميسَّرة شملت مئة دراسة وبحث منشور في مجلات علمية دولية محكَّمة صادرة عن مراكز وهيئات بحثية أجنبية. وكانت الخريطة الأولى قد وضعتها الباحثة في علم الاجتماع، نورتجي ماريس (Noortje Marres)، وتشمل: المناهج التقليدية أو المألوفة، والمناهج الحاسوبية أو الكبرى، والمناهج الافتراضية، والمناهج الرقمية.  

أما الخريطة الثانية -بحسب الدكتور لعياضي- فصاغها الباحثان، سارج برولكس (Serge Proulx) وجليان رويف (Julien Rueff)، وتضمنت أربعة نماذج مثالية للمقاربات البحثية الكبرى، وهي: مناهج توافقية وتتوزع إلى صنفين: كمية وكيفية، ثم هناك المناهج الإثنوغرافية عبر الخط، والمناهج الحاسوبية المطبقة على البيانات الكبرى، والمناهج الرقمية الكمية-الكيفية، أي مناهج مختلطة.

وأكدت الدكتورة أسماء ملكاوي، أستاذ باحث مساعد في المجتمعات الرقمية بمركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، في مداخلتها التي ناقشت فيها الشبكات الاجتماعية ومناهج البحث العلمي، خلال الجلسة الثالثة، أن هناك تغيرًا في الواقع وفي بنية المجتمعات؛ الأمر الذي يتطلب تغيرًا في فهم وتفسير ديناميتهما، خاصة في ظل المرحلة الراهنة التي تتميز بالرقمنة والحداثة السائلة. ولاحظت أن الغالبية العظمى من الدراسات العربية تتعامل مع البيئة الرقمية (وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الاجتماعي) باعتبارها موضوعات، بينما يفترض أن تكون منهجًا للبحث، وهو ما يقوم به منهج تحليل الشبكات الاجتماعية الذي نتج عنه بالتعاون بين علماء الاجتماع والاتصال ومهندسي الحاسوب برامج، مثل برنامج (NodeXL)، تُمكِّن الباحثين من جمع وتحليل وتصوير وتوثيق وفهرسة بيانات الإعلام الرقمي في القضايا المختلفة.

وبيَّنت الدكتورة ملكاوي أن دراسة الشبكات الاجتماعية وتحليلها يستهدف دراسة قوى التأثير والحراك الاجتماعي، كما تعتبر الشبكات أساس تشكيل الاتجاهات والآراء وأفعال الأفراد والمؤسسات والمجتمعات. وأوضحت أن منهجية تحليل الشبكات الاجتماعية تساعد في الإجابة على عدد من التساؤلات: كيف تناول المستخدمون لمواقع التواصل خبرًا ما أو حدثًا أو قضية ما؟ وما شكل الشبكة التي تكوَّنت أثناء تواصلهم؟ وما المجموعات التي تكوَّنت داخل الشبكة؟ ومن الأشخاص المُؤثِّرون في قضية البحث؟ وكيف أسهمت الشبكات في التأثير على الرأي العام المحلي والدولي؟ وكيف يمكن المقارنة في تناول قضية ما عبر الزمان والجغرافية والثقافات؟ ما الأخبار الزائفة التي تكوَّنت حول قضية ما؟ وما مصدرها؟ وكيف تتشكَّل الشبكات وتنتهي حول حدث ما؟

وفي مداخلته بعنوان "البيئة الإعلامية الرقمية والبراديغمات التقليدية لحقل الإعلام والاتصال"، أكد كمال حميدو، رئيس قسم الإعلام بجامعة قطر، أن البراديغمات القديمة لا تزال تهيمن في مجال دراسة الظواهر الإعلامية الجديدة، مشيرًا إلى نتائج دراسة أعدتها الدكتورة عايدة السخاوي في العام 2019 على عينة شملت 67 بحثًا نُشرت بين عامي (2015-2019)، ومن أهم ما ورد فيها أن البراديغمات التقليدية ما زالت حاضرة بقوة في البيئة الرقمية، ومن ثم لا يمكن الحكم على البراديغمات القديمة، لأن البيئة الرقمية في طور التطور ولم تبلغ مرحلة مستقرة بعد. كما أن هناك مؤشرات قوية لعودة الدراسات النقدية، كما أن براديغم التأثير سيظل استخدامه مستمرًّا ما بقي تأثير الإعلام موجودًا أيًّا كان شكله وأيًّا كانت وسائل التفاعل.

ولاحظ الدكتور حميدو أن هناك خمسة معالم أساسية تطبع حقل الإعلام في ظل الثورة التكنولوجية:

- لم تُحْدِث البيئة الرقمية ثورة على البراديغمات القديمة، لأنها تتضمن فعليًّا من أطرًا تحليلية تغطي الظاهرة الإعلامية بكافة مستوياتها.

- بعض البراديغمات التي دخلت في سبات لفترة طويلة ستعود بقوة بسمات جديدة تضفي عليها شيئًا من الحداثة، مثل براديغم الحتمية التكنولوجية، والبراديغم السيبرنطيقي، ودراسة الحشود الافتراضية.

- لم تُحْدِث التغيرات الجارية ثورة على مستوى البراديغمات التحليلية نفسها بقدر ما سيتجلى أثرها على المستوى المنهجي الأداتي عبر بروز أدوات تحليلية جديدة تكون محوسبة.

- سيستمر التيار النقدي في انتقاد تشيئة وسلعنة المنتج الثقافي الشبكي والتشكيك في حيادية الإنترنت.

- البراديغمات القديمة ستعيد إنتاج نفسها في البيئة الرقمية الجديدة.

وبيَّن الدكتور معتصم بابكر مصطفى، استشاري إعلام بمركز الدراسات الاستراتيجية في قطر، في ورقته البحثية بعنوان "بحوث الاتصال في العالم العربي وفاعليتها في إثراء المعرفة الإعلامية النظرية"، أن المكتبة العربية تعاني قصورًا في مجال التنظير الإعلامي والاتصالي، باستثناء بعض الأعمال البحثية التي يمكن أن تشكِّل لبنة أساسية من أجل الانطلاق نحو إنجاز دراسات معمقة، خصوصًا في ظل تزايد أهمية الوسيلة مقابل الرسالة، مشيرًا إلى أن البحث العربي في مجال علوم الاتصال يواجه العديد من الإشكاليات التي تتعلق باختيار الموضوعات والمناهج والأدوات البحثية. وأرجع الدكتور بابكر أسباب القصور والإشكاليات إلى قلَّة المبادرات التي تسعى إلى إثراء المجال الإبستمولوجي في مجال علوم الإعلام والاتصال؛ إذ إن معظم بحوث الاتصال في المنطقة العربية يهدف إلى الترقي الوظيفي والأكاديمي وليس الإضافة المعرفية للعلم أو التخصص، فضلًا عن غياب مؤسسة أو جسم على المستوى العربي يهتم بتطوير الجانب المعرفي في هذا المجال ويتبنى إجراء البحوث والدراسات التي تتسم بالدقة والمصداقية والموضوعية ويعمل على تمويلها بشكل جماعي، إضافة إلى ذلك هناك شبه قطيعة بين المهني والأكاديمي في الحقل الإعلامي والاتصالي العربي.

ولاحظ الدكتور بابكر أن التنظير والبحث والدرس الأكاديمي العربي في علوم الإعلام والاتصال، اعتمد -ولا يزال- على الترجمة والنقل الحرفي للمعرفة الغربية في هذا التخصص، وتحتاج مخرجات هذه الترجمة للتحليل والنقد والإضافة التي تقود إلى التجديد والإبداع. كما نبَّه إلى ضرورة مواكبة الدرس الأكاديمي العربي للذكاء الاصطناعي وإدراج ذلك في مناهج كليات ومعاهد وأقسام الإعلام بالجامعات العربية؛ حيث يُعد الذكاء الاصطناعي من الابتكارات التي ستُنْهِي -بحسب بابكر- منهجية البحث العلمي بصيغتها الحالية. لذلك، لابد من وضع فلسفة جديدة مختلفة للدرس الأكاديمي الإعلامي العربي تقوم على الاستفادة من التقنيات المصاحبة للثورة الصناعية الرابعة "إذا أردنا مساهمة البحث العلمي الإعلامي العربي في إثراء المعرفة والتنظير في علوم الإعلام والاتصال".

وأبرزت الدكتورة فاطمة الزهراء السيد، أستاذ مشارك بقسم الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، في مداخلتها البحثية التي تناولت "استطلاعات الرأي العام ومشاكلها في البيئة الرقمية"، أن الاستطلاع الافتراضي أداة تضاف إلى قائمة من الاستطلاعات الافتراضية وشبه الافتراضية، مثل الاستطلاع عبر الهاتف أو الاستطلاع عبر البريد الإلكتروني، أو الاستطلاع عبر الإنترنت بشكل عام. ولأن الآلة تدخلت في المنتصف بين المستطلِع والمستطلَع رأيه فقد سلَّم الاستطلاع بنتائجه ومناهجه لأحكام الآلة وخصائصها. لذلك ترى الدكتورة فاطمة الزهراء أن بناء الاستطلاع يحتاج إلى الاهتمام بتصميم واجهة تتوافر فيها سمات خاصة تمكِّن المستطلَع من قراءة الاستطلاع بشكل صحيح، وتركز على ما سيراه المستخدم، وأن تكون الأسئلة منضبطة مع مراعاة التوازن في بنائها، وهو التحدي الذي يواجهه بناء الأسئلة في الاستطلاعات الافتراضية، لاسيما في ظل استعجال المستخدم ورغبته في إنهاء قراءة الاستبانة بأقصى سرعة ممكنة.

كما تواجه الاستطلاعات الافتراضية مشكلة الوصول إلى العينة في البيئة الرقمية، خاصة أن الفئة الواسعة اليوم التي تستخدم شبكة الإنترنت من الشباب في المدن والحواضر، بينما قد يكون الموضوع الذي يعالجه الاستطلاع يتناول شريحة اجتماعية في الهوامش، أو في المناطق النائية، أو كبار السن، أو فئة اجتماعية ليس لها اتصال بالإنترنت، وهذا ما يثير إشكالية التحيز الأداتي. وتشير الدكتورة فاطمة الزهراء إلى مشكلة أخرى تتعلق باحتمالات التزييف والتزوير التي ترافق عملية إجراء الاستطلاع التي قد تجري عبر الدخول من حسابات مختلفة أو أجهزة مختلفة، إضافة إلى مشكلة التربح من الاستطلاعات؛ إذ تعرض بعض المواقع مقابلًا ماديًّا للمشاركة في الاستطلاع، وقد لا يكون هؤلاء مستهدفين ولا جزءًا من العينة. فضلًا عن ذلك هناك مشكلة التحليل والتفسير؛ حيث يمكن أن يعتمد هذا التحليل على ظاهر النتائج وليس جوهرها كما حصل في انتخابات الرئاسة الأميركية، عام 2016، فقد كان المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، متفوقًا على المرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون، في مؤشرات الاقتصاد والأمن والإرهاب، وتحدد هذه المؤشرات بشكل كبير من سيصل إلى البيت الأبيض، بينما ركزت بعض الاستطلاعات على مؤشرات غير حاسمة. وتستمر مشاكل الاستطلاعات الافتراضية حتى بعد نشر النتائج؛ إذ لا توجد أية جهة تحاسب المؤسسات التي قامت بالاستطلاع في حال كان هناك تزوير أو تزييف للحقائق.

(الجزيرة)

المتحدثون في الجلسة الثالثة من اليمين: أسماء ملكاوي، نصر الدين لعياضي، فاطمة الزهراء السيد، معتصم بابكر، كمال حميدو، وأدارها المذيع في قناة الجزيرة مباشر، سالم المحروقي. 

 

تطوير البحث العلمي في حقل الإعلام والاتصال

استهل الدكتور جريس صدقة، أستاذ في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، مداخلته البحثية، التي كانت بعنوان "مداخل تطوير البحث العلمي في بحوث الإعلام والاتصال"، بالحديث عن المشكلات الأساسية في حقل الإعلام، ولاحظ أن العمل البحثي في الجامعات العربية يغلب عليه الطابع الفردي ويهدف إلى الترقي وذلك في غياب بنى تحتية في هذه الجامعات أو في المراكز البحثية، فضلًا عن غياب مؤسسات داعمة للبحث العلمي، ويظل هذا العمل مشتتًا ومحصورًا غير معروف ولا يسهم في تراكم معرفي لتطوير هذا العلم. ودعا الدكتور صدقة لمعالجة هذه المشكلات إلى بناء شبكة بحثية عربية في علوم الإعلام والاتصال لتخطي التشرذم الحاصل، وهذا يتطلب خطوات، منها:

- ربط المختبرات المتخصصة في الجامعات.

- ربط كليات الإعلام والتبادل الثقافي والبحثي.

- ربط الباحثين والمجموعات البحثية ومعاهد الدكتوراه.

- ربط الجامعات العربية بالباحثين الأجانب.

- توحيد المصطلحات المعرفية واللغوية والتعريف بالمنشورات والمجلات.

وركزت الدكتورة مُنية عبيدي، أستاذة جامعية وباحثة في التحليل النقدي للخطاب بجامعة منوبة في تونس، في ورقتها البحثية على "آليات توجيه الباحثين لاستخدام المنهج العلمي في بحوث الإعلام والاتصال"، ولاحظت أن واقع الجامعات في كثير من الدول العربية لا يستجيب لمقتضيات المناهج الحديثة، والبنيات التحتية الضرورية، حيث لا تتوفر بعض الدول على مختبرات متخصصة ومكتبات إلكترونية. وفي المجال البحثي التطبيقي، ترى الدكتورة عبيدي أن هناك مراحل منهجية تجب مراعاتها لإنجاز بحث علمي، لاسيما الاهتمام بالمقاربات التي تتضافر فيها عدة مداخل نظرية للوصول إلى نتائج أقرب ما تكون إلى الصحة، وذلك للتغلب على المشكلة التي تواجهها البحوث العلمية في البلدان العربية، والتي تتمثَّل في استعجال صياغة الاستنتاجات مباشرة بعد جمع المعلومات.

ونبَّهت الدكتورة عبيدي إلى ضرورة اعتماد طرق جديدة في عملية البحث العلمي، خاصة إثر الانتشار السريع للمنصات والشبكات الاجتماعية، حيث تغيَّر وجه الإعلام في العالم، وهو ما يسميه البعض بـ"التسونامي الرقمي"، مما يدعو إلى إعادة النظر في هيكلة كثير من المجالات في الصحافة وعلوم الإخبار، حيث أصبح الرقمي خلفية علمية وأساسية لمجالات المعلومات والاتصال، وساعد على إظهار الينابيع الثقافية والتوجهات السياسية والاقتصادية للظواهر الإعلامية المدروسة من خلال تسهيل الملاحظة والإعداد والتصنيف وكشف استراتيجيات الخطاب والبحث في المضمرات...إلخ. لذلك، لابد من إدماج التكنولوجيات الحديثة في برامج المؤسسات التي تعنى بالإعلام. وشددت الدكتورة عبيدي على أهمية استغلال هذا "التسونامي الرقمي" في البحث العلمي وتحويله إلى ثقافة يعتمدها الباحث عبر الممارسة البحثية اليومية. وقدَّمت خريطة لمراحل البحث التي يحتاج إليها الباحث تنطلق أولًا من اختيار الموضوع الذي يجب أن يخضع لشروط موضوعية تتعلق براهنية البحث، ثم الملاحظة التي تُعد أولى خطوات البحث العلمي، ثم تموضع الباحث أمام بحثه، حيث يتعرَّف على موضعه بالنسبة إلى المباحث التي يتناولها في الدراسة، وهو نوع من الوعي المبكر بالعلاقة التي ستربط الباحث بموضوع البحث واستشراف الصعوبات والتحديات. كما أن الباحث يكون مطالبًا في إطار هذه المراحل بوضع خطة أو مخطط عمل يحدد فيه الخطوات التي سيتبعها في إنجازه، وتشمل ضبط المدونة، وصياغة إشكالية الموضوع قبل البدء في البحث ثم تقسيمها إلى إشكاليات صغرى، ثم جمع المعلومات والبيانات، وتحليلها ومقاربة أبعادها، وصياغة النتائج.

وأشارت الدكتورة منال المزاهرة، أستاذ مشارك بكلية الإعلام بجامعة البترا في الأردن، في ورقتها البحثية خلال الجلسة الرابعة، إلى أن البيئة الإعلامية الرقمية الجديدة ليست ظاهرة عابرة، وإنما هي كيان موجود وفرض نفسه بقوة، وأوجد الكثير من الممارسات الإعلامية، وطرح إشكاليات منهجية ونظرية مسَّت جميع القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية. وفي المقابل، هناك قصور في البحث العلمي والبحث الإعلامي بشكل خاص في المنطقة العربية، حيث إن نشاطات البحث العلمي لا تتعدى 5% لأعضاء الهيئة التدريسية مقارنة بنشاطات البحث العلمي في الدول المتقدمة والتي بلغت 33%. كما أن وظيفة البحث العلمي في الجامعات العربية لا تحظى بالأولوية، إضافة إلى ضعف حركة التبادل العلمي والثقافي، فضلًا عن تدني الميزانية المخصصة للبحث العلمي في معظم الدول العربية والتي لا تتعدى 1% من الدخل الوطني.

وفي سياق رصد المشكلات المنهجية التي تواجه بحوث الإعلام في المنطقة العربية، لاحظت الدكتورة المزاهرة أن هناك تغيرًا واختلافًا بين شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية من حيث التفاعل بين مكونات ومتغيرات الظاهرة الإعلامية، وبالتالي هناك صعوبة في تفسير هذه الظواهر بالاستناد إلى نفس العوامل المؤثرة التي كانت تستخدم في الوسائل التقليدية. كما أشارت المزاهرة إلى إشكالية اختيار موضوعات البحوث التي لا تستند إلى قواعد وأسس منهجية متعارف عليها وتساعد على الضبط الدقيق لعناصر البحث وكيفية بناء الإشكالية بسبب غياب أطر وقوالب تساعد على بنائها والافتقار إلى القراءة المتعمقة والدقيقة للدراسات السابقة. كما أن هناك صعوبات في الإجراءات التطبيقية المتعلقة بكيفية تنزيل المعطيات المنهجية والنظرية في الدراسة التطبيقية. إضافة إلى ذلك، تدور الموضوعات المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي في قضايا محددة ومغلقة، فضلًا عن عدم وجود مناهج حديثة قادرة على التعاطي مع الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي رغم وجود تراكم كمي في دراسة هذه المنصات؛ إذ لم تحقق النتائج المرجوة في البناء النظري وطرح مناهج جديدة. كما أن هذه الدراسات اقتصرت على أدوات محددة في جمع البيانات (الاستبانة والمقابلة...)، وابتعدت عن المناهج السببية والتطورية، وغلب عليها المنهج المسحي والمقارن، واكتفت في كثير من الحالات بتقديم النتائج دون التمكن من تفسيرها وتحليلها وتقديم دلالتها الخاصة.

وتناول الدكتور محمد حمدان، أستاذ التعليم العالي ومدير معهد الصحافة وعلوم الإخبار سابقًا بجامعة منوبة تونس، في مداخلته البحثية، العوامل المؤثرة في تطوير البحث العلمي في حقل الإعلام والاتصال، واعتبر أن وضعية المؤسسة الجامعية المكلفة بالتكوين والبحث في المجال الإعلامي مهمة جدًّا في تحديد الإمكانيات المتاحة لهذه المؤسسة. فعندما تكون المؤسسة كلية فهذا يعني أن لديها ميزانية خاصة بها ومختبرات بحثية وإمكانيات أكثر مما تكون طرفًا أو فرعًا من فروع الجامعة أو الكلية. كما تُعد الهيئة التدريسية عنصرًا فاعلًا في التطوير والتحفير على البحث العلمي.  وكذلك يؤدي النظام الدراسي دورًا مهمًّا في تطوير وتنمية البحث العلمي باعتماد مسارات بحثية وبرامج دراسية مثل الماجستير والدكتوراه، فضلًا عن تنظيم الندوات والمؤتمرات العلمية وتجهيز مختبرات البحث العلمي.

ومن جهته، اعتبر الدكتور محمد القاسمي، أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس بالمغرب، أن الإعلام قوة محركة للحياة الاجتماعية بصفة عامة ويعمل على حركية المجتمع بطريقة تفاعلية، كما أن وسائله ترتبط بالنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي تعمل في ظله، أي إن وسائل الإعلام تختلف وظائفها بناء على طبيعة النظام السياسي الذي يؤطِّر هذا الإعلام أو ينتمي إليه وينشط فيه. ولاحظ الدكتور القاسمي أن التطورات التكنولوجية تؤثر مباشرة في التنظيم الاجتماعي الذي يتأثر هو الآخر إلى حدٍّ كبير بوسائل الإعلام. وبدون فهم عملية التأثير والتأثر بين الإعلام والمجتمع لا نستطيع -بحسب الدكتور القاسمي- فهم التغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تطرأ على المجتمعات. كما أن الوسائل التي يستخدمها المجتمع تحدد طبيعته وتؤثر في الطريقة التي يفكر بها أفراده، وكيف تُعالَج مشاكله.

(الجزيرة)

المتحدثون في الجلسة الرابعة من اليمين: منية عبيدي، جريس صدقة، محمد حمدان، محمد القاسمي، منال المزاهرة، وأدارها المذيع في قناة الجزيرة مباشر، سالم المحروقي.  

خلاصة

أكدت الجلسات الحوارية أهمية موضوع إشكاليات مناهج البحث في علوم الإعلام والاتصال، والذي يستجيب لمشكلات حقيقية تواجه تطور المعرفة الإعلامية ضمن المجال البحثي والدرس الأكاديمي العربي، وهي تمثِّل مجموعة من العوائق الإبستمولوجية التي تخلق حالة من الجمود في هذا الحقل المعرفي، بل وفي محتوى المعرفة الإعلامية ذاتها. ولا يزال النشاط البحثي رغم ضعفه يكرس مقاربات منهجية كلاسيكية يغلب عليها الطابع الوصفي والكمي، ومداخل نظرية اختزالية في دراسة الظواهر والقضايا الإعلامية عبر تدوير واستعادة تصورات فكرية موروثة، وأُطُر نظرية تقليدية تُسهِم في تعميق الفجوة بين نتائج البحث والشروط العلمية المُؤَسِّسَة لفهم وتفسير الظاهرة الإعلامية ودراستها في سياقاتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية. وتتعاظم هذه المشكلات في سياق البيئة الرقمية التي أصبحت أداة وموضوعًا ثم مجالًا بحثيًّا، وقد أسهم ذلك في تجديد موضوعات ومناهج البحث العلمي. ولهذه العوامل مجتمعة، دعا المشاركون في المؤتمر إلى تطوير المعرفة الإعلامية عبر مداخل مختلفة تكوينية ومنهجية وهيكلية تشمل تطوير البنية التحتية للمؤسسات الجامعية وحركة النشر، والتشبيك بين المؤسسات الجامعية العربية، وربط المختبرات المتخصصة في هذه الجامعات، وربط الباحثين والمجموعات البحثية ومعاهد الدكتوراه.