بنية القوة الإيرانية وآفاقها

قياس القوة الإيرانية لابد أن يتبنى منظورًا معينًا لقياس القوة من ناحية، مع الأخذ في الاعتبار نسبية القوة بخاصة قياسًا لقوة الخصوم من ناحية ثانية.
نشرت في: 03/04/2013
2013416103434486734_20.jpg

مقدمة

يمثل قياس القوة لدولة معينة أحد إشكالات دراسة العلاقات الدولية، وقد تعددت المناهج في هذا النطاق، فقد بنى البعض قياسه على متغير واحد (كالمتغير العسكري، أو المتغير الاقتصادي) بينما تم القياس لدى آخرين على أساس تعدد متغيرات القوة (السكان، المساحة، القدرة العسكرية، إجمالي الناتج المحلي، التطور التكنولوجي، الكفاءة الإدارية... إلخ)(1).

وشكّلت دراسة كليفورد جيرمان (Clifford German) عام 1960 محاولة جادة في مجال ضبط قياس القوة للدولة من خلال المعادلة التالية(2): قوة الدولة= القدرات النووية (المساحة + السكان + حجم القاعدة الصناعية + حجم القوة العسكرية).

وقد تمت تجزئة كل متغير من المتغيرات السابقة إلى متغيرات فرعية، وأعطى كل متغير فرعي وزنًا بمقدار ما يُرى له من أهمية في تشكيل المتغير الرئيسي.

أما الباحث فكس (Wilhelm Fucks) فقد وضع معادلة تقوم على قياس القوة على النحو التالي(3): القوة = إنتاج الطاقة (بالكيلو واط) + إنتاج الصلب (بالطن) x الجذر التكعيبي لعدد السكان.

أما ديفيد سنجر (J. David Singer) فقد قدّم نموذجًا للقياس يقوم على المعادلة التالية(4): القوة = نسبة سكان الدولة من العالم + نسبة الحضر إلى سكان الدولة + نسبة إنتاج الدولة من الصلب والحديد إلى العالم + نسبة استهلاك الطاقة في الدولة إلى العالم + نسبة الإنفاق العسكري إلى العالم + نسبة العسكريين إلى عدد السكان÷ 6.

أما بول كينيدي (Paul Kennedy) فقد ربط بين صعود وهبوط القوى العظمى من خلال متغيرين، هما: النمو الاقتصادي والقوة العسكرية(5)، وهو أمر مكّنه من التنبؤ بتراجع المكانة الأميركية منذ حوالي ربع قرن(6).

غير أن كافة هذه المناهج بقيت موضع جدل كبير حتى هذه الساعة، لاسيما أن القوة لا تقاس بالمطلق بل لابد من الأخذ في الاعتبار عددًا من الجوانب مثل(7):

  1. حجم القوة مقاسة من خلال متغيراتها المادية والمعنوية.
  2. فن إدارة القوة، أي الذكاء والرشد في توظيف القوة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب أو أقل قدر من الخسائر، وهو أمر ليس من السهل قياسه.
  3. نتائج القوة، أي أن معيار القوة هو فيما تحققه من نتائج وليس في الكم بالمعنى الرياضي المباشر.

بناء على ما سبق فإن قياس القوة الإيرانية لابد أن يتبنى منظورًا معينًا لقياس القوة من ناحية، مع الأخذ في الاعتبار نسبية القوة بخاصة قياسًا لقوة الخصوم من ناحية ثانية.

متغيرات القوة الإيرانية في إطار المنظور الجيوستراتيجي

من المتعذر قياس متغيرات القوة الإيرانية الخشنة بمعزل عن الإرث التاريخي للتوجهات الإستراتيجية للدولة أو باتجاه المجال الحيوي للدولة، ويمثل المتغير الجغرافي أحد المحددات المهمة للمجال الحيوي للدولة، وبناء عليه يمكن تقسيم الأقاليم السياسية المحيطة بإيران والتي تحدد نزوعها الجيوستراتيجي إلى أربعة أقاليم، هي:

  1. إقليم الهلال الخصيب (العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن).
  2. إقليم القوقاز (أذربيجان وأرمينيا وجورجيا ويمكن إضافة أجزاء من الأناضول).
  3. إقليم آسيا الوسطى (من شرق بحر قزوين وحتى الحدود الصينية الشمالية مضافًا لها أفغانستان).
  4. إقليم الجنوب (جنوب باكستان وجنوب شرق الجزيرة العربية).

وعند رصد النزوع الجيوستراتيجي لإيران خلال الفترة من 3200 ق.م إلى الآن، تبين لنا ما يلي(8):

أولاً
تكرار الجذب الجيوستراتيجي أي عدد المرات التي اتجهت فيها الكيانات السياسية الإيرانية عبر التاريخ للحركة خارج حدودها باتجاه الأقاليم التي ذكرت آنف، أو أنها تعرضت للغزو من هذه الأقاليم، وهنا نجد ما يلي:

  1. أن إقليم القوقاز استحوذ على عدد المرات الأكبر في الانجذاب الجيوستراتيجي لإيران خلال حوالي 5200 سنة، فقد بلغ عدد المرات 15 مرة.
  2. احتل الهلال الخصيب المرتبة الثانية في الجذب الجيوستراتيجي؛ إذ بلغ عدد المرات 13 مرة.
  3. احتلت آسيا الوسطى المرتبة الثالثة بـ10 مرات.
  4. احتل إقليم الجنوب (جنوب باكستان والشواطئ العربية من الخليج) المرتبة الأخيرة بمرتين فقط.

ذلك يعني أن الأقاليم الثلاثة الأولى هي مراكز الجذب التاريخية وبقوة متقاربة نسبيًّا لعدد مرات تكرار الجذب الجيوستراتيجي لكل منها.

ثانيًا
يرتبط الانجذاب نحو إقليم ما بتوزيع موازين القوى بين الأقاليم الثلاثة الأساسية في كل مرحلة تاريخية، فحيثما توجد المناطق الرخوة في مرحلة معينة تتزايد قوة الجذب نحوها، ويمكن أن نوضح ذلك ببعض الأمثلة التوضيحية، فعندما كان الاتحاد السوفيتي في العصر الحديث يسيطر على القوقاز وآسيا الوسطى كان العراق هو نقطة الجذب الجيوستراتيجي لإيران في الفترة البهلوية باعتباره يمثل النقطة الرخوة في البيئة المجاورة لإيران، ولو أخذنا مثالاً ثانيًا كالفترة الممتدة من منتصف القرن السابع الميلادي تقريبًا إلى الربع الأول من القرن العاشر الميلادي (فترة تنامي الدولة الأموية ثم الدولة العباسية الأولى) نجد أن الدويلات الإسلامية التي ظهرت في إيران انجذبت نحو مد نفوذها باتجاه المناطق الرخوة في أفغانستان وآسيا الوسطى وحول بحر قزوين، ولكن مع الثلث الأول من القرن العاشر (مرحلة  بداية تخلخل المركزية العباسية) انضم العراق إلى مناطق الجذب، وهو ما يتضح في سلوك الدولة البويهية، وهكذا يمكن ملاحظة هذه القاعدة في كل الفترات الأخرى تقريبًا.

بالمقابل ترى دراسة متخصصة(9)، أن مراجعة التاريخ الإيراني تشير إلى أن إيران تعتمد في مصالحها الحيوية على شرقها أكثر من غربها منذ غزو أحشورس الأول (Xerxes) لليونان عام 480 ق.م، كما شكّل طريق الحرير منذ 200ق.م إلى 1500م أهم طريق تجاري يربط الصين والهند وبلاد الرافدين، أما اتجاه الغرب، فقد غزت الجيوش العراق قادمة من جهة إيران سبع مرات، وتخلص هذه الدراسة إلى أن مستقبل إيران يعتمد على الجوار الشرقي لها أكثر من اعتماده على الجوار الغربي، وتستدل الدراسة على ذلك ببعض المؤشرات في الفترة المعاصرة، منها:

  1. حضور إيران كمراقب في منظمة تعاون شنغهاي، بينما لم تقبل دول الخليج انضمام إيران لها في أي إطار تنظيمي.
  2. إكمال خط أنابيب نفط عبر كازاخستان إلى الحدود الصينية بدأ عام 2006؛ مما سيجعل الصين طرفًا فاعلاً في سياسات المنطقة.
  3. أن المكاسب المترتبة على العلاقة مع الشرق تفوق المكاسب المترتبة على العلاقة مع الغرب.
  4. أن التوجه نحو الغرب (الهلال الخصيب والجزيرة العربية) سيقود لصراع مع إسرائيل لا فائدة منه لإيران، كما ان الصراع السني-الشيعي لن يعود بدوره على إيران بأية فوائد إستراتيجية بل سيغرقها في صراعات جانبية.

ومع أن هذه النظرية تتفق مع النتائج العامة التي توصلنا لها، غير أننا نرى أن نقطة ضعفها تكمن في عدم أخذ قضية "النقطة الرخوة" في الاعتبار، لأن هذه القضية هي التي تحدد وجهة الجذب الإستراتيجي لإيران مستقبلاً.

ثالثًا
بناء على ما سبق، يمكن وضع فرضية مستقبلية تقوم على الأساس التالي: أن المرحلة الحالية وخلال العقد القادم تقريبًا (حتى 2020) تشير إلى أن إقليمي القوقاز وآسيا الوسطى لن يشكّلا نقطة الجذب الجيوستراتيجية المركزية لإيران رغم تشكيل منظمة شنغهاي، وتنامي التنافس على طرق عبور أنابيب النفط عبر القوقاز. أما المنطقة التي تمثل مكسبًا كبيرًا لإيران من ناحية، ونقطة تهديد من ناحية أخرى فهي العراق، نظرًا لأن قدرة العراق على التهديد لا تزال في نطاق الاحتمال، ولكن العراق الضعيف حاليًا يمثل نقطة إغراء لتوسيع النفوذ لاسيما بعد انسحاب القوات الأميركية منه إلى جانب قوة التيارات السياسية الحاكمة في العراق والتي تعد الأكثر تناغمًا في توجهاتها مع السياسة الإيرانية، إلى جانب أن العراق هو الجسر الواصل بين إيران وعمقها الإستراتيجي في سوريا ولبنان.

مقومات القوة الخشنة

إن سرد المؤشرات الكمية لقوة دولة ليس له قيمة إذا لم يكن في نطاق المقارنة مع القوى التي تتنافس معها، ومن الواضح أن منطقة الشرق الأوسط تضم خمسة أطراف مؤهلة للتنافس على مكانة الدولة المركز أو القطب الإقليمي، وهي: إيران ومصر وتركيا وإسرائيل والسعودية.

واستنادًا لمؤشرات القوة المختلفة لكل من هذه الدول توصلنا لتركيب الجدول التالي(10):

متغير القوة

   إيران

    مصر

   تركيا

   السعودية

  إسرائيل

 

عالميًا

إقليميًا

عالميًا

إقليميًا

عالميًا

إقليميًا

عالميًا

إقليميًا

عالميًا

إقليميًا

عدد السكان

13

1

15

2

16

3

33

4

97

5

الإنتاج الزراعي

41

2

27

1

55

4

78

5

50

3

التنمية البشرية

94

4

112

5

84

3

61

2

23

1

المساحة

20

2

31

3

38

4

15

1

153

5

الناتج المحلي

18

2

27

4

17

1

24

3

52

5

معدل النمو الاقتصادي

137

(2.5)

4

179

(1.2)

5

29

(6.6)

1

30

(6.5)

2

83

(4.8)

3

الإنفاق العسكري

25

(2.5)

5

41

(3.4)

4

15

(5.3)

3

7

(10)

1

17

(7.3)

2

القوة العسكرية(11)

13

3

16

4

6

1

26

5

10

2

بحوث العلوم التطبيقية

31

3

40

4

21

1

50

5

22

2

الجدول رقم(1): مقارنة متغيرات القوة بين القوى الخمس المركزية في الشرق الأوسط.
 
فإذا افترضنا أن الوزن النسبي للمؤشرات المستخدمة في قياس القوة متساوية، فإن نتائج القياس تشير إلى ان ترتيب القوى في الشرق الأوسط هو على النحو التالي: (مراجعة الأرقام التالية، وهل هي تنازلية أم تصاعدية)
  • القوة الأولى: تركيا بمعدل رتبة إقليمية هو 2.33.
  • القوة الثانية: إيران بمعدل رتبة إقليمية هو 2.88.
  • القوة الثالثة: كل من إسرائيل والسعودية بمعدل رتبة إقليمية متساو هو 3.11.
  • القوة الأخيرة: مصر بمعدل رتبة إقليمية هو 3.55.

غير أن إضافة مؤشر "عدم الاستقرار" من خلال قياس 15 مؤشرًا فرعيًا له(12)، يشير إلى أن كلاً من إيران والسعودية تعرفان زيادة كبيرة في مؤشرات عدم الاستقرار منذ 2007، بينما تعرف مصر وتركيا زيادة أقل في نسبة مؤشرات عدم الاستقرار، رغم أن تركيا هي الأكثر من حيث عدم الاستقرار في دول الشرق الأوسط، فقد أظهر القياس النتائج التالية:

الدولة

مؤشر عدم الاستقرار عام  2007 (13)

مؤشر عدم الاستقرار حتى نهاية 2010

قيمة التغير

تركيا

5.7

6.8

1.1

إيران

نبذة عن الكاتب