النموذج السياسي الماليزي وإدارة الاختلاف

يحاول هذا التقرير فهم النظام السياسي الماليزي وخلفيات نجاحه النسبي، لاسيما على صعيد البنية السياسية والنظام الانتخابي، والعقد الاجتماعي والدستور والمواطنة وحقوق الأقليات والطوائف وغيرها، وقد تقدم هذه التجربة حالة يمكن الاهتداء بها، خصوصًا في ضوء التغيرات التي يشهدها العالم العربي.
65f9c6a33adc4590ac1799c0eb2ebb95_18.jpg
النموذج السياسي الماليزي وإدارة الاختلاف (الجزيرة)

نعمت ماليزيا نسبيًا منذ استقلالها وخلال العقود الخمسة الماضية:

  1. بحالة من الاستقرار السياسي، حيث انتظمت الانتخابات الديموقراطية الحرة في مواعيدها، ولم تحدث أية انقلابات.

  2. حالة من التوافق والتعايش العِرقي والديني.

  3. تطور اقتصادي انعكست فوائده على مجمل شرائح المجتمع الماليزي.

  4. استقرار في الأمن الداخلي.

وبالتأكيد، فإن هذه النجاحات لم تكن تخلو من المشاكل والمنغصات، ولكنها كانت على كل حال مما يمكن استيعابه وتجاوزه. وهذا ما جعل ماليزيا في مقدمة الدول الإسلامية ومن أكثر دول العالم الثالث تقدمًا، وتمكنت من تحقيق قفزات هائلة في الاقتصاد التعليم ومحاربة الفقر والبطالة، وفي توفير البنى التحتية والخدمات المتطورة. 

كيف استطاع هذا البلد، الذي كان يعاني شعبه من فقر مدقع تحت الاستعمار البريطاني، ومن ثورة شيوعية، ومن تعقيدات عرقية تهدد بتفجير الوضع بين الملايو والصينيين والهنود، أو من اختلافات دينية تهدد بتفجير الوضع بين المسلمين والبوذيين والهندوس والمسيحيين، أن يحقق تلك النجاحات؟

يحاول هذا التقرير فهم النظام السياسي الماليزي، وخلفيات نجاحه النسبي في إيجاد معادلة متناسبة مع تعقيداته ومشاكله الداخلية:

أولاً: ماليزيا.. التكوين السكاني والديني

تقع ماليزيا في جنوب شرق آسيا. وتبلغ مساحتها 330 ألف كلومترمربع، ومناخها استوائي دائم الأمطار والحرارة على مدار السنة، وتغطي الغابات والأدغال نحو 68% من مساحتها الكلية. وتتمتع بثروات طبيعية من القصدير والنفط والغاز والأخشاب والنحاس والبوكسايت.(1)

تتميز ماليزيا بتعدد أجناسها وأديانها، غير أن هناك ثلاث فئات عِرقية كبيرة، هي الملايو والصينيون والهنود. وعندما استقلت سنة 1957، كان التقسيم العرقي في شبه جزيرة الملايو يشير إلى أن الملايو حوالي 50% من السكان، بينما يشكِّل الصينيون 37%، والهنود 12% (2) وقد رفع انضمام ولايتي صباح وسرواك إلى الاتحاد الماليزي سنة 1963 إلى حدٍّ ما من نسبة الملايو، كما زادت نسبتهم مع الزمن بسبب ارتفاع نسبة التكاثر مقارنة بغيرهم.

بلغ عدد سكان ماليزيا سنة 2010 حوالي 28 مليونًا و334 ألفًا، وتشير الإحصائيات إلى أن عدد من يحملون الجنسية الماليزية قد بلغ 26 مليونًا؛ حيث بلغت نسبة ما يُعرَف بأبناء البلد Bumiputra من بينهم 67.4% (وأغلبيتهم الساحقة من الملايو)، بينما بلغت نسبة الصينيين 24.6%، والهنود 7.3%، والآخرين 0.8%؛ أما المقيمون من غير الماليزيين فيبلغ عددهم 2.321 مليونين وثلاثمائة وواحد وعشرين ألفًا أي بنسبة 8.2% من العدد الكلي للسكان(3).

الملايو هي أكبر المجموعات العِرقية وأكثرها تجانسًا، فكلهم مسلمون، وكلهم يتحدثون اللغة الملايوية أو الماليزية   (4) Bahasa Malaysia. ويشكّل الصينيون ثاني أكبر المجموعات العرقية في ماليزيا، ويتميز الصينيون بالنشاط والقدرة على التنظيم والعمل المتواصل، ويتركزون في المدن. وقد أسهمت قوة العلاقات الداخلية الاجتماعية بين الصينيين ودعمهم لبعضهم بعضًا، والجمعيات السرية الناشطة في أوساطهم، في تحسين أوضاعهم المادية وفي سيطرتهم على معظم الأعمال التجارية الصغيرة والمتوسطة، وعلى العديد من القطاعات الاقتصادية بما في ذلك البنوك وشركات التأمين ومناجم القصدير... وغيرها(5). أما الهنود فمعظمهم من التاميل Tamil الذين قدموا من جنوب الهند(6).

ويشكِّل المسلمون، حسب آخر إحصاء رسمي تمّ سنة 2000، ما نسبته 60.4% من السكان، أما البوذيون فغالبيتهم الساحقة من الصينيين ويشكِّلون 19.2%، وتبلغ نسبة المسيحيين 9.1%، وأغلبهم من الصينيين مع عدد لا بأس به من الهنود. ومعظم الهنود في ماليزيا من أتباع الهندوسية Hindu (نحو 6.3% من مجمل السكان هندوس. وهناك من يتبع أديانًا تقليدية صينية (نحو 2.6% من مجمل السكان) كالكنفوشيوسية Confucianism، والطاوية (Taoism.(7

ثانيًا: قراءة في فلسفة النظام السياسي وعناصر نجاحه

الحكم في ماليزيا ملكي دستوري، ونظام الحكم فيدرالي يجمع 14 ولاية ماليزية، وهناك حكومة فيدرالية مركزية يرأسها رئيس الوزراء، الذي يفوز حزبه في الانتخابات على مستوى الدولة، وهو ذو صلاحيات واسعة، كما أن هناك حكومات محلية للولايات، يرأس كلاً منها رئيس الوزراء الذي يفوز حزبه في الانتخابات على مستوى الولاية. وقد وفّر نظام الحكم مجموعة من الضمانات والإجراءات التي تعطي للدولة صبغة ملايوية، كالملكية ولغة الملايو ودين الدولة الإسلام، وتضمن سيطرة الملايو على الحياة السياسية وعلى الخدمة المدنية، فضلاً عن إعطائهم بعض المزايا الاقتصادية والتعليمية(8).

وقد ضمن نظام الحكم أن يكون الملك Agong من بين سلاطين الملايو التسعة، والذين يحكم كلٌّ منهم، بالوراثة، إحدى الولايات الماليزية (والتي كانت سلطنة قبل الاستقلال). ويقوم مجلس السلاطين باختيار ملك مرة كل خمس سنوات. ولذلك لم يكن غريبًا أن يشهد مهاتير بن محمد، عندما كان رئيسًا للوزراء في الفترة 1981-2003، عهود خمسة ملوك لماليزيا! وسلطات الملك في ماليزيا أقرب إلى سلطات الملك في بريطانيا، فهو يملك ولا يحكم، ويقوم بسلطات رمزية، وفي معظم الأمور يتصرف بناءً على "نصيحة" الحكومة؛ وهو القائد الأعلى للجيش. وقد تمكَّن مهاتير من تقليص صلاحيات السلاطين سنة 1993، عندما تمت الموافقة على رفع الحصانة عنهم، وعلى محاكمتهم قضائيًا في محاكم خاصة في حالة اتهامهم؛ كما قُلِّلت صلاحياتهم في إعطاء العفو الملكي(9).

وفيما يلي أبرز معالم النظام السياسي الماليزي وعناصر نجاحه:

 

1. القيادة السياسية:

 

تهيأ لماليزيا عدد من القيادات السياسية المتميزة منذ الاستقلال وحتى الآن. تميزت هذه القيادات بأنها مثقفة ومتعلمة، وقادرة على العمل لتحقيق المصالح الكلية للدولة، في ضوء استيعاب عميق لتعقيدات الوضع الداخلي وحساسياته، ولمجموعة الحسابات الإقليمية والدولية. وكان من أهم مزايا القيادة الماليزية أنها تعرف ماذا تريد، وأنها لا تبالغ في تقدير الإمكانات المُتاحة، وهي مستعدة للعمل الحثيث التدريجي الهادئ، ولو اتسم أحيانًا بالبطء، فإنه كان يسير في الاتجاه الصحيح.

خلال خمسة وخمسين عامًا (1957-2012) قاد ماليزيا ستة رؤساء وزارة فقط؛ وهو ما يشير إلى حالة الاستقرار النسبي الذي عاشته ماليزيا. وعلى الأغلب فقد كان كل رئيس وزراء هو الشخص الأنسب لمرحلته. كان تنكو عبد الرحمن أول رئيس للوزراء وكان هو بطل الاستقلال. وكان هذا الرجل، الذي تعلم القانون في جامعة أكسفورد في بريطانيا، يدرك أن الاستقلال لن يتحقق إلا بتوافق جميع فئات المجتمع في ماليزيا. ونجح في بناء علاقات وثيقة وتفاهمات مع قيادات الصينيين والهنود اعترف فيها هؤلاء بعدد من المزايا للملايو، في مقابل اعتراف الملايو بحقوق المواطنة الكاملة للصينيين والهنود. ونجح تنكو عبد الرحمن في بناء التحالف من الأحزاب الكبرى الثلاث، وهو ما شكَّل أساس فكرة التوافق و"اقتسام الكعكة" بين مختلف الأعراق، وعلى أساس هذه الفكرة ما زال حكم ماليزيا قائمًا. ونجح تنكو عبد الرحمن أن يكون بطلاً للوحدة فتم ضمّ صباح وسراواك وسنغافورة. وعندما شعر أن بقاء سنغافورة سيهدد أسس التوافق الماليزي، اختار طرد سنغافورة في سبيل الحفاظ على التوافق(10).

وفي سنة 1970 صار تون عبد الرزاق بن حسين Tun Abdul Razak bin Hussein رئيسًا للوزراء(11)، في إثر اضطرابات 13/5/1969 التي هزت ماليزيا، وهي اضطرابات عرقية بين الملايو والصينيين أدت إلى مقتل143  من الصينيين و25 من الملايو، وعبّرت عن مدى خوف الملايو على مستقبلهم، في ظل سيطرة الصينيين على الاقتصاد وتزايد نفوذهم السياسي؛ فأعاد تشكيل التركيبة السياسية الماليزية، ووسّع التحالف الحاكم، وشكّل "الجبهة الوطنية"  Barisan National لتشكل قاعدة حكم ائتلافي أكثر صلابة واستقرارًا. واعتبره الكثيرون "بطل التنمية"   (12)؛ حيث وضع ماليزيا على سكة التطور الاقتصادي، فكان وراء إطلاق السياسة الاقتصادية الجديدة New Economic Policy "NEP" التي قدمت رؤية اقتصادية لعشرين سنة تالية (1990-1971)، استهدف من خلالها تحقيق تقدم اقتصادي للجميع، مع تحسين وضع الملايو الذين كانوا يعانون من الفقر مقارنة بالصينيين والهنود، وتوفير صمام أمان للجميع يمنع تكرار اضطرابات (سنة 1969)(13).

وكان قدوم حسين بن عون Hussein bin Onn (ابن أول رئيس لحزب أمنو) استمرارًا لنهج تون عبد الرزاق، ونجح عون في استيعاب مهاتير بن محمد Mahathir bin Mohamed، الذي كان قد طُرد من الحزب وقيادته، إثر أحداث 1969، وجعله نائبًا له ووزيرًا للتربية. ويُعدّ مهاتير بن محمد الذي تولى رئاسة الوزراء لأكثر من 22 عامًا (1981-2003)، "بطل الازدهار" الماليزي، حيث قفزت البلد في عهده قفزات هائلة، خصوصًا في جوانب الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية والخدمات(14). وقدم مهاتير خدمات كبيرة لأبناء قومه من الملايو وأحدث تغييرات مهمة في بنيتهم الاقتصادية والاجتماعية؛ مع الحفاظ على حقوق الأقليات الأخرى. وقدّم مهاتيير رؤية شاملة للوصول بماليزيا إلى مصاف الدول المتقدمة بحلول سنة 2020 "Vision 2020". كما نجح في مواجهة أخطر أزمة اقتصادية مرت بها ماليزيا في تاريخها (سنة 1998)(15).

أما رئيس الوزراء عبد الله أحمد بدوي Abdullah Ahmad Badawi (2009-2003) فقد تابع سياسة سلفه مهاتير، في الوقت الذي حاول أن يؤكد على المهنية والشفافية ومحاربة الفساد، وعمل على تقديم رؤية إسلامية بعنوان "الإسلام الحضاري" ليقدم نموذجًا "للاعتدال"، في مواجهة ما يرى أنه تشدد وتعصب الحزب الإسلامي الذي ينافسه على كسب أصوات الملايو. وجاء نجيب بن تون عبد الرزاق ليكون سادس رئيس للوزراء في سنة 2009، وليتابع سياسة أسلافه.

اتسم التوريث القيادي بين رؤساء الوزراء الستة بالسلاسة، وكان المعتاد أن يُسِّلم رئيس الوزراء إلى نائبه الرئاسةَ مكانه. وانتظمت الانتخابات الديموقراطية في مواعيدها، وهو ما أكسب القيادة السياسية شرعية شعبية. واجه بعض رؤساء الوزراء مشاكل حقيقية واهتزازات كبيرة، لكنهم في كل الأحوال كانوا يتمكنون من الخروج منها وتجاوزها. غير أن السنوات 15 الماضية اتسمت بتحديات أكبر، وببروز معارضة أكثر قوة وتنظيمًا، خصوصًا بعد انضمام نائب رئيس الوزراء السابق أنور إبراهيم للمعارضة، مع تراجع لمستوى أداء آخر رئيسي وزراء مقارنة بسابقيهم.

2. التعايش والمشاركة:
كان العقد الاجتماعي الذي استطاع الماليزيون تطويره، هو أحد عناصر نجاح التجربة، وأحد ضمانات استمرارها. الاعتراف بالتنوع العرقي والديني، والاعتراف بوجود اختلالات حقيقية في مستويات الدخل والتعليم بين فئات المجتمع، والتوافق على ضرورة نزع فتائل التفجير، وعلاج الاختلالات بشكل هادئ وواقعي وتدريجي... كل ذلك كان مدخلاً لتوفير شبكة أمان واستقرار اجتماعي وسياسي. كان من الضروري وضع "شروط لعبة" يكسب فيها الجميع Win-Win Game. وقد أسهم وجود قيادات سياسية واعية ذات رؤى استراتيجية في تبني هذه "اللعبة"، وترك اللعبة التي تقتضي وجود رابح وخاسر Win-Lose Game، والتي كثيرًا ما تكون نتيجتها أن الجميع يخسر Lose-Lose Game.
وكان جَوهر فكرة علاج الاختلالات مبنيًا على تحقيق التعايش السلمي، وحفظ حقوق الجميع، والمشاركة في المسؤولية وفي برنامج التنمية. والفكرة مبنية على أساس زيادة أنصبة جميع الفئات، وإن بدرجات متفاوتة، وحل مشكلة المحرومين من خلال عملية الزيادة والتوسع، وليس من خلال مصادرة حقوق الآخرين أو التضييق عليهم. أي أن الفكرة مبنية على أساس "تكبير الكعكة"، وليس على أساس التنازع عليها(16).
كان الملايو يشعرون بقلق بالغ على مصيرهم، وبحالة من عدم الثقة بالصينيين. وكان الصينيون هم سكان المدن، وهم المسيطرون على الاقتصاد والتجارة، وكان عددهم كبيرًا (37% من السكان عند الاستقلال). وكان الملايو يعيشون في القرى والأرياف ولم يكن يزيد نصيبهم في الاقتصاد عن 2% وكانوا يعانون من الجهل والفقر(17).
وفي الوقت نفسه، كان الصينيون يشعرون بقلق بالغ على مستقبلهم، إذا لم يُعترَف بهم كمواطنين ماليزيين، فعند الاستقلال كان قد وُلِد 75% منهم في ماليزيا، وكانوا يخشون أن تؤدي سيطرة الملايو إلى الانتقاص من حقوقهم، أو مصادرة أملاكهم وثرواتهم(18).

وكان أساس التوافق أنه للوصول إلى حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي، فلابد أن تُتاح الفرصة للملايو للحصول على حصة عادلة من ثروة بلادهم، وأن تُعطى لهم ضمانات بأن قيادة النظام السياسي ستكون بأيديهم. ولأن الملايو لم يكونوا يملكون إمكانات مادية ذاتية، فقد جعل نظام الحكم من مسؤوليته إعطاء مزايا وحوافز للملايو في الاقتصاد والتعليم والعمل الحكومي؛ تتيح لهم مع الزمن السيطرة على جزء معقول من الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، أعطى النظام ضمانات المواطنة الكاملة للصينيين والهنود، وأكد أن تحسين أوضاع الملايو لن يكون بتعويق أو إضعاف أوضاع غيرهم، وأن غير الملايو يستطيعون المحافظة على ثقافتهم وعاداتهم، وأن تكون لهم مدارسهم، التي يستخدمون فيها لغتهم المحلية إلى جانب اللغة الماليزية. ولم يكن لدى قيادات الصينيين والهنود مانع من إعطاء بعض المزايا والحوافز للملايو، لأنهم يعلمون أن انفجار الملايو، نتيجة الشعور بالظلم والاستغلال، سيدمر كل ما بنوه؛ ولأن النصيب الذي سيأخذه الملايو سيكون ناتجًا عن عملية التوسع والنمو الاقتصادي، وهو ما يعني أنه ستتاح الفرصة للصينيين والهنود أيضًا لزيادة ثرواتهم؛ فمثلاً إذا كانت الكعكة في البداية من مائة قطعة فإنه سيجري تنميتها لتصبح ألف قطعة، وسيزيد نصيب الملايو مثلاً من قطعتين (2%) إلى 300 قطعة (30%)، بينما سيزيد نصيب الآخرين من 98 قطعة (98%) إلى 700 قطعة (70%).

وفي الوقت نفسه تصرفت القيادة الماليزية بطريقة واقعية، ورأت أن مجرد إثراء الملايو بالمال سيفسدهم، وهو مال سيضيع بسوء الاستخدام أو قلة الخبرة أو عدم الشعور بالمسؤولية. ولذلك ربطت تحسين أوضاع الملايو بخطط زمنية طويلة المدى، وحرصت على الاستثمار في تعليمهم وتدريبهم، وتطوير كفاءتهم وقدرتهم التنافسية(19).
ومن جهة أخرى، فقد تم تكريس تقاليد أن الخلافات بين الأحزاب في الائتلاف الحاكم تُحلّ خلف الأبواب المغلقة، كما يتم التوصل إلى الصفقات السياسية وتوزيع الحصص أو المكاسب بالطريقة نفسها، لتحقيق أقل قدر من الإثارة أو التوتر الطائفي والعرقي. غير أنه لم يكن هناك ما يمنع من "تفريغ" بعض المشاعر، أو التعبير عن مواقف متشددة في المؤتمرات الخاصة بكل حزب من الأحزاب، وخصوصًا فروعها الشبابية(20).
وقد نجحت هذه السياسة في تحقيق قدر كبير من الاستقرار السياسي والأمني، وفي توفير بيئة أفضل للتطور الاقتصادي(21).
3. نظام ديموقراطي "تحت السيطرة:
لأن التكوين الطائفي والعرقي في ماليزيا كان شديد التعقيد والحساسية، فقد ارتأت القيادة السياسية أنها بحاجة إلى استقرار سياسي وأمني واجتماعي، وإلى توفير البيئة المناسبة للتمكن من تحقيق نمو اقتصادي تستفيد منه كافة شرائح المجتمع وإن بدرجات متفاوتة. وكانت القيادة تعلم أنها لن تحقق أهدافها إلا بشكل نسبي، ولن تحصل على الرضا التام من كل الأطراف أو من أي منها. ولذلك اعتقدت أنها لن تستطيع العمل الفعال المنتج إلا في أجواء تكون فيها واثقة من صلاحياتها، ومَحمية من المعارضين والخصوم. وقد تكرّست هذه الاتجاهات بعد أحداث 1969، حيث رأى تون عبد الرزاق الذي تولى رئاسة الوزراء سنة 1970، أنه لابد من تخفيف درجة الاحتقان العرقي، من خلال تخفيف المنافسة السياسية، فعمل على توسيع التحالف الحاكم، بحيث يضمن أغلبية ثلثين مريحة له في البرلمان. كما قوّى من صلاحيات السلطات المركزية(22)، وقد تابع مهاتير بن محمد سياسة تقوية السلطات المركزية وتركيز الصلاحيات بيد رئيس الوزراء(23).

ويتبع مكتب رئيس الوزراء وكالة مكافحة الفساد، والمدعي العام، ووحدة التخطيط الاقتصادي، وقسم التطوير الإسلامي (الشؤون الإسلامية)، ولجنة الانتخابات المركزية، وشركة البترول الوطنية (بتروناس)، ولجنة الخدمات العامة(24). ولرئيس الوزراء أن يعلن حالة الطوارئ في البلاد، وأن يحكم في أثنائها من خلال مراسيم تأخذ قوة القانون. ويُعدّ قانون الأمن الداخلي Internal Security Act (ISA) أحد أقوى الأدوات التي تدعم السلطة المركزية في مواجهة معارضيها، أو في مواجهة أي من القلاقل المحتملة. وقد أُجيز هذا القانون سنة 1960، وأعطى الشرطة صلاحية اعتقال أي شخص بتهمة تهديد الأمن الوطني لمدة شهرين دون محاكمة. ويمكن أن يُجدد الاعتقال دونما حدود قصوى، وليس للقضاء أية سلطة قانونية على هؤلاء المعتقلين(25).

وهناك قوانين تَحدّ من حرية الإعلام(26). وتمنع القوانين الماليزية كل الأنشطة التي تسبب السخط ضد الحكومة أو ضد القضاء، أو ما يمكن أن يؤدي إلى حالة من السخط الاجتماعي أو القلاقل بين أعراق المجتمع وطوائفه. وهناك قوانين أخرى تمنع طلاب الجامعات والاتحادات النقابية من النشاطات السياسية(27). على أنه يجب ملاحظة أن السلطات لا تستخدم كافة القوانين بشكل دائم متعسف، ولكنها تلجأ إليها كلما رأت مصلحة (من وجهة نظرها) في ذلك.

مكنت أغلبية الثلثين التي يحصل عليها التحالف الحاكم عادة، من وجود أغلبية جاهزة ليس فقط لإصدار القوانين وإنما لتغيير الدستور أيضًا. وفي الفترة 1957-1996 تم إجراء 42 تعديلاً دستوريًا(28).
ولم تتعرض ماليزيا إلى عدوى الانقلابات العسكرية التي انتشرت في العالم الثالث، واستطاعت السلطات المدنية أن تفرض سلطتها على القوات العسكرية، وأن تمنعها من ممارسة أي دور سياسي، وكان كل وزراء الدفاع في ماليزيا من المدنيين. وهذه من النجاحات التي تُحسب للنظام السياسي(29).
4. الاستثمار في الإنسان (التعليم والتدريب):
تعطي الحكومة الماليزية اهتمامًا كبيرًا للتعليم والتدريب، وعادة ما يغطي هذا البند نحو 20-25% من الميزانية السنوية العامة للدولة أو من نفقاتها الكلية. وتُعدّ هذه الميزانية من أعلى معدلات الميزانيات التي تُمنح للتعليم في العالم. وهي تتقدم في هذا المجال على الولايات المتحدة ومعظم دول أوروبا الغربية... وغيرها.

وتظهر قراءة مقارنة أن ما تنفقه ماليزيا على التعليم يبلغ عادة نحو ثلاثة أضعاف ما يُنفَق على الجيش والدفاع، وعلى سبيل المثال بلغت ميزانية التعليم لسنة 2007 نحو 34.33 مليار رنغت -3.1 رنغت ماليزي تساوي دولارا واحدا- أي حوالي 10.1 مليارات دولار، فيما بلغ الإنفاق على الدفاع والجيش نحو 13.36 مليار رنغت أي حوالي 3.93 مليارات دولار(30)؛ بينما بلغت ميزانية التعليم لسنة 2011 نحو 40.13 مليار رنغت أي حوالي 13 مليار دولار، فيما بلغ الإنفاق على الدفاع والجيش نحو 14.04 مليار رنغت أي حوالي 4.56 مليار دولار(31).

5.الدين والدولة:
كان موضوع علاقة الدين بالدولة، في بلد متعدد الأديان ومتعدد الأعراف ومتعدد الثقافات، أمرًا يتسم بالحساسية والدقة. وفوق ذلك فإن المسلمين، على الرغم من أنهم "أبناء البلد"، إلا أن نسبتهم العددية، عند إعلان استقلال ماليزيا، كانت في حدود نصف السكان فقط. ولم تكن للصينيين قوة عددية فقط، ففضلاً عن قوتهم ونفوذهم الاقتصادي الذي يتجاوز نفوذ الملايو المسلمين بأَضعاف مضاعفة، فإن النظام الديموقراطي والانتخابات الحرة، وحرص أو اضطرار الحزب المسلم الحاكم "أمنو"  UMNO للتحالف معهم، قد أعطاهم قوة سياسية، ودورًا في صياغة الاتجاهات العامة للدولة. وفي مثل هذه الأوضاع، ومع وجود قيادة للمسلمين الملايو ذات ثقافة غربية، تم الاتفاق على علمانية الدولة، وعلى ضمان الحريات والحقوق الدينية والثقافية لمختلف الطوائف.

ومن جهة أخرى، فإن الدستور الماليزي تميز بمواد قلَّ نظيرها في أي بلد آخر، حيث عرَّف الدستور الملايو بأنه "الشخص المسلم، الذي يتكلم لغة الملايو، ويمارس عاداتهم". وبالتالي، فمن الناحية العملية لهذا التعريف القانوني فإن كل الملايو مسلمون، وإن ابن الملايو الذي يترك الإسلام بالانتقال إلى دين آخر، لا يُعد من الناحية القانونية منتميًا إلى الملايو. وهذا يعني تداخلاً بين ما هو ديني وبين ما هو قومي، بحيث حملت قومية الملايو صفة دينية. فكان الإسلام عنصرًا حاسمًا في تحديد هويتهم. ووصف الدستور دين الدولة بأنه الإسلام، وعُدَّ ملك ماليزيا راعيًا للإسلام في البلد، ومنع غير المسلمين من نشر دينهم وسط المسلمين، لكنه سمح لهم بنشره وسط غير المسلمين، كما سمح للمسلمين بنشر دينهم وسط غيرهم من أبناء الأديان الأخرى(32).

وقد تعامل الصينيون والهنود بشكل عام بروح إيجابية مع الوضع الخاص الذي كفله الدستور للملايو المسلمين، خصوصًا وأنهم قد ضمنوا حقوق المواطنة والحريات الدينية والثقافية. وأصبح ذلك نوعًا من "العقد الاجتماعي" الذي ارتضته مكونات المجتمع الماليزي. كما أن العديد من النصوص القانونية اتخذت شكلاً رمزيًا، لا يمس جوهر النظام العلماني، وظلت التطبيقات القانونية الإسلامية محصورة، مثل معظم بلدان العالم الإسلامي، بقانون الأحوال الشخصية الذي لا يُطبق على غير المسلمين.

وكما أن الطبيعة العامة للماليزيين اتسمت بالاعتدال والتسامح، فإن طبيعة القيادة الماليزية اتسمت "بعلمانية معتدلة" تعاملت بروح إيجابية مع الإسلام والمؤسسات والرموز الدينية، ولذلك لم يكن مستغربًا انتشار الحجاب في أوساط نساء الحزب الحاكم، وظهور المذيعات المحجبات على شاشة التلفزيون قبل أي من البلدان الإسلامية، وإنشاء البنوك والشركات الإسلامية، والجامعة الإسلامية العالمية، ووجود المئات من المدارس الدينية في كل مكان في ماليزيا، والتي يؤمها معظم أطفال المسلمين بعد انتهاء دوامهم من المدارس العادية، وصدور قانون للطعام الحلال، وقانون آخر يمنع "الخلوة" بين الرجل والمرأة المسلمين. وكان من مظاهر اعتدال الحكم أن الدولة لم تلجأ إلى قمع التيارات الإسلامية السياسية أو مطاردتها، وإنما فضلت أسلوب التعايش والاحتواء، والتنافس الذي قد يستخدم بعض أدوات السلطة (ربما الإعلامية أو الاقتصادية...) لكنه لا يلجأ إلى العنف.

6. جهاز الخدمة المدنية
يرى الفريق المتقاعد عبد الغني عزيز (القائد السابق لسلاح الطيران الماليزي) أن أبرز أسباب نجاح التجربة الماليزية كان في وجود نظام خدمة مدنية حكومية ذي كفاءة عالية. ويُنبه إلى أن رؤساء الوزراء الثلاثة الذين سبقوا مهاتير كانوا من موظفي الخدمة المدنية(33). وعندما سأل الباحث مهاتير عن ذلك قال: "نعم، إنهم متدربون، ولدينا مؤسسات تدريبية جيدة جدًا تهتم بالارتقاء بمستواهم". وأضاف مهاتير: إن الحكومة لديها وحدة معنية من التأكد من سلامة التنفيذ ICU Implementation Coordination Unit، و"أنك عندما تصدر أمرًا تتأكد وتطمئن أنه يجري تنفيذه". وقال مهاتير: إنه يجب أن تكون لديك إدارة جيدة وأن تواجه الفساد. وحتى تمنع الفساد يمكن أن تضع بعض القوانين الصارمة...، ولكن الأهم من ذلك هو "تطوير نظام إداري يكون واضحًا جدًا". وأضاف مهاتير أنهم في ماليزيا حددوا بدقة مجموعة الإجراءات التي يجب اتخاذها لتنفيذ أي عمل، والزمن الذي يستغرقه ذلك، وصلاحيات الموظفين. فإذا لم يقم الموظف بما حُدِّد له بدقة وضمن الزمن المحدد، فيُستنتج أنه فاسد، وبالتالي سيحاسب ويُتخذ الإجراء اللازم بحقه. وأوضح أنه يوجد في ماليزيا مؤسسة رسمية تكافح الفساد Anti Corruption Agency، لكنه نبه إلى أن أهم شيء هو الإجراءات، ولذلك يوجد في الحكومة دليل الإجراءات Manuel of Procedures، يُحدِّد بدقة الإجراءات اللازمة لكل عمل(34).

طورت الحكومة الماليزية مجموعة من الأنظمة الإدارية لكبح جماح الفساد، وكان من بينها تقليل الإجراءات الإدارية إلى الحد الأدنى، واعتماد أسلوب إنهاء المعاملة من خلال إجراء واحد one stop approving authority. كما كان هناك اهتمام بالانضباط الوظيفي، بما في ذلك التزام الموظفين بتوقيع دخولهم وخروجهم من العمل، وبوضع إشارة Tag على صدورهم تعرف بأسمائهم، وعدم استثناء أي شخص، بما في ذلك القضاة والوزراء وحتى رئيس الوزراء نفسه.

وفي سنة 1993 دخل قانون الموظفين العامِّين (موظفي الخدمة المدنية) حيز التنفيذ، وفي سنة 1994 تبعه قانون أخلاق مهنة القضاء، وفي السنة التالية أُجيز قانون أخلاق العمل في الإدارات والمؤسسات. وفي سنة 1997 أجازت الحكومة قانون منع الفساد، وأصبح أهم سلاح بيدها؛ إذ أعطى صلاحيات واسعة لوكالة مكافحة الفساد. وأصبح أولئك الذين لا يستطيعون تبرير وجود أموال أو ممتلكات معينة في حوزتهم، عرضةً للمحاكمة ومصادرة أموالهم. وتوسعت مهمة وكالة مكافحة الفساد لتغطي اختبار سلامة الإجراءات ودقتها في المؤسسات الحكومية، وإعطاء التوجيهات والنصائح لمن يحتاجها، ونشر ثقافة منع الفساد وتجنيد الرأي العام ضدّه(35).

7. البيئة الإقليمية والدولية
تقع ماليزيا في منطقة بعيدة عن بؤر الصراع الساخنة، وعن مفاصل التركيز للقوى الكبرى. ولذلك لم تنعكس الظروف والتحديات الخارجية، بشكل عام، سلبًا على عملية النهوض الماليزي. وظلت المشاكل الخارجية في إطار يمكن استيعابه، ويمكن التعامل معه وحصر تأثيره؛ فماليزيا مثلاً بعيدة عن مركز الصراع العربي-الإسرائيلي، وعن منطقة تركّز النفط. ويتبنى النظامُ الماليزي سياسةً علمانية معتدلة ومنفتحة، كما يتبنى نظامًا ديموقراطيًا أقرب إلى الأنظمة الغربية. وهو نظام يميل بطبيعته إلى التعايش السلمي، وإلى تهدئة نقاط الاحتكاك مع دول الجوار، وإلى بناء العلاقات وفق المصالح الوطنية (وخصوصًا الاقتصادية) للدولة. وقد ساعد هذا ماليزيا على توفير أجواء معقولة لعملية التنمية الاقتصادية، كما مكَنّها، مثلاً، من أن تنفق على عمليات التنمية، وإقامة البنى التحتية والصناعة والتعليم والصحة، أكثر مما تنفقه على الجيش والدفاع.

تجاوزت ماليزيا أبرز التحديات الخارجية في المراحل الأولى لاستقلالها فقضت على ثورة الشيوعيين في الفترة  1960-1948، وخرجت بنجاح من مواجهتها مع إندونيسيا في الفترة  1965-1962. كما نظمت علاقة براجماتية قوية مع سنغافورة بعد أن طردتها من الاتحاد الماليزي. وعلى الرغم من أن ماليزيا تعاطفت مع ثورة مسلمي فطاني جنوبي تايلاند، والذين ينتمون إلى العرق الملايوي، إلا أنها لم تجعل من أرضها فضاء إستراتيجيًا للثوار؛ وقامت بضبط حدودها لئلا تدخل في صراع مع تايلاند. وهو ما ينطبق بشكل أو بآخر على موقف ماليزيا من ثوار مورو في جنوبي الفلبين، المحاذية لولاية صباح الماليزية.

وتحت زعامة مهاتير، أخذ العامل الاقتصادي يلعب دورًا أكبر في السياسة الخارجية، مصحوبًا بروح دفاعية وطنية عن حقوق الدول النامية ومصالحها وتطلعاتها. ومالت سياسة مهاتير لتشجيع علاقات دول الجنوب ببعضها، وتبني سياسة النظر شرقًا. وقد ازدادت مع الزمن روح مهاتير النقدية تجاه الغرب، غير أن ماليزيا ظلّت من الناحية العملية حليفًا قويًا للغرب، فيما يُعرَف بالحرب على "الإرهاب والتطرف الإسلامي" خصوصًا بعد أحداث 2001/9/11؛ وسمحت ماليزيا للولايات المتحدة بإقامة مركز إقليمي للتدريب على مكافحة الإرهاب في كوالالمبور، وتعاونت معها في مجالات تبادل المعلومات والخبرات المتعلقة بـ"الإرهاب"(36).

ثالثًا: الانتخابات التشريعية

تُعقد في ماليزيا كل خمس سنوات انتخابات ديموقراطية حرة، لانتخاب أعضاء مجلس النواب الماليزي (ديوان الرعية Diwan Rakyat)، ولانتخاب مجالس الولايات. وتتم الانتخابات على أساس حزبي، وعادة ما تتم الانتخابات وفق درجة نزاهة معقولة، لكنها لا تخلو أحيانًا من الاتهامات باستخدام المال السياسي أو أصوات الموتى... إلخ. وبشكل عام تتميز الانتخابات بأنها تحدث بشكل منتظم في مواعيدها، كما تتميز بالهدوء النسبي والسلاسة. ثم إنَّ تقبُّل الأطراف المختلفة للنتائج، أو الاعتراض عليها، إن وُجِد، لا يؤثر في الأغلب على النتائج العامة للانتخابات.

ومن جهة أخرى، تلجأ القيادة السياسية إلى "ضمان" نجاحها في الانتخابات عن طريق:
1. تشكيل تحالفات موسعة بقيادتها من مختلف الطوائف والأعراق.
2. تبنّي نظام انتخابي يعتمد الأكثرية العددية البسيطة للفوز في الدوائر الانتخابية؛ وبحيث يفوز عن كل دائرة مرشح واحد فقط.
3. تقسيم الدوائر جغرافيًا، بحيث تُعطَى نسبة تمثيل أعلى للملايو، وفرص نجاح أفضل لمرشحيهم.
4. حصر الحملات الانتخابية في مدة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، وهي فترة لا تراها أحزاب المعارضة كافية، في أجواء يسيطر فيها التحالف الحاكم على وسائل الإعلام، ويكون قادته ورموزه ملء السمع والبصر طوال سنوات حكمهم. كما أن لرئيس الوزراء صلاحية تقديم موعد الانتخابات، وتحديد التاريخ الذي يراه مناسبًا لانعقادها(37).
ويسجل نحو 80% من الماليزيين أسماءهم في قوائم المشاركين في الانتخابات، ويقوم عادة نحو 70-80% منهم بالإدلاء بأصواتهم. وبالإضافة إلى مجلس النواب هناك مجلس الشيوخ (المجلس الوطني Dewan Negara) ويقوم كل مجلس من مجالس الولايات باختيار اثنين يمثلان الولاية في عضويته، ويعيّن الملك باقي الأعضاء الـ 43؛ وتستمر ولاية المجلس لمدة ثلاث سنوات، وصلاحيته ذات طبيعة استشارية(38).

حاول حزب أمنو (الذي يقود التحالف الحاكم) أن ينفرد بتمثيل الملايو، ويشدد قبضته على القيادة السياسية الماليزية، وقد نجح إلى حدّ كبير في الاحتفاظ دائمًا بالكتلة النيابية الأكبر في مجلس النواب. وعادة ما يزيد عدد أعضائه في البرلمان عن نصف عدد أعضاء التحالف الحاكم أي الجبهة الوطنية، ولم يشذّ عن ذلك سوى انتخابات سنة 1999 عندما مُني بخسائر كبيرة، بسبب طرد أنور إبراهيم من الحزب ومحاكمته، وبسبب الهزة الكبيرة في الثقة في أمنو، التي عصفت بمجتمع الملايو نتيجة ذلك؛ فحصل الحزب على 71 مقعدًا من أصل 148 مقعدًا حصلت عليها الجبهة الوطنية (48%)، ولكن التحالف الذي يقوده، كان لا يزال في وضع يمكِّنه من الاحتفاظ بأغلبية الثلثين في مجلس النواب (148 من أصل 193 مقعدًا أي بنسبة 76.7%). وبالرغم من أن عدد أعضاء أمنو في البرلمان في انتخابات سنة 2008، زاد عن نصف عدد أعضاء التحالف الحاكم أي الجبهة الوطنية، حيث بلغ 79 عضوًا من أصل 140 مقعدًا حصلت عليه الجبهة الوطنية، إلا أنها كانت المرة الأولى التي يفقد فيها التحالف الحاكم أغلبية الثلثين منذ استقلال ماليزيا. وهو ما أعطى مؤشرات على بوادر لاختلال المعادلة المعتادة، سواء بسبب تراجع قوة التحالف أو بتحسن أداء المعارضة(39).

وقد زود نظام الفوز بالأكثرية البسيطة لصاحب أعلى الأصوات في الدائرة الانتخابية، الجبهة الوطنية بفرص عالية للفوز لأنها تقدم مرشحًا واحدًا فقط يمثلها في أي دائرة وتقوم جميع الأحزاب المنضوية في الجبهة بالتصويت مجتمعة لصالحه. كما منح هذا التحالف الفرصة الأكبر للفوز في الدوائر المختلطة، لأنها عادة ما تنافس مرشحًا عن لون واحد (كالحزب الإسلامي بانتمائه الملايوي، أو حزب العمل الديموقراطي DAP بانتمائه الصيني)، ولذلك تنحصر فرص الأحزاب ذات الأغلبية العرقية أو الطائفية في معاقل عرقيتها أو طائفتها فقط(40). وبالتالي فإن عدد المقاعد الذي تفوز به الجبهة الوطنية، لا يعكس بالضرورة حجم الشعبية التي تتمتع بها. وهو الذي جعلها تحصل عادة على أغلبية تزيد عن ثلثي المقاعد، على الرغم من أنها لم تحصل في أي من الدورات الانتخابية على نسبة ثلثي عدد الناخبين. وعلى سبيل المثال فقد حصلت سنة 1986 على 55.8% من الأصوات، بينما حصلت 83.6% من المقاعد، وفي سنة 2004 حصلت على 63.8% من الأصوات، بينما حصلت على 90.4% من المقاعد (انظر الجدول)(41).

جدول (2): نتائج الانتخابات الماليزية للتحالف الحاكم مقابل المعارضة 1959- 2004

جدول (2):
  نتائج الانتخابات الماليزية للتحالف الحاكم مقابل المعارضة 1959-2004
الدورة الانتخابية السنة التحالف الحاكم المعارضة إجماليالمقاعد
المقاعد % المقاعد %

نبذة عن الكاتب