الخطاب العام الأميركي في الانتخابات الرئاسية: الصراع الأيديولوجي والتنازع الهُويَّاتي

ترصد الدراسة الخطاب العام الأميركي على مستوى اللغة والرؤية السياسية وتعبئة الجماهير أيديولوجيا حسب التصنيف، الذي يكرسه خطاب المرشحين الجمهوريين، بين الـ"نحن" (فئات البيض المتحدرين من أصل أنجلوساكسوني) والـ"هم" بمن فيهم الأقليات والمسلمون، وقيم التعددية والتعايش التي يتمسك بها مرشحا الحزب الديمقراطي.
3e848ac630f048578f56729e430635d3_18.jpg
(الجزيرة)

تُفكِّك الدراسة أسباب التذبذب المتنامي بين دعوات التشدُّد اليميني ودعوات التصحيح اليساري ضمن تجاذبات الخطاب العام الأميركي على مستوى اللغة والرؤية السياسية وتعبئة الجماهير أيديولوجيًّا حسب التَّصنيف، الذي يُكرِّسه خطاب المرشحيْن الجمهوريين، دونالد ترامب وتيد كروز، بين الـ"نحن" (فئات البيض المتحدِّرين من أصل أنجلوساكسوني) والـ"هم" بمن فيهم الأقليات والمسلمون والمهاجرون، وقيم التعدُّدية والتعايش والبوتقة الثقافية التي يتمسَّك بها مُرَشَّحَا الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون وبرني ساندرز. وتتعقَّب أيضًا تأثير السَّرديَّات المتنافسة وتزايد نزعات الانقسام وأحيانًا الاشتباك بالأيدي بين أنصار ترامب ومعارضيه على الرأي العام الأميركي ، ولماذا تحوَّل تصحيح الخطاب العام وتحديد مقومات الزعامة في واشنطن إلى معركة إضافية بين المرشحين.

وتكمن أهمية الدراسة في تشريح الصراع الأيديولوجي بين المرشحين وقوة الدفع وراء تزايد الشعبية غير المرتقبة لما يُسمِّيه الباحث بـ"الترامبية" ( Trumpism ) كظاهرة سياسية في بُعدها الأيديولوجي وظاهرة إعلامية في بعدها الترفيهي، ورصد الترابط المحتمل بين بريقه الأيديولوجي ومواصفات مناصريه من البِيض الذين يجدون فيه المدافع عن هوية جماعية تَتَشَبَّع برؤية ما يُسمَّى "الاستثناء الأميركي". وتبحث في الوجه الآخر لعملته السياسية من حيث التفاف 40% من المحافظين حول برنامجه الانتخابي ونجاحه في تحدِّي المؤسسة الرسمية للحزب الجمهوري رغم مواقفه المثيرة للجدل.

وتعتمد الدراسة منهجية التحليل النقدي للخطاب بأبعاده ومرتكزاته الثلاث: النص، وممارسة الخطاب، والممارسة الاجتماعية والثقافية؛ باعتبار أن اللغة في حدِّ ذاتها ممارسة اجتماعية تقودها الغايات الأيديولوجية. وتقوم هذه المنهجية على تعرية الأيديولوجيات الـمُبَطَّنَة في نص الخطاب، وكشف التحيُّزات الكامنة وتفكيك ممارسة القوة عبر بنياته من خلال السَّرديَّات الرئيسية التي وجَّهت مسار الخطاب العام الأميركي ضمن اثنتين وعشرين مناظرة تليفزيونية، فضلًا عن ثمانٍ وستين مقابلة تليفزيونية وصحفية للمرشحين الرئيسيين الأربعة: (دونالد ترامب، وتيد كروز، وهيلاري كلينتون، وبرني ساندرز) في الأشهر العشرة الحاسمة في سير الحملات الانتخابية من الأسبوع الأول من أغسطس/آب 2015 إلى الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران 2016 .

وتخلص الدراسة إلى ثمانية استنتاجات رئيسية يقترحها الباحث لفهم صيرورة الخطاب العام الأميركي، وأيضًا لاستيعاب المناخ الاجتماعي والاقتصادي العام الذي مهَّد لصعود "الترامبية" في عام المفاجآت الانتخابية: أولًا: التموقع الاستراتيجي ضمن تفاعلات الخطاب العام بين مركز المهاجِم (ترامب) ومركز المُدافِع (كلينتون وساندرز). ثانيًا: التباعد القياسي أو التجاذب العكسي بين اليمين المتشدد (ترامب وكروز) وأدنى اليسار (كلينتون) وأقصى اليسار (ساندرز) مع خُلُوِّ منطقة الوسط. ثالثًا: العدمية أو التشديد على تراجع الولايات المتحدة سياسيًّا واقتصاديًّا واستراتيجيًّا في وجه الأمم الأخرى. رابعًا: تكريس مبدأ الحمائية السياسية والاقتصادية من قِبَل ترامب كزعيم جديد للحركة المحافِظة وفي مقدمتها حركة الشاي. خامسًا: معاداة المهاجرين الجدد في بلد تشكَّلت هويته أساسًا من تدفُّق أجيال المهاجرين. سادسًا: ضرورة التمييز بين النزول عند الشعب والشعبوية بما لا يعلو فوق التضاريس اللغوية والمعرفية لدى المواطن العادي في أميركا. سابعًا: التلويح بالرُّوح الوطنية ظاهريًّا لخدمة أغراض مُبَطَّنَة للقومية لدى الجماعات اليمينية. ثامنًا: خطايا الحزب الجمهوري خلال العقدين الأخيرين في خدمة مصالح الطبقة العاملة والتعامل مع سائر الأقليات.

مقدمة 

كلما تردَّد صدى السَّرديَّات المثيرة للجدل على لسان المرشحيْن الجمهورييْن، ترامب وكروز، ضمن تحوُّلات الخطاب العام، فاجَأَ ترامب الأميركيين بتصريحات أكثر غرابة وتعارضًا مع القيم الأميركية، لتزداد بذلك حدَّة التصريحات المضادَّة وتتأجَّج حماسة السِّجالات السياسية في التجمعات العامة وعبر وسائل الإعلام بفعل ما تنقله على مدار الساعة ضمن معركة مفتوحة بين سرديَّات المرشحين أنفسهم وبين سائر المحلِّلين من النخبة السياسية.  

ومن تجلِّيات أزمة الخطاب العام الأميركي التأثير المتزايد لترامب في توجيه مناصريه نحو مبدأ الواقعية السياسية، والاعتماد على القوة الخشنة، ومعاداة المسلمين والأقليات، وعزلة أميركا أمنيًّا وسياسيًّا، وفرض إجراءات حمائية على الاقتصاد الأميركي حتى لو تطلَّب الأمر فرض ضرائب وقيود على حرية التجارة مع الدول الأخرى. وعند تبرير هذه الرؤى، يضع ترامب أميركا في سياقات التعصُّب والتقوقع على الذات، والغلبة لهوية جماعية تقتصر على البيض، وإقصاء الآخر (المسلمين والمهاجرين واللاجئين)، والتخلي عن دبلوماسية الأمم المتحدة ومعارضة تشكيل تحالفات دولية، وهي رؤية تُكرِّس الأفكار اليمينية إلى حدٍّ بعيد وتخطب وُدَّ الجماعات المحافظة وجماعات المبشِّرين. وتردُّ هيلاري كلينتون بالقول: إنه "أيًّا كان السبب وراء ما يفعله ترامب، فإنه يضع الأميركيين ضد الأميركيين"، فيما تُشكِّل تصريحاته "وصفة لمزيد من الانقسام في الوقت الذي ينبغي أن نكون متحدِّين"(1). 

1. الإطار المنهجي للدراسة

يشهد الخطاب العام الأميركي تباينًا غير مألوف إلى حدِّ التَّعارض بين مرشَّحي اليمين واليسار في هذا العام، 2016، وسط نجاح الحركة اليمينية بزعامة ترامب وكروز في تأجيج النَّعرات والانقسامات والتشكيك في الآخر والنفاذ إلى أذهان نسبة مهمة من الأميركيين بسرديَّات التخويف غير الموضوعي بشكل غير مسبوق. ويبدو أن "الترامبية" تبتلع فلسفة الحزب الجمهوري وتضع مستقبله على نسق مغاير لما سار عليه منذ تأسيسه عام 1854. 

‌أ. تساؤلات الدراسة

تركِّز الدراسة على تفكيك السَّرديَّات المتنافسة بين المرشحين الأربعة وهي بمثابة أسلحة أيديولوجية ديناميكية يتم إنتاجها وتطويرها وترميمها بفعل السِّجال العلني المحتدم بينهم من أجل كسب معركة توجيه الرأي العام. وتتناول أيضًا قدرة ترامب أكثر من غيره على توجيه الخطاب العام الـمُشْبَع بمفاهيم تنمُّ عن العنصرية والإقصاء ومعاداة أغلب الأقليات في ظلِّ هيمنته على التغطية الإعلامية مما ساعده على تعزيز مكانته بين أنصاره. وقد وجدت وسائل الإعلام المتنافسة ضالَّتها في تصريحاته غير المألوفة لتعزيز مستوى المشاهدة ورفع حصتها من سوق الإعلانات. 

وفي هذا السياق، تُركِّز الدراسة على ثلاثة أسئلة رئيسية:

  1. ما هو مدى فجوة التباين بين الخطاب الجمهوري والخطاب الديمقراطي في معركة السَّرديَّات والسَّرديَّات المضادة بين ترامب ومنافسه الجمهوري (سابقًا)، كروز،  والمرشحيْن الديمقراطييْن كلينتون وساندرز؟
  2. ما التَّمثُّلات الذهنية واعتبارات الهوية التي يستند إليها المرشحون في تشكيل بناهم الفكرية خلال الترويج لبرامجهم في مسعى لاستمالة الناخبين وبقية الرأي العام؟
  3. ما العوامل التي أسهمت في ارتفاع الشعبية غير المرتقبة لـ"الترامبية" كظاهرة سياسية في بُعدها الأيديولوجي وإعلامية في بُعدها الترفيهي مقارنة مع المرشحين الآخرين؟ 

‌ب. أهمية الدراسة

تكمن أهمية الدراسة في تحديد امتدادات الخطاب العام الأميركي بين أقصى اليمين وأقصى اليسار؛ حيث تتفاعل السَّرديَّات والسَّرديَّات المضادة بين المرشحين الأربعة وتداعياتها على مواقف الأميركيين. وتتبنَّى الدراسة فرضية أن الخطاب الراهن في أميركا -سواء في بُعده اليميني وغاياته الإقصائية أو تَوُجُّهِه الليبرالي المنفتح على مبادئ المواطنة والتعدُّدية والاندماج الاجتماعي- لا يتشكَّل من نصٍّ منفصل أو بنية حوار منعزلة، بل من عملية "تواصل معقَّدة تنطوي على نطاق اجتماعي ومشاركين وعمليات إنتاج واستقبال للخطاب"(2). 

وتُفسِّر الدراسة دواعي الفجوة القياسية بين الخطاب الجمهوري والخطاب الديمقراطي، أو ما يُسمِّيه الباحث بـ"التجاذب العكسي"، بالنظر إلى قدرة ترامب وكروز على اجتذاب المحافظين نحو أقصى اليمين المتشدِّد، واستمالة ساندرز الرأي العام نحو تصورات في أقصى اليسار في الاتجاه المعاكس بدلًا من التجاذب المباشر المفترض من خلال التنافس على مواقف الوسط المعتدل كما كانت الحال عليه في الانتخابات السابقة. 

‌ج. أهداف الدراسة

تبحث الدراسة في الصلات الدفينة بين استخدام اللغة أو نبرة الخطابة لدى المرشَّحين وطبيعة الخطاب الذي يُبَشِّرون به والتفاعل اللفظي فيما بينهم في المناظرات التليفزيونية ومع مؤيديهم في التجمُّعات الجماهيرية وخلال المقابلات مع المراسلين والصحفيين، وكيف ينتمي جميع هذه العناصر إلى "المستوى الفردي للنظام الاجتماعي القائم"(3)، بمعنى التقابل بين مُنْتِج الخطاب من ناحية ومتلقي الخطاب من ناحية أخرى خلال عام الانتخابات الرئاسية. 

وتتوخَّى الدراسة تفكيك مقومات "الترامبية" وعلاقتها الجدلية مع أنصارها من جماعات البيض وما تنطوي عليه حمولتها الأيديولوجية من مقومات التسويق لدى الناخبين، وكيف نَفَخَتْ في صدورهم نَفَسًا جديدًا للتمسُّك بهوية فرعية تَنْأَى بنفسها عن قبول الآخر ضمن الهوية الوطنية المشتركة، فيما تحوَّل مُرَشَّحَا الحزب الديمقراطي إلى عَرَّابَيْ حملة الحفاظ على القيم الأميركية.  

‌د. مجتمع الدراسة

تقوم الدراسة على تحليل عينة من السَّردياَّت التي شكَّلت محور الحملات الانتخابية لكلٍّ من ترامب وكروز وكلينتون وساندرز بين الأسبوع الأول من أغسطس/آب 2015 والأسبوع الثاني من يونيو/حزيران 2016، ورسمت مسار النقاشات المحتدمة وتجاذبات الرأي العام بين الأميركيين من مختلف المشارب السياسية والمذاهب العقائدية. ويُعزى اختيار هذه الفترة الزمنية بالتحديد إلى كونها تُمثِّل المرحلة المحورية التي لم تُحدِّد الفروق بين المرشحين وبرامجهم الانتخابية فحسب، بل وحسمت أيضًا في بلورة التصوُّرات المتناسلة حول زعامة أميركا في المستقبل. كما تعكس ذروة السِّجالات السياسية وتجاذبات الرأي العام وانقسام الناخبين إلى شيع متنافسة سواء في الجلسات العامة أوعبر وسائل الإعلام أو في المنصات التفاعلية في الفضاء العام.  

وتشمل مفردات العينة القصدية اثنتي عشرة مناظرة تليفزيونية بين المرشحين الجمهوريين، ما بين 6 أغسطس/آب 2015 و10 مارس/آذار 2016، نظَّمتها اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري بالتعاون مع كبريات القنوات التليفزيونية في ولايات أوهايو، وكاليفورنيا، وكولورادو، ووسكنسن، ونيفادا، وساوث كارولينا (مرتين)، وأيوا، ونيوهامبشير، وتكساس، وميتشغن، وفلوريدا، ثم عشر مناظرات أخرى تنافس فيها المرشَّحون الديمقراطيون في ولايات نيفادا، وأيوا (مرتين)، ونيوهامبشير (مرتين)، وساوث كارولينا، ووسكنسن، وميتشغن، وفلوريدا، ونيويورك من جهة أخرى. 

وتعتمد الدراسة أيضًا تحليل نصوص إحدى وعشرين مقابلة تليفزيونية وصحفية لترامب، وخمس عشرة مقابلة لكروز، وتسع عشرة مقابلة لكلينتون، وثماني عشرة مقابلة لساندرز، وهي مقابلات فسحت المجال لكلِّ مرشح للحديث بالتفصيل عن مبادئه ومنطلقاته السياسية التي اعتمدها في حشد التأييد بين الناخبين قبل كل انتخابات تمهيدية في شتى الولايات الخمسين بمعزل عن جوِّ التنافس وضيق الوقت خلال المناظرات التليفزيونية. 

‌ه. المقاربة النظرية والمنهجية

تعتمد الدراسة مفاهيم اللغة والخطاب والقوة والأيديولوجيا في ضوء الأعمال الفكرية لميشل فوكو (Michel Foucault) ويورغن هابرماس (Jürgen Habermas) ضمن تطوُّر النظرية النقدية التي نادى بها مثقَّفو مدرسة فرانكفورت. وتتبنَّى أدوات تفكيك التحليل النقدي للخطاب العام في أعمال تون فان دايك (Teun Van Dijk) ونورمان فيركلوف (Fairclough Norman) وروث ووداك (Ruth Wodak)، قبل أن تُقدِّم مجموعة استنتاجات عن صيرورة الخطاب السياسي والإعلامي الأميركي. 

  • التحليل النقدي للخطاب

تكمن أهمية مدرسة التحليل النقدي للخطاب في تقديم أدوات تفكيكية تسمح بتشريح أبعاد الخطاب وما تنمُّ عنه من علاقات القوة ونزعة الهيمنة والاستغلال الأيديولوجي. وتنطوي هذه العملية على مبدأ مهمٍّ يقضي بعدم عزل تحليل النصوص بشكل اصطناعي "عن الممارسات التي تُكرِّسها المؤسَّسات وبقية تيارات الخطاب العام التي تنمو فيها تلك النصوص"، لذلك يستدعي التحليل النقدي للخطاب "الاهتمام بعمليات إنتاج النص وتوزيعه واستهلاكه" كما يقول أحد رواد هذه المدرسة، نورمان فيركلوف(4). 

ويُوجِّه فيركلوف أدوات التحليل نحو التعامل مع النزاع الاجتماعي وتجلِّياته اللغوية عبر الخطاب العام خاصة بالنظر إلى العناصر الخاصة بالهيمنة والاختلاف والمقاومة. ويعتبر تلك الأدوات كفيلة بتحليل علاقات الجدلية بين العناصر السيميائية (بما فيها اللغة) والعناصر الأخرى في الممارسات الاجتماعية كما يقول زميله مايكل مايير(5)، ويوضح المثَّلث في يمين الصفحة منطقة عمليات التحليل النقدي ضمن الأضلاع الثلاثة: إنتاج النص، والممارسة الخطابية، والممارسات الثقافية والاجتماعية. 

 

ويقوم التحليل على عدَّة خطوات يمكن تلخيصها على هذا النحو:

  1. التركيز على تناول المشاكل الاجتماعية. 
  2. قوة العلاقات تستند إلى الخطابة والتأثير الذهني.
  3. الخطاب يُشكِّل المجتمع والثقافة.
  4. الخطاب يُقدِّم تصورات أيديولوجية.
  5. يقوم الخطاب ضمن إطار تاريخي. 
  6. يتوسط الخطاب العلاقة بين النص والمجتمع.
  7. ينطوي الخطاب على التأويل والتفسير.
  8. الخطاب هو شكل من أشكال العمل الاجتماعي.
  9. الدعوة إلى تحليل الخطاب الموجَّه حسب النص(6).

وتبعًا لهذه الرؤية، يتدرَّج التحليل النقدي للخطاب حسب ثلاث خطوات متناسقة: أولًا: موضوع التحليل الذي يشمل النصوص المكتوبة والشفوية والمصوَّرة. ثانيًا: عمليات إنتاج النصوص وتلقِّيها بما فيها الكتابة وإلقاء الخطاب وتصميمه من قبل مُنْتِج النص وأيضًا قراءته أو الاستماع إليه أو مشاهدته من قِبَل المتلقي. ثالثًا: الأوضاع الثقافية والتاريخية التي تتحكَّم في العمليات سابقة الذكر. ويبدو أن الخطوات الثلاث تُردِّد أيضًا صدى ما قاله الفيلسوف هانس جورج جادامير الذي اعتبر "فهم وتأويل النصوص ليس مجرد ما يهتم به العلم، بل هو بشكل جليٍّ جزء من مجموع التجربة البشرية في العالم"(7)

  • مفاهيم إجرائية

في موسم انتخابات رئاسية غير اعتيادية، تزداد قوة التجاذبات ومرونة التحوُّل في تصريحات المرشحين مما يُبرز صيرورة حيوية مثيرة بين طبيعة النص اللفظي (مناظرات، خطب، مقابلات) أو المكتوب (بيانات، تغريدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي) التي يصوغها مرشحو الانتخابات كمنتجي الخطاب، وبين تلقِّيه من قِبَل الجمهور ضمن نسق فكري وسياسي قائم يضمن إمكانية انتشاره وتوالده بين الرأي العام كما هي حال الأميركيين هذا العام، 2016. ويشمل مفهوم الخطاب لدى ميشل فوكو "أنظمة التفكير التي تشمل الأفكار والمواقف ومسارات الفعل والمعتقدات والممارسات التي تبني بشكل منهجي الموضوعات والعوالم التي تتحدَّث عنها"(8). 

لذلك، ينبغي مراعاة المسار الذي يتحرَّك فيه الخطاب بين إنتاجه والتفاعل معه بين مؤيد ومعارض، أي: من مرحلة ولادة السَّرديَّات المختلفة حتى تصبح نواة الخطاب العام. ويتعيَّن هنا التمييز بين صنفين من الخطاب: الخطاب الصغير (discourse) small-d-discourse والخطاب الكبير big-D-discourse (Discourse)؛ إذ يشير الأول إلى "اللغة الفعلية وتشمل الحديث والنص". أمَّا الثاني فهو "المعرفة التي يتم إنتاجها وتداولها خلال الحديث، والطرق العامة للعرض، والتصرُّف، ونَظْم الأفكار، والافتراضات، وأنماط الحديث التي تهيمن على منطقة معينة، والمعتقدات والأفعال التي تُشكِّل نسق الممارسات الاجتماعية"(9). 

وفي هذا السياق، تُحدِّد الدراسة مفهوم الخطاب في العناصر اللفظية والمكتوبة وأيضًا المسموعة والمرئية بفضل تقنيات التواصل في القرن الحادي والعشرين من خلال تكريس بنية تفكير معينة وارتباطها بمنحى معرفي أو سياسي، وصدى التصريحات والنقاشات التي تحيط بموضوع أو قضية معينة. وتتشكَّل هذه الامتدادات من مجموعة من النصوص والمحادثات بين المرشحين؛ باعتبارها نسقًا مشتركًا يُوجِّه النقاش العام على هَدْيِ رموز وعبارات وطرق معينة في الحديث عن القضية يتمُّ استيعابها بما يتجاوز التركيبة اللغوية أو لِنَقُلْ: لغة ما وراء الجملة. 

2. تحليل سرديَّات الخطاب العام الأميركي 

1.2. نقاط التَّماس قي الملعب الأيديولوجي

أ‌. التشكيك في المسلمين

خلال أشهر قليلة بين نهاية 2015 وبداية 2016، سجَّل ترامب رقمًا قياسيًّا في عدد التصريحات التي أثارت غضب الكثيرين من الأقليات في أميركا وشعوب أخرى في العالم. وشكَّلت دعوته لفرض "حظر على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة حتى يتبيَّن للسلطات الأميركية ما ينبغي فعله إزاء معضلة التطرُّف والإرهاب"، المنعرَجَ الأكثر تشدُّدًا في موقف المحافظين، والأكثر حدَّة في ردِّ الديمقراطيين الذين ذكَّرتهم بقرار ألمانيا حظر دخول اليهود إليها في الثلاثينات من القرن الماضي. وتقول كلينتون: إنه في الوقت الذي "يتعيَّن أن تبذل أميركا كلَّ ما في وسعها لمحاربة الجهاديين المتطرفين، فإن السيد ترامب يُزوِّدهم بدعاية جديدة. إنه يلعب الأوراق لصالحهم"(10). 

وهناك مَنْ يرى في ترامب أول مشروع سياسي فاشي في تاريخ الولايات المتحدة، ويُحدِّد كارل برنستين (Carl Bernstein)، المعلِّق في صحيفة الواشنطن بوست وأحد المراسليْن اللذين فجَّرا فضيحة ووترغيت عام 1974، دواعي نعت ترامب بالفاشية الجديدة، قائلًا: "هو ضرب جديد من الفاشية في ثقافتنا تقوم على فكرة سلطوية وديماجوجية تتبنَّى فكرة معاداة المهاجرين والتعصُّب التي يناصرها ترامب. وأعتقد أن الحاجة تدعو لتأمُّل الماضي. ولحدِّ علمي حتى الآن، لم يسأل أي صحفي دونالد ترامب هذا السؤال: "ما الفاشية، سيد ترامب؟ ما الاختلاف بينك وبين خطاب فاشي؟"(11). 

ويعكس الجدول رقم (1) البِنى الفكرية التي تستند إليها ردود المرشَّحين الآخرين وتقوم على ألفاظ الشجب أو الامتعاض أو الخروج عن مقومات الزعامة في أميركا ودلالاتها السلبية بدرجات متفاوتة. وتتَّسم لغة المرشَّحين الديمقراطيين بالتشديد على حكم معياري قاطع ضد التحريض على الانقسام (كلينتون) والغوغائية (ساندرز وأومالي)، لكن ردود المرشَّحين الجمهوريين ظلَّت نسبيَّة ولم تصل إلى مستوى الشجب الديمقراطي، وتراوحت بين عبارات التأويل المفتوح منها "الخطير" أو "التهجُّمي" أو أنه "مدعاة للسخرية"، فيما يبقى ردُّ كروز الأقل اعتراضًا على مغزى ما رمى إليه ترامب. 

الجدول رقم (1) يُبيِّن ردود أفعال مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري لانتخابات الرئاسة تجاه تصريحات ترامب عن المسلمين

المرشحون الديمقراطيون

العبارة

هيلاري كلينتون

"يستدعي الشجب، وهو تصريح مغرض ويدعو لإثارة الفرقة"

برني ساندرز

"غوغائي"

مارتن أومالي (غادر السباق)

"غوغائي فاشي"

المرشحون الجمهوريون (غادروا السباق)

العبارة

تيد كروز

"ليس من سياستي"

ليندسي غراهام

"خطير بصراحة"

جون كيزيك

"يدعو للانقسام بشكل مشين"

جيب بوش

"معتوه"

ماركو روبيو

"تهجُّمي وشاذ"

كارلي فيورينا

"رد فعل مبالغ فيه وخطير"

كريس كريستي

"موقف مثير للسخرية"

رغم أن كروز لم يُؤيِّد تصريح ترامب ولم يُندِّد به صراحة، فإنه حاول مسايرة المدِّ المحافظ وحثَّ على "نشر قوات أمن" لمراقبة الأحياء التي يسكن فيها المسلمون الأميركيون. وقال: "نحن بحاجة إلى تمكين الأجهزة الأمنية للقيام بالدوريات وحفظ أمن أحياء المسلمين قبل أن تصبح راديكالية، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على مسايرة منطق اللياقة السياسية. حلفاؤنا الأوروبيون يشهدون اليوم ما ينتج عن المزيج السَّام من فئات المهاجرين الذين اخترقهم الإرهابيون وبين أحياء المسلمين الراديكاليين المنعزلين"(12)

وتوضح الخريطة المعجمية للجدول رقم (2) التباين بين المرشحين في طبيعة التَّمَثُّلات والقرائن والحكم المعياري والبنية الفكرية في شموليتها للمسلمين والإسلام

المسلمون/الإسلام

دونالد ترامب

تيد كروز

هيلاري كلينتون

برني ساندرز

 

 

 

السَّرديَّة الرئيسية

فرض حظر تام وكامل على  دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة حتى يتوصل نواب هذه الأمة إلى ما ينبغي فعله إزاء ما يحدث.

فرض رقابة على أحياء المسلمين الأميركيين كمعاقل للتطرف.

- ترامب وكروز يُشجِّعان الإرهاب ويُعزِّزان موقف داعش.

- محاولة غير صائبة لتجريم المسلمين.

- رسالة خاطئة إلى الدول الإسلامية الحليفة.

- أفكار غوغائية.

- استخدام هجمات بروكسيل للتهجُّم على المسلمين في العالم.

- هذه ليست قيم أميركا.

 

 

 

 

التَّمَثُّلات

- خطر إرهاب الإسلام الراديكالي.

- المساجد معاقل التطرف.

- المسلمون الأميركيون يعرفون من يتعاطف مع الجماعات المتطرفة.

- خطر الإسلام الراديكالي.

 - ترابط الإرهاب والتطرف مع تزايد المهاجرين.

- ضرورة التمييز بين المسلمين والجهاديين والمتطرفين.

- عدم الخلط بين العدو الإرهابي لأميركا والمسلمين الأميركيين وهم على خطوط الجبهة في مكافحة التطرف.

التشكيك في أن يكون كل مسلم إرهابيًّا تصوُّر فظيع.

 

 

 

 

القرائن

- تكرار الحوادث الإرهابية في باريس وبروكسل وكاليفورنيا وفلوريدا.

- تسلُّل عناصر داعش ضمن المهاجرين واللاجئين.

- ليس هناك حلٌّ آخر.

مخاطر التقاء الهجرة والتطرف في أحياء المسلمين.

- الإرهابيون لا يُمثِّلون الإسلام.

- فكرة ترامب حمقاء وقصيرة النظر.

سنصبح أمة ضعيفة إذا سمحنا لدعوات التمييز العنصري وكراهية الأجانب بالتفرقة بيننا.

 

 

 

الحكم المعياري

أولوية حماية أمن الأميركيين.

مراقبة أحياء المسلمين الأميركيين ضرورة أمنية.

- أميركا لا تقبل دعوات التمييز والانقسام.

- الإرهابيون يسعون للنَّيْل من القيم الديمقراطية التي هي أساس نمط حياتنا ولن يفلحوا.

- ينبغي أن نتضامن في محاربة جميع أشكال التمييز.

- سأبذل كل ما في وسعي (كعضو في مجلس الشيوخ) لإيقاف الحظر على دخول المسلمين.

 

 

 

أنماط المعاني

- القطيعة بين الـ"نحن" والـ"هم".

- التلويح بحلول "عملية" لمكافحة الإرهاب.

- تبرير الإسلاموفوبيا.

- تجاوز اللياقة السياسية التي تخفي خطر الإسلام الراديكالي.

 

- استحضار نظرية المؤامرة.

 - اعتماد المنطق القانوني.

- القطيعة بين الـ"نحن" والـ"هم".

- تبرير الإسلاموفوبيا.

 

 

- التنبيه إلى مخاطر الأحكام الشمولية.

- الحثُّ على تفادي التعصب والتمييز والإقصاء.

- تجويف أميركا من قيمها العليا وخرق مبادئ الدستور.

- فخورة بالمواطنة المشتركة مع المسلمين.

- مقاومة الأفكار الهدَّامة.

- التنبيه إلى خطر الدعوات الحماسية لكراهية المسلمين.

- عدم التفريط في مبادئ الدستور الأميركي من أجل القضاء على داعش.

 

النبرة الخطابية

تشكيكية، انعزالية، حماسية

تشكيكية، تحذيرية، تبريرية.

توضيحية، تصحيحية، تستند إلى المنطق أكثر من المشاعر.

تصحيحية، تعتمد منطق المقارنة،

تُذكِّر بالقيم والمبادئ المشتركة.

 

 

البنية/المرجعية الفكرية

- حرب بدوافع دينية.

- كراهية المسلمين للغرب.

- صدام الحضارات.

ليست حربًا باسم الدِّين بل هي حرب باسم الأيديولوجيا السياسية والدينية التي تستهدف الأميركيين.

الإسلام ليس عدونا، والمسلمون شعب مسالم ومتسامح وليست له صلة بالإرهاب.

لسنا في حرب مع أي دين.

 

تُظهر الخريطة المعجمية المنحى المحافظ نحو شَيْطَنَة المسلمين والعرب في ضوء الصور النمطية المتداولة، فيما اعتمد الديمقراطيون حقولًا دلالية مناقضة تستند إلى المفهوم المعياري العام بأن أميركا تُمثِّل نسيجًا متنوِّعًا ومتجانسًا من شتَّى الديانات والثقافات والمرجعيات العِرقية والإثنية. 

وتبرز العلاقة بين الممارسات الخطابية والممارسات الاجتماعية من خلال استثمار ترامب وكروز في تصوُّرات اليمينيين المحافظين عن الإسلام والمسلمين تحت ظلال هجمات سبتمبر/أيلول 2001 وغيرها من التفجيرات المتعاقبة. ويتماشى موقفهما إلى حدٍّ كبير مع اعتقاد أغلبية المحافظين وفئة "الواسب" (WASP) (وَهُمُ البِيضُ البروتستانت المتحدِّرون من أصل أنجلوساكسوني الذين يعتبرون أنفسهم الطبقة المتوسطة، وإن كانوا من الطبقة العاملة)، وال

مراجع

1. Reston, Maeve, Merica, Dan, “In Trump attacks, Hillary Clinton finds her voice”, CNN, 26 May 2016, (Visited on 26 May 2016):

http://www.cnn.com/2016/05/26/politics/hillary-clinton-donald-trump-attacks/

2. Van Dijk, T. A., News Analysis: Case Studies of International and National News in the Press, (Lawrence Erlbaum Associates, Hillsdale, N.J, 1988), p. 2.

3. Dijk, T. V., Discourse and Power, (Palgrave McMillan, 2008), p. 87.

4. Fairclough, N., Critical Discourse Analysis: The Critical study of Language, (Longman, London, New York, 1995), p. 9.

5. Meyer, M., “Between theory, method, and politics: positioning of the Approaches to CDA”, in Wodak, Ruth and Meyer, Michael (eds.) Methods of Critical Discourse Analysis, (Sage Publications, 2001), p. 22.

6. Fairclough, N., Wodak, R., Critical Discourse Analysis, (Longman, 1997), p. 271-280.

7. Gadamer, H. G., Truth and Method, (Bloomsbury, 1975), p. xi.

8. Quoted form Lessa, Lara, Discursive Struggles within Social Welfare: Restaging Teen Motherhood, British Journal of Social Work, 2006, 36 (2), p. 283–298.

9. Gee, J. P., Social Linguistics and Literacies: Ideology in Discourses, Critical Perspectives on Literacy and Education, (London, New York, 1990), p. 142.

10. Frizell, Sam, “Hillary Clinton Blasts Donald Trump’s Comments on Muslims”, CNN, 5 December 2015, (Visited on 12 April 2016):

http://time.com/4141599/hillary-clinton-trump-muslims

11. Amato, John. “Carl Bernstein: Donald Trump Is An American 'Neo-Fascist'”, CNN, 3 March 2016, (Visited on 22 March 2016):

http://crooksandliars.com/2016/03/carl-bernstein-donald-trump-american-neo

12. Diamond, Jeremy. “Ted Cruz: Police need to 'patrol and secure' Muslim neighborhoods”, CNN, 27 March 2015, (Visited on 12 May 2016):

http://www.cnn.com/2016/03/22/politics/ted-cruz-muslim-neighborhoods/

13. Oh, Inae, “Bernie Sanders Slams Donald Trump's Anti-Muslim Rhetoric”, 9 December 2015, (visited on 25 March 2016):

 http://www.motherjones.com/mixed-media/2015/12/bernie-sanders-donald-trump-tonight-show

14. Wodak, R., Meyer, M., Methods of Critical Discourse Analysis, (Sage Publications, 2001), p. 11.

15. Roth, Samantha-Jo, “Donald Trump Can Tell Refugee Children ‘You Can’t Come Here’”, The Huffington Post, 2 February 2016, (Visited on 3 May 2016):

http://www.huffingtonpost.com/entry/donald-trump-syrian-refugee-children_us_56b8e1d4e4b01d80b24743ea

16. Swan, Jonathan, Hattem, Julian. “Cruz to offer bill banning Syrian refugees”, The Hill, 16 November 2016, (Visited on 4 may 2016):

http://thehill.com/policy/national-security/260317-cruz-to-offer-bill-banning-syrian-refugees

17. Habermas, J., Erkenntnis und Interesse, (Suhrkamp, Frankfurt, 1977), p. 259.

18. Kaplan, Rebecca, “Hillary Clinton: U.S. should take 65,000 Syrian refugees”, Face the nation – CBS, 20 September 2015, (Visited on 23 March 2016):

http://www.cbsnews.com/news/hillary-clinton-u-s-should-take-65000-syrian-refugees/

19. Gore, D’Angelo. “Sanders’ Support for Syrian Refugees”, Fact Check, 1 December 2015, (Visited 23 March 2016):

http://www.factcheck.org/2015/12/sanders-support-for-syrian-refugees/

20. Sanders, Bernie, “Speech prepared for AIPAC’s conference and delivered at a rally”, Tikkun, 24 March 2016, (Visited 12 May 2016):

https://www.tikkun.org/nextgen/clinton-sanders-trump-and-cruz-on-israel-and-us-foreign-policy

21. Ibid.

22. Cruz, Ted, “Speech delivered at AIPAC’s conference, Tikuun, 24 March 2016, (Visited 12 May 2016):

https://www.tikkun.org/nextgen/clinton-sanders-trump-and-cruz-on-israel-and-us-foreign-policy

23. Van Dijk, T. A., Ideology: A Multidisciplinary Approach, (Sage Publications, 1998), p. 183

24. Fairclough, N., Discourse and Social Change, (Polity Press, Cambridge, 1992), p. 135.

25. Wodak, R., Meyer, M., Methods of Critical Discourse, Sage, 2001, p. 3.