الإعلام التقليدي والجديد في سياق تمدد الإعلام الاجتماعي وشبكاته

تراجع الدراسة علاقة الإعلام التقليدي والجديد في سياق تمدد الإعلام الاجتماعي وشبكاته، وتبحث في خطاب النهايات لفهم وتفسير علاقتهما وجغرافية التحولات التي يعيشها المشهد الإعلامي والاتصال الدولي، وما تتطلبه الحالة الإعلامية الجديدة من فهم جديد للصحافة باعتبارها ظاهرة اجتماعية متجددة.
5816d79abf0d4359a301e5674d946eb5_18.jpg
(الجزيرة)
تهدف الدراسة إلى تأطير الجدل الدائر والمتنامي في الحقل الأكاديمي والمهني حول تداخل العلاقة بين كلٍّ من ظاهرة الإعلام التقليدي والإعلام الجديد في سياق تمدُّد الإعلام الاجتماعي وشبكاته. ويبدو أن هذا المبحث بات أسير أحكام الاستخدام المتنامي لكل ما له صلة بتكنولوجيات التواصل اليومي والفردي وفي تجاهل ظاهر لدور الفاعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي. 
إن جدلية العلاقة بين الإعلام التقليدي، مُجَسَّدًا في ظاهرة الصحافة، والإعلام الجديد، الذي هو في الأصل سليل ظاهرة اندماج التقنية مع حاجات الاستخدام البشري المعاصر في مجالات الاتصال، أَعْقَدُ من أن يُحْسَم السِّجال حولها بتوسُّل خطاب النهايات مدخلًا للفهم والتفسير. فبالعودة إلى ظاهرة الصحافة، كما وصفها توكفيل عام 1835 عندما قال: "إن الاعتقاد بأن الصحف لا تخدم إلا تأمين الحرية ينتقص من أهميتها فهي تحافظ على الحضارة"، تتأكد تقاطعات هذه الظاهرة مع مسار التطور الإنساني منذ نشأتها إلى اليوم. 
هكذا علينا مراجعة أن سرعة تقنيات الاتصال ونجاعتها في خدمة الناس لا يجب أن تُفَسِّر لنا أيضًا فكريًّا وبحثيًّا وبشكل متسرع -أي بذات آليات اشتغال التقنية- ما تعيشه ظاهرة الإعلام والصحافة من أزمة. إن ظاهرة الانفلات الاستخداماتي للصحافة اليوم، وبحكم التراكم الوظيفي للإعلام الاجتماعي وشبكاته، تستدعي ضرورة البحث عن حدود لهذه الظاهرة والتي لا يمكن أن تكون، ومهما حررتها التقنية، إلا فكرية ومعرفية وحصيلة جهد وبحث جماعي وليس مغامرة فردية. 
إن ارتدادات غزو الرَّقمي للإعلام التقليدي كانت وبشكل موازٍ مُنْتِجَةً لحالة من أَعْلَمَةِ شبكات التواصل الاجتماعي، أي: إن ما يُرَقْمَنُ في الإعلام التقليدي هناك يتحوَّل هنا في الإعلام الاجتماعي وفي شبكات تواصله إلى سَيْلٍ من الأخبار والتسلية والتعليم. هل يمكن القول بأن شبكات التواصل الاجتماعي هي الفرع في علاقتها بظاهرة الإعلام الاجتماعي؟ هل يمكن القول أيضًا بأن فوارق الاتصال والإعلام باتت ضئيلة؟ فنحن أمام إعلام اجتماعي يحتوي في داخله تواصلًا اجتماعيًّا ونحن أيضًا أمام اتصال اجتماعي يحمل في داخله إعلامًا اجتماعيًّا. وتحاول هذه الدراسة أيضًا المقاربة في الإجابة على سؤال لماذا عندما تستعرضنا إشكالية: هل الصحافة الورقية باقية أم لا، لا نستدعي دائمًا سؤال: هل الحاجة إلى الصحافة ما زالت قائمة أم لا؟

"لماذا لا نُسمِّي الصحافة صحافة فقط، وهي التي يمكننا أن نمارسها بمختلف الأساليب"، الرئيس التنفيذي لموقع BuzzMetrics.

تقديم: نهاية خطاب النهايات 

إلى زمن ليس بالبعيد كُنَّا نتابع وبشكل متواتر شهادات وتصريحات لنخبة من الخبراء والمختصين في الشأن الإعلامي وعلم مستقبليات الاتصال بأنه مع حلول سنة 2020(1) أو حتى قبلها ستنتهي الصحافة الورقية. البعض ذهب إلى أن سنة 2040 هي السنة التي معها ستكون الصحافة المكتوبة قد انقرضت كليًّا. يمكن وصف مثل هذا الخطاب بخطاب النهايات:

  • نهاية التليفزيون ونهاية الشاشة الكبيرة.
  • نهاية ثقافة المكتوب ونهاية الصحافة الورقية.
  • نهاية الإذاعة.
  • نهاية الجمهور ونهاية التلقي. 

إنها حالة من التَّنْجِيم الدائم وكأنَّ المسألة باتت سباقًا في قراءة الغيب. لكن علينا أمام هذا الخطاب القائم على النهايات القول بأنه حتى مع النهايات توجد دائمًا بدايات، فإلى اليوم ما زالت تُؤَسَّس صحفٌ وتُبْعَث مجلات في كل أرجاء الأرض، وتُؤَسَّس كذلك تليفزيونات وإذاعات وبأموال طائلة وبجمهور متعطش(2). في ذات الإطار، فإن استطلاعًا لمؤسسة ريدر ديجست أظهر أن 70% من القرَّاء الأميركيين يعتبرون قراءة الكتاب الإلكتروني مُجْهِدَةً، وأن عدد الناشرين تضاعف ثلاث مرات خلال السنوات العشر الأخيرة، وأن أكثر من ثلث هؤلاء يحقق نسب توزيع تتراوح بين 200 إلى 400 ألف نسخة. كما أن الجمهور المهتم بالأخبار في اتساع كبير، بل يوجد حتى من يسعى إلى شراء الأخبار إلكترونيًّا رغم فائض الأخبار المجانية التي تشهدها الشبكة. تمر السنون والعشريات وما هو باق هو حاجة الناس الدائمة إلى الصحافة من أخبار وآراء. هل يُخْفِي الخطاب القائم على النهايات خلفية تسويقية لمنتج جديد يُراد له أن يترسَّخ مكان القديم ولذلك نُسارع لعامَّة الناس تضخيمَه وقرعَ طبول نهايات القديم حتى وإن كان ما زال في القديم مزايا؟ كما أن التمسك بخطاب النهايات عجز عن تفسير الجديد الذي سيحل محلَّ القديم المنتهي، فيكفينا عناء تفسير تحولات المشهد الصحفي القول: إن الصحافة ستنتهي حتى نُفَسِّر صلابة فكرة الإعلام الجديد والإعلام الاجتماعي وشبكاته. إذن، هل يصح القول بأن خطاب النهايات لشرح الإعلام الجديد وحالات التموقع التي تعيشها الميديا هو عبارة عن مظهر من مظاهر خطاب الأيديولوجيا الذي يريد أن يستحوذ فكريًّا على مبحث الاتصال في تجلياته السوسيولوجية الجديدة وبعيدًا عن أي جهد بحثي في تتبع جغرافية كل تلك التحولات. إن خطاب النهايات تبسيط علمي وجب التذكير بمحاذيره ومن أثر تشوُّهاته الإبستيمولوجية على السرديات الكبرى في علوم الإعلام والاتصال ونحن في بداية هذا المبحث. 

هل تناول موضوع العلاقة بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد هو حديث عن الإعلام والصحافة بوصفهما ظاهرة اجتماعية مُتَجَدِّدة أم حديث عن أوعية الصحافة؟ إذا ما كان الأمر يتعلق بحديث: هل الصحافة باقية أم زائلة بوجود الورقي أم الرقمي؟ فإن الجواب بسيط: إن حاجة الإنسان إلى الأخبار وتحليلها قديمة قدم الإنسان، أما أن نُنَجِّم ونتخيَّل كيف ستكون هذه الصحافة -خبرًا ورأيًا- على هيئة الورقي أم الرقمي فإننا نعتقد أن لكل فرد سبيله ولكل أمة طريقها ولكل حضارة سياقاتها؛ إذ سيعترضنا من سيستقي الأخبار من الصحف فقط وآخر من الإنترنت فقط، وآخر في الصباح من الصحف وفي المساء من الإنترنت، وآخر من التليفزيون وغيرهم من أشكال قد تكون بدائية على هيئة نواد أو مجالس قبلية أو قروية أو أسرية. 

لماذا إذن عوض أن نثير سؤال: هل الصحافة الورقية باقية؟ لا نثير سؤال: هل الحاجة إلى الصحافة ما زالت قائمة أم لا؟ بالورقي أو الرَّقمي أو البردي توجد دائمًا حاجة ماسَّة إلى هذه الظاهرة الاجتماعية ووظائفها النبيلة والتي حَرِي بنا إثارة إشكالية نوعية الأخبار وموضوعيتها واستقلاليتها ومدى خدمتها للصالح العام عوض التنجيم ببقاء الصحف الورقية من عدمه(3). أبعد من ذلك، لم يعد الحديث، ونحن في بداية سنة 2017، عن تقلص حضور الصحافة المكتوبة بل إن كل الإحصائيات في أغلب الدول الأوروبية وأميركا اللاتينية وحتى منها دول عربية تؤكد أن الفئة العمرية 18-35 سنة تستمد أخبارها من شبكة الإنترنت بعد أن كانت إلى زمن ليس ببعيد تعتمد على التليفزيون(4). أبعد من كل ما ذُكر، هو أن النسبة الغالبة لهذه الفئة والتي باتت لا تعتمد لا على الصحف ولا على التليفزيون لمتابعة الأخبار أصبحت تعتمد على الهاتف الجوال الذكي المرتبط على مدار الساعة بمنصات شبكات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيس لتصفح الأخبار التي تضخها وسائل الإعلام التقليدية. من كان قد تنبَّأ بكل هذه التحولات وبكل هذه الثورة التي بات يعيشها المشهد الإعلامي والاتصالي الدولي؟ 

بعد عرض هذا التقديم نقول: إن الفكرة من وراء دراسة ظاهرة شبكات التواصل الاجتماعي في علاقتها بالإعلام التقليدي تعود إلى تتبع كيف استطاعت هذه الأدوات الاتصالية أن تكسب كل يوم مواقع جديدة في حياة الأفراد والمؤسسات كانت غائبة عن الإعلام التقليدي. كما علينا أيضًا إثارة كيف غيَّرت وسائل التواصل الاجتماعي علاقتنا بوسائل الإعلام؟ كما أن هذه الشبكات قد غيَّرت أيضًا ظروف عمل الصحفيين وكيف عليهم أن يتأقلموا مع كل هذه التطورات الهائلة التي باتت تعيشها مهنة الصحافة؟ إن مراجعة حدود شبكات التواصل الاجتماعي ضرورية في علاقتنا بوسائل الإعلام كمواطنين وكصحفيين وكمسؤولين عن الشأن العام أيضًا. 

هكذا على الجميع أن يعي أن خطاب النهايات في علاقته بالميديا قد انتهى منذ أن أصبح كل شيء رقميًّا(5)، وأن يلقي الجميع الحجر الذي بين يديه. سنحاول من خلال هذا البحث مراجعة الرؤية وعرض جملة من الإشكاليات المتصلة بالإعلام التقليدي والإعلام الجديد وعلاقتهما بالإعلام الاجتماعي وشبكاته والتي يمكن حصرها في المحاور الآتية:

  • ثورة الإعلام الجديد: الجديد يولد من أحشاء القديم.
  • الإعلام الجديد والإعلام الاجتماعي: من ديكتاتورية الأرقام إلى حشد بلا وجه.  
  • الإعلام التقليدي والإعلام الجديد من منظور الإعلام الاجتماعي وشبكاته.
  • الإعلام الاجتماعي وإعادة توزيع الأدوار.
  • الإعلام التقليدي والإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي: أية علاقة؟ 

1- ثورة الإعلام الجديد: الجديد يولد من أحشاء القديم 

عند إثارتنا لمفهوم الإعلام الجديد علينا الإقرار بأنه مبحث دسم فكريًّا، وأن أكثر ما يستوقفنا فيه هو غموض مصطلح "الجديد" وتعريفه. وتوجد عادة عند الإنسان رغبة في المحافظة على القديم؛ لأن التغيير يكون عادة مصحوبًا بعدة تنازلات وربما تضحيات وخسارة لبعض المكاسب التي اعتاد الفرد التعايش معها. إذن، فالجديد يكون عادة غامضًا وغير معروفة ملامحه النهائية لذلك نصادره ونخشاه. هكذا، بين الرغبة في المحافظة على التقليدي؛ لأننا نعرفه وتعودنا عليه، وسعي لتجنب الجديد؛ لأنه مجهول، يعيش المشهد الإعلامي والاتصالي الدولي حالة من التجاذب المهني والفكري والاقتصادي بين إعلام تقليدي محافظ وإعلام جديد ثوري وبديل. والجديد في الإعلام الجديد هو زوايا جديدة في حياة البشر لم يتطرَّق لها الإعلام التقليدي أو ليس باستطاعته التطرُّق إليها ومعالجتها بحكم وَهَن التقنية أو السياقات، وهو ما يجعل منه بالفعل تقليديًّا في مقارنتنا له بالإعلام الجديد الذي بات يحتلُّ هوامش لم يعد الإعلام التقليدي قادرًا على الولوج إليها. فمشاركة المتلقي في عملية النشر، ومقدرته على التفاعل مع المحتويات الإعلامية، وإنتاج المعلومة والتي قد ترتقي في بعض الأحيان إلى قيمة الخبر الذي يأتي به الصحفي هي كلها مناطق كانت محظورة على الإعلام التقليدي مُجَسَّدًا في الصحافة المكتوبة والإذاعة والتليفزيون في هيئتهما التناظرية وحتى الرقمية(6). لا يجب علينا أن نتوقف كثيرًا عند مصطلح القديم أو الجديد؛ لأنه وبكل بساطة فإن القديم وفي فترة تاريخية ما وضمن سياق محدد كان جديدًا وأن الجديد الذي نحن بصدد البحث فيه والتهليل بمزاياه سيصبح يومًا ما قديمًا(7). لذلك يعتقد العديد من الباحثين أنه من حُسن الحظ أنه ما زالت توجد وسائل إعلام تقليدية؛ لأنها هي التي تنيرنا اليوم وبشكل موضوعي وصحيح عن أخبار الناس واتجاهات الرأي العام خاصة في المجتمعات الديمقراطية، وأيضًا تلك التي تعيش حالة انتقال ديمقراطي. وقد بدأ هذا التوجُّه يوحي بميلاد مصطلح جديد هو الإعلام التقليدي الجديد، أي إنه تقليدي في احترامه للرأي العام والمصداقية والخصوصية والتأكد من الخبر وجديد باستعماله حوامل رقمية وتبنِّيه للتفاعلية ولحضور المتلقي في عمليات النشر والتحرُّر من أَسْرِ تكنولوجيا الإعلام التقليدي. 

بالعودة إلى كل ما ذُكِر، فإنه وجب علينا، وعلى المستوى النظري، بيان أن تناولنا للإعلام الجديد وربطه بالإعلام التقليدي من منظور الإعلام الاجتماعي وشبكاته التواصلية مردُّه في الأصل إلى أن الإعلام الجديد ليس فقط إعلامًا جديدًا على مستوى التقنية بل إن جدَّته تكمن أيضًا على مستوى المضمون والمحتوى، وخاصة الفكر الذي يحمله والأنساق الجديدة التي من المفترض أن يفرزها سوسيولوجيًّا داخل المجتمع لاسيما من داخل النسق التقليدي لحاجة الناس الأزلية للأخبار والصحافة(8). إن الجديد في الإعلام الجديد يولد من أحشاء القديم في الإعلام التقليدي مُجَسَّدًا في الصحف والإذاعة والتليفزيون؛ فرغم حضور تعبيرات الإعلام الاجتماعي مع تطور شبكات التواصل الاجتماعي واختراق هذا المصطلح الخطاب الأكاديمي والإعلامي النخبوي فإننا نؤكد أن الإعلام الاجتماعي وشبكات تواصله ما هي إلا إحدى إفرازات الإعلام الجديد وتجلياته. علينا إذن في هذا الإطار إثارة سؤال: من أين جاء الإعلام الجديد؟ والإجابة تأتي بأنه حصيلة اندماج أو انصهار أو أيضًا التزاوج بين تكنولوجيات الاتصال الجديدة والتقليدية مع جهاز الكومبيوتر وشبكاته والبث الفضائي ورقمنته(9). تعددت اصطلاحات الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي لكن خصائصهما السيكولوجية والسوسيولوجية النهائية والدلالية اللغوية لم تتبلور بعد، ليحدث نوع من التواضع حول تسمية "الإعلام الجديد"؛ لأنه ببساطة منهجية لا يشبه وسائط الاتصال التقليدية. فقد نشأت داخل الإعلام الجديد حالة تزامن نادرة وجديدة بين مجموعة من العمليات التي كانت إلى زمن قريب متباعدة لتصبح عملية بث وإرسال النصوص والصور المتحركة والثابتة والأصوات ممكنة بشكل حر ومجاني وآني. 

هكذا علينا التساؤل: كيف عدَّلت التكنولوجيا أشكال بثِّ المحتوى الإعلامي؟ يُمثِّل تعدد الحوامل والأوعية الباثَّة للمضامين الإعلامية حالة من الرشد والنضج التي باتت تكنولوجيات الاتصال تعيشها منذ بدايتها الأولى مع مطبعة يوهان جوتنبرج. إنها حالة من الاندماج لثلاثة اتجاهات هي بالأساس نضج وتطور بنية الشبكات اللاسلكية، والاتجاه نحو مزيد من تصغير الأوعية الاتصالية حتى تكون في متناول الجميع، وأخيرًا قابلية تلك الأوعية للحمل والتنقل ودخولها إلى معترك الاستعمال الأسري اليومي وبشكل متسارع. ويبدو الآن أن سوق الاتصالات أصبحت قبل أي وقت مضى مستعدة لاستقبال كل هذا الفائض من الاستخدامات اليومية للناس وهو ما جعل ثورة الاتصالات تحاول أن تواكب ثورة المضامين والاستخدامات والعكس أيضًا صحيح. فبعض المصطلحات من قبيل 4G, WiMAX, VoIP, CPL, Android, FemtoCell, TNT, NFC, AJAX, Smartphones, RFID، باتت لصيقة ثورة الاتصالات، وأن تغييرها أيضًا ببروتوكولات جديدة قائم وفي كل لحظة انطلاقًا من حاجة الاستخدام وضرورات المضمون. 

تاريخيًّا، وفي ستينات القرن الماضي، وفي وقت كان فيه العالم مُتَسَمِّرًا أمام الشاشة الصغيرة -أي التليفزيون- يتابع نزول أول إنسان على سطح القمر، كان الباحث الكندي في علوم الاتصال، مارشال ماكلوهان، يضع لبنات نظريته الإعلامية الحديثة القائلة بأن وسائل الإعلام ما هي إلا امتداد تكنولوجي للإنسان وحواسه، وقد فسَّر ذلك في كتابه الشهير "كيف نفهم وسائل الإعلام"(10). منذ ذلك التاريخ وتكنولوجيات الاتصال تتسارع مُحْدِثَةً حالة من النَّمْذَجَة الكونية للمجتمعات من خلال ثقافة إعلامية باتت تعرف بـ"القرية الكونية" حسب المقولة الشهيرة لماكلوهان نفسه. لقد كان هذا الأخير من الأوائل الذين تحدثوا عن اختفاء ثقافة الإعلام المكتوب في مواجهة ثقافة الإعلام التكنولوجي، لكنه ربما لم يكن يتوقع إلى أية درجة سيكون الرقمي مزعجًا لوسائل الإعلام وكيف سيدفعها إلى مراجعة أدوارها وتموقعها. قد يذهب البعض إلى اعتبار هذا الاستشهاد بماكلوهان احتفاء بالحتمية التقنية. للتفاعل نقول: متى لم يكن للتقنية فعل حتمي على الإنسان؟! كما أن تلك التقنية تخضع بدورها إلى حتمية أخرى سوسيولوجية تتمثَّل في الاستخدامات الفردية والاستعمالات الجماعية لتحدث حالة من التمثلات قد تصل حدَّ التملك(11). إذن، وراء كل حتمية تقنية حتمية اجتماعية وهو ما يجعل من مقاربة خطاب الحتميات خطابًا متجاوزًا، وحري بنا تتبع مخرجات تزاوج التكنولوجيا مع حاجات الإنسان وهو ما ينتظر الباحثين المهتمين بالإعلام الاجتماعي وشبكاته بحكم أن وراء كل استخدام تعترضنا التقنية لكن في هيئة تطبيقات وبرامج بسيطة تُمَكِّن نفس المحتوى من عبور أكثر من محمل إعلامي. لذلك، يرى البعض أن الجديد في الإعلام الجديد هو حاجات جديدة لإنسان جديد في سياق تكنولوجي وثقافي جديد(12). فالإعلام الجديد هو في الأصل من فعل الإنسان وليس من فعل التقنية التي لا قيمة لها إن لم يستخدمها الإنسان وبشكل جماعي ليكون أكثر تحررًا من هيمنة المحيط الخارجي. وقد حسم هذا الجدال فرنسيس بال عندما قال: "إن وسائل الاتصال، تتخذ قيمتها من حقل استخدامها؛ فالتقنية لا تفرض علينا شيئًا، فهي تقترح والإنسان يتدبَّر الأمر أو يعيد تركيبها. ويتميز مصير وسيلة الاتصال عن مصير غيرها من التقنيات، بأنه يتعرض للحوادث ويتلقى تشعبات معينة وغالبًا ما يتغير اتجاهه. وهكذا، فإن وسائل الإعلام تفاجئنا على الدوام، ذلك أن استخداماتها نادرًا ما تتطابق مع ما صمَّمه مخترعوها"(13). 

ستبقى عمليات التجديد التكنولوجي -بالفعل- هي المحرك الأساسي لما يمكن أن نُسمِّيه بالاستخدامات الجديدة للاتصال، فهي توفر للمستخدمين الجدد وأيضًا لكبرى الشركات حلولًا لحاجات الناس المتجددة أبدًا؛ فإذا ما عدنا إلى جهاز الكمبيوتر فبعد أن صُمِّم كجهاز يساعد على عمليات الحساب الآلي تحول إلى جهاز للإخراج والرقن والإدارة، ليستقر أخيرًا إلى جهاز اتصال وتواصل في المقام الأول مرتبط بمليارات الأجهزة المماثلة في بقية أجزاء العالم. التشبيك الدائم منتِج لتواصل دائم؛ فبالإضافة إلى أثر تكنولوجيا الاتصال وأدواتها المتعددة، فإن ظاهرة الارتباط الدائم بالشبكة يعتبر اليوم من بين الرهانات البحثية الكبرى والتي عليها أن تثير قضايا من قبيل اللاتواصل أو اللاتشبيك في مقارنة بين دول الشمال ودول الجنوب أو بين الريف والمدينة أو بين الفقراء والأغنياء، فنسبة الارتباط بشبكة الإنترنت في إفريقيا 11% أما في أوروبا فتصل إلى 50%(14). من داخل استعمال التكنولوجيا يولد الاستخدام الاجتماعي للتقنية الذي بدوره يكون مُوَلِّدًا لحلول تقنية جديدة تفتح على أسواق جديدة أيضًا، وهكذا دوليك حاجات تفتح على تقنية تفتح بدورها على حاجات جديدة تذكرنا بمقولة: إن الجديد عادة ما يولد من أحشاء القديم. 

2- الإعلام الجديد والإعلام الاجتماعي: من ديكتاتورية الأرقام إلى حشد بلا وجه 

ليس أفصح من بيان الأرقام لإقناع المسؤولين اليوم وحتى عامة الناس بأننا في عصر الاتصال وأننا أمام إعلام جديد هو بصدد القطع مع تقاليد قديمة في هذا القطاع، وأننا أيضًا أمام استخدامات للاتصال والإعلام لم تكن إلى زمن قريب معهودة وخاصة فيما يتصل بتمددها الأفقي. إذا ما اعتبرنا أن سكان الكرة الأرضية يناهز 7.3 مليارات نسمة فإن 3.17 مليارات منهم مرتبطون بشبكة الإنترنت أي ما يقارب النصف، وأن لكل فرد منهم 5.54 حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي. أكثر من كل ذلك، فإننا نسجل يوميًّا مليون مستخدم جديد لشبكات التواصل الاجتماعي على الهاتف الجوال، أي ما يعادل 12 مستخدمًا جديدًا في كل ثانية. من بين كل هذه الأرقام يتربع موقع الفيسبوك على سلم الترتيب بـ1.71 مليار حساب، واليوتيوب بمليار، أما عدد مستخدمي "الواتس آب" فهم في حدود 900 مليون مستخدم، ولنكدإن بـ450 مليون. 

على المستوى الاقتصادي، وتحديدًا في سنة 2015، استثمرت أكثر من 38% من الشركات الخاصة ما قيمته 20% من ميزانيتها للإعلانات في شبكات التواصل الاجتماعي وهو ما يُمثِّل ارتفاعًا بنسبة 13% مقارنة بسنة 2014. وتمثُّل تلك النسبة ما قيمته 8.5 مليارات دولار من مداخيل إشهارية لصالح شبكات التواصل الاجتماعي؛ وهذا فقط لسنة 2015. أما فيما يتعلق بمقاطع الفيديو والتي لها صلة بالمضامين، فإن شبكة الفيسبوك توفر 8 مليارات مشاهدة في اليوم أمَّا "سناب شات" فله 6 مليارات مشاهدة لمقاطع فيديو، ويُعتبر من بين أكثر الشبكات مشاهدة في العالم. فعلى سبيل المثال، وتحديدًا في الولايات المتحدة الأميركية، فإن الشخص الواحد يقضي ما يعادل ساعة و16 دقيقة من الوقت في مشاهدة مقاطع فيديو على الحوامل الرقمية. أما على منصة غوغل الخاصة بالفيديو، فإنه يقع تحميل 300 ساعة كل دقيقة وهو ما يمثِّل رقمًّا خياليًّا يوازي 3.25 مليارات ساعة فيديو مشاهدة كل شهر. وعلينا هنا أن نشير إلى أن نصف مقاطع الفيديو هذه تأتي من الهواتف الذكية الجوالة والتي توفر مليار مشاهدة في اليوم لمقاطع الفيديو هذه. 

تتميز المدونات بدور السبق فيما يتعلق بإنتاج المضامين الرقمية للمستخدمين، والتي توفر 65% من مجموع المحتوى الرقمي، فمنصة الووردبريس (WordPress) تنشر لوحدها 56 مليون مقالًا في الشهر. أما إمبراطورية غوغل فهي تعالج ما يفوق 100 مليار عملية بحث في الشهر أي ما يقارب 40 ألف عملية بحث في هذا المحرك في الثانية، وهو ما يمثِّل 89.3% من عمليات البحث في الشبكة، وأن من بين تلك النسبة هناك ما بين 16 و20% هي عمليات بحث جديدة في هذا المحرك العملاق. والملحوظ أيضًا أن نصف عمليات البحث تلك تأتي من الهواتف الذكية أي ما يقارب 50 مليار بحث في الشهر وهو ما يدفعنا مستقبلًا إلى ضرورة أن نفكر في الهواتف الذكية كلما هممنا بالتفكير في تصميم مضامين رقمية، والطريف في كل هذا هو أن مركز بيانات غوغل يستهلك فقط 0.01% من الطاقة في العالم. 

فيما يتصل بشبكات التواصل الاجتماعي، فإن ظاهرة شبكة الفيسبوك تتصدَّر كل الأرقام. فهذه الشبكة ينخرط فيها يوميًّا 500 ألف مشترك جديد، أي ما يعادل 6 أشخاص جدد في كل ثانية. على مستوى الإعلانات، فإن مليونين من 40 مليون صفحة تملكها شركات صغرى توظِّف الإعلانات لنشر مضامينها. أما شبكة التواصل الاجتماعي، إنستغرام، فلها 400 مليون ناشط كل شهر، وهو ما يمثِّل تحميل 80 مليون صورة على هذه المنصة موفرة 3.5 مليارات إعجاب “J’aime-Like”. 

هكذا، وكلما سعينا إلى إثارة سجال فكري عن شبكات التواصل الاجتماعي أُشهرت في وجوهنا مثل تلك الأرقام والإحصائيات التي لا تكذب. كل تلك الأرقام هي دلالة على وجود حشد داخل الشبكة، لكن هذا الحشد يبدو أنه بلا وجه، أي بلا هوية. وقد تكون الأرقام ها هنا مُغَذِّيَة للحديث الفكري لكن علينا أيضًا أن نحذر من أن الاعتماد عليها وبدون خلفية فكرية ونظرية مجازفة، وذلك بحكم أثر السَّلْعَنَة السريع لظاهرة الإعلام الاجتماعي وشبكاته وكل محاولات الاحتواء التي يتعرض لها. في هذا السياق نشرت مؤسسة "رويترز" لدراسة الصحافة نتائج بحث ميداني مفادها أن مواقع التواصل، مثل الفيسبوك، باتت المصدر الأول للأخبار بالنسبة للشباب(15)، وأنها صارت تَحُول بين المؤسسات الصحفية الكبرى والعائد المالي من الأخبار التي تنتجها. الدراسة أكدت جملة من الحقائق والنتائج المثيرة والتي باتت اليوم متداولة، لعل أهمها:

  • تتعرض المؤسسات الصحافية في جميع أنحاء العالم لاضطرابات غير مسبوقة في نماذج العمل وذلك مع الصعود المتواصل لتأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي.
  • الهجرة والانتقال في قراءة الأخبار إلى الهواتف الذكية وتزايد الإعلانات على شبكة الإنترنت باتت حقيقة تقنية واقتصادية ومجتمعية.
  • أمست القصص الخبرية للمؤسسات الصحفية، في بلدان مثل كندا وبريطانيا، تحظى بمتابعة أكثر دقة عند نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. 

في أكثر من بلد بات الاستنتاج السائد أن 50% من مستخدمي الإنترنت يحصلون على الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي قبل كل شيء، في وقت يتجه عدد متزايد من المستخدمين إلى اعتبارها مصدرهم الرئيسي للأخبار. والمثير أيضًا في هذه الدراسة هو أن كبريات المؤسسات الإعلامية ربطت نفسها بمنصة الفيسبوك وغوغل لتوزيع أخبارها، رغبة منها في سعة الانتشار وسرعته، وهو ما جعل من مواقع التواصل الاجتماعي وجهة بديلة عن المواقع الإخبارية للمؤسسات الإعلامية التقليدية الضخمة. ففي العديد من المنصات الإعلامية التقليدية بات ربع المحتوى فقط يتم الولوج إليه عبر الموقع الإلكتروني، بينما يفضل القُرَّاء زيارة منصات مواقع التواصل الاجتماعي للوصول إلى ذات المحتوى(16)؛ وذلك لأن الانتقال إلى فضاء أرحب للتوزيع أصبح يمنح المؤسسات الإعلامية فرصًا أكبر للانتشار وهو هدفها الأسمى. 

الجدول رقم (1) يُبيِّن ترتيب أهم مواقع التواصل الاجتماعي من حيث عدد المستخدمين في نهاية 2016 (17)

الشبكة

عدد المشتركين (بالمليون)

Facebook

1.8 مليار

WhatsApp

900

Instagram

500

FB Messenger

800

Tumblr

555

Twitter

317

Skype

300

Viber

 249

Line

212

Snapchat

200

LinkedIn

106    

Pinterest

100

BBM

100

يبدو أنه بفضل الثورة المتسارعة في عالم الهواتف الذكية فقد تضاعف وبشكل ملحوظ الزمن الذي نفرده لتصفح مواقع الإنترنت وخاصة تعدد التطبيقات المصاحبة للشبكة. إن الأخبار باتت حاضرة في الهاتف الجوال المتصل عبر شبكة الإنترنت وهو ما أنتج تزاوجًا غير قابل للانفصال بين الإنسان والأخبار فكلما تنقل الإنسان سبقته الأخبار في جواله. إذن، فنحن أمام معطى فيزيائي جديد وهو أن انتقال الشخص وحركته لم تعد عائقًا لبقائه متواصلًا مع العالم الخارجي وهو ما أنتج حالة جديدة من التزامن العجيب بين المكان والزمان، أي الآن وهنا. كل هذا يفسِّر بشكل قاطع لماذا أصبحنا نقضي وقتًا أكثر ونحن نتصفح هذا الموقع أو ندردش عبر شبكات التواصل الاجتماعي تلك. ففي بريطانيا تضاعف الوقت الذي يقضيه المواطنون على الإنترنت خلال عشر سنوات إلى 20 ساعة أسبوعيًّا بدلًا من 10 ساعات خلال عام 2005(18). وفي وقت مَجْدِ التليفزيون كان المواطن يقضي أسبوعيًّا 24 ساعة في المشاهدة؛ حيث لم تتوافر آنذاك أية وسيلة ترفيه إلكترونية بصرية أخرى. وفي الولايات المتحدة الأميركية، فإن غالبية البالغين هم من مستخدمي الفيسبوك، وأغلب المستخدمين يحصلون بانتظام على الأخبار منه بدرجة ما، وهو ما يعني، بحسب مركز بيو الأميركي للأبحاث، أن نحو 40% من البالغين في الولايات المتحدة يعتبرون الفيسبوك مصدرًا للأخبار(19). هكذا، أصبحت الصحافة وتوصيل الأخبار جزءًا مهمًّا من تلك المعركة لجذب الاهتمام على الهاتف المحمول. أصبح المواطن ينتابه فضول أكبر بشأن ما يحدث في العالم الآن، مثل تغطية نتائج المباريات، والطقس، وماذا كان يفعل أصدقاؤهم، فضلًا عن أخبار السياسيين، كلها باتت مجالات للمنافسة الشرسة بين منصات الإعلام الاجتماعي. إنها منافسة شرسة مثلما كانت المنافسة بين الصحف وشبكات التليفزيون في السبعينات غير أن الرهانات الاقتصادية والسياسية باتت أكبر بكثير. أما أشكال تصفح مواقع شبكات التواصل الاجتماعي وتحديدًا فيما يتعلق بشبكة الفيسبوك فإن 748 مليون متصفح يبحر في هذه المنصة عبر جهاز الحاسوب المكتبي، و1.259 مليون زائر يلج شبكات التواصل الاجتماعي عبر الهواتف الذكية، وفقط 221 مليون عبر اللوحات الرقمية. لقد مكَّنت الجغرافيا الجديدة للاتصال وكل هذه الأرقام مدفوعة بزمن ميدياتيكي جديد من ظهور نماذج اقتصادية وثقافية من خلال استخدامات جديدة في مجال الإعلام بات يُطلق عليها مصطلح الإعلام الاجتماعي. 

3- الإعلام التقليدي والجديد من منظور الإعلام الاجتماعي 

تعتبر شبكات التواصل الاجتماعي، حسب القاموس الفرنسي لاروس، "نظامًا يُمَكِّن من نشر وتوزيع وتوصيل المؤلَّفات والوثائق والرسائل السمعية أو السمعية البصرية (صحافة، سينما، معلَّقات)". في سنة 2013، أدخل هذا القاموس كلمة "تويتر" إلى مصطلحات اللغة الفرنسية الجديدة، وجاء في تعريفه: "تويتر هو خدمات التدوين الصغرى وشبكة تواصل اجتماعي"(20)، كما ظهر أيضًا مصطلح جديد في نفس السنة له علاقة بشكات التواصل الاجتماعي، وهو مصطلح "صديق" (Ami/Friend)، والذي بالإضافة إلى دلالته القديمة أصبح يُعرَّف بـ"عضو شبكة اجتماعية، يسمح له عضو آخر بالاطِّلاع على بياناته الشخصية كأن يكون له أصدقاء كثر على الفيسبوك"(21). أما الجدار أو الحائط فلم يعد تعريفه كما كان معهودًا باعتباره مُكَوَّنًا من الحجر والإسمنت بل بات في قاموس اللغة الفرنسية "صفحة شخصية لعضو بشبكة تواصل اجتماعي"(22). 

عندما يتعلق الموضوع بتعريف شبكات التواصل الاجتماعي نظريًّا وتأطيرها دلاليًّا -وذلك بعد أن أفردنا لها مدخلًا اصطلاحيًّا- فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا بل قُلْ: في حاجة إلى وقفة معرفية جادة. أول ما يجب الإشارة إليه هو بيان: هل من خلال حديثنا عن شبكات التواصل الاجتماعي (Social Networking) أو مواقع التواصل الاجتماعي (Social Networking Sites ) نقصد بذلك مصطلح الإعلام الاجتماعي (Social Medias) أم شيئًا آخر مختلف كليًّا؟(23). فإذا ما أخذنا كلمة الإعلام الاجتماعي وشبكات التواصل الاجتماعي في محرك بحث غوغل، فإن النتائج أكدت أن كلمة شبكة التواصل الاجتماعي وقع البحث عنها طيلة سنة 2015 ما يقارب 9900 مرة في الشهر في حين وقع البحث عن كلمة إعلام اجتماعي 590 مرة فقط(24). قد يبدو الأمر أن المصطلحين يحملان نفس الدلالة، غير أن في الأمر خلطًا؛ إذ توجد عدة فروق وذلك رغم الرغبة الفكرية التي تدفع بالعديد إلى اعتبارهما شيئًا واحدًا. فماذا نعني بشبكات التواصل الاجتماعي؟ وما هو مفهوم الإعلام الاجتماعي؟ 

  • شبكات التواصل الاجتماعي: هي موقع إلكتروني يوفر لرواد شبكة الإنترنت فتح صفحة شخصية من أجل تبادل معلومات وصور وفيديوهات مع مجموعة أصدقائهم وشبكة علاقاتهم(25).
  • الإعلام الاجتماعي: يسمو هذا المصطلح إلى أن يعوِّض نهائيًّا مصطلح الويب 2.0، فهو مجموعة منصات تكنولوجية داخل شبكة الإنترنت تسمح للأشخاص بإنتاج وتنظيم وتعديل المحتوى والتعليق على مضامين معينة(26). يتضح أن شبكات التواصل هي فرع من الإعلام الاجتماعي، وأن الإعلام الاجتماعي أشمل كما أنه أيضًا يحتوي شبكات التواصل الاجتماعي ويتجاوزها(27) .فكأن الإعلام الاجتماعي هو شبكة الشبكات وأن شبكات التواصل الاجتماعي ما هي إلا مواقع أو منصات اجتماعية على الشبكة. يتيح الإعلام الاجتماعي إنتاج وتبادل المعلومات لجمهور عريض، فبإمكان كل الناس أن يسهموا في هذا الفضاء الذي يتسم كما ذهب إلى ذلك بيير ليفي(Pierre Lévy)  بـ"الذكاء الجمعي"(28). ويحتوي الإعلام الاجتماعي على كل ما له صلة بالمدونات، ومواقع الويكي والدردشة والميكرو تدوين مثلما هي الحال مع تويتر وغيره من مواقع التدوين، كما لا يجب أن نغفل موقع "فلنكر" للصورة واليوتيوب للفيديو وشبكة التواصل الاجتماعي: الفيسبوك، وشبكة المؤسسات: لنكدإن. إذن، فأصل الإعلام الاجتماعي وبنيته هي المضمون والمحتوى، أما شبكات التواصل الاجتماعي، والتي يذهب البعض إلى وصفها بمواقع أو منصات التواصل الاجتماعي، فدورها تشكيل مجموعات افتراضية والتفاعل بين أفرادها. إن التفريق بينهما ليس دائمًا يسيرًا ففي بعض المنصات ورغم أن الوظيفة الأساسية ليست تشبيك الأفراد وإنما تبادل الفيديوهات كما هي الحال مع اليوتيوب فإن شبكة التواصل حاضرة بقوة، وهو ما يبرز حضور تقاطعات بين الظاهرتين. 

هل يمكن القول بأن شبكات التواصل الاجتماعي هي الفرع في علاقتها بظاهرة الإعلام الاجتماعي؟ هل يمكن القول بأن فوارق الاتصال والإعلام باتت ضئيلة؟ فنحن أمام إعلام اجتماعي يحتوي في داخله تواصلًا اجتماعيًّا ونحن أيضًا أمام اتصال اجتماعي يحمل في داخله إعلامًا اجتماعيًّا. يبدو أن بيان الفروق بين شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام يمكن أن يساعدنا على الوصول أكثر إلى معرفة خصائص كل حقل، ومن بين الفروق يمكن أن نذكر الآتي:

  • الرابط الاجتماعي: الفارق الرئيسي هو في دلالة الرابط الاجتماعي والتفاعلية بين رواد الشبكة؛ ذلك أن الأفراد داخل شبكات التواصل الاجتماعي لهم أشياء حميمية وأنشطة مشتركة ويتقاسمون أشياء متشابهة؛ وذلك لتأسيس علاقات، وهو معطى قد لا نجده حاضرًا دائمًا في ظاهرة الإعلام الاجتماعي.
  • طريقة التواصل: الهدف من وراء شبكة التواصل الاجتماعي هو بناء علاقات والتأسيس لمجموعات والتواصل مع الأعضاء. لا نتواصل بنفس الطريقة عندما نُبحر في شبكة التواصل الاجتماعي أو منصة للإعلام الاجتماعي؛ ففي شبكة التواصل الاجتماعي نُؤَسِّس لدردشة وهذا ليس بضروري في كل موقع إعلام اجتماعي، علينا إذن بِقَوْلَبَة رسالتنا إلى المتلقي وذلك طبقًا لخصائصه واهتماماته والتجارب المشتركة. في شبكات التواصل الاجتماعي أيضًا تكون الرسائل عادة ملزمة لصاحبها تشد الانتباه بمضمون جيد مصحوبة بصور أو بفيديوهات. يمكن القول: إن الإعلام الاجتماعي يعطى الفرصة أكثر للتعبير عن الرأي على محمل متاح للجميع، أما شبكات التواصل الاجتماعي فيمكنها أن توفر فرصة محادثات مُشَخْصَنَة وحينية ونشر محتوى إلى أشخاص لهم اهتمامات مشتركة. لفضِّ الاشتباك الدلالي بين الظاهرتين يمكن القول إنه إذا ما كان الهدف الأساسي لموقع الإنترنت هو التأسيس لشبكة علاقات فهو شبكة تواصل اجتماعي عدا ذلك فهو منصة إعلام اجتماعي(29).
  • الملمح: على شبكات التواصل الاجتماعي يكون ملمح المُبحِر في الشبكة مشخصنًا، فلكل مستخدم ملمح مؤسَّس على خلفية مجموعة من المعطيات الخاصة بالشخص والتي يمكنه أن يغيرها.
  • التشبيك: تكون قائمة الاتصال والتشبيك ظاهرة للعيان على شبكة التواصل الاجتماعي (قائمة الأصدقاء، إعجاب..) هؤلاء الأشخاص يستعملون أيضًا موقع الإنترنت ويمكنهم البحث عن علاقات تعارف وأشخاص لهم اهتمامات وعلاقات مشتركة.
  • استثمار الوقت: تستنفد صناعة المحتوى في شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الاجتماعي وقتًا إضافيًّا، وهي ميزة تستأثر بها جُلُّ مواقع الإعلام الاجتماعي.
  • أدوات المحادثة
مراجع

1- Chamard Marie-Eve et Kieffer Philippe, "Presse: le "papier" est-il voué à disparaître?", nouvelobs.com, 26/8/2014, (Visited on 20 November 2016):

 http://teleobs.nouvelobs.com/la-selection-teleobs/20140825.OBS7118/presse-le-papier-est-il-voue-a-disparaitre.html

2- في شهر مارس/آذار من سنة 2016 أصدرت مجموعة Reader’s Digest  مجلة Best Health وهي مجلة مخصصة للنساء، تهتم بالصحة والتغذية وجودة الحياة. وفي نفس الشهر أصدرت المجموعة الفرنسية  Prisma مجلة نسائية جديدة اسمها Femmes في الأسواق منذ صيف 2016. 

3- Habermas, Jürgen, “Il faut sauver la presse de qualité”, Le Monde, 21/5/2007, (Visited on 1 February 2017):

http://www.lemonde.fr/idees/article/2007/05/21/il-faut-sauver-la-presse-de-qualite-par-jurgen-habermas_912817_3232.html

4- تابسكوت، دون، جيل الإنترنت كيف يغري جيل الإنترنت عالمنا، ترجمة حسام بيومي محمود، (كلمات عربية، القاهرة، 2012).

http://faculty.mu.edu.sa/public/uploads/1453651631.2009raffy.ws_e1376521352_.pdf

5- Alejandro, Jennifer, Journalism in the age of social media, Reuters Institute Fellowship Paper, University of Oxford 2010, (Visited on 11 December 2016): إضغط هنا.

6- Seban, Alain, “Médias traditionnels, nouveaux medias” (2004). http://archive.dgmic.culture.gouv.fr/article.php3?id_article=797.

7- صادق، عباس مصطفي: الإعلام الجديد: المفاهيم والوسائل والتطبيقات، (دار الشروق، 2008)، ص 472.

8- Balle, Francis, “Médias historiques” et “médias sociaux”: le retour du débat entre technophiles et technophobes », Revue Européenne des Médias, (2011) n° 20, p. 59.

9- Charon, Jean Marie, “Les médias à l’ere numérique”, (Visited on 1 October 2016):

http://www.cahiersdujournalisme.net/cdj/pdf/22_23/01_CHARON.pdf

10McLuhan, , Understanding Media: The Extensions of Man, 1964, (Visited on 10 September 2016):

 http://robynbacken.com/text/nw_research.pdf

11- Badillo Patrick-Yves et Pélissier Nicolas, Usages et usagers de l’information numérique: Renouvellement des problématiques et nouveaux enjeux pour les SIC, Revue Française des Sciences de l’Information et de la Communication, n 6, 2015.

 https://rfsic.revues.org/1448#tocto1n6.

12- Serre, Michel,  Petite-poucette-la-generation-mutante, Journal Liberation, 3 septembre 2011.

http://next.liberation.fr/culture/2011/09/03/petite-poucette-la-generation-mutante_758710.

13- بال، فرنسيس: الميديا، ترجمة فؤاد شاهين، (دار الكتب الجدية المتحدة، ليبيا، 2008)، ص 9.

14- الاتحاد الدولي للاتصالات 2016، (تاريخ الدخول: 1 مارس/آذار 2017):

 http://www.itu.int/en/ITU-D/Statistics/Pages/default.aspx

15- "رويترز: اضطرابات مقبلة ستعصف بالمؤسسات الإعلامية"، العربي الجديد، 18 يونيو/حزيران 2016.

https://www.alaraby.co.uk/medianews/2016/6/18/رويترز-اضطرابات-مقبلة-ستعصف-بالمؤسسات-الإعلامية

16- منها الآسيوية، وتحديدًا في كل من اليابان وكوريا الجنوبية.

17. Coëffé, Thomas, “Chiffres Réseaux sociaux – 2017”, blogdumoderateur, 23 November 2016, (Visited on 1 January 2017):

http://www.blogdumoderateur.com/chiffres-reseaux-sociaux/

18- Nielsen Rasmus Kleis, Cornia Alessio and Kalogeropoulos Antonis: Challenges and opportunities for news media and journalism in an increasingly digital, mobile and social media environment, (Report: Prepared by the Reuters Institute for the Study of Journalism for the Council of Europe Steering Committee on Media and Information Society, 2016, (Visited on 1 January 2017):

http://reutersinstitute.politics.ox.ac.uk/publication/challenges-and-opportunities-news-media-and-journalism-increasingly-digital-mobile-and.

19- Perrin, Andrew, Social Media Usage: 2005-2015, 65% of adults now use social networking sites – a nearly tenfold jump in the past decade, Pew Research Center, 8 October 2015, (Visited on 1 February 2017):

www.pewresearch.org/internet

20- Tweeter; verbe intransitif et verbe transitif. Poster un Tweet sur le site de microblogage Twitter. http://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/twitter/186934?q=twitter#10928407.

21- “Membre d’un réseau social auquel un autre membre accorde l’accès à ses données personnelles: Avoir de nombreux amis sur Facebook”. http://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/ami/2846?q=ami#2841.

22- “Page personnelle d’un membre d’un réseau social: Poster une photo sur son mur Facebook”. http://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/mur/53288?q=mur#52940

23- Hermes revue, n 59, Ces reseaux sociaux dits numériques, (CNRS Editions 2011, Paris).

24- Reuters: report 2016.

http://www.digitalnewsreport.org/

25- boyd Danah, Ellison Nicole, Social Network Sites: Definition, History, and Scholarship (2007), (Visited on 15 December 2016):

http://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/j.1083-6101.2007.00393.x/full

26- Cann, Alan, “Social Media: A guide for researchers”, (London: Research Information, Network, 2011).

http://citeseerx.ist.psu.edu/viewdoc/download?doi=10.1.1.876.8531&rep=r….

27- Clarke, Amanda, Les médias sociaux (2010), http://www.aclarke.ca/p/work.html. Accessed 25-12-2016.

28- Lévy, Pierre, L'intelligence collective, Pour une anthropologie du cyberspace, (Paris, La Decouverte, 1997).

29- Coutant Alexandre et Stenger Thomas: L’avenement des “Médias sociaux” : une histoire de participation, Le Temps des médias, (revue d’histoire, Nouveau Monde Editions 2012), p. 86-96.

30- ليا، ليفرو: وسائل الإعلام الجديدة: البديلة والناشطة، ترجمة هبة ربيع، (المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2016)، ص 312.

31. Masson, Delphine, “Pleins feux sur l'influence numérique”, strategies, 8 July 2010, (Visited on 2 February 2017):

http://www.strategies.fr/etudes-tendances/tendances/142104W/pleins-feux-sur-l-influence-numerique.html 

32- Greenwood, Shannon, Perrin Andrew and Duggan Maeve, “Social Media: Update 2016: Facebook usage and engagement is on the rise, while adoption of other platforms holds steady”, (Visited on 30 September 2016):

http://www.pewinternet.org/2016/11/11/social-media-update-2016/

33- Wolton, Dominique, (video), (Visited on 15 October 2016):

http://www.école-management-numerique.com/2012/08/14/les-reseaux-sociaux-selon-d-wolton/

34- زرن، جمال: "صحافة المواطن: المتلقي عندما يصبح مرسلًا"، المجلة التونسية لعلوم الاتصال، العدد52-53 ، 2009، ص 18.

35- كلمة من "السفير"، 10 ديسمبر/كانون الأول 2016:

 http://assafir.com/article/519985

36- Pierre, Bourdieu, On television, The New Press, New York 1998.

37. Coëffé, Thomas, “La Répartition Démographique sur les Réseaux Sociaux”, 23 November 2016, (Visited on 2 February 2017):

http://www.blogdumoderateur.com/chiffres-reseaux-sociaux/

38- Dor Fabila, Réseaux Sociaux et Médias Traditionnels, 2016, (Visited on 10 September 2016):

https://lesmondesnumeriques.wordpress.com/2016/02/12/réseaux-sociaux-et-médias-traditionnels/

39- تقرير شبكات التواصل في العالم العربي: قمة رواد شبكات التواصل الاجتماعي، إعداد TNS، دبي، التقرير الأول 2015.

40- تابع برامج شبكة الجزيرة في هيئتها الجديدة ودخولها مرحلة التواصل وبشكل متقدم مع شبكات التواصل الاجتماعي في عيدها العشرين نوفمبر/تشرين الثاني 2016:

41- Dollé, Nathalie, Journalistes et réseaux sociaux: évolution ou révolution? (2012), (Visited on 1 November 2016):

http://www.alliancejournalistes.net/IMG/pdf/__journalistes_et_reseaux_sociaux_int_site.pdf.

42- زرن، جمال، "البيئة الجديدة للاتصال أو الإيكوميديا عن طريق صحافة المواطن"، مجلة الباحث الإعلامي، كلية الإعلام بجامعة بغداد، 2013، ص 25:

 http://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=65911

43- Goerge, Eric, (Visited on 2 February 2017):

https://www.fr.capgemini-consulting.com/expertises-metiers/strategie-et-management-des-systemes-dinformation/eric-georges.

44- فرج، فرح الإله: الإنترنت السياسي، مقاربة سوسيولوجية، مجلة السوسيولوجيا العربية، المنتدى العربي لعلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد الأول، أكتوبر/تشرين الأول 2016:

45- Saada, Julien, Révoltes dans le Monde Arabe : une révolution Facebook ?, Chronique sur le Moyen-Orient et l’Afrique du Nord, 1er février 2011, (Visited on 1 September 2016): إضغط هنا.

46- Coutant Alexandre et Stenger Thomas: Médias sociaux (2013): clarification et cartographie : pour une approche sociotechnique, Decisions Marketing, Apr-Juin 2013, (Visited on 12 December 2016):

https://cinqyou.s3.amazonaws.com/thread/attachment/55006673d0eac.pdf.

47- Kauffmann Sylvie: Les “fake news” nuisent-elles à la démocratie” ?, in LE MONDE | 26.11.2016. http://www.lemonde.fr/idees/article/2016/11/26/fausses-nouvelles-les-geants-de-l-internet-places-face-a-leurs-responsabilites_5038600_3232.html.

48- بال، الميديا، ص 15.

49- Flichy, Patrice, Technique, usage et representations, Réseaux /2, n° 148-149, (Visited on 30 September 2016):

https://www.cairn.info/revue-reseaux1-2008-2-page-147.htm

50- بال، الميديا، ص 15.

51- Trottier, Daniel and Fuchs, Christian, Theorizing Social Media, Publics and the State, (Visited on 10 November 2016):

http://fuchs.uti.at/wp-content/introduction.pdf.

52- Gonzalez-Quijano Yves, A la recherche d’un Internet arabe: démocratisation numérique ou démocratisation du numérique?, (Maghreb-Machrek, 2003), p. 22-35, (Visited on 30 December 2016) :

https://halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-00646377/document