حول قضايا الخلاف بين إيران والعرب

البحث في طبيعة ومستقبل العلاقات بين العرب والأتراك والإيرانيين تبين أن ثمة فوارق بين نظرة العرب إلى إيران وبين نظرتهم لتركيا.









 




 

لو أردنا البحث في طبيعة ومستقبل العلاقات بين العرب والأتراك والإيرانيين من خلال الدائرة الحضارية الواحدة التي ينتمون إليها والتي يسميها البعض المثلث الاسلامي أو (قلب العالم الإسلامي) لتبين لنا أن ثمة فوارق كبيرة ومهمة بين نظرة العرب إلى إيران، وبين نظرتهم إلى تركيا وإلى دول إسلامية أخرى.

 

إذ يغلب على النظر إلى إيران القلق والشك والمخاوف المختلفة في حين تبدو تركيا بالنسبة إلى العرب أكثر بعدا "وأقل تهديدا". ويكفي أن نراقب حجم ما تكتبه الصحف العربية وما تبثه قنواتها الفضائية عن إيران مقارنة بما تفعله تجاه تركيا، لشعرنا بهذا الفارق بين موقع كل من إيران وتركيا بالنسبة إلى العرب.

 

وإذا نظرنا إلى علاقة إيران بكل من تركيا وباكستان على سبيل المثال، للاحظنا أيضا أن هذه العلاقات أكثر استقرارا من علاقات إيران مع العرب، ولم تشهد التوترات وحالات العداء والتحريض التي شهدتها إيران في علاقتها مع العرب.

 

وذلك على الرغم من التباين في الأهداف والتحالفات بين هذه الدول الثلاث. إذ تقيم تركيا علاقات مع إسرائيل وترغب في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي, وباكستان دولة نووية وشريك إستراتيجي للولايات المتحدة.

 

وهذا يعني أن بحث قضايا الخلاف بين إيران والعرب أولا، سيجعل الطريق أكثر طواعية للتلاقي والتفاهم بين أطراف هذا المثلث الإسلامي.


 




"
بحث قضايا الخلاف بين إيران والعرب أولا سيجعل الطريق أكثر طواعية للتلاقي والتفاهم بين أطراف المثلث الإسلامي (التركي، العربي، الإيراني)
"
وعندما نتحدث عن أهمية هذه المنطقة وموقعها الإستراتيجي بالنسبة إلى العالم، وما يسودها من عدم استقرار وحروب، فالأمر يعود بحسب اعتقادنا إلى وجود العوامل الثلاثة التالية:



  • الإسلام


  • النفط


  • دولة إسرائيل

هذه العوامل جلبت منذ أكثر من نصف قرن إلى اليوم التدخل الخارجي لحماية النفط وحماية أمن اسرائيل. وفي الوقت نفسه لمنع وحدة شعوب هذه المنطقة، ومنعهم من امتلاك مصادر القوة المختلفة العلمية والتكنولوجية والعسكرية.


في حين تسبب النفط في تفاوت هائل في التنمية وفي الرفاه بين دول وشعوب هذه المنطقة. وتحولت حماية النفط إلى حماية للدول والحكومات حيثما وجد هذا النفط.


وسوف نلاحظ أن هذه القضايا الثلاث هي أيضا القضايا الرئيسة العالقة بين إيران والعرب، وليس بين العرب والأتراك.


قدمت إيران بعد انتصار الثورة نموذجا "للإسلام الحيوي الذي يستطيع القيام بالثورة وتغيير الحكومات والأنظمة (بغض النظر عن الجدل حول أطروحة ولاية الفقيه).


فأربك هذا الواقع الجديد الدول العربية التي شعرت بالقلق من هذا النموذج الذي تعاطفت معه شعوبها بقوة.






"
الإسلام هو أحد أهم ذرائع التدخل الأجنبي والحروب في المنطقة منذ سنوات بحجة الحرب ضد الإرهاب، أما النفط الذي تزداد الحاجة العالمية إليه فيفترض وجودا "أجنبيا دائما" لاستخراجه وحماية تدفقه
"

والإسلام في الوقت نفسه هو إحدى أهم ذرائع التدخل الأجنبي والحروب في المنطقة منذ سنوات بحجة الحرب ضد الإرهاب.

أما النفط الذي تزداد الحاجة العالمية إليه فيفترض وجودا "أجنبيا دائما" لاستخراجه وحماية تدفقه.


وأمن النفط ليس سوى أمن الخليج حيث تعبر أكثر من خمسين ناقلة نفط يوميا إلى العالم الذي لا يستطيع أن يتخيل أن أحدا غيره(الولايات المتحدة وأوروبا) يمكن أن يتدخل في مستقبل هذا النفط وأمنه.


وهذه كما نعلم نقطة خلاف بين إيران والعرب. إذ تطالب طهران بأن يكون أمن الخليج مشتركا بينها وبين العرب، وليس بين العرب والأجانب (الولايات المتحدة).


وتدعو في الوقت نفسه إلى رحيل هذه القوات عن المنطقة، في حين قد لا يشعر العرب بالاطمئنان إلا بوجود هذه القوات خاصة وأن تجربة احتلال الكويت من قبل العراق أكدت لهم الحاجة إلى الحماية الخارجية، كما أن المخاوف من إيران القوية تبرر بالنسبة إليهم استمرار هذه الحماية.


الملاحظة الثانية هي في التمييز بين مواقف ورغبات بعض المثقفين العرب قوميين وإسلاميين والذين يبدون في بعض الأحيان أكثر اندفاعا أو أكثر قسوة تجاه إيران من الحكومات العربية نفسها، مما يطرح التساؤل حول ما الذي ينبغي على إيران أخذه بالاعتبار: العلاقة مع شعوب المنطقة وقضاياها أم مع حكوماتها؟ علما بأن الجمع بين الأمرين يكاد يكون جمعا بين نقيضين.


من ذلك على سبيل المثال انتقاد ايران لأنها لم تتدخل في الحرب إلى جانب العراق ضد الولايات المتحدة في حربي 1991 (عاصفة الصحراء بعد احتلال الكويت) وفي عام 2003 (لاسقاط النظام) علما "بأنه لا أحد من الدول العربية كان يريد أو يرغب في مثل هذا التدخل، ولم تكن إيران تريده أيضا".


وكمثال آخر حث إيران على الثبات والمزيد من دعم المقاومة في لبنان وفلسطين وعدم التراجع في هذا المجال. وهذا يخالف ما تريده أيضا معظم الدول العربية، لا بل هو أحد أسباب التوتر بين إيران وبين بعض الدول العربية.


محاذير الاختزال






"
لا نستطيع الاختزال والتعميم بالقول إن علاقات إيران مع العرب هي علاقات جيدة أو سيئة، فهذا غير صحيح لأن العرب ليسوا دولة واحدة ولهم سياسات مختلفة
"


الملاحظة الثالثة أننا لا نستطيع الاختزال والتعميم بالقول إن علاقات إيران مع العرب هي علاقات جيدة أو سيئة. فهذا غير صحيح، لأن العرب ليسوا دولة واحدة ولهم سياسات مختلفة مع إيران، بعضها إستراتيجي وثابت، وبعضها متوتر وغير مستقر، إلى العلاقات العادية أو التجارية القوية كما هي الحال مع دولة الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، مع الأخذ بالاعتبار حجم الدولة العربية ونفوذها وتأثيرها على دول عربية أخرى (مثل مصر أو المملكة السعودية) في التعامل "سلبا أو إيجابا" مع إيران.    


ولا شك أن عوامل عدة ساهمت في هذا المسار المتعرج لعلاقات العرب وإيران، بعضها داخلي والآخر إقليمي ودولي.


ولا يعفي تعدد العوامل وعناصر التأثير من طرح التساؤلات حول مسؤولية كل طرف عن عدم الاستقرار في هذه العلاقات؟ وحول  قضايا الخلاف ومعها المخاوف التي يحملها الطرفان تجاه بعضهما؟ وكيف يمكن أن تتحسن هذه العلاقات لتصبح أكثر استقرارا وثباتا بما يحقق المصالح المشتركة ويقلص المخاوف المتبادلة؟


قضايا سببت الشك


ثمة مجموعة من القضايا أو الأسباب التي زرعت أولى بذور الشك وعدم الثقة بين الطرفين، ثم تطورت واتسعت منذ انتصار الثورة إلى اليوم. وتختلف وجهات النظر العربية والإيرانية بشأنها، وهي:


1- الحرب العراقية الإيرانية:
يعتبر كثير من الباحثين العرب أن دعوات إيران لتصدير الثورة هي التي خلقت الشك والخوف لدى الدول العربية من الثورة الإيرانية التي ستنقل نموذجها (الإسلامي الثوري أو الشيعي) وتتدخل في شؤون الحكومات المجاورة خاصة وأن تصريحات كثيرة صدرت من مسؤولين إيرانيين بداية الثورة، تحدثت عن حكومات غير شرعية ودعت إلى تغييرها مثل ما فعل الإيرانيون بحكومتهم.


في حين أن وجهة النظر الإيرانية تقول إن الحرب العراقية الإيرانية هي السبب المباشر والخطير في تردي العلاقات بين إيران والعرب بعد انتصار الثورة مباشرة، لأن العرب وقفوا خلف العراق في هذه الحرب وتجاهلوا أنه هو الذي بدأ الحرب (لم يعترفوا بذلك إلا بعد احتلاله الكويت عام 1990).


وراهنوا على سقوط النظام الإسلامي الجديد والتخلص منه، وردا على هذا الدعم العربي الذي كلف إيران أثمانا هائلة في الأرواح (مئات الآلاف) والأموال (عشرات المليارات) والممتلكات، حاولت إيران زعزعة استقرار بعض دول الخليج من خلال دعم بعض الحركات الإسلامية (الشيعية بشكل خاص) فكانت تلك المرحلة كلها من عام 1980 إلى 1988 عندما انتهت الحرب مع العراق مرحلة التوتر والعداء والاتهام والتحريض المتبادل.


وهذه الحرب المدمرة تحتاج إلى وقفة تأمل لما جرى فيها، وللنتائج التي ترتبت عنها:


فقد استخدم النظام العراقي السابق التحريض العرقي والمذهبي أثناء الحرب "ضد الفرس وضد الشيعة" واعتبر نفسه حاميا "للجبهة الشرقية" وترك هذا الأمر تأثيرا على كثير من الأقلام ووسائل الإعلام العربية في تلك الفترة بقيت آثارها في الذاكرتين الإيرانية والعربية.


وكانت العودة إلى استحضار ذلك التحريض أكثر تكرارا لدى الجانب العربي منه لدى الجانب الإيراني "الهلال الشيعي، فارسية العراق، ولاء الشيعة لغير أوطانهم، أطماع إيران الفارسية أو الشيعية، منع الفارسية والصفوية من الاستيلاء على لبنان..".


وإذا كان العرب على مستوى الحكومات وكثير من المثقفين قد نظروا إلى تلك الحرب باعتبارها دفاعا عن الأمة وعن القومية العربية، فإن ما جرى بعد وقف الحرب لم يبين إذا كان هؤلاء شعروا بالخطأ من دفاعهم عن سياسة الرئيس العراقي الراحل.


فالحرب التي استمرت ثماني سنوات تركت جرحا "عميقا" جدا" في الوعي الشعبي الإيراني. فحجم ضحايا الحرب بلغ مئات الآلاف.


والمعوقون والأرامل والأيتام تركوا ثقلا "كبيرا" على المجتمع الإيراني، واحتاجت إيران إلى إستراتيجية جديدة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب استمرت أكثر من عقد من الزمن، مما يعني أن صورة العربي التي كانت سلبية جدا وعنصرية وتاريخية أيام الشاه، لم تنجح الثورة في تغييرها ولم يتسن لها أن تفعل ذلك.


وأصبحت هذه الصورة السلبية أكثر واقعية بعد حرب العراق لأنها كانت نظرية أيام الشاه، فلم يعرف غالبية الإيرانيين العرب مباشرة في حين أن الحرب فعلت ذلك.


2- قضية فلسطين:
ولهذه القضية تأثير مهم على العلاقات الإيرانية العربية خاصة ما يتعلق بالموقف من عملية السلام مع إسرائيل، ومن حركات المقاومة ضدها.





"
إيران منذ انتصار الثورة اختارت الانحياز إلى جانب حركات المقاومة، في حين كانت الحكومات العربية قد اختارت سبيل التفاوض لاسترجاع الأرض وحل القضية، وبسبب هذا التباين في الإستراتيجيات غلب التوتر على المواقف المتبادلة
"
فمن الواضح أن إيران منذ انتصار الثورة اختارت الانحياز إلى جانب حركات المقاومة، في حين كانت الحكومات العربية قد اختارت سبيل التفاوض لاسترجاع الأرض وحل القضية والحصول على دولة فلسطينية، وبسبب هذا التباين في الإستراتيجيات غلب التوتر على المواقف المتبادلة.

في مقابل هذا الالتزام الإيراني بالقضية الفلسطينية كأحد ثوابت الثورة، كان الاتهام من الجانب العربي الرسمي (ومن بعض المثقفين) أن إيران تستخدم هذا الملف -أي فلسطين وحركات المقاومة- لمد نفوذها إلى المنطقة على حساب النفوذ العربي التقليدي، أو كما يفترض آخرون لتحريض الشعوب العربية على حكامها!


وقد ظهر التباين تجاه القضية الفلسطينية في كثير من المحطات بين إيران والعرب مثل دعم حركة حماس ورفض إيران الحصار الذي مورس عليها وعلى قطاع غزة، ودعم حزب الله ومقاومته ضد إسرائيل، فلا إجماع بين المثقفين العرب ولا بين حكوماتهم على دور إيران تجاه فلسطين.


3- الجزر الثلاث:
وهي أحد أسباب التوتر غير الدائم في علاقات العرب وإيران. وفي الوقت الذي تؤكد فيها دولة الإمارات ومن خلفها مجلس للتعاون الخليجي حقها في هذه الجزر، ترد إيران بأنها هي صاحبة الملكية علما بأن أفضل علاقات لإيران مع الدول العربية بعد سوريا هي العلاقة مع الإمارات خاصة على المستويات الاقتصادية.


4- البرنامج النووي الإيراني:
تواجه إيران ضغوطا "دولية هائلة" بسبب هذا البرنامج، وهي مصرة على المضي فيه لأنها تعتبره حقا لها. وتعرضت إلى عقوبات دولية من مجلس الأمن لأنها رفضت الانصياع والتوقف عن تخصيب اليورانيوم.


وإذا كانت المواقف العربية تراوحت بين حق إيران في البرنامج النووي السلمي وبين خوفها من مستقبل هذا البرنامج العسكري، فإن هذه المواقف لم تكن شديدة الوضوح والحسم في رفض أي عملية عسكرية ضد إيران، وفي رفض التعاون مع الولايات المتحدة إذا قررت ضرب إيران.


ولذا بقيت إيران مرتابة من موقف العرب في حال حصلت مواجهة بينها وبين الولايات المتحدة. في حين استمر قلق إيران من الموقف الخليجي تجاه برنامجها النووي والذي يؤيد هذا البرنامج للأغراض السلمية تارة، في حين يتحدث عن مخاطره على أمن دول الخليج وعلى أمن المنطقة تارة أخرى.


5- أمن الخليج:
وهو من القضايا المهمة والإستراتيجية العالقة بين الطرفين الإيراني والعربي. وتعبر عن اختلاف في وجهات النظر بينهما. وتشكل طريقة حلها اطمئنانا "للطرف الخليجي (وجود قوات أجنبية أميركية) وقلقا "للطرف الإيراني الذي يرفض وجود هذه القوات. ويعتبرها تهديدا" لأمنه القومي.


وتدعو إيران إلى حل يقوم على أمن مشترك عربي خليجي إيراني بعيدا من التدخل الأجنبي. ولكن هذا الحل لا يبدو مقبولا في المرحلة الحالية من الطرف المقابل سواء بسبب المعاهدات الموقعة مع الولايات المتحدة حول وجود هذه القوات أو بسبب غياب الثقة بين إيران والعرب، أو بسبب الرفض الأميركي لأي تعاون عربي إيراني في مجال الأمن بمنطقة الخليج، طالما لم تحل عقدة العلاقات الاميركية الاإيرانية.


وتزداد المخاوف الإيرانية من مستقبل الأمن في الخليج مع تزايد حركة التسليح الأميركية لدول الخليج بما في ذلك أنظمة صواريخ متطورة. علما "بأن الإنفاق السنوي السعودي الخليجي على التسلح يفوق الإنفاق الإيراني بنحو أربعة أضعاف (أربعة مليارات مقابل نحو ثلاثين مليارا).


6- مستقبل العراق:
يبدو أن التغيرات التي حصلت في العراق بعد سقوط النظام عام 2003 كانت أحد أهم أسباب استعادة مناخ سوء الظن والتحريض ضد ايران، والتي ستكون لها انعكاساتها السلبية على ملفات أخرى في المنطقة.


فقد أدى سقوط النظام العراقي إلى فراغ إستراتيجي ملأته قوات الاحتلال الأميركي، بعدما فرضت نفوذها على مقدرات البلاد  السياسية وهيمنت على الاقتصاد إلى جانب وجودها الأمني الكثيف (150 ألف جندي).


لكن ذلك لم يمنع إيران أن تكون الشريك الأول المنافس والمقلق للولايات المتحدة والدول العربية، فقد استطاعت أن تملأ بدورها القسم الآخر من الفراغ الإستراتيجي الذي لم يتمكن الأميركيون من الوصول إليه، أي العلاقات المتينة مع الأطراف الشيعية كافة ومع الأكراد، ومع أطراف سنية أخرى.


وقد أتاح واقع إيران الجيو سياسي أن تلعب هذا الدور القوي في العراق بعد سقوط النظام الذي شكل منذ انتصار الثورة حاجزا "كبيرا" أمام هذا الدور سواء داخل العراق أم في باقي المنطقة.


وقد نسجت إيران هذه العلاقات مع القوى والأحزاب الشيعية ومع قياداتها (مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية ) بعدما مكث هؤلاء نحو عقدين في إيران هربا" من النظام العراقي السابق.


(ثم مع جيش المهدي ومقتدى الصدر) بالإضافة إلى ما هو معروف من علاقات تاريخية بين شيعة إيران وشيعة العراق خاصة ما يتعلق بالدراسة الحوزوية في النجف التي كانت هدفا "لعلماء إيران منذ أقدم العصور". وكذلك المكانة الدينية الرفيعة لكل من النجف بالنسبة إلى شيعة إيران وشيعة العالم كافة، والزيارات اليومية لآلاف الإيرانيين إلى تلك المدن وما ولدته من ارتباط عاطفي ونفسي بها على مر العصور.





"
سقوط النظام العراقي وعلاقات إيران مع الشيعة فرصة تاريخية لدور أكثر اتساعا في العراق حيث يهيمن الاحتلال وتسود الفوضى الأمنية ويشكل الوجود العسكري الأميركي تهديدا "مباشرا" لأمن إيران القومي في الوقت الذي لم تتمكن الدول العربية من بلورة رؤية أو دور لما تريده من العراق
"

إذا هيأ هذا الواقع لإيران (سقوط النظام وعلاقاتها مع الشيعة ومع باقي الأطراف) فرصة تاريخية لدور أكثر اتساعا في العراق، حيث يهيمن الاحتلال وتسود الفوضى الأمنية ويشكل الوجود العسكري الأميركي تهديدا "مباشرا" لأمن إيران القومي.


في وقت لم تتمكن الدول العربية من بلورة رؤية أو دور لما تريده من العراق، ولم تقدم أي تصور ولم تعلن أي موقف يمكن الركون إليه، بالمقارنة مع ما فعلته إيران.


فلم يقف العرب إلى جانب المقاومة ولم يعلنوا انحيازهم إلى هذا الخيار (باستثناء سوريا). ولم يعلنوا وقوفهم بوضوح إلى جانب الحكومة العراقية المتعاونة مع الولايات المتحدة. (علما بأن التعاون مع الولايات المتحدة ليس جديدا على الواقع العربي الرسمي). بل شجعوا في البداية العملية السياسية لكنهم لم يرضوا عن نتائجها التي أتت بغالبية شيعية إلى الحكم وجعلته بين أيديهم.


وفي الوقت نفسه لم يعبر العرب عن إدانتهم للاحتلال. ولم يدعوا إلى رحيله. ودليل ذلك حجم الاهتمام الذي حظيت به كلمة ملك السعودية عبد الله بن عبد العزيز عندما أشار في قمة الرياض العربية عام 2005 ولأول مرة إلى "الاحتلال الأميركي" في العراق. وإلى اليوم لا نسمع من العرب (دول الخليج خاصة) من يصر على انسحاب الجيش الأميركي من العراق كمدخل أساسي للحل "المطلوب عربيا". في حين أن إيران وسياساتها أكثر وضوحا في العراق. وهي تقوم على التالي:


- دعم المقاومة في العراق وهي التهمة الرئيسة التي توجهها الولايات المتحدة إليها. وتعتبرها المسؤول الأول عن مقتل جنودها هناك. تقول وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس: إن السياسة الخارجية العدوانية للنظام الإيراني وتطلعاته للهيمنة كما تدل على ذلك مساعداته القاتلة للمتشددين في العراق ولبنان وأفغانستان والأراضي الفلسطينية، تبرز أكثر التهديد للاستقرار الإقليمي الذي تفرضه إيران".


- دعم الحكومة العراقية على الرغم من الدعم الأميركي المباشر لهذه الحكومة وللعملية السياسية.

- ترتيب البيت الشيعي ومحاولة توحيده خاصة أثناء العملية الانتخابية لضمان سيطرة القرار الشيعي على المجلس النيابي العراقي.


- عدم ترك الساحة العراقية للاحتلال الأميركي يفعل فيها ما يشاء على المستويات السياسية والأمنية.


- رفض تقسيم العراق (رغم الاتهامات التي تقول بخلاف ذلك) لأن هذا التقسيم سيجعل شيعة الجنوب بحاجة ماسة إلى إيران على المستويات كافة. وليس من المنطقي أن تشجع إيران هذا الخيار الذي سيجعل شيعة العراق "عبئا" عليها، إذا كان بمقدورهم استلام الحكم في العراق.


- لم تعارض إيران خيار المرجعية في العراق التي ارتأت التعامل السياسي مع الواقع الجديد (عدم دعوة المرجعية  إلى الجهاد). ومن الخطأ اعتبار إيران هي الموجه لقرار المرجعية العراقية، لأن المرجع عند الشيعة يفتي برأيه وهو الذي يقرر طبيعة المصالح والمفاسد في لحظة معينة.


- لم تقطع إيران علاقاتها مع الأطراف الشيعية التي تعاونت مع الولايات المتحدة ومع الخيار السياسي في ظل الاحتلال. بل عمدت إلى عدم ترك هذه القوى والأحزاب في الدائرة الأميركية فقط.





"
وضعت إيران لنفسها منذ سقوط النظام العراقي إستراتيجية عدم عودة مثل هذا النظام مرة جديدة إلى الحكم. وعدم مجيء حكومة يمكن أن تكون "عدوا" لها. وأرادت بكل الوسائل أن تأتي حكومة صديقة لا يمكن أن تعود مرة ثانية إلى شن الحرب
"
- وضعت إيران لنفسها منذ سقوط النظام العراقي إستراتيجية عدم عودة مثل هذا النظام مرة جديدة إلى الحكم. وعدم مجيء حكومة يمكن أن تكون "عدوا" لها. وأرادت بكل الوسائل أن تأتي حكومة صديقة لا يمكن أن تعود مرة ثانية إلى شن الحرب. وفي أسوأ الأحوال أن تأتي حكومة غير معادية.  وهذا يفسر دعم إيران لحكومة المالكي مثل ما دعمت حكومة الجعفري السابقة. إذ يمكن اعتبار هاتين الحكومتين صديقتين لإيران على الرغم من انتقاد مسؤوليها أحيانا لإيران في بعض القضايا الأمنية أو السياسية.

- قبلت إيران التفاوض مع الأميركان حول العراق. والمقصود بهذا التفاوض الجانب الأمني الذي تعرف الولايات المتحدة أن إيران تمارس ضغوطا "كبيرة" من خلاله على قوات الاحتلال. وحاولت إيران ربط الملف الأمني العراقي بملفات أخرى لها علاقة بالمصالح الإيرانية في المنطقة. وحاولت الولايات المتحدة رفض ذلك. وهذا ربما يفسر أسباب تعثر الحوار بين الطرفين وحصوله في فترات متباعدة، لأن كل طرف يحاول ألا يقدم التنازلات للطرف الآخر.


هذا الواقع الإيراني في العراق وهذه الإستراتيجية الإيرانية التي تعاملت مع الواقع العراقي الجديد بعد الاحتلال، تعرضا للنقد والتشكيك من أوساط عربية مختلفة:


على المستوى العربي الرسمي: حاولت الدول العربية التي ساهم بعضها في دخول القوات الأميركية إلى العراق، أن ترفض واقع ما بعد الاحتلال بسبب طبيعة السلطة التي هيمن عليها الشيعة. "واكتشف" هؤلاء بعد سقوط النظام العراقي أن هذا الأخير كان نظاما "سنيا" وأن الواقع السياسي الجديد هو واقع شيعي.


وتراوحت المحاولات العربية الرسمية بين إعادة العراق إلى ما كان عليه وبين تحصيل حقوق السنة، إلى عدم الاعتراف بحكومة الشيعة الجديدة (رفضت المملكة السعودية استقبال المالكي في إطار جولته العربية) ولا تزال معظم هذه الدول من غير سفارات وتمثيل دبلوماسي في العراق.


في الوقت الذي تصر فيه واشنطن على هذا التمثيل لدعم الحكومة العراقية، وتبيان أن تجربة الاحتلال جلبت الاستقرار، ولمنع إيران في الوقت نفسه من الاستفراد بالوضع السياسي العراقي.


لكن الدول العربية لم تستجب "تماما" حتى الآن (يونيو/ حزيران 2008). وهكذا بدا الدور العربي الرسمي غير فاعل في العراق مقارنة بالدور الإيراني. وتحول هذا العجز إلى التنديد بإيران وبما تفعله في العراق، وبتوسع نفوذها فيه وبتهديد هويته العربية. وبالعتب على الولايات المتحدة التي سمحت بتحالفها مع شيعة العراق بهذا التغير الذي صب في مصلحة إيران والشيعة في المنطقة.


على المستوى غير الرسمي: انقسمت اتجاهات النقد لإيران بين من كان يريد منها أن تقاتل الاحتلال الأميركي عند دخوله العراق باعتباره "الشيطان الأكبر" الذي ترفع إيران شعار العداء له منذ انتصار الثورة (أي أن تتحالف مع النظام العراقي ضد القوات الأميركية، من دون أن يلتفت هؤلاء إلى غياب الثقة بين الطرفين وعدم وجود معاهدة دفاع مشترك وعدم استعداد عربي لمثل هذه المشاركة في القتال ضد القوات الأميركية) وبين من اتهم إيران بأنها هي التي منعت شيعة العراق من القتال ضد قوات الاحتلال، وأنها تهيمن على قرار المرجعية التي لم تعلن الجهاد، وأنها هي التي شجعت القوى العراقية الشيعية على التعامل مع الاحتلال ومع الإدارة الأميركية.





"
ثمة مخاوف عربية رسمية وغير رسمية من صفقة قد تعقدها الولايات المتحدة مع إيران بالعراق تكرس النفوذ الإيراني وتضعف العربي، هذه الاتهامات تحتاج نقاشا واسعا وتوضيحات حتى من الجانب الإيراني يمكن أن تزيل الكثيرمن جوانب الغموض
"
إلى من يرى فيما تفعله إيران في العراق دورا "مزدوجا" يرفض الاحتلال من جهة، لكنه يدعم الحكومة التي تعمل في ظل الاحتلال وتتعامل معه من جهة ثانية.

إلى اتهامات أخرى حول مذهبية السياسة الإيرانية في العراق التي تدعم الشيعة (حتى في عمليات الانتقام التي حصلت ضد السنة).


وهي تريد تحويل العراق إلى بلد يهيمن عليه الشيعة من دون مشاركة الأطراف الأخرى وخاصة السنة.


وبالإضافة لتلك الاتهامات ثمة مخاوف عربية رسمية وغير رسمية من صفقة قد تعقدها الولايات المتحدة مع إيران في العراق تكرس النفوذ الإيراني، وتضعف النفوذ العربي.


هذه الاتهامات تحتاج إلى نقاش واسع وإلى توضيحات حتى من الجانب الإيراني يمكن أن تزيل الكثيرمن جوانب الغموض.


لكن ذلك لا يعفي من الالتفات إلى الأمور المهمة التالية:


- الدور الإيراني في دعم المقاومة الذي تعتبره الولايات المتحدة سببا "رئيسيا" لخلافها مع إيران (التي تزعزع الاستقرار) في العراق.


- أدوار ومواقف الدول العربية من الاحتلال ومن المقاومة ومن عدم الاستقرار ومن وضع الشيعة في العراق، وحتى من عمليات التفجير الواسعة التي قامت بها جماعات القاعدة ضد الشيعة ومؤسساتهم والتي ذهب ضحيتها مئات الآلاف.


- التصور الأميركي لما يسمى "الاصطفاف الإستراتيجي الجديد" الذي تحدثت عنه رايس في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة والحكومات الراغبة في تعزيز السلام والاستقرار ضد أولئك الذين يدعمون التطرف العنيف.


هذا التجمع يضم تركيا وإسرائيل ومصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي "جنبا إلى جنب مع قادة لبنان والسلطة الفلسطينية".


وما يعنيه هذا الاصطفاف من تهديد لإيران وكيفية التعامل مع احتمالات تشكله، وجهودها لعرقلته من خلال دورها في العراق أو أماكن أخرى في المنطقة. وتحديد المصالح القومية العربية من تشكل إستراتيجي مماثل وتأثيراته على قضية العرب المركزية فلسطين. وعلاقة ذلك كله بالموقف من إيران وسياساتها في العراق وفي غير العراق.





"
تتكثف في العراق معظم المخاوف من إيران والانتقادات التي توجه إليها من الجانب العربي الرسمي وغير الرسمي. ولو توفرت فرصة توضيح المواقف والمخاوف من الجانبين العربي والإيراني لربما تغير الكثير في فهم الدور الإيراني أو في تبديل السياسات الإيرانية أو العربية
"
أي أننا لا يمكن أن نناقش السياسة الإيرانية في العراق وطرح التساؤلات حولها بمعزل عن مراجعة مواقف الدول العربية الأخرى، ومواقف وسياسات قوات الاحتلال وسواها ممن تلعب أدوارا "أمنية وسياسية مختلفة" في العراق.

هكذا تتكثف في العراق معظم المخاوف من إيران والانتقادات التي توجه إليها من الجانب العربي الرسمي وغير الرسمي. ولو توفرت فرصة توضيح المواقف والمخاوف من الجانبين العربي والإيراني لربما تغير الكثير في فهم الدور الإيراني أو في تبديل السياسات الإيرانية أو العربية.
 
7- مستقبل لبنان:
تحول لبنان منذ بضع سنوات بعد احتلال العراق عام 2003 ثم بعد اغتيال الرئيس الحريري عام 2005 إلى مصدر للقلق والتوتر في العلاقات العربية العربية (الخلاف السوري السعودي) وإلى توتر مماثل سعودي إيراني.


ورغم البعد المذهبي السني الشيعي الذي استخدم في عملية التحريض الإعلامي والسياسي في الخلاف الدائر في لبنان، فإن الاتهام المتبادل بين أطراف الخلاف كان يتركز حول التبعية للمحور الأميركي السعودي من جهة، والتبعية المقابلة للمحور السوري الإيراني من جهة ثانية.


وبات من الطبيعي أن نسمع في لبنان عن اتصالات جرت على أعلى المستويات بين الرئيس الإيراني والملك عبد الله، أو بين الوزير سعود الفيصل ونظيره الإيراني منوشهر متكي لبحث الأوضاع في لبنان وسبل التهدئة والتوافق الممكنة.


لكن "النقاش الآخر" حول الخلاف السعودي الإيراني كان يدور حول مسألتين. الأولى: هي الحلف أو المحور الذي تريد السعودية من لبنان الانتماء إليه وهو "محور الاعتدال" المعارض لسوريا وإيران ولسلاح المقاومة الذي يحمله حزب الله ضد إسرائيل، وهو الحلف المؤيد أو المتفاهم مع الولايات المتحدة.


في حين أن إيران –ومعها سوريا- أرادت من لبنان البقاء إلى جانب المحور الآخر الذي يعتبر محور الممانعة ضد السياسات الأميركية والإسرائيلية.


8- قضية التشيع:
طرحت قضية التشيع من بوابة التأثير الذي تمارسه إيران على السنة في بعض البلدان العربية مثل سوريا ولبنان والسودان، وذكرت أرقام تجاوزت مئات الآلاف ممن تشيعوا من أهل السنة (بإغراءات مالية من إيران).


وكان من الطبيعي أن يثير هذا الأمر القلق تجاه إيران وسياساتها في كثير من الأوساط الشعبية العربية خاصة الإسلامية منها.


وقد اعتبر ذلك مثابة تدخل إيراني في الشؤون العقيدية للطرف الآخر.


وفي الواقع لم يقدم أي دليل ملموس على وجود هذه القضية، وعلى الأقل بهذا الحجم الذي أشارت إليه بعض التصريحات الرسمية وغير الرسمية وبعض الوسائل الإعلامية العربية.


وتزامن هذا الاحتجاج على توسع التشيع مع اتهام آخر يدعي أن ولاء الشيعة هو لغير أوطانهم، والمقصود بذلك إيران غير العربية، مما يعني أن الشيعة هم غرباء أو عملاء لإيران في البلدان التي يعيشون فيها.


التهمة الثالثة في الإطار نفسه هي الهلال الشيعي الذي يريد "افتراضا" تطويق العالم السني. ويمتد هذا الهلال المفترض من العراق الذي يهيمن عليه الشيعة إلى لبنان الذي يريد الشيعة الهيمنة عليه، إلى سوريا المتحالفة مع إيران الشيعية إلى إيران نفسها.


من الطبيعي أن تثير هذه الاتهامات انزعاج الطرف الإيراني، وانزعاج الشيعة عامة في البلدان العربية التي يعيشون فيها.


ومن الملاحظ أن معظم هذه الاتهامات حصلت قبل حرب يوليو/ تموز 2006 على حزب الله في لبنان.


وترافقت هذه الاتهامات التحريضية ضد إيران والتشيع مع حالة من التوتر المذهبي في العراق وفي لبنان.


ربما تلخص النقاط السابقة أهم القضايا التي أثارت ولا تزال تثير القلق والخلاف بين إيران والعرب، أو بين إيران وبعض الدول العربية.


وفي كل الأحوال إن أي تفكير في البحث عن الاستقرار في هذه العلاقات، وعلى أي مستوى من المستويات، يفترض تحديد أولويات الخلاف. أي القضية التي تثير القلق والمخاوف أكثر من أي قضية أخرى. لتكون هذه القضية موضع البحث والتأمل بالتوازي مع المصالح المشتركة، وهي كثيرة.


ولا يمكن في الوقت نفسه أن ننظر إلى دور إيران وإلى علاقات أفضل لها مع العرب، إلا على ضوء التهديدات الشاملة التي تواجهها هذه المنطقة "أمنيا واقتصاديا وإستراتيجيا".


وعلى ضوء الأولويات التي يفترض أن تحدد الحلفاء والأصدقاء والأعداء والخصوم (هل إيران هي العدو أم إسرائيل؟) وقد شهدنا في لبنان كيف حاولت بعض الاتجاهات السياسية اللبنانية طوال السنوات الثلاث الماضية بين عامي (2005 و2008) أن تجعل من سوريا أيضا العدو الأول للبنان وليس اسرائيل!


مثل هذه الرؤية الشاملة التي تأخذ بعين الاعتبار أسباب التدخل الدولي في هذه المنطقة –أي الإسلام والنفط ووجود إسرائيل- وصولا إلى "الاحتلال المباشر ونشر الفوضى والفتن وعدم الاستقرار".


يفترض أن تدفع الجميع (المثقفون العرب والإيرانيون أيضا) إلى التركيز في كل مواقع التأثير التي يمارسونها على أهمية التفاهم بين إيران والعرب على المصالح المشتركة أولا "لبحث المخاوف المتبادلة" (كالتي أشرنا إليها).


لأن أي خيارات أخرى لن تجلب سوى المزيد من القلق والتوتر لشعوب المنطقة، والمزيد من التدخل الخارجي الذي نشهده، والذي لا يهمه سوى حماية تدفق النفط إليه، وحماية إسرائيل، وتهميش الإسلام وإضعاف دوره السياسي الحضاري.
________________________

باحث متخصص في الشؤون الإيرانية.