العقوبات الاقتصادية: خنق بطيء للنظام السوري

العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام السوري تحد من قدرته على التحرك، فهي ترفع تكلفة تعاملاته الخارجية وتحرمه داخليا من توفير الموارد اللازمة لامتصاص السخط الناتج عن ارتفاع الأسعار والبطالة.
20111119104613398580_2.jpg

تعرُّضُ أي بلد لعقوبات اقتصادية خارجية، ذو أثر يكبر أو يصغر حسب حجم ذلك البلد وقدرته الاقتصادية والعلمية والبشرية. ويزداد ذلك الأثر كلما كان الاقتصاد صغيرا ومنفتحا على الخارج. وسوريا بلد صغير نسبيا لا يتجاوز ناتجه المحلي ما يعادل 27454 مليون دولار أميركي (تقديرات 2009)، ويشكل تبادله الخارجي مابين 35 و43% ( تقديرات 2008 و2009) من إنتاجه المحلي، وهو يرتبط في كثير من قطاعاته الإنتاجية بالسلع الوسيطة والآلات والتجهيزات المستوردة. ويتضح أن لبعض العقوبات آثارا تفوق حجمها المباشر بالنسبة للاقتصاد الوطني، حيث أدت العقوبات التكنولوجية الأميركية على سوريا خلال الفترة السابقة، إلى تأخر تطور قطاع تكنولوجيا المعلومات والبنية التحتية للاتصالات، والخدمات التكنولوجية والمعرفية لقطاعات الإنتاج. وأدت إلى خسائر كبيرة في قطاع النقل الجوي وحرمان سوريا من نقد أجنبي ضروري، وعرقلت بالنتيجة تطور بنية وتركيبة العديد من القطاعات بما فيها الصحة والتعليم.

وتندرج العقوبات الحالية على سوريا في إطار العقوبات الموجهة، وتهدف إلى التضييق على النظام سياسيا ودفاعيا، باستهدافها التوريدات العسكرية والموارد النفطية والنظام المالي. ومن شأن هذه العقوبات أن تُحدث أضرارا ونتائج سلبية على سير الأعمال وقدرة النظام على التحكم والسيطرة، نتيجة انعدام فرصة توفير بدائل محلية، والانغلاق ضمن الحدود الوطنية، وارتفاع كلفة البدائل والاعتماد على السوق السوداء، التي تعرضه إلى هدر كثير من الموارد. تأتي هذه العقوبات وتكاليفها، إضافة إلى الوضع الأمني المتوتر لتعزز خيارات النظام بالتركيز على وضعه الأمني وإعطاء الأولوية لتعزيز قدراته العسكرية والأمنية على حساب عملية التنمية والوفاء بالاحتياجات الأساسية للسكان. وهذا من شأنه أن يصعِّد من الغضب الشعبي على سياسات النظام التي أهملت متطلبات فئات واسعة من الشباب بتوفير فرص عمل كريمة في وطنهم، وخدمات ومرافق عامة ضرورية في مناطقهم، وعدالة في توزيع الموارد والثروات تحقق لهم مستوى العيش الإنساني الكريم.

إلى أي مدى يمكن أن تسهم العقوبات الخارجية في تغيير ميزان القوى القائم حاليا؟ وما هي الآثار المتوقعة للعقوبات المتزايدة والمتوسعة على النظام وعلى المجتمع السوري؟ هذا ما سنحاول تقديم رؤية له في هذه التقرير المختصر.

إن تحليل أثر العقوبات الاقتصادية على سوريا في الآونة الأخيرة، تحكمه عدة اعتبارات أهمها، استمرارية تلك العقوبات واتساع نطاقها، وإجماع الأطراف الدولية والإقليمية على تنفيذها، وبالتالي محدودية البدائل بالنسبة للنظام. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن بعض الآثار والنتائج المتولدة عن هذه العقوبات سوف يتم تحميلها للمواطن العادي، ويتحرر النظام من عبئها المباشر عليه. من هنا تبدو مهمة تقييم تلك الآثار وتحليلها معنية بتأثير تلك العقوبات على النظام والمجتمع في آن معا. كما تطرح طبيعة العقوبات الاقتصادية ضرورة رؤية تلك الآثار في المدى القصير والمتوسط، وسيكون النظام معنيا بالمدى القصير في حين سيكون المجتمع معنيا بالمديين، لأن أي إجراء أو عقوبة اقتصادية لا يمكن تلمس نتائجها الفعلية إلا خلال فترة زمنية كافية قد تمتد لعدة سنوات، وهذا ما تعكسه تجربة العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، والتي بدأت سوريا تتلمس نتائجها في تسعينيات ذلك القرن.

العقوبات الأميركية والأوروبية خلال عام 2011

أصدر الرئيس الأميركي باراك أوباما في 29 نيسان/أبريل 2011، أمرا تنفيذيا بفرض عقوبات جديدة على سوريا، وسّع فيه العقوبات المفروضة عليها بموجب القرارات المتخذة في مايو/أيار 2004 في إطار " قانون محاسبة سوريا"، وكذلك القرار المتخذ في أبريل/نيسان 2006، والقرار التنفيذي في فبراير/شباط 2008. وتشمل العقوبات الجديدة مسؤولين سوريين، ومؤسسات عامة. وقد تضمنت أيضا تجميدا للأموال وحظرا للتعاملات التجارية مع الشخصيات المادية والمعنوية المشمولة بالعقوبات. وفي 18 مايو/أيار وُسعت تلك العقوبات لتشمل الرئيس السوري نفسه ونائبه ورئيس الوزراء ووزيري الداخلية والدفاع ومدير المخابرات العسكرية ومدير فرع الأمن السياسي. وجمدت وزارة الخزانة الأميركية لاحقا وفق تفويض قرار الرئيس أوباما الأصول المملوكة للأفرع الرئيسية الأربعة لقوات الأمن السورية والواقعة في إطار السلطة القضائية الأميركية، وحظرت على الأميركيين أي تعامل مع تلك الأفرع. وقد توسعت تلك العقوبات لاحقا لتشمل محمد حمشو وشركته القابضة المسماة مجموعة حمشو الدولية، والمصرف التجاري السوري والمصرف التجاري السوري اللبناني التابع له في بيروت. وكانت أيضا قد جمدت الأصول المملوكة للمصرف العقاري السوري في الولايات المتحدة الأميركية. كما شملت عقوبات الخزانة الأميركية شركة "سيريتل" للهاتف المحمول، وذلك بموجب مرسوم رئاسي منفصل.

ووسعت الحكومة الأميركية في أغطس/ آب من العام الحالي العقوبات لتشمل شركة تسويق النفط السورية والشركة السورية للنفط، وتجميد كل الأصول السورية الموجودة في الولايات المتحدة أو التي تقع تحت طائلة الاختصاص القضائي للولايات المتحدة. وحظرت تلك العقوبات على الأميركيين القيام باستثمارات جديدة أو تقديم خدمات لسوريا، كما حظرت استيراد المنتجات النفطية السورية. وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد جمّدت أوائل العام الجاري، ممتلكات ثلاثة معاهد ومختبرات سورية هي: المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، المختبر الوطني للمعايير والمقاييس ومعهد الهندسة الإلكترونية، وأدرجتها ضمن القائمة الأميركية للمراكز المستخدمة لنشر أسلحة الدمار الشامل.

والعقوبات الأميركية الحالية تشكل إضافة إلى العقوبات السابقة التي اتخذتها منذ عام 1980، بناء على التوصية المتخذة في الكونغرس الأميركي عام 1979 والقاضية بضرورة موافقة اللجنة المختصة في الكونغرس على الترخيص لتصدير السلع والتكنولوجيا التي تزيد قيمتها عن 7 ملايين دولار، إلى أي دولة داعمة للإرهاب، حيث أُدرجت سوريا عام 1980 في عداد تلك الدول. وقد مارست الولايات المتحدة الأميركية بموجب هذا القانون حظرا تكنولوجيا على سوريا شمل كافة السلع والتجهيزات التي تحوي مكونا أميركيا بنسبة 10% فأكثر.

تشكل مجموعة القرارات والقوانين التي تشمل سوريا بالعقوبات منذ ذلك التاريخ حزمة متكاملة تشمل صادرات وواردات السلع والمعدات الطبية والأدوية والمواد الكيمائية والتجهيزات والمعدات الإلكترونية بما فيها الكمبيوترات والبرمجيات، والاستثمار وتنمية الموارد النفطية وبيع المشتقات النفطية، والطائرات ومحركاتها وقطع غيارها. وعلى الصعيد الدبلوماسي، خفضت العقوبات الأخيرة من حجم التمثيل الدبلوماسي وقيّدت حركة الدبلوماسيين السوريين في الولايات المتحدة بمسافة محددة.

العقوبات الأوروبية على سوريا

لم تتخذ أوروبا أو دول الاتحاد الأوروبي بمفردها عقوبات على سوريا، والحالات الخاصة التي فرضت فيها فرنسا أو المملكة المتحدة بعض الإجراءات كانت محدودة ولم ترق إلى مستوى العقوبات الواسعة والشاملة. وكانت العقوبات المفروضة مؤخرا هي الأولى من نوعها بالنسبة للاتحاد الأوروبي، حيث كان بادر إلى فرض تلك العقوبات دون أن يكون موافقا أو منضما إلى عقوبات فرضتها الولايات المتحدة الأميركية، فقام في مايو/أيار من العام الحالي بفرض حظر السفر وتجميد الأرصدة لشخصيات رسمية وكيانات تجارية وإنتاجية في قطاعات البناء والنفط والاتصالات، وفرضَ حظرا على توريد الأسلحة، وفرض لاحقا حظرا على الرئيس الأسد نفسه. وشملت قرارات العقوبات الأوروبية المتتالية ما يزيد عن 56 شخصية و18 كيانا سوريا بينها شركة "بنا" للعقارات وصندوق المشرق للاستثمار ومجموعة حمشو الدولية ومؤسسة الإسكان العسكرية، بالإضافة إلى المصرف التجاري السوري. كما شمل الحظر شراء واستيراد ونقل النفط والمنتجات النفطية الأخرى من سوريا، وحظر توفير الخدمات المالية أو التأمينية لهذه المعاملات.

وكان الاتحاد الأوروبي قد صعّد من موقفه تجاه سوريا في 14نوفمبر/تشرين الثاني2011 بتجميد القروض التنموية التي منحها بنك الاستثمار الأوروبي إلى سوريا، وإدراج 18 شخصية مدنية وعسكرية على قائمة العقوبات، الأمر الذي يتهدد نشاط وأعمال تجار وصناعيين مقربين من النظام ويقدمون خدماتهم له عبر تخفيف العزلة والحصار الاقتصادي عليه.

يتضح من العقوبات المزدوجة الأخيرة ( الأميركية - الأوروبية)، تركيزها على:

  • الاستهداف السياسي من خلال تركيز العقوبات على شخصيات رسمية تقوم بدور فاعل في الأحداث والقمع الممارس.
  • استهداف القدرة المالية للدولة بحظر بيع النفط والمشتقات، وحجب الاستثمار الخارجي، وتجميد الأرصدة وتقييد نشاط المصرف التجاري، الذي هو مصرف الحكومة، وبالتالي تقييد تعاملاتها التجارية الخارجية.
  • استهداف النظام النقدي السوري من خلال القيود على التعامل بالدولار الأميركي، ومنع تصدير النقد السوري المطبوع في أوروبا.
  • استهداف القدرة الاقتصادية الكلية للدولة من خلال تقييد عمليات الاستيراد والتصدير، وحجم الائتمان والتأمين، وفرض عقوبات على الشركات الأميركية العاملة في سوريا، ووقف عمليات الاستثمار وتقديم المساعدات والاستفادة من البرامج التنموية الأميركية والأوروبية.

 الآثار المترتبة على العقوبات بالنسبة لنظام الحكم

تشكل الإيرادات النفطية موردا هاما وأساسيا للموازنة العامة للدولة، فهي تقارب نحو 22% من إيراداتها، وتشكل الصادرات النفطية على ضآلتها الحصة الأساسية من هذه الإيرادات، فتتراوح بين 16 أو17% من إجمالي الإيرادات. وتوقف هذه الإيرادات أو تأخيرها لفترة زمنية طويلة نسبيا سوف يدفع الحكومة إلى السحب من الاحتياطي أو الاقتراض من المصرف المركزي، نتيجة عدم وجود بديل لتلك الموارد. لقد كانت الحكومة أقرت الموازنة التقديرية لعام 2012 بما يعادل تقريبا 1326 مليار ل.س ( باع المصرف المركزي السوري مؤخرا عدة ملايين من الدولارات بسعر يقارب 51.3 ل.س / الدولار الأميركي، وبالتالي حسب هذا السعر للصرف يكون حجم الموازنة مقاربا لـ 26.5 مليار دولار) وبعجز أولي يزيد عن 27% من الموازنة، لذلك سوف تعتمد الموازنة على ما يزيد عن 39% من الإيرادات على السحب من الاحتياطي والموارد الخارجية، وتُبرز هذه التركيبة للموارد هشاشة إيرادات الموازنة ومحدوديتها.

حسب تقديرات الموازنة ستشكل الإيرادات الناجمة عن بيع الخام السوري الثقيل نحو 12.5% من إجمالي إيرادات الموازنة. أهمية هذه الإيرادات أنها بالعملة الأجنبية ( الدولار)، وتمول الجزء الأعظم من المستوردات بما يقارب 3.5 مليار دولار، ودورها هام في موازنة الميزان التجاري وميزان المدفوعات، كونها تشكل نحو 14-15% من إجمالي الصادرات السورية. في الأجل القريب تبدو الحكومة ملزمة باستخدام احتياطيّها من العملة الأجنبية والمقدر حتى الآن بما يزيد عن 16 مليار دولار. وقد قامت الحكومة بالتخلي عن دورها في توفير العملة الأجنبية اللازمة للمستوردين من القطاع الخاص لمعظم السلع عدا الغذائية الأساسية منها، وطالبتهم بتوفير العملة الأجنبية بطرقهم الخاصة، الأمر الذي سوف ينعكس سلبا على سعر التبادل للعملة الوطنية، هذا في حين تسعى وزارة النفط حسب تصريحات وزيرها للاتفاق مع مستوردين ووسطاء لشراء النفط السوري في المرحلة القادمة، أي أن لدى الحكومة وخلال فترة زمنية قد لا تطول إمكانية تسويق إنتاجها من النفط الخام ولكن حتما بتكلفة أكبر، فتكون لديها إيرادات بالعملة الأجنبية، وحتى ذلك الوقت فهي لديها ما يكفي من الاحتياطي النقدي لتمويل مستورداتها، وبالتالي فإنها لن تعاني من مشكلات اقتصادية حقيقية خلال الفترة الزمنية المنظورة.

على عكس العقوبات المفروضة على تجارة النفط، تبدو آثار العقوبات التي تستهدف النظام المصرفي والمالي أسرع في الظهور، حيث أدت القيود المفروضة على المصرف التجاري خاصة، وتجميد الأرصدة ومنع تحويل الدولار إلى سوريا، إلى ارتفاع تكاليف المعاملات وارتفاع تكاليف المستوردات للأسباب المالية ودخول وسطاء يتم من خلالهم تحويل العملات والدفع، وارتفاع تكاليف التأمين، بالإضافة إلى تحول جزء من الطلب على العملة الأجنبية من السوق النظامية إلى السوق السوداء، ما أدى إلى انخفاض سعر صرف الليرة السورية، وذلك رغم تدخل المصرف المركزي مباشرة وبيعه للعملة من خلال مزاد يجمع الصيارفة والمصارف الخاصة، في محاولة للحد من تدهور سعر الصرف.

نتيجة لهذه الجهود وعوامل أخرى متعلقة بتباطؤ الاقتصاد السوري وضعف الطلب على المستوردات، بل وتوقف العديد من المنشآت، كان التراجع في سعر الصرف محدودا بين 12 و15% خلال ما يزيد عن ستة أشهر. وقد انعكست تلك الآثار على أسعار السلع والخدمات الأساسية، وكان المكتب المركزي للإحصاء قد قدّر الارتفاعات في أسعار سبتمبر/ أيلول مقارنة بشهر أغسطس/آب الماضي ب 2.6 نقطة، وقدَّر التضخم ( متوسط ارتفاع الأسعار) السنوي لسبتمبر/أيلول من العام الحالي مقارنة مع سبتمبر/ أيلول من عام 2010 بـ 3.38 %، وهو أدنى من التضخم المسجل في شهر أغطس/ آب الماضي، والذي قدره المكتب بما يقارب 4%. لكن الارتفاعات الفعلية في السوق تفوق هذه النسبة، ومن المتوقع أن تظهر ارتفاعات الأسعار بقوة أكبر خلال الفترة القادمة، نتيجة تقدير الارتفاعات في تكلفة الطلبات الحالية على المواد نصف المصنعة والسلع الوسيطة بما يزيد عن 15% في معظمها ( تقديرات مستخلصة من مقابلات مع مستوردين للحديد والإلكترونيات).

تبدو الآثار الكلية للأزمة هي الأكثر ملموسية، حيث تتفاعل عمليات الإغلاق للعديد من المنشآت الاقتصادية، وتضُّرر الإنتاج الزراعي وفقدان الموسم بالنسبة للبعض في محافظات عدة نتيجة تدهور الوضع الأمني، وتوقُّف العديد من مشاريع البناء، والمصانع والورش، وانسحاب العديد من المستثمرين وبعض رجال الأعمال من الحاملين للجنسية الأميركية مع العقوبات الخارجية، لتجعل الاقتصاد الوطني يعمل بمستوى دون طاقته الفعلية بكثير. وكانت الموازنة العامة للدولة قد قدرت التراجع في إيراداتها الجارية غير النفطية، الضريبية خاصة، إلى النصف من نحو 452 مليار ل.س العام الماضي إلى نحو 212 مليار للعام الحالي، الأمر الذي يدلل على عمق الأزمة والتراجع العام في النشاط الاقتصادي، فتنعكس جملة هذه العوامل على المواطن السوري بزيادات أسعار وتقلص فرص العمل وانعدام الدخل في العديد من الحالات.

إلى ذلك، يطرح موضوع التحفظ، أي عدم إرسال العملة السورية المطبوعة لدى المطابع الأوروبية المتخصصة، وهو نوع من الحجز لتلك الأموال، مشكلة السيولة في السوق الداخلية خلال الفترة القادمة، وإن كان الاقتصاد الوطني لا يزال حتى الآن لا يعاني من نقص في السيولة، فسوريا على غرار العديد من الدول التي لم تنمّ قطاعها المصرفي وتعتمد وبدرجة كبيرة على تعاملاتها النقدية خارج النظام المصرفي.

نتيجة ضعف تطور النظام المصرفي والقيود المفروضة عليه بفعل القوانين والأنظمة التي يعمل في ظلها، تتم معظم التعاملات التجارية في البلاد نقدا ويضطر المواطنون إلى الاحتفاظ بكتلة نقدية كبيرة نسبيا لتعاملاتهم بين أيديهم، وليس في المصارف الحكومية، لذلك يشكل النقد خارج المصارف ما يقارب 95% من إجمالي النقد المصدر، وهو النقد الذي أصدره المصرف المركزي، أي الحكومة.

ومن شأن الأحداث الحالية والعقوبات المفروضة على مصرفين حكوميين رئيسيين والخشية أن تؤثر تلك العقوبات على وضعية النظام المصرفي السوري، وقدرته الائتمانية ووفائه بالتزاماته حيال المودعين، إضافة إلى الخشية من تفاقم الوضع الأمني والحيلولة دون عمل المصارف بشكل اعتيادي، من شأن كل ذلك أن يحفز على طلب السيولة، والاحتفاظ بالنقد لإجراء المعاملات، مما يعني توسيعا للكتلة النقدية، إضافة إلى توسيع الكتلة النقدية المفروضة بفعل التباطؤ في النشاط الاقتصادي وتراجع معدل دوران النقد، حيث يفرض بطء النشاط الاقتصادي على المؤسسات الاحتفاظ بكميات كبيرة من المخازين من السلع الوسيطة أو المنتجات الجاهزة، كما أنها مضطرة للاحتفاظ بسيولة كافية لتسيير أعمالها في ظل بطء عمليات البيع والشراء وتراجع مستوياتها. وتنطبق هذه الحالة أيضا على قطاع التجارة المطالب بالوفاء بالتزاماته حيال الموردين، لذلك سيكون مطلوبا ضخ كميات مناسبة من النقد الورقي والمعدني. وهذا لن يكون متوفرا لدى المصرف المركزي نتيجة التحفظ على النقد الذي طبقته دول الاتحاد الأوروبي، مما سيحيل جزءا متزايدا من الطلب على السيولة إلى الطلب على العملات الأجنبية، وستكون لذلك آثاره السلبية على سعر صرف الليرة السورية.

تعامل الحكومة مع الآثار الاقتصادية للأحداث

أدركت الحكومة أن العامل الاقتصادي قد كان من العوامل الرئيسية التي فجرت الحراك الاجتماعي. وهي وإن كانت قد أدركت ذلك متأخرة، فإنها لم تكن فعالة في إجراءاتها أيضا. لقد قامت الحكومة بإقرار زيادة على الرواتب والأجور (زيادة كانت مقررة منذ مدة وكانت الحكومة تؤجلها )، كما أقرت تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع والمواد الغذائية، وخفضت أسعار المازوت بنسبة كبيرة، كما قدمت قروضا ميسرة للطلبة الجامعيين، وثبّتت عددا من العمال المتعاقدين منذ سنوات عديدة. كان ممكنا لجملة هذه الإجراءات أن تخفف من الاحتقان الكبير في الشارع السوري، لو كانت الحكومة قد عملت بها في الوقت المناسب، ولكن صخب الأحداث ودمويتها جعل هذه الإجراءات ثانوية وغير قادرة على استمالة الفئات الاجتماعية المطالبة بالتغيير، بالإضافة إلى أن جملة هذه الإجراءات لم تحدث تغييرا ملموسا في أوضاع الفئات الاجتماعية المتضررة، كما لم تصحح النهج الاقتصادي الذي سارت عليه الحكومة في السنوات السابقة. وبقيت مشكلة مستويات الأجور وعدم تناسبها قائمة، كما أصبحت مشكلة البطالة أكثر تفاقما، ومشكلات الزراعة والعاملين في الريف لم تزل قائمة وتخفيض أسعار المازوت لم يكن كافيا لحل تلك المشكلات، فما يلمسه المواطن هو أن الحكومة قد تركته يواجه الآثار الناجمة عن الأحداث والعقوبات من خلال ارتفاعات الأسعار وصعوبات المعاملات المالية أو السلعية مع الخارج، وتحمله أعباء وتكاليف إضافية.

يتضح من الإجراءات الحكومية المتخذة حتى الآن أن الحكومة لا تمتلك رؤية واضحة لمواجهة العقوبات المفروضة عليها والآليات الضرورية للتخفيف من آثار الأزمة الداخلية والعقوبات الخارجية، مثل قرار وزارة المالية بوقف الاستيراد للسلع التي تزيد رسومها الجمركية عن 5% ، الأمر الذي ألهب أسعار العديد من السلع حتى تم التراجع عنه، وتصريحات حاكم المصرف المركزي بأن الحل سيكون بتكوين احتياطي من الروبل الروسي واليوان الصيني، وهو يعلم حجم هاتين العملتين في السوق العالمية، وحجم ما يمكن لسوريا أن تتبادله مع روسيا والصين. وتتجه الحكومة إلى تحميل المجتمع الآثار الناجمة عن الأزمة والعقوبات، فتدخلاتها المحدودة في محاولة التخفيف من تراجع سعر الصرف، لم تمنع هذا التراجع كما أنها فرضت ادخارا إجباريا على العاملين في الدولة تحت مسمى دعم الليرة السورية وزيادة الاحتياطي، كما لم تتدخل للحفاظ على استقرار الأسعار، ولم تقم بالتعويض على المتضررين من أرباب العمل والعمال سواء في القطاع الزراعي أو الصناعي أو السياحي وغيرها من القطاعات، وهي من خلال تخليها عن تمويل المستوردات بالقطع الأجنبي، تفتح الباب واسعا أمام زيادات جديدة بالأسعار يكون المواطن ضحيتها.

أما بالنسبة للآثار المتوقعة في الأمد المتوسط والبعيد، فإن الحكومة غير مهتمة الآن بمواجهتها، وكانت خلال السنوات الماضية، تغض الطرف عنها ولم تعمل جديا على تجاوزها، الأمر الذي انعكس بهدر كبير للموارد، وتخلُّف البنية التحتية للاتصالات، وتدني المستوى التكنولوجي عموما في الاقتصاد الوطني. وقد انعكس كل ذلك على مستوى رفاه المواطن ودخله وفرصه في التقدم، حيث تشير بعض الدراسات الأميركية إلى أثر العقوبات على قطاع التكنولوجيا في البلد الذي يتعرض للعقوبة أنه يفقد من مستوى رفاهه ما يعادل 30% من قيمة تلك التجهيزات التي حرم منها. ويقدر العاملون في هذا القطاع في سوريا الخسائر نتيجة هذا الحظر بأكثر من ذلك، نتيجة ارتفاع تكلفة التجهيزات البديلة، وعدم حصولهم على الجودة المطلوبة وافتقادهم إلى مرجعية وخدمات ما بعد البيع. ويبدو أن عمق الأزمة التي لم تعالج منذ 1980، وتركت للعوامل السياسية، قد دفع سوريا إلى مرتبة متدنية نسبيا في سلم التنمية البشرية مقارنة مع الدول العربية المجاورة، ومرتبة متدنية أيضا في مستوى الاستعداد لدخول "مجتمع المعرفة"، والكثير من النتائج السلبية الأخرى والتي كان ممكنا إيجاد حلول وبدائل لها خلال تلك السنوات. ويبدو أن المجتمع السوري سيكون أيضا مسؤولا في المستقبل عن إبداع حلول وعلاجات لآثار العقوبات الحالية، وإن كان الإعلان قد أكد أنها ليست ضده.

العقوبات وموازين القوى الداخلية

إن من شأن العقوبات المفروضة على رموز النظام والمتعاونين معه، بالإضافة إلى بعض المؤسسات الاقتصادية، أن تحرم النظام من تسهيلات ودعم مادي. لقد قامت بعض الشخصيات أو المجموعات المالية بتمويل عملية استخدام "الشبيحة"، وتمويل وحشد الموالين في مسيرات لدعم النظام، وجاء فرض العقوبات على هؤلاء بإضعاف قدرتهم على تمويل تلك العمليات، كما منعهم من أن يقوموا بعمليات تجارية ومالية مع الخارج أوفي الخارج لمصلحة النظام، مما ينعكس بإضعاف قدرة النظام على المواجهة والحشد. وسيكون لوقف الصادرات النفطية أثره المباشر على عمليات التزود بالسلاح والمستلزمات الحربية المستخدمة حاليا في قمع المحتجين. وسوف تظهر نتائج ذلك خلال فترة قادمة، وليس مباشرة نتيجة امتلاك النظام لبعض الموارد التي يستطيع استخدامها كأولوية للخروج من محنته، هذا في حال أنه لم يحصل على دعم مباشر من قبل أطراف إقليمية ودولية. وهنا نتحدث عن فترة أشهر، إلا أن التجار وأصحاب الأعمال لا يستطيعون الانتظار مدة أشهر، فعلاوة على استمرارية الوضع الحالي والقيود المفروضة على تعاملاتهم وحساباتهم، فإن هؤلاء يتعرضون الآن لخسائر كبيرة لا قدرة لهم على تحملها لفترة طويلة، لذلك هم مدفوعون لاتخاذ موقف يرجح كفة القوى المناهضة للنظام، وهذا بالتأكيد ليس في مصلحة النظام نتيجة عزلته وتزايد حصاره، وسيكون لموقفهم أثر كبير في إنجاح الخيار السلمي للانتفاضة، من خلال الإضراب العام والعصيان المدني. لقد حاول النظام خلال الأشهر السابقة إبقاء القنوات مفتوحة معهم للتحاور وتقديم بعض التنازلات لهم، ولكن شمول بعضهم بالعقوبات وخاصة كبار تجار حلب ومموليها والذين تربط بعضهم علاقات تجارية وشراكات مع تجار وشركات تركية قد جعلهم يشعرون بالضائقة والتهديد لمصالحهم، وقد توقف بعضهم عن عمليات الدعم والتمويل للنظام، وسوف يحسم الباقون موقفهم مع تصاعد نقمة التجار ورجال الأعمال في بقية المحافظات، وخاصة تلك التي تتعرض للحصار والعمليات العسكرية الواسعة.

الجانب الآخر لأثر العقوبات يتعلق بالأوضاع الاجتماعية، حيث تزايدت جراء هذه الإجراءات، أوضاع الفئات المهمشة والفقيرة بؤسا، مع اتساع نطاق البطالة وإغلاق العديد من المنشآت الاقتصادية، والتراجع في سعر صرف الليرة السورية، وفوضى الأسعار وتحكم الاحتكارات في الأسواق. وهذا يصعّد من النقمة الاجتماعية على النظام الذي يقود البلاد إلى الخطر والمجهول، ويدفع بفئات جديدة من المتضررين إلى دعم صفوف المحتجين والمنتفضين، فخلال الأشهر الثمانية الماضية فقد النظام الكثير من مؤيديه، وفقد الفئات الوسطية التي كانت قابلة بالنظام مع إجراء إصلاحات والحصول على مزيد من الحريات. ومع مرور الوقت ترسخت لدى الفئات الأوسع من المجتمع السوري القناعة بأن هذا النظام غير قابل للإصلاح، وهو لا يدافع عن أي قيمة وطنية أو اجتماعية بقدر ما يدافع عن مصالح ضيقة مرتبطة باستمراره في السلطة.
____________________
نبيل مرزوق-اقتصادي سوري