مكانة ودور أكراد العراق بعد الانسحاب الأميركي

انسحاب القوات الأميركية يجعل حكومة العراق المركزية أكثر ضعفًا، فيشجع ذلك الحزبين الكرديين الرئيسيين على تحدي السلطة المركزية والمطالبة بالانفصال وفرض الأمر الواقع في القضايا المتنازع حولها بين الطرفين، لكن الجوار الإقليمي سيتصدى بحزم لقيام أي كيان انفصالي في إقليم كردستان العراق.
20111217134255453621_2.png

انسحاب القوات الأميركية يجعل حكومة العراق المركزية أكثر ضعفًا، فيشجع ذلك الحزبين الكرديين الرئيسيين على تحدي السلطة المركزية والمطالبة بالانفصال وفرض الأمر الواقع في القضايا المتنازع حولها بين الطرفين، لكن الجوار الإقليمي لا يساعد القوى الكردية بالعراق هذه المرة، فكل من إيران وتركيا وسوريا، ستتصدى لكل محاولة جدية تؤدي إلى استقلال إقليم كردستان العراقي، علاوة على أن هناك أيضًا قوى كردية معارضة باتت أقوى وتُنازع الحزبين الرئيسيين تحكمهما في مصير الأكراد.

على أن استمرار التنازع بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان يجعلهما بحاجة دائمة إلى قوى خارجية تتدخل لفض النزاع بينهما وضمان الاتفاقات المبرمة التي يتوصلان إليها، وهذا يجعل العراق في المستقبل ضعيفًا لا يملك قراره، ولن يقف من جديد على قدميه إلا إذا أعاد صياغة قواعد العيش المشترك في فيدرالية حقيقية، تكون المواطنة أرضيتها والسلطة المركزية متحكمة بالشؤون السيادية.

لعبة الاستعانة بالخارج

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى لعب العرب والأكراد، متشاركين، الدور الأكبر في بناء هذه الدولة سواء من كان منهم ضمن السلطة الحاكمة أو من كان منهم ضمن الحركة الوطنية المعارضة المتمثلة بالأحزاب السرية الجماهيرية التي استقطبت التأييد الشعبي الأكبر. وعندما تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي (المعروف بالبارتي) في عام 1946 كأكبر حزب جماهيري كردي في العراق اختار مؤسسوه مبدأ (الاتحاد الاختياري مع الشعب العربي في العراق) مع المطالبة بالحقوق القومية والثقافية المشروعة للأكراد. وظل النزاع بين السلطة المركزية والحزب الديمقراطي الكردستاني سواء في ظل النظام الملكي أو الجمهوري بعد عام 1958 يدور حول هذه الحقوق. وفي عام 1962 طوّر الحزب أهدافه وجعل المطالبة بالحكم الذاتي المطلب الرئيس للثورة الكردية المسلحة التي قامت عام 1961. احتاجت الحكومات العراقية المتعاقبة، وبعد جولات عديدة من الاقتتال الدامي، تسع سنوات لكي تقر بحق الأكراد في الحكم الذاتي في عام 1970. إلا أن هذا الحق أُفرغ من مضامينه الأساسية بعد أن نجحت السلطة المركزية العراقية في ظل نظام حزب البعث (1968-2003) في سحق الحركة الكردية المسلحة في عام 1975، وسيطرت سيطرة كاملة على جميع الأراضي الكردية وأخضعتها للسلطة المركزية. وعلى الرغم من أن السلطة المركزية العراقية ظلت متمسكة بتسمية الحكم الذاتي لكردستان العراق إلا أن هذا المبدأ لم يبق منه سوى الاسم فقط. وظلت الأحزاب الكردية المعارضة التي كانت ممثلة بحزبين رئيسيين: الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني (تأسس عام 1975 وعُرف باسم يَكَتي)، تعمل من خارج الأراضي العراقية وتتسلل للعراق بين آونة وأخرى.

لقد مثَّل سقوط نظام شاه إيران 1979؛ ومن ثَمَّ الحرب العراقية-الإيرانية 1980 فرصة ذهبية للحزبين الكرديين لكي يُصعِّدا من عملياتهما العسكرية والمعارضة للسلطة المركزية في العراق مستفيدين من الدعم الإيراني –بالأساس- والدعمين السوري والليبي اللذين ساندا إيران ضد العراق آنذاك، مع دعم إسرائيلي غير معلن بدأ منذ عام 1962 واستمر ليومنا هذا. ولكن انهارت كل العمليات الكردية المسلحة مرة ثانية بعد نجاح العراق في إجبار إيران على القبول بوقف إطلاق النار في عام 1988. ثم جاءت الفرصة الذهبية الأكبر في عام 1990 بعد أن اجتاحت القوات العراقية الكويت؛ ومن ثَمَّ اشتعلت الحرب التي شنتها قوات التحالف الدولي لإخراج العراق من الكويت عام 1991، فدمرت القدرة العسكرية العراقية بصورة كبيرة. في ظل هذه الظروف عاد الحزبان الكرديان إلى جبال كردستان العراق وبدآ نشاطًا مسلحًا مرة أخرى. وخشية أن تُستَنفد القوة العسكرية العراقية المتبقية للنظام، قرر صدام حسين سحب الجيش والإدارات الحكومية من محافظات كردستان العراق الثلاث: دهوك، وأربيل، والسليمانية، لكي تصبح هذه المنطقة تحت السلطة الكاملة للحزبين الكرديين الرئيسيين ولأول مرة في تاريخهما. ثم جاء حظر الطيران العراقي فوق منطقة كردستان العراق الذي فرضته الأمم المتحدة بدعم أميركي-بريطاني قوي ليزيد من تمكن الحزبين من السيطرة الكاملة على المنطقة. إلا أن كل ذلك لم يُنهِ الصراع بين الحزبين الذي وصل إلى حد الاقتتال الدامي في عام 1994. وفي عام 1996، وعندما تمكن الاتحاد الوطني الكردستاني من اجتياح المناطق التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني والذي أصبح مهدَّدًا بهزيمة كاملة، استنجد الأخير بالسلطة المركزية العراقية التي أرسلت قطعًا من الجيش العراقي تمكنت من دعم مقاتلي الحزب وطرد مقاتلي الاتحاد الوطني الكردستاني خارج الحدود إلى إيران. لكن بعد انسحاب الجيش العراقي عاد مقاتلو الاتحاد الوطني للسيطرة على السليمانية والتمركز فيها لكي تنقسم منطقة كردستان العراق بين الحزبين، السليمانية للاتحاد الوطني، وأربيل ودهوك للحزب الديمقراطي الكردستاني. وخفَّت موجة العداء الظاهر بين الطرفين بعد أن نجحت الولايات المتحدة الأميركية في إجراء مصالحة بين قائدي الحزبين لضمهما معًا إلى التحالف الذي كان يجري الإعداد له لاحتلال العراق.

مكانة ودور الأحزاب الكردية في ظل الاحتلال

من الواضح للغاية أن منطقة كردستان العراق عاشت فترتها الذهبية بعد الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003. وعلى الرغم من أن المنطقة ظلت منقسمة بين الحزبين الرئيسيين، إلا أن المكاسب التي حصلا عليها قلَّلت من فرص التصادم بينهما، خاصة بعد أن نجح رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني السيد جلال الطالباني في الوصول إلى رئاسة العراق، وفاز رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني السيد مسعود البرزاني برئاسة إقليم كردستان. ومما زاد من حظوظ الحزبين الكرديين في السيطرة على السياسة العراقية أمور أخرى لا تقل أهمية عن الدعم الأميركي الكبير للحزبين، يمكن تلخيصها بالآتي:

  1. انهيار الدولة العراقية بالكامل إن لم يكن تفكيكها بصورة مبرمجة من قبل قوات الاحتلال الأميركية؛ حيث حُلَّ الجيش ودُمرت معداته وأسلحته، وكذلك تم حل قوات الشرطة المحلية والأجهزة الأمنية بالإضافة إلى حل أجهزة الدولة الأخرى المدنية إن لم يكن بصورة مباشرة فبصورة غير مباشرة عبر طرد الآلاف من الموظفين الأكْفاء بدعوى كونهم أعضاء في حزب البعث الذي حُلّ هو الآخر، هذا في الوقت الذي لم تُمس فيه القوات العسكرية الكردية (البيشمركة) أو أجهزتها الأمنية والإدارية.
  2. تم تسليم الإدارة الكردية مبالغ مالية هائلة من الأموال العراقية (مليار ومئتي مليون دولار كدفعة أولى ونقدًا) من قبل الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، في الوقت الذي وضع فيه نفس الحاكم كل الأموال العراقية الأخرى بيده وجعلها لا تُصرف إلا حسب رغبته.
  3. أظهرت القوانين والتشريعات التي أصدرها بريمر محاباته الكبيرة للطرف الكردي على حساب الطرف العربي في العراق. ولعل أهم هذه التشريعات كان قانون إدارة الدولة المؤقت، والذي كُتب في الولايات المتحدة وتم إقراره من قِبَل مجلس الحكم المؤقت المعين من قبل بريمر. لقد احتوى هذا القانون على مواد كان واضحًا فيها الإصرار على إضعاف سلطة المركز ومراعاة المطالب الكردية وإعطاؤها الأولوية على حساب المتطلبات العربية العراقية. ثم تم تضمين المواد الخاصة بإقليم كردستان في الدستور الدائم الذي أُقِر في عام 2005. وأهم هذه المواد المادة 140 حول مصير كركوك والمناطق التي أُطلق عليها (المتنازع عليها) أي التي تطالب بها حكومة إقليم كردستان. والمادة التي تعطي القوانين المحلية للإقليم اليد العليا في حالة حدوث نزاع حول تضارب القوانين المركزية مع قوانين وتشريعات الإقليم. وأخيرًا وليس آخرًا، المواد التي منحت الإقليم حرية التصرف والاستفادة من الثروات الطبيعية في الإقليم مع احتفاظ الإقليم بحقه في المطالبة بـ 17% من العوائد الواصلة إلى السلطة المركزية. علمًا بأن السلطة المركزية ملزَمة بتحمل تكاليف القوات المسلحة الكردية (البيشمركة) في الوقت الذي لا تملك أية صلاحية في تحريك أو إصدار الأوامر لهذه القوات. بل إن الإقليم مُنح الحق في فتح مكاتب تمثله في سفارات العراق الخارجية وأصبح قسم من هذه السفارات يمثل الإقليم أكثر من تمثيله للعراق. كل هذه الامتيازات التي تضمنتها مواد الدستور الذي أُقِر رغم الاعتراضات القوية عليه والمعلومات التي نشرت حول تمريره بصورة ملتوية، أصبحت بعد فترة وجيزة تمثل نقاط الخلاف، إن لم نقل الصراع، بين السلطة المركزية وسلطة إقليم كردستان العراق، وهي لا تزال قائمة ومستعرة حتى الآن.

 الأكراد أمام حكومة مركزية ضعيفة وجوار مستنفر

في نهاية 2011 ستترك القوات الأميركية العراق بلدًا ممزقًا ضعيفًا مهددًا بعدم الاستقرار لوقت طويل قادم تكون فيه السلطة المركزية عاجزة عن مواجهة التحديات الكبيرة وأهمها تلك التي ستُظهرها الأطراف. وفي الحقيقة لم يظهر خلال مدة الوجود العسكري الأميركي في العراق (2003-2011) ما يدلل على أن هذا الوجود قد تدخل لحماية حكومة أو سياسة إقليم كردستان بصورة مباشرة. وفي الحقيقة أيضًا فإن الإقليم لم يكن بحاجة إلى مثل هذا الدعم في ظل الضعف الكبير الذي أصاب المركز. لقد دعمت الولايات المتحدة إقليم كردستان العراق قبل هذا التاريخ عندما أعلنته منطقة حظر للطيران العراقي خشية أن تقوم الحكومة العراقية بمهاجمته وإعادته لحظيرة السلطة المركزية. وأساسًا، وبعد تدمير القوة العسكرية العراقية وحلّ الجيش العراقي بعد 2003 لم يعد هناك ما تخشى منه حكومة إقليم كردستان. بل إن قوات البيشمركة الكردية أصبحت هي التي تمد نفوذها خارج الإقليم بدعوى ضمان الحقوق الكردية في المناطق المتنازع عليها في الوقت الذي لا قدرة للسلطة المركزية على مواجهة هذه التحديات المتزايدة. وفي أوقات كثيرة كانت الحكومة العراقية تلجأ إلى الإدارة الأميركية في العراق لكي تلعب دور الوسيط في كبح المطامح الكردية، وفي بعض الأحيان التهديدات الكردية. إن ما تحتاجه الأحزاب الكردية الحاكمة هو النفوذ الأميركي الدائم في العراق وهذا النفوذ باق بعد الانسحاب العسكري والمتمثل بأكبر سفارة أميركية في العالم تضم خمسة عشر ألف موظف بالإضافة إلى (موظفي) الشركات الأمنية الذين تجاوز عددهم الخمسة والثلاثين ألف.

من المؤكد أن الانسحاب الأميركي من العراق سيؤدي إلى إضعاف السلطة المركزية في العراق في البداية. وهذا الضعف ستحاول الأحزاب الكردية استثماره لمصلحتها في سبيل الضغط على السلطة المركزية. وسيمر العراق بفترة من عدم الاستقرار قد تستثمره الأحزاب الكردية لمصلحتها، ولقد أثبتت الأحداث الحالية أنها مستعدة لتصعيد الموقف إلى حد المواجهة أو التهديد بالانفصال، كما أن السلطة المركزية بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة تحاول أن تقف بوجه محاولات سلطة إقليم كردستان للامتداد خارج حدودها الإدارية الحالية أو توقيع عقود واتفاقات بدون الرجوع إليها. وهذه الحالة لابد من أن تقود إلى مواجهة بين الطرفين. ولن يجدي نفعًا ادعاء الطرفين بضرورة العودة للدستور لأنه ملئ بالألغام والغموض الذي لن يحل المشاكل المعلَّقة، وهنا يكمن الخطر الأكبر. بالطبع لابد من التأكيد على أن السلطة المركزية أضعف من أن تنتصر وحدها في أية مواجهة، ولكن هذه السلطة تمتلك دعمًا إقليميًّا ومحليًّا يمكن أن يقوي من عزيمتها ويدفعها للمواجهة. في المقابل  فإن الأحزاب الكردية تمتلك من الإمكانات والقوة ما يمكِّنها من الذهاب إلى أبعد الحدود في المواجهة، ولكن كيف ستواجه هذه الأحزاب القوى الإقليمية المساندة للسلطة المركزية، مثل إيران، أو الرافضة لتوسع النفوذ الكردي العراقي، مثل تركيا وسوريا؟  لقد رأينا كيف عجزت قيادة الإقليم عن مواجهة أو إيقاف القصف التركي-الإيراني المستمر لأراضي كردستان العراق واكتفت بالشجب ولوم السلطة المركزية التي لا تمتلك حق إرسال أية قوات إلى المنطقة بدون موافقة سلطة الإقليم.

إقليميًّا ودوليًّا -ومنذ ستينيات القرن الماضي- وجدت الحركة القومية الكردية في العراق دائمًا دولة أو مجموعة دول راغبة في دعمها نكاية في العراق. ويمكن القول: إن الدول المجاورة للعراق ودول الإقليم بصورة عامة دعمت الحركة القومية الكردية في العراق من أجل إضعافه. لكن اللوم الأكبر يقع على السلطات المركزية العراقية المتعاقبة التي فشلت في التوافق مع الحركة القومية الكردية وخسرتها لصالح الأطراف المعادية لها. وهكذا فلقد كان لإيران وتركيا وسوريا ودول خليجية والأردن وإسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها في فترات مختلفة دور في دعم الأحزاب الكردية سواء بصورة سرية أو علنية. وتنوع الدعم بين الدعم المعنوي والمادي والعسكري. وعلى الرغم من أن التجربة الكردية مع هذا الدعم كانت دائمًا تنتهي بكارثة في حق الحركة القومية الكردية في العراق إلا أنه من المؤسف أن الأحزاب الكردية لا تزال تُعوِّل على هذا الدعم وتقدم له تنازلات، في الوقت الذي ترفض فيه تقديم مثل هذه التنازلات للعراق. وبنفس الوقت فإن الحكومات المركزية العراقية المتعاقبة كانت على استعداد للتعاون مع القوى الإقليمية المجاورة ضد الحركة القومية الكردية وتقدم لها تنازلات على حساب المصلحة الوطنية العراقية ولا تبدي أي استعداد لتقديم هذه التنازلات للحركة القومية الكردية. وفشل الطرفان: السلطات المركزية العراقية والأحزاب الكردية في فهم حقيقة أن الاستقواء بالأجنبي قد يكون مجديًا لبعض الوقت إلا أن نتيجته تكون كارثية على العراق وعلى الحركة القومية الكردية. وربما يمكن ضرب بعض الأمثلة هنا؛ فلقد حاولت الأحزاب الكردية أن تستقوي ببريطانيا في ظل النظام الملكي وبإيران وإسرائيل والولايات المتحدة في ظل الأنظمة الجمهورية، وتعاونت بصورة كبيرة مع أنظمة هذه الدول في الوقت الذي كانت تتصلب فيه بصورة كبيرة مع مقترحات وحلول السلطة المركزية، وبنفس المفهوم كانت الحكومات العراقية المتعاقبة على استعداد لتقديم تنازلات لإيران وتركيا في سبيل نيل مساعدتها لإجهاض الحركة القومية الكردية ولكنها لم تكن على استعداد لتلبية مطالب كردية مشروعة وتصب في مصلحة العراق والشعب العراقي.

العراق يتأرجح بين التجزئة والوحدة

إن المستقبل الغامض وغير المستقر في العراق ينذر بتهديدات كثيرة لوحدة هذا البلد إن لم نقل لمستقبل وجوده. وكما ذكرنا سابقًا فإن السياسة الأميركية في العراق عملت على إضعافه بصور مختلفة ربما كان أخطرها هو الدستور الذي جاء مليئًا بالغموض وحقول الألغام، فمواده تشجِّع على التشرذم أكثر من مساهمتها في بناء دولة ديمقراطية فيدرالية موحدة. ولقد بدأت بوادر هذا التشرذم بالظهور منذ فترة ليست بالطويلة؛ فمطالبة محافظات عراقية بل وإصرارها على الحصول على صفة الإقليم بدأت بالتزايد، فـ(الأنبار، والبصرة، وصلاح الدين، وديالى) ما هي إلا البداية والقائمة قد تطول. بل إن إعلان إقليم (ديالى) مؤخرًا جاء بشكل (انقلاب) تم فيه إعلان المحافظة إقليمًا لا يشمل المناطق المتنازع عليها من الإقليم والتي ستلحق بإقليم كردستان حسب البيان الصادر عن مجلس محافظة ديالى، بدعوى أن هذه هي رغبة أهالي هذه المناطق. وهنا سيكمن الاختبار الأول للسلطة المركزية في وقت أظهر قادة الأحزاب الكردية الحاكمة دعمًا وتأييدًا لمطالب إنشاء الأقاليم. علمًا بأن الدستور قد استثنى كركوك من حق إنشاء الإقليم وهي المحافظة الأكثر حاجة لكي تكون إقليمًا بسبب تنوعها والخلافات الحادة حولها، نتيجة اعتراض الأحزاب الكردية. ويبدو من سياسة الحكومة العراقية الحالية أنها ترفض بشكل قاطع انتشار حمى إقامة الأقاليم حتى وإن كان الدستور يسمح بذلك.

تُرى كيف ستواجه الحكومة هذا التحدي الذي بدأ يأخذ صور أعمال مسلحة؟ وكيف ستواجه الحكومة مع عجزها الواضح والانشقاقات الكبيرة داخلها تحديات إقليم كردستان وإصراره على توقيع اتفاقيات وعقود طويلة الأمد دون الحصول على موافقة السلطة المركزية. بكلمة أكثر دقة: كيف ستتمكن السلطة المركزية من فرض المفهوم الفيدرالي الحقيقي الذي يقول بأن السلطة المركزية تبقى مسؤولة عن الدفاع والسياسة الخارجية والمالية، وما عدا ذلك يمكن أن تخوِّل بها السلطات المحلية. إن الأمر يحتاج إلى تعديلات دستورية جوهرية، فهل ستتمكن من فعل ذلك في ظل الآلية شبه المستحيلة التي ثبَّتها واضعو الدستور في مجال التعديل. وبالتأكيد فإن الطرفين سيلجآن إلى الطرف الأميركي لكي يكون وسيطًا وهذا ما يعني استمرار نفوذه ووجوده.

في ظل كل هذه الظروف والمعطيات ستبقى قيادة إقليم كردستان تمتلك اليد العليا في العراق الآن وبعد الانسحاب. ولكن هناك من المحددات الداخلية والخارجية ما يعوق حرية تصرف الإقليم وتحديه للسلطة المركزية، يتمثل التحدي الأول في الوضع الإقليمي والدولي؛ فإن كان صحيحًا أن بعض قادة الإقليم قد هددوا أكثر من مرة بالانفصال على أساس حق تقرير المصير، وهو حق تقره الشرائع الدولية وترغب في تحقيقه قوة إقليمية واحدة على الأقل الآن وهي إسرائيل التي صدرت تقارير عديدة عن تغلغلها ووجودها في الإقليم، إلا أن كل القوى الإقليمية الأخرى وخاصة تركيا وإيران وسوريا الدول الملاصقة للإقليم، تقف بوجه مثل هذه المحاولات خشية أن تنتقل هذه التجربة إلى الأكراد الذين يقطنون فيها. دوليًّا ربما تُظهر بعض الدول تأييدها لانفصال الإقليم أو تصرفه بحرية بعيدًا عن سلطة المركز خاصة إذا كان هذا التصرف يعود عليهم بفوائد اقتصادية ونفطية مهمة. ولكن التجارب التاريخية أثبتت أن دول العالم تفضل التعامل والتنسيق مع سلطة مركزية قوية، لاسيما أن ثروة العراق النفطية هي أكبر بكثير مما يحتويه الإقليم وبالتالي فإنها لن تجازف بخسران استثماراتها في العراق من أجل استثمار بسيط في الإقليم، لاسيما أن من يحكم العراق هي حكومة تحظى بتأييد الولايات المتحدة ولا تخرج عن دائرة نفوذها.

ويبقى المحدد الأهم لحرية تصرف حكومة الإقليم يتمثل بالأوضاع الداخلية في الإقليم نفسه. لقد أظهرت التطورات الأخيرة في السليمانية ودهوك أن سلطة الإقليم تواجه معارضة قوية؛ فحركة التغيير (كوران) في السليمانية والجماعة الإسلامية والاتحاد الإسلامي الكردستاني في أربيل ودهوك، أصبحت حركات معارضة قوية بدأت تشكل تحديًا كبيرًا للأحزاب الحاكمة، وهذا التحدي سيحدُّ بالتأكيد من حرية تصرف الأحزاب الحاكمة، إن لم نقل: إنه يمكن أن يهدد أمن واستقرار الإقليم الذي كثيرًا ما تباهت به الأحزاب الكردية الحاكمة. كما أن الوضع في المناطق المتنازع عليها ليس في صالح الأحزاب الكردية الحاكمة، وأن فرض الأمر الواقع بالقوة قد يفجر أزمة أو أزمات لن يكون بمقدور قوة الإقليم السيطرة عليها.

في أوقات سابقة كان باستطاعة الحركة القومية الكردية أن تلعب دور حامي الديمقراطية وداعمها في العراق إلا أنها  اختارت أن تسترشد بنصائح قوى خارجية أوصلتها إلى مهالك عانى منها كثيرًا الشعب الكردي خاصة والعراقي بصورة عامة، ويبدو أن الأحزاب الكردية اليوم تحاول أن تكرر نفس الخطأ. ربما لا يمكن التعويل على ساسة العراق اليوم في إيجاد مخارج مطمئنة وناجحة للمشاكل التي يعاني منها البلد إلا أن ذلك يجب أن لا يؤخذ كمحفز على تمزيق بلد يمكن أن يكون نموذجًا للتعايش السلمي والديمقراطية والرفاه الاقتصادي في وقت ليس بالطويل بقياس التاريخ.
______________________________
سعد ناجي جواد-أستاذ باحث في جامعة لندن/كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية.