تركيا والثورة الليبية: الدبلوماسية أولا

راهنت تركيا في الأزمة الليبية على الدبلوماسية أولا، لأنها اعتبرت الخيار العسكري مكلفا وغير حاسم، وقد يجعل ليبيا نسخة أخرى من العراق والصومال.
1_1057713_1_34.jpg







 

برهان كوروغلو


شهدت الفترة التي تسلم فيها حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا إصلاحات اقتصادية وديمقراطية وحقوقية، كما شهدت تقدمًا في مجال الحريات والرفاه الاجتماعي. ومن هنا فقد شكّلت هذه الحكومة برئاسة طيب أردوغان نموذجًا إيجابيًّا للدول العربية التي تشترك مع تركيا في عناصرها التاريخية والثقافية، حتى أن العديد من المحللين السياسيين اعتبروا النموذج التركي أحد أهم مصادر الإلهام للثورات العربية الشعبية والتي بدأت بتونس.


وقد تفاعلت الحكومة التركية مع الثورتين الشعبيتين في تونس ومصر منذ بدايتهما بشكل إيجابي؛ إذ طلب رئيس الوزراء التركي من رئيسي الدولتين الاستجابة السريعة لمطالب شعبيهما. أما مع الثورة الليبية فقد تفاعلت كذلك معها منذ البداية، إذ باشرت منذ بداية التحرك الثوري على تأمين الرعايا الأتراك الذين يعملون في ليبيا، وقد عمدت في تلك الفترة إلى إظهار نوعٍ من الصمت إزاء ما يقع في ليبيا من قتل للثوار والمتظاهرين. وقد قامت الحكومة التركية فعليًّا في تلك المرحلة الحرجة جدًا بإجلاء عشرين ألف شخصٍ من الرعايا الأتراك، بالإضافة إلى إجلاء خمسة آلاف شخص من رعايا أربعة وخمسين دولة أخرى عن طريق البر والبحر والجو، وكان من الصعوبة البالغة على الحكومة التركية أن تنجح في تنفيذ عملية الإجلاء هذه بدون إجراء اتصالات مباشرة مع الحكومة الليبية والثوار في آن واحد.


إلا أن الثورة الليبية قد اتخذت مسارًا مختلفًا عن مسار سابقتيها في تونس ومصر، ومن هنا فقد تم تناول هذه الثورة بشكلٍ مختلفٍ سواءً من قبل القوى الغربية أو الحكومة التركية. ومن أجل فهم هذا، فمن المفيد التعرض للموقف التركي ولتطورات الأحداث منذ بداية هذه الثورة.


تركيا ومخاوف السيناريو العراقي
تركيا والدور الإنساني في ليبيا
مجلس الأمة التركي: ضوء أخضر للعمل العسكري
الديمقراطية بأقل تكاليف


تركيا ومخاوف السيناريو العراقي 





بإمكاننا أن نقول أنه ساد نوعٌ من الصّمت من قِبل الحكومة التركية في بداية الأزمة الليبية حتى تمَّ إجلاء الرعايا الأتراك وغيرهم من رعايا الدول الأخرى، وبعدها صرَّحت تركيا بمعارضتها للتدخل العسكري كما فعلت في الأزمة العراقية.
بعد التهديدات التي شكلتها قوات القذافي لمدينة بنغازي، وبعد صدور قرار مجلس الأمن رقم: 1973 في السابع عشر من مارس/آذار، والقاضي بجواز استخدام القوة في ليبيا، اتجهت فرنسا لعقد اجتماع دولي لبحث هذه القضية، والذي لم يتم فيه توجيه الدعوة لتركيا بهدف تهميشها، ثم بدأت فرنسا مباشرة بعملية عسكرية بشكل أحاديّ، نفذتها مقاتلاتها الجوية، ودون تنسيق مع قوات الناتو.

وقد عبّرت الحكومة التركية على لسان رئيس حكومتها ووزير خارجيتها -في تلك الآونة- غير مرةٍ عن قلقها من العملية العسكرية التي تم تنفيذها على ليبيا منذ البداية، وذلك خوفًا من حدوث تطوراتٍ مشابهة لما حصل وما زال يحصل في العراق وأفغانستان، إذ كانت المقاربة التركية لحلِّ هذه الأزمة وغيرها من المشكلات الإقليمية تتجه إلى تغليب الوسائل والطرق والمبادرات الدبلوماسية السلمية.


ومع ذلك، كان هناك استمرارٌ وحرص من الحكومة التركية للتأكيد على ضرورة "تطبيق الديمقراطية" و"مراعاة حقوق الإنسان والحريات" و"إجراء إصلاحات جذرية في الدول العربية"، وقد قامت بدعم الثورتين الشعبيتين في كلٍّ من تونس ومصر، وطلبت من قادة هاتين الدولتين الاستماع لمطالب الشعب. وبنفس الطريقة وعين المنطق اتصل رئيس الحكومة التركي في بداية الأزمة مع القيادة الليبية وطالب بحلّ الأزمة بالطريق السلمية، وقد أعلن أردوغان لوسائل الإعلام بعد تطور الأزمة الليبية للنزاع المسلح، معارضته الكلية لاستخدام السلاح والقتال لحلّ الأزمة، مع تأكيده على ضرورة تنفيذ طلبات الثوار والشعب الليبي فورًا، مع التأكيد على حقن الدماء قدر الإمكان، وإتباع كل الطرق الدبلوماسية المؤدية لذلك.


وبإمكاننا أن نقول أنه ساد نوعٌ من الصّمت من قِبل الحكومة التركية في بداية الأزمة الليبية حتى تمَّ إجلاء الرعايا الأتراك وغيرهم من رعايا الدول الأخرى، وبعدها صرَّحت تركيا بمعارضتها للتدخل العسكري كما فعلت في الأزمة العراقية. واعتبرت تركيا أن الخطوة التي اتخذتها فرنسا في البداية -كمحاولةٍ من ساركوزي لتحسين وضعه في الانتخابات المقبلة- لا يمكنها أن تحقق نتائج جدية في الجانب العسكري الإستراتيجي، بل بإمكانها أن تزيد من سوء الأوضاع في ليبيا. وطالبت تركيا بدل ذلك بتدخل قوات دولية بقيادة الأمم المتحدة بناء على القرارين 1970 و 1973 أو بتدخل قوات الناتو تحت مراقبة الأمم المتحدة.
وقد فسَّر رئيس الحكومة التركي ووزير خارجيته تحول القوى الغربية المفاجئ من العلاقات الطيبة مع نظام القذافي إلى تشكيل قوة تدخل عسكرية متحالفة مع قوى المعارضة للتخلص منه بشكل سريع، على أنه ليس رغبة من هذه القوى في تطبيق الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل على أنه رغبة من هذه الدول في استغلال الموارد النفطية لهذه الدولة.


وفي هذه الفترة ومن خلال إقناع دول الناتو بالمبادرة التركية، حصل تفاهمٌ دوليّ على تولي قوات الناتو العمليات العسكرية في ليبيا.


وقد بيّن أردوغان أن العملية العسكرية التي قام بها ساركوزي تنطوي على منافع وأهداف أخرى؛ منها ما يتعلق بالانتخابات الفرنسية المقبلة. وفي أثناء حديثه لوسائل الإعلام بيّن أن العملية العسكرية التي تجري في ليبيا بإمكانها أن تنتج عنها ظروفٌ مشابهة للعملية العسكرية التي جرت من قبل للعراق. وفي جواب عن سؤال يتعلق بهذا الموضوع قال أردوغان:


"قلنا هذا منذ البداية، لا نريد أزمةً عراقيَّةً ثانية، لقد شاركت حوالي أربعين دولة مع الولايات المتحدة لمحاربة العراق، ولم تشارك قوات الناتو في هذه العملية، وقد مضت منذ الآن ثماني سنوات تم خلالها تدمير العناصر الحضارية لهذه الدولة، كما تم قتل أكثر من مليون شخص، وإلى الآن لا توجد سيادة عراقية حقيقية، ولم يرغب الشعب بدخول تركيا للعراق فلم ندخل، وعندما كنَّا نقابل القادة العراقيين كانوا يطلبون منّا عدم الدخول".


وقد أكد أردوغان أيضًا في سياق تصريحاته على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية من التقسيم، وأكدَّ على ضرورة أن يستمع القذافي إلى مطالب الشعب الليبي، وعبّر أردوغان عن إيمانه بصحّة توجهات الشعب الليبي نحو الحرية والديمقراطية، وقال: "ويجب أن لا تكون المسألة الليبية مجالاً للحسابات القائمة على النفط، ويجب التعامل مع هذه المسألة باعتبار أن ليبيا هي لليبيين"،  وأكد على ض