الإستراتيجية الأميركية الجديدة في آسيا.. الملامح والتحديات

إن دور أميركا المركزي في آسيا والمحيط الهادئ سيستمر في المستقبل المنظور، لكن هذه الاستمرارية على المدى المتوسط والبعيد وما تنطوي عليه من ترتيبات أمنية تبقى رهنا بكلمة واحدة هي "المصداقية"؛ والمتمثلة في مدى استعداد واشنطن للوقوف أمنيا وعسكريا إلى جانب حلفائها الآسيويين كلما دعت الحاجة.
2012219114717489734_20.jpg

خارطة توضح الوجود العسكري الأميركي في آسيا

المصدر: Global Policy Forum, US Military Bases Map, 2007; US department of defence, Base Structure Report, Fiscal Year 2007; Transnational Institute, Military Bases Google Earth File

الإستراتيجية الأميركية الجديدة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ هي جزء من الخطة الإستراتيجية التي وضعها الرئيس باراك أوباما لوزارة الدفاع للعام 2012 وتهدف إلى "إعادة التوازن لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ"(1)، إذ برغم ما تشهده هذه المنطقة من نشاط وتقدم اقتصادي فإنه يخيم عليها شبح اختلال موازين القوى.

وقد بدأ تنفيذ هذه الإستراتيجية بالفعل، وتجلى ذلك مؤخرا في تنامي العلاقات بين أميركا وكل من الهند وفيتنام، وتغيير سياسة واشنطن تجاه ميانمار، والنشر المزمع لألفين وخمسمائة من قوات مشاة البحرية الأميركية في قاعدة عمليات متقدمة في داروين بأستراليا تستخدم كمنصة انطلاق متقدمة لمنطقة جنوب شرق آسيا، وتتضح أخيرا من تعبئة واشنطن قوات إضافية على أراضي جزيرة غوام(*).

حدود الأمن الأميركي

وعلى مدى القرن المنصرم أو على الأقل منذ هجوم اليابان على ميناء بيرل هاربور في ديسمبر/كانون الأول من عام 1941 أعلنت الولايات المتحدة بوضوح أن الأمن الأميركي لا يبدأ قبالة سواحل كاليفورنيا، بل عند الحافة الغربية للمحيط الهادئ وما بعده. وكما يقول المؤرخ الاقتصادي نيال فيرغسون فإنه "مع تكبد الأميركيين و(الأوروبيين) هزيمة شاملة على أيدي القوات اليابانية في عام 1942، فإنهم قاتلوا بهدف استعادة الهيمنة الغربية القديمة على آسيا (2). ويمكن أن نفهم في هذا الإطار دخول الجيش الأميركي في حربين في كوريا وفيتنام، وإبرام واشنطن معاهدة أنزوس الأمنية مع كل من أستراليا ونيوزيلندا. كما يفسر هذا الاعتقاد الأهمية الحيوية للمعاهدات الأمنية مع كل من اليابان وكوريا الجنوبية في نشر قوات أميركية متقدمة في مسرح العمليات العسكري في آسيا. كما تلقي هذه العقيدة الأمنية الضوء على الالتزام الأميركي بأمن تايوان، وعلى دخول الولايات المتحدة في شراكة اقتصادية جديدة مع العديد من دول جنوب شرق آسيا ومع الهند.

وقد اختارت الولايات المتحدة خلال النصف الأول من الحرب الباردة أن تبقي على توازن القوى في آسيا والمحيط الهادئ عن طريق تشكيل تحالفات أمنية مع اليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك من خلال الاحتفاظ بقواعدها الأمامية في تلك القارة. ومع دخول الحرب الباردة مرحلتها الثانية وبدأ تنفيذ "دبلوماسية البينغ بونغ" الأميركية وما أعقبها من المصافحة التاريخية بين الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون والزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ عام 1972 إلى تعزيز توازن القوى باستخدام قوة الصين النووية الناشئة آنذاك كمعادل لقوة الاتحاد السوفيتي.

ملامح الإستراتيجية الأميركية الجديدة

واليوم لا ترغب الولايات المتحدة في أن تنفرد أي دولة في آسيا بالهيمنة على مقدرات القارة، ولمَّا كانت الصين مؤهلة لذلك فإن واشنطن بنت إستراتيجيتها على احتواء هذا العملاق الآسيوي عن طريق تعزيز علاقات عسكرية وبناء تحالفات مع شركاء جدد.

ولا نجافي الصواب إذا قلنا إن الولايات المتحدة تراقب بقدر من عدم الارتياح هدف الصين -الذي لا تحرص بيجين كثيرا على إخفائه- في الهيمنة على آسيا وهو ما يتعارض مع المصالح الأمنية والتجارية الأميركية ومع هدف واشنطن الأكبر في تحقيق توازن القوى في تلك القارة.

وسعيا من جانب الولايات المتحدة لتفادي الهيمنة الصينية المنفردة على القارة الآسيوية عملت واشنطن على أن ترتبط مع بيجين بمصالح مهمة تشمل الحفاظ على السلام في شبة الجزيرة الكورية، وعلى تدفق إمدادات النفط من الخليج، وتقديم الدعم لباكستان، والسعي نحو استقرار إستراتيجي في المحيط الهادئ.

بل لا نبتعد كثيرا عن الحقيقة إذا قلنا إن صعود الصين -في واقع الحال- جاء بمثابة هدية للدبلوماسية الأميركية، إذ عززت ووسعت من ترتيباتها الأمنية في آسيا، كما وثقت كوريا الجنوبية تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة، وتراجعت اليابان عن مطالبتها بنقل قاعدة مشاة البحرية الأميركية خارج جزيرة أوكيناوا. أما الهند وفيتنام وإندونيسيا والفلبين فقد أخذت -ضمن قوى أخرى- تدور بشكل أكبر في الفلك الأميركي. لكن العامل الصيني يبقي مساعدا طالما رأى شركاء أميركا في واشنطن ضامنا ذا مصداقية للأمن والاستقرار، وهي المهمة التي لا تستوجب قوة عسكرية بل إرادة سياسية في واشنطن.

لقد اختارت واشنطن أن تختط لنفسها طريق الحياد في النزاعات الحدودية بين دول آسيا، ظهر ذلك في موقفها من النزاع الحدودي بين الصين والهند، كما ظهر في حثها كلا من بيجين وطوكيو على تسوية خلافاتهما في بحر الصين الشرقي عبر المفاوضات. بيد أنه عندما كانت الإجراءات الصينية تمثل تحديا مباشرا للمصالح الأميركية في آسيا، لم تتوان واشنطن عن أن تبعث برسالة واضحة لبيجين مثل تلك التي أرسلتها إثر تحرك الصين صوب تعزيز سيادتها على بحر الصين الجنوبي بوصفه "مياها تاريخية صينية"، إذ تصطدم هذه الخطوة بالمصالح الأميركية بما في ذلك الحق التقليدي في حرية الملاحة. ويبدو أن تلك الخطوة جاءت في إطار الإستراتيجية المضادة التي تتبناها الصين والقائمة على الحيلولة دون تحرك البحرية الأميركية بحرية في بحر الصين الجنوبي. وفي ضوء ذلك، تحول بحر الصين الجنوبي لساحة مناورة كبرى بين الولايات المتحدة والصين، ومسرحا لا تتنافر فيه مصالح البلدين فحسب بل وتصطدم.

لكن الولايات المتحدة استمرت في سعيها لتحقيق التوازن في العلاقات ما بين الصين وجاراتها، إذ سعت واشنطن إلى طمأنة شركائها وحلفائها الآسيويين إلى أنها ستواصل ارتباطها بآسيا والعمل على التوصل إلى حل سلمي للنزاعات المستعرة حول الأراضي والمياه بما في ذلك مزاعم السيادة بين الدول المتنافسة على الثروات البحرية والجزر وحقوق الصيد. ويراقب حلفاء وشركاء أميركا في آسيا ما إذا كانت واشنطن ستجد نفسها مدفوعة للدخول في شراكة مع الصين من أجل ترتيب الأوضاع في تلك القارة.

التحديات والآفاق المستقبلية

إذا ما عززت الولايات المتحدة علاقاتها مع الصين على حساب القوى الآسيوية الأخرى بما فيها اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام والهند، فإن ذلك سيؤدي إلى إضعاف الشراكة والتحالف اللذين تقودهما الولايات المتحدة في المنطقة وهو ما قد يدفع كل حليف أو شريك لواشنطن إلى السعي لبناء قدراته الدفاعية الذاتية الكافية بدلا من الاعتماد على تطمينات الولايات المتحدة.

ومثال على ذلك، ما أقدم عليه الرئيس أوباما عندما قام في نوفمبر/تشرين الثاني 2009 بإغضاب الهند بعد أن منح الصين دورا في جنوب آسيا، كما لو كانت المنطقة جزءا من ملكية خاصة أميركية صينية. ولا تنسجم الإشارة إلى دور للصين في العلاقات الهندية الباكستانية مع إستراتيجية بيجين في إيجاد توافق بين جارتي شبه الجزيرة الهندية النوويتين اللدودتين، بل وتتغاضى عن حقيقة أن للصين وشائج إستراتيجية متينة مع باكستان موجهة ضد الهند تحديدا.

مسألة أخرى قد تكون لها تبعات على مستقبل الأمن في آسيا وهى ما إذا كانت السياسة الأميركية تجاه اليابان ستتغير بتغير الظروف الجيوبوليتيكية في شرق آسيا، فاليابان هي الديمقراطية الوحيدة في شرق آسيا التي يمكن أن توازن قوة الصين الصاعدة في المنطقة. وبينما تفضل الصين يابان معتمدة على أميركا في أمنها أكثر من يابان أكثر استقلالية، فإن النظام الذي أقامته الولايات المتحدة في حقبة ما بعد 1945 يناسب بقاء اليابان محمية أميركية أكثر من كونها عامل توازن قوى مستقر.

غير أن في واقع الحال، فإن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى هذا الوجود الكثيف والهائل لقواتها البرية التي تحتفظ بها حاليا في آسيا. لقد استخدمت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب لتوسع بشكل سريع من الوجود العسكري الأميركي في القارة الآسيوية. واليوم، تمتد القواعد العسكرية الأميركية من جزيرة أوكيناوا اليابانية إلى البحرين بما يمكنها من تغطية كل القارة الآسيوية.

وإضافة إلى ذلك، فإن بإمكان الولايات المتحدة أن تدفع بشكل فعال في اتجاه تحقيق هذه الأهداف بالاعتماد أكثر على كونها مصدرا لتوازن القوى من بعيد. ولكن لكي تتمكن من توفير مبالغ مالية كبيرة من ميزانيتها الدفاعية مع احتفاظها بإستراتيجيتها النشطة في آسيا والمحيط الهادئ، ستكون واشنطن بحاجة إلى إدخال تغييرات جوهرية على نظام التحكم والسيطرة الذي أوجدته في المنطقة خلال حقبة الحرب الباردة. إن نموذج الهيمنة الذي يوفره هذا النظام سيحول إلى حد كبير دون بناء تحالفات جديدة. فالهند -على سبيل المثال- لا يمكن أن تكون كاليابان بالنسبة للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. وفى واقع الأمر، فإن واشنطن عمدت إلى إدخال الهند في "تحالف ناعم" متحرر من الالتزامات التي تمليها المعاهدات. وبدأت بالاشتراك مع اليابان تكوين تحالف إستراتيجي (الولايات المتحدة والهند واليابان) مماثلا لما كان قائما قبل الحرب العالمية الأولى بين فرنسا وبريطانيا وروسيا لمواجهة تهديد الصعود السريع لألمانيا آنذاك. وتوفر الرغبة الصينية في الهيمنة على آسيا حافزا لهذا التحالف.

إن نية القوى الديمقراطية الثلاث هي في الواقع إنشاء تحالف غير رسمي دون تحويله إلى تحالف عسكري رسمي لأنها قبل غيرها تدرك أنه سيؤدى إلى نتائج معاكسة لما أرادت. كما يسعى الشركاء الثلاثة إلى المساهمة في بناء نظام إقليمي مستقر يقوم على قواعد وأسس ليبرالية. ويمكن بمرور الوقت أن تتحول هذه المبادرة السياسية إلى كيان رباعي عن طريق ضم أستراليا إليه. لكن محورا موازيا يضم أستراليا والهند والولايات المتحدة سيسبق تشكيل أي شراكة رباعية وخاصة في ضوء إخفاق قيام مثل هذا التحالف من قبل.

تنتهج الولايات المتحدة من جانبها حاليا إستراتيجية أوسع في آسيا تقوم على التعددية. ففي السابق، كانت واشنطن ترى في القوى الإقليمية الآسيوية تقييدا لقدرتها على العمل منفردة في حين كانت الصين -على النقيض من ذلك- تنتهج إستراتيجية التعاون مع القوى الإقليمية. لكن يبدو أن الجانبين يتبادلان الأدوار حاليا، فالولايات المتحدة تنتهج إستراتيجية تعدد الأطراف، بينما تشعر الصين بقلق من المبادرات متعددة الأطراف لخوفها من تحزب جيرانها الأصغر معًا ضد سياستها. فقد نشرت "غلوبال تايمز" وهى أحد إصدارات صحيفة الشعب اليومية لسان حال الحزب الشيوعي الصيني في الخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2011 أن الولايات المتحدة تسعى "لتشكيل عصابة" ضد مطالبات الصين بالسيادة في بحر الصين الجنوبي.

وختاما يمكن القول إن دور أميركا المركزي في آسيا والمحيط الهادئ سيستمر في المستقبل المنظور، لكن هذه الاستمرارية على المدى المتوسط والبعيد وما تنطوي عليه من ترتيبات أمنية تبقى رهنا بكلمة واحدة هي "المصداقية". إن مصداقية التطمينات الأميركية الأمنية لحلفائها وشركائها واستعداد واشنطن للوقوف إلى جانب هؤلاء كلما دعت الحاجة سيحدد مدى قوة وحجم نظام التحالف الأمني الأميركي على المدى البعيد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
______________________________
براهما تشيلاني-أستاذ الدراسات الإستراتيجية في مركز بحوث السياسات بنيودلهي في الهند

هوامش
(*) جزيرة غوام هي جيب إستراتيجي في المحيط الهادئ تسيطر عليه الولايات المتحدة مثل جزيرة دييغو غارسيا البريطانية في المحيط الهندي. (المؤلف).

1- U.S. Department of Defense, Sustaining U.S. Global Leadership:  Priorities for 21st Century Defense, January 5, 2012, p. 2, http://www.defense.gov/news/Defense_Strategic_Guidance.pdf.

2- Niall Ferguson, The War of the World: Twentieth-Century Conflict and the Descent of the West (New York: Penguin Press, 2006), pp. 43-71.