السلفيون في مصر: من شرعية الفتوى إلى شرعية الانتخاب

أظهر التيار السلفي المصري عموما براغماتية مدهشة عقب الثورة؛ فالمقولات التبريرية والفتاوى الشرعية، التي حصَّنت خيارات ما قبل الثورة، وُظِّفت هي ذاتُها لإنتاج تحولات ما بعد الثورة، فباتت صناديق الانتخاب الوسيلة الأمثل للحفاظ على الشريعة.
9c04ddee7bab42629a7b5352e2863eb3_18.jpg
حازم صلاح أبو اسماعيل (يمين) وياسر برهامي (شمال) (الجزيرة)

مقدمة

نجحت ثورة يناير/كانون الثاني 2011 في إسقاط مبارك ورموز نظامه في مشهد اكتسب استثنائيته من ثقل مصر الحضاري والسياسي. خلَّف مبارك للمصريين ملفات اقتصادية وسياسية واجتماعية شائكة، لكنها لم تمثل مفاجأة للمصريين بقدر ما فاجأهم صعود التيار السلفي. يرجع تاريخ الحالة السلفية الحالية في مصر إلى عدة عقود، إلا أن السلفيين ابتعدوا عن ممارسة دور فاعل في الحياة العامة -سياسيًا على الأقل- مقارنة بتيارات إسلامية أخرى وفضَّلوا البقاء في المساجد، تحدُوهم رؤى فقهية أحيانًا، وتوازنات -أو تفاهمات- مع الأنظمة الحاكمة، أحيانًا أخرى.

لسنوات طويلة، عمل السلفيون في الظل، مستفيدين من فراغات وفضاءات دينية انشغل الإخوان المسلمون عنها بمشاركة أوسع في النقابات المهنية والحياة السياسية. وحتى مع انتشار فضائيات دينية هيمن عليها السلفيون، لم يمثل التيار السلفي رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية، باعتبارهم طرفًا محايدًا، من ناحية، ولِمَا بدا أنها قدرة أمنية على قمعهم أو احتوائهم أو توظيفهم لصالح النظام الحاكم، من ناحية أخرى. أدت العزلة التي ارتضتها غالبية التيار السلفي إلى تشكل صورة نمطية عنهم أغفلت تنوعهم الحقيقي، وبدا وكأننا أمام كتلة واحدة غير قابلة للفرز والتصنيف. صحيح أن التمايزات داخل التيار السلفي لا يراها البعض جوهرية، إلا أنها تبقى ضرورية خاصة في مرحلة إعادة التموضع لقوى المجتمع المتنوعة.

السلفيون في مصر قبل الثورة

تبلور التيار السلفي في تاريخ مصر الحديث على شكل تنظيمات مع بداية العقد الثاني من القرن الماضي. وبالرغم من وجود مدرسة إصلاحية سلفية سبقته بسنوات، إلا أنه لم يعتبر نفسه امتدادًا لها، بل سلك معها نوعًا من التجاهل أو القطيعة، خاصة مع تجلياتها الأولى -جمال الدين الأفغاني (1838-1897)، ومحمد عبده (1849-1905)- ولم يتقاطع معها إلا بعد سنوات في نهاية العشرينيات، بعد أن توثقت علاقة وريث المدرسة الإصلاحية السيد محمد رشيد رضا (1865-1935)، بالمملكة العربية السعودية(1) . ويذكر رشيد رضا الشيخ محمد حامد الفقي، مؤسس جمعية أنصار السنة المحمدية، قائلاً: "والشيخ حامد من الذين يترددون عليَّ كثيرًا، ويَعُدُّ نفسه من أولادنا السلفيين". (2)

ويمكن تمييز التيار السلفي في مصر إلى جمعيات رسمية (الجمعية الشرعية، جمعية أنصار السنة)، وتجمعات غير رسمية (الدعوة السلفية، الحركة السلفية من أجل الإصلاح)، بالإضافة إلى جمهور عريض غير مؤطَّر في مجمله، يتبع رموزًا دعوية سلفية، توجهه بسلطة الخطاب والفتوى، وإن اختلفت مواقفها من النظم الحاكمة والممارسة السياسية.

أولاً: الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية
أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي -(1274-1352ه/ 1858-1933)- في 11 ديسمبر/كانون الأول 1912، كأول جمعية منظمة في مصر تدعو إلى إحياء السنة وإماتة البدعة. أطلق أتباع الجمعية على مؤسسها آنذاك لقب "إمام أهل السنة"، وكان دافعه الرئيسي إصلاح حال المسلمين من التبعية للاحتلال، والتفرق، والفقر، وانتشار الشهوات والبدع، والبُعد عن الشريعة والسنة النبوية.

صاغ السبكي، العالم الأزهري، رسالة الجمعية الشرعية في المقولات التالية(3):

  1. رسالة دعوية قوامها نشر التعاليم والثقافة الإسلامية الصحيحة، ومحاربة البدع، وإنشاء المساجد، لتقام الشعائر، ويُعَلَّم فيها العامة، ومكاتب حفظ القرآن، ومدارس لتعليم الأبناء أحكام الدين وسائر المواد المقررة في المدارس الأميرية.
  2. العمل الاجتماعي، خاصة إعانة المنكوبين، وإنشاء المستشفيات لعلاج الفقراء، ورعاية الأرامل والأيتام، والتكفل بنفقة تجهيز الموتى وإنشاء المقابر للفقراء.
  3. عدم التعرض للشؤون السياسية التي يختص بها ولي الأمر.

وخلال ما يقرب من مائة عام، نجحت الجمعية في الحفاظ على رسالتها الاجتماعية الدعوية (4)، وتوسيع نشاطها؛ حيث تحتفظ بحوالي 350 فرعًا في أنحاء مصر، وتدير 38 معهدًا، موزعة على اثنتي عشرة محافظة، لإعداد الدعاة من الرجال والنساء؛ كما تدير شبكة كبيرة من المشروعات الاجتماعية: كفالة اليتيم ورعاية الأرامل وتيسير الزواج، مشروعات استضافة الفتيات المغتربات، مشروعات علاجية في تخصصات مختلفة، تعليم الكبار ومحو الأمية، ومدارس تحفيظ القرآن.

استوعبت الجمعية الشرعية تيارات مختلفة ومتناقضة أحيانًا، وتأثرت بها؛ فقد تغلغل التيار السلفي الرافض للأشعرية والصوفية بشكل مطلق في الجمعية عندما ضمت الدولة جمعية أنصار السنة إليها بين عامي1967 و1972، بينما ازداد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في المنتصف الثاني من السبعينيات وظهر جليًّا في مجلة الاعتصام الناطقة بلسان حال الجمعية الشرعية واعتُبِرت وقتها إحدى الصحف المعارضة للرئيس السادات، إلى أن تمت مصادرتها في قرارات سبتمبر/أيلول 1981 الشهيرة. ولكن الجمعية تتبنى رأيًا متوازنًا تجاه الصوفية، فلا رفض للتصوف إلا ما تضمَّن حسبها انحرافات عقدية أو فقهية. ويرجع اعتدال الجمعية الشرعية إلى عدة عوامل، أهمها:

  1. لتأكيد في شروط عضويتها على عدم التعصب لمذهب فقهي معين؛ فكل مذاهب أهل السنة معتمدة على فهم صحيح النصوص، والتأكيد على سلفية العقيدة وعدم الحكم على الخلف بفسق أو ابتداع ما داموا مؤمنين بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء .(5)
  2. الأصول الأشعرية للجمعية وغلبة أبناء الأزهر على رئاستها، وطبيعة نشأة الشيخ السبكي المتصالحة مع التصوف (6)، وهو ما يدفع بعض السلفيين للطعن في سلفية الجمعية الشرعية.
  3. عدم اشتغال الجماعة بالسياسة، مما جعلها بعيدة عن أية خصومات سياسية أو حزبية.

وأهم رموزها حاليًا (7)، رئيسها أ.د. محمد مختار المهدي، وهو من علماء الأزهر الشريف.

ثانيًا: جمعية أنصار السنة المحمدية
كان الشيخ محمد حامد الفقي -(1310-1378ه/ 1892-1959)- من أبناء الأزهر الشريف، والمترددين على السيد محمد رشيد رضا، ومن رواد الجمعية الشرعية، لكنه اختلف معهم في بعض مسائل العقيدة، ويذكر أنه تأثَّر كثيرًا بتراث ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، بالإضافة لابن حجر، والشاطبي. أخذ الفقي موقفًا رافضًا لثورة 1919 باعتبار أن الحل ليس في مظاهرات تخرج فيها النساء متبرجات، دون تحرير عقيدة الولاء والبراء لله ولرسوله، وإنما بالرجوع إلى سنَّة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ونبذ البدع(8) . بدأ في القاهرة الدعوة أثناء دراسته وبعد التخرج، إلى أن أسس جمعية أنصار السنة المحمدية عام 1926، بهدف محاربة الشرك والبدعة في كل صورها، ومواجهة تسلط الصوفيين على المناحي الفكرية والمؤسسات الدينية. سافر الشيخ إلى السعودية، وقضى بها ثلاث سنوات، ثم عاد لتنطلق الجمعية من جديد في الثلاثينيات ويزداد انتشارها، وأصدر مجلة الهدي النبوي، التي شاركه في تحريرها الشيخ المحدث أحمد شاكر، والشيخ محب الدين الخطيب، والشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر.

أصبحت الجمعية فيما بعد أكبر جماعة سلفية منظمة، تملك 200 فرع، وتدير أكثر من ألف مسجد (يتم بناء أحد عشر مسجدًا سنويًا). كما توجد لها امتدادات خارج مصر، غير مرتبطة بها إداريًا، أهمها وأقدمها في السودان، وبعض دول إفريقيا وآسيا، كما تربطها علاقات وثيقة بعلماء السعودية، وجمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت، ودار البر بالإمارات العربية، وجمعية التربية الإسلامية بالبحرين(9). وأهم أنشطة الجمعية(10)

  1. مجلة التوحيد، التي توزَّع منها مائة ألف نسخة شهريًا.
  2. معاهد إعداد الدعاة والداعيات لمدة سنتين إلى أربع سنوات (30 معهدًا بالإضافة لمعهدين للتعليم المفتوح لمدة أربع سنوات).
  3. مركز تعليم الأفارقة: وهو خاص بتعليم الأفارقة العقيدة الصحيحة والقرآن.
  4. مكاتب تحفيظ القرآن: وعددها حوالي 203 على مستوى الجمهورية المصرية.
  5. مكتب دعوة الأجانب: ويهتم بتعريف الإسلام للأجانب باللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية.
  6. الأنشطة المسجدية من دروس أسبوعية وخطب الجمعة ....إلخ.
  7. مشروع كفالة اليتيم، وتستفيد منه اثنتا عشرة ألف أسرة.

تتلخص رسالة الجمعية، التي صاغها مؤسسها(11)، في الدعوة إلى التوحيد المطهر من أرجاس الشرك، وإرشاد الناس إلى أخذ دينهم من نبعيه الصافيين: القرآن والسنة. واتخذت منذ تأسيسها موقفًا متحفزًا تجاه المرأة، حيث دعت إلى " التمسك بالرجولة، لاستمرار القوامة على النساء". ورأت أن "أصل الفساد هو السماح للنساء بارتياد الملاهي والمراقص". وللجمعية موقف واضح من تحكيم الشريعة، وترى "أن الحكم بغير ما أنزل الله هلكة في الدنيا وشقوة في الآخرة ... فكل مشرع غيره في أي شأن من شؤون الحياة هو معتد عليه سبحانه، منازع إياه في حقوقه التي ينبغي أن تكون له خالصة... ومن زعم لنفسه حق التشريع فقد أعظم الفرية على الله ونازعه رداء الهيمنة على الخلق. وإن استجاب أحد لهذا المدعي كان متخذًا له ربًّا، وكان من المشركين". وبالرغم من هذا الموقف، لا تمارس الجمعية السياسة مطلقًا، وترفض التحزب، وتتخذ موقفًا سلبيًا من المشاركة في الانتخابات، وإن لم تحرمها.

ويهمين على خطاب الجمعية محاربة البدع والتصوف، والابتعاد عن الشأن العام وتجنب توجيه النقد المباشر للنظام الحاكم، في الوقت الذي تقسو كثيرًا على تيارات إسلامية أخرى، خاصة جماعة الإخوان. وتعتبر الجمعية منبرًا لأغلب الدعاة السلفيين المستقلين، ومحضنًا لجميع ألوان الطيف السلفي، التربوي الوعظي والحركي والمدخلي (الذي يهيمن على مفاصلها الإدارية نظرًا لولائه للدولة وتصالحه مع جهازها الأمني)، ولعبت دورًا حاسمًا في تراجع نفوذ الصوفيين في مصر والسودان، وساهم علماؤها في بناء العديد من المعاهد الشرعية في المملكة العربية السعودية، بالإضافة لتدريس مناهج العقيدة والحديث بجامعات المملكة(12)

ثالثًا: الدعوة السلفية
بينما تتصاعد وتيرة الحركة الطلابية الإسلامية في الجامعات المصرية أوائل السبعينيات، بدأ في الإسكندرية محمد إسماعيل المقدم، طالب كلية الطب، درسه الأسبوعي بمسجد عمر بن الخطاب بالإبراهيمية، الذي أصبح نواة لتجمع مجموعة صغيرة لا تتجاوز عشرة من الطلبة المتدينين (أبرزهم: أحمد فريد)، المتأثرين بدروسه عن التوحيد والعقيدة. تأثر المقدم بشيوخ جمعية أنصار السنة وشيوخ السعودية أثناء سفره، ورفض وزملاؤه الانضمام مع غيرهم من طلاب الجماعة الإسلامية إلى جماعة الإخوان المسلمين.

ومع نمو نشاط الطلاب الإخوان في الجامعة، قدَّم عماد عبدالغفور، الطالب بكلية الطب آنذاك، ورئيس حزب النور حاليًا، اقتراحًا لتطوير العمل السلفي وبدء النشاط داخل الجامعة، عام 1980، فاختارت المجموعة اسم "المدرسة السلفية"، واختير محمد عبدالفتاح (أبو إدريس) مسؤولاً عنها. مع منتصف الثمانينيات، توسع النشاط السلفي في المدينة واعتمد اسم "الدعوة السلفية"، التي سرعان ما شكَّلت مجلسًا تنفيذيًّا لها، يضم: محمد عبد الفتاح أبو إدريس قيِّمًا -أي مسؤولاً أولاً، والشيخ ياسر برهامي نائبًا له، وعضوية كل من: الشيخ محمد إسماعيل المقدم، الشيخ أحمد فريد، الشيخ أحمد حطيبة، الشيخ سعيد عبدالعظيم، الشيخ علي حاتم. كما شكّلت لجان عمل (المحافظات-اللجنة الاجتماعية-لجنة الزكاة-لجنة الشباب). حظيت الدعوة السلفية عام 1986 بزيارة استثنائية من الشيخ أبي بكر الجزائري، الذي زار كل مقراتها تقريبًا بالإسكندرية، ودعم موقفها في مواجهة الإخوان المسلمين، كما صحب بعضُهم أبرزَ علماء السعودية (الشيخ بن باز-الشيخ بن عثيمين) لعدة أشهر في المملكة، ما أكسبهم ثقة وتمسكًا بمنهجهم. كما اتصلوا بمشايخ أنصار السنة المحمدية المؤسسين، وإن اختلفوا مع الجمعية في بعض الآراء الفقهية.

خلال هذه الفترة تمثل نشاط الدعوة السلفية في إصدار مجلة صوت الدعوة، ومعهد الفرقان لإعداد الدعاة في 1986، ولجان الزكاة والنشاط الاجتماعي، والعمل الدعوي بالمساجد، إلى أن تم حل كل هذه اللجان والمجلس التنفيذي نفسه في 1994، على خلفية توقيف قيِّم المدرسة الشيخ محمد عبد الفتاح، وتسلمت وزارة الأوقاف معهد الفرقان، ومُنع من بعدها مشايخ الدعوة من إلقاء الدروس والمحاضرات، أو حتى السفر خارج الإسكندرية(13). استمر النشاط داخل الجامعة حتى عام 2002، ثم توقف لأسباب أمنية أيضًا بفعل اعتقال ياسر برهامي وغيره من شيوخ الدعوة لمدة عام(14).

رفضت الدعوة السلفية الديمقراطية واعتبرتها كفرًا، واعتبرت من يقبلها يضحِّي بعقيدة التوحيد، لأنها قد تأتي برئيس ملحد أو كافر، وتعرض تطبيق الشريعة على الخيار الشعبي. ولكنها لم ترفض المشاركة السياسية والانتخابات من حيث المبدأ، وتعلل ابتعادها عن المشاركة السياسية إلى ما يسميه مُنظِّرها الأول الشيخ ياسر برهامي: "موازين القوى المنحرفة التي لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، وتفرض على المشاركين التنازل عن عقائد ومبادئ لا يرضى أحد من أهل السنة بالتضحية بها". لذا اختارت الدعوة السلفية الابتعاد عن المشاركة حتى تتغير موازين القوى التي لا تتغير إلا بالإيمان والتربية.(15)

رابعًا: الحركة السلفية من أجل الإصلاح (حفص)
أسسها الشيخ رضا الصمدي، أحد تلامذة الدعوة السلفية، في 2005. يُعَرِّف الصمدي (حفص) باعتبارها "حركة إصلاحية تعتمد المنهج السلفي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل المجالات -السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها- وتستند في خطابها إلى القرآن والسنة والتجربة الحضارية الإسلامية التي قادها سلف الأمة الصالح، وهي تجربة لم تتكرر، وتنتظر من ينهض بالمسلمين على أسسها ليبعث تلك الحضارة ويتسلم المسلمون قيادة العالم من جديد"(16). ظهرت حفص بشكل فاعل في مظاهرات أكتوبر/تشرين الأول 2010 بمسجد الفتح بالقاهرة في قضية ما عُرِف بالمسلمات الجدد اللاتي أُشِيع أن الكنيسة تحتجزهن.(17)

وقد وُوجِهت نشاطات الحركة السلفية من أجل الإصلاح برفض من شيوخ الدعوة السلفية كونها ستؤدي لتسييس الدعوة السلفية التي ترى التركيز على التربية العقدية الصحيحة، بينما دعا الصمدي إلى "إيجاد صوت يعبِّر عن المنهج السلفي في الإصلاح والتغيير، وترشيد الممارسة السياسية بكل فئاتها ومستوياتها لتتوافق مع الشريعة، وتذكير الأمة بالثوابت التي يجب استحضارها في كل مشروع إصلاحي، وتكوين مرجعية قيادية للتيار السلفي"(18). لا يلحظ المتابع إسهامًا سياسيًّا للحركة قبل الثورة بشكل واضح.

خامسًا: المشايخ والعلماء
تتميز الحالة السلفية في عمومها بتأثير المشايخ الكبير على تلامذتهم وأنصارهم. وليس من الدقة أن يُنسب المشايخ في عمومهم إلى الجمعيات والجماعات السلفية التقليدية؛ على الرغم من حالة التداخل بين مجال عمل المشايخ ومساحة نشاطهم، وبين تلك الجمعيات والجماعات.

1) مشايخ الوعظ والدعوة
في مقدمتهم الشيخ محمد حسان، الشيخ حجازي محمد يوسف الشهير بـ (أبي اسحق الحويني)، الشيخ محمد حسين يعقوب، والشيخ مصطفى العدوي. تربطهم صلات جيدة بالدعوة السلفية وجمعية أنصار السنة، وتعتبر مساجد ومقرات الجمعية المنبر الأول لهم، لكنهم غير مقيدين بأطر الجمعية الإدارية، أو ملزمين بمرجعية الدعوة السلفية(19). ويجمعهم التأثر بالشيخ محمد ناصر الدين الألباني (1914–1999م)، وعلماء المملكة العربية السعودية: الشيخ عبد العزيز بن باز (1912-1999)، والشيخ محمد بن صالح العثيمين (1929-2001)، والشيخ عبدالله بن جبرين (1933-2009)، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (1905-1974).(20)

يُعتبر هؤلاء المشايخ العصب الحقيقي للتيار السلفي المصري -ربما باستثناء جمهور السلفيين بالإسكندرية المرتبط أكثر بالدعوة السلفية- فحضورهم الفضائي منذ عدة سنوات(21)، وانتظام دروسهم وتنقلهم بين المحافظات دون مضايقات أمنية، جمَّع حولهم مئات الآلاف من (التلامذة) و(الأتباع) والمتعاطفين بشكل عام مع خطابهم الوعظي الذي يتجنب الخوض في مسائل السياسة ويركز على العقيدة، وتصفية النفس وتزكيتها.

وتتسع الساحة السلفية لبعض المجموعات (المحلية) في محافظات بعينها، تتبع علماء ومشايخ وإن كانت أقل عددًا مقارنة بجمهور الرموز الشهيرة. في القاهرة مثلاً، يوجد الدكتور أسامة عبدالعظيم الأستاذ بجامعة الأزهر، وفي الغربية سامح منير وهشام منير وسامح قنديل(22)، وإن كانت مجموعة الغربية أكثر قربًا من الدعوة السلفية.

2) السلفية الحركية
يبرز تيار آخر من المشايخ يقف على نفس الأرضية من حيث المنطلقات والمنهج، إلا أنه أكثر صراحة في نقد الحكام الذين لا يحكمون بالشريعة، ويتخذ مواقف أكثر وضوحًا وأقل دبلوماسية فيما يخص قضايا الجهاد. يُطلَق على هذا التيار (السلفية الحركية)، ويتركز في القاهرة، التي تضم أبرز رموزه: الشيخ محمد عبد المقصود، الشيخ فوزي السعيد، الشيخ نشأت أحمد، ود. سيد العربي. وفي البحيرة، د. هشام العقدة.

وقد تعرض هذا التيار للتضييق الأمني بل والاعتقال والمحاكمة في قضايا مختلفة ترتبط بفتاوى تحث على مساندة المجاهدين في فلسطين بالمال والنفس، بالإضافة لتبرير أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. كما أن رموز هذا التيار يجاهرون بتكفير الحاكم الذي لا يحكم بشريعة الله.

3) السلفية الجامية المدخلية
لا تخلو الحالة السلفية المصرية من امتداد للسلفية الجامية (نسبة إلى محمد أمان الجامي 1927-1996) أو المدخلية (نسبة إلى ربيع بن هادي المدخلي المولود في1932)، والتي تكونت من مجموعة من أهل الحديث في المملكة العربية السعودية بمساعدة من نظام الحكم لتواجه رفض بعض العلماء ورموز تيار الصحوة (سلمان العودة وسفر الحوالي وناصر العمر) الاستعانة بقوات أجنبية في حرب الخليج، ومعارضتهم لموقف المملكة ومؤسستها الدينية الرسمية بالإضافة لإصرارهم على إجراء إصلاحات حقيقية(23). يمثل التيار المدخلي المصري الشيخ محمود عامر رئيس جمعية أنصار السنة في دمنهور (قبل أن يتم استبعاده لمواقفه المثيرة للجدل بعد الثورة)، والشيخ محمد سعيد رسلان الداعية السلفي الشهير بأشمون- محافظة المنوفية، والشيخ أسامة القوصي بالقاهرة.

وكما دافع الجاميون في المملكة عن الأسرة الحاكمة بشراسة، لم تسلم جماعة أو جمعية سلفية أو إسلامية عمومًا من نقد شديد موجه من رموز السلفية المدخلية في مصر؛ فالمدخلية ترفض العمل الجماعي المنظم جملة وتفصيلاً، ويؤمنون بطاعة الحاكم ولو كان فاسقًا ظالمًا لا يطبق الشريعة، لذا اعتبروا الدعوة السلفية (خوارج) وأهل بدع وأهواء، كما شنوا هجومًا ونقدًا لاذعًا لرموز إسلامية (سيد قطب-الشيخ يوسف القرضاوي-الشيخ محمد الغزالي)، بالإضافة لحرب ضارية على جماعة الإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ والدعوة(24).

وإذا كان الشيخ محمود عامر تشدَّد كثيرًا في مواقفه السياسية (مبايعته لمبارك أميرًا للمؤمنين-فتواه بضرورة قتل د. محمد البرادعي إذا استمر في تحريضه ضد النظام (25).. إلخ)، فإن الشيخ أسامة القوصي مثَّل استثناءً في بعض مواقفه الفقهية التي تجيز الموسيقى، ومصافحة النساء، وتولِّي مسيحي رئاسة الجمهورية، وهو ما جعله محل نقد لاذع حتى من بعض تلامذته المشرفين على موقعه الشخصي (26)، كما أنه فجَّر مفاجأة أخرى عندما ظهر في افتتاح مهرجان المركز الكاثوليكي المصري للسينما في دورته الستين (مايو/أيار2012)، وتناقلت الصحف صورته بصحبة نجمات السينما!(27) ولا يرفض بعض رموز هذا التيار عقد صلات مع الأجهزة الأمنية. فلا يجد الشيخ محمود عامر ما يعيب في ذلك، وإن كان لا يعترف صراحة بوجود مثل هذه الصلة(28).

لا يمكن حصر المنهج المدخلي في هؤلاء المشايخ فقط، خاصة مع محدودية شعبيتهم، فخطاب المداخِلة قائم على نزع شرعية (المنهج السلفي) عن الخصوم، والطعن في (طلبهم للعلم وتحصيلهم للحديث)، بالإضافة لنعت خصومهم بـ (القطبيين) وتفزيع الدولة منهم واستعدائها عليهم. هذا النهج يتمثل في العديد من مشايخ جمعية أنصار السنة تحديدًا، وبعض ممارسات لشيوخ من الدعوة السلفية بالإسكندرية، وهو ما أثار تساؤلات وشبهات كثيرة حول مدى استغلالهم من قِبل الجهات الأمنية في مصر لمحاربة مجموعات سلفية أخرى، أو جماعة الإخوان المسلمين.

ميدان التحرير: لحظة الحقيقة وارتباك المواقف

بالرغم من الحراك السياسي المصري في السنوات العشر الأخيرة، وتقدم الإخوان المسلمين كقوة إسلامية صفوف المعارضة، إلا أن التيار السلفي بشكل عام غاب عن هذا المشهد، مع امتلاكه أدوات تعبئة فضائية وانتشار في أغلب المحافظات، واكتفت رموزه بمواعظ عامة -ردًّا على سؤال أو تعليقًا على موقف- تُختتم غالبًا بالدعاء بالصلاح لولاة الأمر وأن يهديهم الله لتطبيق الشريعة وأن يجنِّب البلاد الفتن. اعتبرت الدعوة السلفية أن واجب الوقت هو "التصفية والتربية،" وليس الجلوس في مقاعد المعارضة، وأن الانشغال بتفاصيل السياسة نوع من "أحاديث السمر"، التي يُقطع بها العُمر دون فائدة. لذا، فإن الخطاب السلفي كان يُعنَى بالتأصيل العلمي العقدي، أي البُعد الأيديولوجي، لا العمل السياسي. كذلك تمسكت الجمعية الشرعية وجمعية أنصار السنة المحمدية بموقفهما التقليدي (رفض الخوض في أمور السياسة للأولى، وتأييد المواقف الرسمية مع الهجوم على المعارضين الإسلاميين للثانية).

مع انتشار دعوة للتظاهر يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011، في أعقاب سقوط نظام بن علي في تونس، سُئِل الشيخ ياسر برهامي عن حكم المشاركة في هذه التظاهرة؛ وقد نُشر الرد على موقع صوت السلف الذي يشرف عليه بتاريخ 21 يناير/كانون الثاني 2011، مؤكدًا موقف الدعوة الرافض لهذه المظاهرات، تمسكًا بالدين، وتغليبًا للمصلحة، وتجنبًا للفتنة؛ كما أكد إجماع العلماء على هذا الرأي، مع عدم الرضا عن أي مظلمة أصابت الناس خاصة تغييب شرع الله (29). وقد تمسكت الدعوة بموقفها الرافض يوم "جمعة الغضب،" ونشر الشيخ برهامي خطبة جمعة مقترحة ليوم الجمعة 28 يناير/كانون الثاني 2011، أكدت على أن الإصلاح المطلوب هو "إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين"، ووضعت خطوطًا عامة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، من منطلق أخلاقي وعظي عام لا يمس الشأن العام، وحذرت من التدمير والفوضى.(30)

تغير موقف الدعوة السلفية مع تتابع الأحداث، فبيانها الأول الصادر يوم السبت 29 يناير/كانون الثاني 2011 استنكر التخريب والاعتداء على الممتلكات وأكد على حرمة الأموال، وهو ما تكرر في بيانها الثاني، 30 يناير/كانون الثاني 2011، مع الدعوة لحماية الطرقات والتعاون مع قوات الجيش. تحدث بيانها الثالث مساء الاثنين 1 فبراير/شباط 2011 لأول مرة عن إصلاحات مطلوبة لعلاج الموقف، وفترة انتقالية تعقبها انتخابات جديدة لاختيار الأكفأ، والتأكيد على الهوية الاسلامية والإشادة بالتعاون مع الأقباط لحماية الكنائس، والدعوة للعفو والصفح عن المخطئين في الأحداث.(31)

واللافت أن المؤتمر السلفي الذي عُقِد بالإسكندرية يوم الثلاثاء 8 فبراير/شباط 2011، بهدف توضيح موقف الدعوة من الأحداث، وحضره عشرات الآلاف، أكد على مطالب واضحة تتعلق بهوية الدولة والتحذير من المساس بالمادة الثانية من الدستور وإنهاء حالة الطوارئ وإصلاح المؤسسة الأمنية، كل ذلك دون التطرق لفعاليات الثورة، وتجنب الدعوة للمشاركة فيها ومساندتها، حتى إن الشيخ محمد المقدم عندما امتدح شباب الثورة خلال كلمته، وفهم من ذلك ترحيبه بموقفهم، أصدر الشيخ ياسر برهامي مُنظِّر الدعوة ورجلها القوي، بيانًا يوضح أن موقف الشيخ المقدم يقف عند امتداح الشباب دون الدعوة للاشتراك في التظاهرات، وأن المقدم قال: "لا يمكن أن نوقِّع لشباب الإنترنت في التظاهرات على بياض، فليس من حقهم تقرير مصير الأمة بل هم جزء منها".(32)

أما المشايخ فقد تذبذب موقفهم بين الصمت التام، والدعوة لتهدئة الأوضاع وتجنب الفتن، وأحيانًا الهجوم على المتظاهرين ثم التراجع، ولم تظهر مواقف واضحة من تبني الثورة إلا في الأيام الخيرة وعقب تنحي مبارك، يُستثنى من ذلك رموز السلفية القاهرية -محمد عبد المقصود، الشيخ نشأت أحمد، الشيخ فوزي السعيد- الذين شاركوا في الميدان بالفعل، والشيخ محمد حسان الذي حسم أمره بعد اضطراب موقفه أيام الثورة الأولى، ونزل للميدان داعيًا مبارك للتنحي.

ويظهر موقف الحركة السلفية من أجل الإصلاح (حفص)، كموقف سلفي استثنائي، حيث دعت في بيانها يوم الثلاثاء 18 يناير/كانون الثاني 2011 إلى المشاركة في مظاهرات 25 يناير/كانون الثاني، إنكارًا لأعمال النظام الحاكم (عدم تحكيم الشريعة-الاستهانة بحقوق الإنسان-نهب المال العام)، ولم تر ما يمنع مشاركة (العلمانيين) في المظاهرات، لأن ذلك لا يعني إقرارهم على "آثامهم وأخطائهم". كما دعا البيان علماء الأمة أن يؤيدوا هذه المظاهرات ليشاركوا في الإنكار على النظام الحاكم(33). ومع تداعي الأحداث، مرورًا بجمعة الغضب، وما تبعها حتى تنحي مبارك، أكدت حركة (حفص) موقفها في بيانات متتالية، حيث اعتبرت في بيانها الصادر ليلة جمعة الغضب أن المشاركة في مظاهرات الجمعة 28 يناير/كانون الثاني 2011 "باتت ضرورة شرعية وواجبًا وقتيًا"(34)، وتتابعت البيانات يوم 29 يناير/كانون الثاني 2012، و1فبراير/شباط 2011، لتؤكد ضرورة خلع مبارك وترفض استمرار حكمه.(35)

مخاض خريطة ما بعد الثورة

أدرك السلفيون عمق التغير الذي يطرأ على الواقع المصري -والعربي- ولم يترددوا في تجاوز عزلة الماضي، والدخول كطرف فاعل بطريقة تتسم بقدر من الحماسة أقرب إلى الاندفاع، اتخذت في بدايتها مظلة الحفاظ على الهوية الإسلامية ومرجعية الشريعة. يتجلَّى هذا التحول في ظهور جبهات وكيانات وأحزاب سلفية يمكن استعراضها كما يلي:

أولاً: الحركات الشبابية وتجمعات العلماء
لم يغب العلماء عن مشهد التحولات، كما أن الشباب الذي فوجئ بحدث الثورة، فانتزعه من حلقات العلم، أخذ يختبر أنماطًا تغييرية لم يعتدها، وكثيرًا ما رفضها، قرر الحضور وبقوة في الواقع الجديد.

1) الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح
تبنت مجموعة مستقلة من سلفيي البحيرة (مجموعة هشام العقدة) مبادرة تهدف إلى تجميع الهيئات الإسلامية الكبرى، ومشايخ الدعوة في إطار جامع يوحد (أهل الحل والعقد)، باعتباره مطلبًا شرعيًا يفرضه الواقع وتحدياته. وكان د. هشام العقدة قد ارتبط بالتيار الصحوي في المملكة العربية السعودية، خاصة الشيخ سفر الحوالي والشيخ سلمان العودة والشيخ ناصر العمر. وشارك العقدة في مجلة البيان الشهيرة، التي كانت تصدر في لندن، قبل أن يتم نقل مقرها للسعودية بعد أن خُفِّف الضغط عن رموز الصحويين بالمملكة. ولأن العقدة فيما يبدو لا يرحب بالظهور إعلاميًا، تصدر ملف الهيئة الشرعية رفيقه الشيخ محمد يسري إبراهيم (وهو أكاديمي جمع بين الدكتوراه في الهندسة والدكتوراه في الشريعة الإسلامية، يعمل نائبًا لرئيس الجامعة الأميركية المفتوحة، ووكيل جامعة المدينة العالمية).

تضم الهيئة علماء أزهريين، ورموز التيار السلفي بأطيافه المتنوعة، ونائب المرشد العام لجماعة الإخوان خيرت الشاطر، ولكن تظل الغلبة للتيار السلفي. ترأَّس الهيئة عند إعلان تـأسيسها مفتي الجمهورية الأسبق الشيخ نصر فريد واصل الذي يحظى باحترام غالبية التيارات الإسلامية، إلا أنه استقال(36) من الهيئة ليترأسها نائبه الشيخ علي السالوس(37). واختير كل من المشايخ محمد طلعت عفيفي(38)، محمد عبدالمقصود، محمد حسان نوابًا له. ويشغل د. محمد يسري منصب أمينها العام منذ تأسيسها.(39)

تواجه الهيئة الشرعية تناقضات وُلِدَت معها، فقراراتها غير ملزمة للجهات الممثلة بها، كما أن الرموز المستقلة هم أعضاء في هيئات أخرى أكثر إلزامًا لهم (محمد حسان، محمد حسين يعقوب، أعضاء بمجلس شورى العلماء)، وهو ما يُفقد الهيئة هدفها الرئيسي المتمثل في توحيد موقف الإسلاميين. ظهر هذا جليًّا في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، حيث لم يُلزم قرارها الدعوة السلفية، ولا حتى أعضاء مستقلين مثل حازم أبي إسماعيل، فضلاً عن تبنِّي الشيخ محمد حسان والشيخ محمد حسين يعقوب لموقف مجلس شورى العلماء. وأصبحت الهيئة ساحة مواجهة بين نفوذ جماعة الإخوان والدعوة السلفية. فعلى الرغم من محدودية تمثيل رموز الإخوان، إلا أن مجلس الأمناء يضم أعضاء معروفين بقربهم من الإخوان (الشيخ محمد عبدالمقصود-الشيخ صفوت حجازي-الشيخ عبد الستار سعيد، عضو مكتب الإرشاد المستقيل منذ الثمانينيات)، بالإضافة للدكتور محمد يسري نفسه.(40)

2) مجلس شورى العلماء
صدر البيان الأول لمجلس شورى العلماء في 10 مارس/آذار 2011، يدعو إلى الموافقة على التعديلات الدستورية، ويرحب بالمشاركة في الانتخابات التشريعية، مع عدم ترشح العلماء والدعاة، وانتخاب الرئيس الأكثر تبنيًا للشريعة، محذرًا من المساس بالمادة الثانية للدستور(41). وُقِّع البيان برئاسة د. عبدالله شاكر رئيس جمعية أنصار السنة، وعضوية رئيسها السابق د. جمال المراكبي، وأشهر الرموز السلفية (محمد حسان-أبو إسحق الحويني-محمد يعقوب-مصطفى العدوي-أبو بكر الحنبلي-وحيد بالي)، بالإضافة لنائب رئيس الدعوة السلفية الشيخ سعيد عبد العظيم.

يمثل هذا المجلس أهمية كبرى في توجيه التيار السلفي، فبالرغم من غياب رموز السلفية القاهرية (الشيخ محمد عبد المقصود، والشيخ نشأت، والشيخ فوزي السعيد)، والتمثيل الشرفي للدعوة السلفية، إلا أن الهيئة تعبِّر عن أكبر التنظيمات الاجتماعية السلفية في مصر (جمعية أنصار السنة)، كما أنها تضم الآباء الحقيقيين للجمهور السلفي (المشايخ)، وهو ما ظهر جليًّا عند تأييد مجلس شورى العلماء للشيخ حازم صلاح كمرشح للرئاسة، وهو موقف بعض مشايخ القاهرة أيضًا؛ فظهر الشيخ حازم باعتباره مرشحًا رسميًّا للتيار السلفي، وتفاعل آلاف الشباب السلفي معه في مختلف المحافظات بحماس كبير، بالرغم من تحفظ الدعوة السلفية.

3) الجبهة السلفية
بينما ابتعد مشايخ ورموز الدعوة السلفية عن الميدان، شارك مئات الشباب السلفي في الثورة من أيامها الأولى (خاصة جمعة الغضب). عانى هؤلاء الشباب -الذين كانت نواتهم بمدينة المنصورة- لعشر سنوات مضت من تضييق أمني شديد، وحصار من بعض المشايخ التقليديين الذين طعنوا فيهم وفي سلفيتهم لأنهم لا يتبعونهم. تُعَرِّف الجبهة السلفية نفسها باعتبارها "رابطة تضم عدة رموز إسلامية وسلفية مستقلة؛ كما تضم عدة تكتلات دعوية من نفس الاتجاه ينتمون إلى محافظات مختلفة في جمهورية مصر العربية". لا يجمع أعضاء الجبهة غير الإيمان بأهدافها، فلا توجد إمارة أو بيعة، ولا تعتبر الجبهة نفسها حزبًا سياسيًا، ولا تشترط على منتسبيها -غالبيتهم من الشباب- تبني كل خياراتها السياسية(42). تتمتع الجبهة باستقلالية واضحة عن نفوذ المشايخ التقليدي، وظهر ذلك واضحًا في خياراتها السياسية و(الثورية)، وإن كان خطابها الرسمي يقدِّر المشايخ، خاصة ما يُعرَف بالسلفية الحركية.(43)

تهتم الجبهة -وفقًا لأهدافها المعلنة- بالساحة السلفية نفسها، حيث تعتبرها ميدان عملها الأساسي، ولا يشغلها فيما يبدو غير مسألة تطبيق الشريعة، واستكمال مسيرة الثورة، وتقديم خطاب سلفي تجديدي، وتقويم مسيرة الإسلاميين من خلال "خلخلة بعض الرؤى غير المنضبطة التي تكرست في المرحلة السابقة"(44). ويوجد أبرز رموز الجبهة السلفية في المنصورة، د. خالد سعيد، الشيخ أشرف عبد المنعم (45)، د. سعيد فياض، إضافة إلى د. محمد جلال القصاص في محافظة الغربية. من خلال الثورة والميدان? تم التنسيق بين مجموعات الشباب، ومحاولة التبلور في صورة أكثر تنظيمًا، حتى أصبح للجبهة تواجد في اثنتي عشرة محافظة -تمثل مدينة المنصورة مركز ثقلها، تليها محافظات كفر الشيخ، الغربية، والجيزة.(46)

ثانيًا: الأحزاب السياسية
لسنوات طويلة تبنى مجمل التيار السلفي المصري موقفًا رافضًا للتحزب، أو متحفظًا عليه(47)؛ فالكيانات التقليدية الرسمية ترفض العمل السياسي ابتداء، وخاصة العمل السري، وتعتبر التحزب عصبية مذمومة، إلا بضوابط أهمها أن يكون التحزب قائمًا على منهج السلف وعقيدة أهل السنة والجماعة. تغيرت الظروف بسقوط نظام الحكم، وتغيرت معطيات الواقع، مما أوجد مبررًا لتجاوز هذه الآراء، وأعلن مشايخ السلفيين ترحيبهم بتكوين أحزاب تدافع عن الشريعة من خلال المشاركة في المجالس التشريعية.(48)

1) حزب النور
حسمت الدعوة السلفية موقفها ودَعَت أبناءها إلى تأسيس حزب النور، كأول حزب سلفي بعد الثورة (تم ترخيصه رسميًا يوم 8 يونيو/حزيران 2011)، وثاني أكبر الأحزاب الممثَّلة في البرلمان فيما بعد (105 مقعدًا). اعتمد تكوينه على الشباب السلفي ومشايخ محليين معروفين في مدنهم، ولا يقف أنصاره عند حدود تيار الدعوة السلفية (غير المنتشر في كل المحافظات) ومشايخها، بل استقطب جمهورًا تشكَّل عبر عقود في مساجد أنصار السنة، وتحلَّق حول رموز السلفية الكبار (حسان ويعقوب والحويني.... إلخ)، بل واستقطب شبابًا من تلامذة القاهريين (فوزي السعيد تحديدًا)، وهو ما جعله أكبر الأحزاب السلفية وأوسعها انتشارًا. ترأَّس الحزب د. عماد عبدالغفور، أحد مؤسسي الدعوة السلفية منذ الثمانينيات، ويُعد من أكثر قادتها حماسةً للعمل السياسي الحزبي.

2) حزب الإصلاح والنهضة
في 17 يوليو/تموز 2011، قبلت لجنة شؤون الأحزاب تأسيس حزب "الإصلاح والنهضة"، الذي لا يُعتبر حزبًا سلفيًّا تقليديًّا، بل رافدًا لمشروع الإصلاح الاجتماعي(49)، الذي بدأ نشاطه في الإسكندرية عام 1997 على يد هشام مصطفى عبد العزيز، الذي أصبح رئيسًا للحزب (في الأربعينيات من عمره، نشأ في المملكة العربية السعودية وتأثر بعلمائها، درس في كلية العلوم جامعة عين شمس، ثم اتجه إلى الدراسات الشرعية والإدارية، ويُعِد الآن رسالة الماجستير في الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، وماجستير في إدارة الأعمال). لا يضم الحزب رموزًا سلفية معروفة، ولم يحظ بشهرة رغم تأسيسه المبكر نسبيًا، وانضم للتحالف الديمقراطي الذي أسسه حزب الحرية والعدالة، لكنه غير ممثَّل في البرلمان.

3) حزب الأصالة
لم يغب الشيخ محمد عبدالمقصود الرمز السلفي القاهري عن المشهد الجديد. بدأ مع مجموعة من تلامذته مشروعًا لحزب سلفي (حزب الفضيلة وقتها)، وتقدم اللواء عادل عبد المقصود -شقيق الشيخ- لرئاسته. وبعد مضي ثلاثة أشهر، أعلن اللواء عادل عبدالمقصود في 11 يوليو/تموز 2011 انسحابه من مشروع الفضيلة مع العديد من المؤسسين، والبدء في تأسيس حزب الأصالة، مؤكدًا على دعم الشيخ محمد عبدالمقصود وغيره من مشايخ التيار السلفي لهذ الخطوة، بعد أن تبينت لهم "مؤامرة" تستهدف " تحويل مبادئ الحزب إلى أفكار متشددة تضر بالصالح العام والعمل الإسلامي". أعلن المحامي ممدوح اسماعيل أن حزب النهضة تحت التأسيس سينضم لحزب الأصالة، وتم إشهار الحزب بتاريخ 28 أغسطس/آب 2011، برئاسة اللواء عادل عفيفي، واختير ممدوح اسماعيل نائبًا له.
تحالف حزب الأصالة مع حزب النور في الانتخابات البرلمانية، واستطاع حصد خمسة مقاعد