بغداد وأربيل: المسارات المحتملة للصراع على مناطق النفوذ

الصراع بين بغداد وأربيل على مناطق النفوذ تصاعد إلى حد المناوشات المسلحة، وقد غذّته سياسية رئيس الوزراء نوري المالكي التي تنحو إلى التفرد بالسلطة، والانقسامات التي تمنع تشكل قوى عراقية متماسكة يمكن أن تتوصل إلى حلول توفر الاستقرار للعراق وتضمن وحدته.
20121227102510408734_20.jpg
 

الأزمة التي تفجرت بين إقليم كردستان والحكومة المركزية هي أزمة لها جذور حقيقية، وليست كما يراها البعض هروبًا لرئيس الوزراء نوري المالكي من الواقع السياسي المزري. بل إن الأزمة اليوم ليست مع نوري المالكي وحده وإنما تندرج ضمن الصراع بين القوميتين العربية والكردية الذي يجد جذوره التاريخية منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية وتقسيم المنطقة الكردية بين أربع دول، هي: العراق وإيران وتركيا وسوريا. بدأ ظهور نزعات قومية كردية بالتزامن مع نشوء الدولة-الأمة بعد الحرب العالمية الأولى. رزح الأكراد تحت وطأة مختلف الأنظمة المستبدة التي وصلت إلى حد الشوفينية. فكلما زاد تسلط هذه الدول ترسخت النزعة القومية الكردية والرغبة بالانفصال وتحقيق الحلم في إنشاء دولة مستقلة. ويرى الأكراد اليوم فرصة تـاريخية، قد لا تتكرر، للحصول على مكاسب كبيرة، بحجة تعرضهم للظلم والتهميش خلال فترات الحكومات السابقة خصوصًا وأن شبح عودة الديكتاتورية إلى العراق هو احتمال وارد في ظل الوضع السياسي في العراق. فالكرد، المستفيد الأول من التغيير بعد 2003، يشهدون اليوم رواجًا اقتصاديًا واستقلالية سياسية لم يشهدها الإقليم منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921. لذلك، فهم يطمحون للذهاب إلى أبعد ما يستطيعون. لكن الرغبة في الانفصال وتأسيس الدولة الكردية لا تجد دفعًا كبيرًا لدى أكراد العراق على الأقل في الوقت الراهن، نظرًا للرواج الاقتصادي والمكاسب التي حققها الكرد بعد 2003 من جهة، وإرضاءً لتركيا المتحالفة مع إقليم كردستان في ظل الديناميكية التي تشهدها المنطقة، لاسيما الأزمة السورية وموقف حكومة المالكي من هذه الأزمة. 

تصف الزعامات الكردية اليوم رئيس الوزراء نوري المالكي بالديكتاتورية، وهي التي ساهمت وبشكل فعّال بإيصاله إلى رئاسة الوزراء بعد اعتراضها على رئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري. فهل تغيير الوجوه حل للأزمة أم أن الخلاف أعمق وأوسع من مجرد تغير شخص رئيس الوزراء؟

إن تراكم الأزمات بين العرب والكرد على مرّ التاريخ، مرورًا بالأنظمة المختلفة، بدون أن تجد لها سبيلاً للخروج يتفجر قسم منها اليوم بهذه الطريقة والتي يعتقد البعض أنها ستصل إلى الصدام العسكري.

المالكي: مسار متعرج

استغل الأكراد موقف المالكي الهش إزاء سياسته الداخلية والخارجية على حدّ سواء لجره إلى المواجهة؛ فالكل يُجمع على أن المالكي كان قد سار في الطريق الصحيح في دورته الأولى بقضائه على الميليشيات في عمليات صولة الفرسان ومساندته للصحوات في المناطق السنية لمحاربة تنظيم القاعدة. إن القضاء على المسلحين الشيعة والسنة منحه شرعية حتى داخل الأوساط السنية. إلا أنه سرعان ما انحرف عن هذا المسار ليتبنى سياسة مغايرة تمامًا خلال دورته الثانية على الصعيدين: الداخلي والخارجي؛ مما جعل أغلبية الكتل السياسية تنفر منه حتى من داخل كتلته. وعليه فإن مواقف الكتل المعارضة لرئيس الوزراء من الأزمة مع إقليم كردستان اليوم ترتكز على السياسة الداخلية أولاً، وعلى تحالفاته الإقليمية ثانيًا؛ فمحاولة الانفراد بالسلطة عن طريق التحكم بالهيئات المستقلة وتحويل تبعيتها إلى الحكومة، مثل الهيئة المستقلة للانتخابات والبنك المركزي وهيئة النزاهة والإعلام دقّ ناقوس الخطر في أروقة الكيانات السياسية.

أما على الصعيد الخارجي، فموقفه المتحالف مع إيران لاسيما فيما يخص الأزمة في سوريا ومساندته لنظام بشار الأسد، وصفقة الأسلحة المشبوهة مع روسيا، وإخلاله بالمعاهدة الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية، أثار سخط أغلبية شركائه في العملية السياسية. إن سياسته خلال الدورة الثانية جاءت مخيبة للآمال لدى الشارع العراقي مما قلّل من شعبيته وبصورة لافتة للنظر.

أما علاقته بإقليم كردستان، فبدأت بالتوتر منذ اعتراضه على عقود النفط المبرمة بين الإقليم والشركات العالمية وازدياد علاقته مع تركيا سوءًا، خصوصًا بعد زيارة وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو إلى كركوك من دون إخطار مسبق للحكومة المركزية. ثم تأتي عملية إرسال قوات دجلة وحادثة طوز خورماتو التي أدت إلى مواجهة بين البيشمركة وعناصر من الشرطة الاتحادية انتهت بجرح وقتل عدد من سكان المنطقة، فاشتعل فتيل الأزمة بين الطرفين. بعدها، قام رئيس إقليم كردستان، مسعود البرزاني، بنشر قوات البيشمركة في مدينة كركوك كما قام بتفقد هذه القوات. ومما زاد الأمور توترًا تسمية رئيس الوزراء للمناطق المتنازع عليها بالمناطق المختلطة، أي أنها كأية مدينة عراقية تتسم بخليط قومي إثني ديني لتجريد الأكراد من حق المطالبة بها. وهكذا، دفع التصعيد بالتصريحات من كلا الطرفين نحو تحول الصراع من سياسي إلى التلويح بالعمل العسكري. إلا أن حكومة الإقليم لم تأبه بالتهديد العسكري لعلمهم بالضعف السياسي لموقف المالكي أمام شركائه في العملية السياسة؛ لذلك، قامت بالتصعيد اكثر فأكثر مطالبة بالحقوق القومية والاقتصادية للأكراد والدفاع عن كركوك. وبهذا استعاد مسعود البرزاني دوره كمتحدث ومدافع عن القضية الكردية لسد الطريق على الحركات الليبرالية وغير الليبرالية المطالبة بالديمقراطية ووضع حدّ لهيمنة الحزبين الرئيسيين على حكم الإقليم. أما الرئيس العراقي جلال طالباني المختلف ضمنيًا مع رئيس الإقليم فيحاول لعب دور الوساطة، لكن تدهور صحته مؤخرًا أضعف موقفه.

لجأ الطرفان للحوار حيث أرسلت الحكومة الكردية وفدًا من البيشمركة للاجتماع مع مسؤولين من وزارة الدفاع العراقية إلا أن هذه المفاوضات انتهت بالفشل في التوصل إلى حل لإصرار الحكومة المركزية على تكوين قوات مشتركة من البيشمركة والجيش العراقي تكون تحت إمرة الحكومة المركزية، وهذا ما رفضه الوفد الكردي. أما الوساطة التي قام بها رئيس البرلمان أسامة النجيفي فلم تُفْضِ إلى حل بل اشترط الأكراد سحب فرق الجيش العراقي من المناطق المتنازع عليها.

الأزمة الكردية والصراعات السياسية

الكتل السياسية وجدت في الأزمة مع كردستان فرصة لضرب المالكي وعزله سياسيًا وليس تأييدًا للأكراد في ما يخص كركوك والقضايا العالقة الأخرى، وأهمها قضية النفط. إن هذه الأزمة هي نتيجة تراكمات تاريخية؛ فبعد اكتساب الأكراد للحكم الذاتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، شرع النظام البعثي بتعريب كركوك عن طريق توزيع الأراضي والقروض للعرب حتى وصلت نسبة العرب في هذه المدينة إلى أرقام قياسية، إلا أنه سرعان ما قام الأكراد بتكريد كركوك وطرد نسبة كبيرة من العرب تحسبًا لأي استفتاء لتقرير مصير هذه المدينة النفطية. وبانتظار تطبيق المادة 140 من الدستور القاضية بترسيم الحدود مع المحافظات فإن كركوك تُدار من قبل المحافظة. إلا أن هذه المادة إذا ما طُبّقت فإنها ستثير مشاكل كثيرة لأن تطبيقها لا يقتصر على كركوك فحسب وإنما على جميع المحافظات. فإقليم كردستان لديه مشاكل حدودية مع جميع المحافظات العربية المحاذية له، وهو يطالب بضم مناطق من الموصل وديالى وصلاح الدين. 

على أن مواقف أغلب الساسة من كركوك قد يكون أكثر تشددًا من موقف المالكي إلا أنهم لا يُفصحون عن هذه المواقف في هذا الوقت بالذات مكتفين بانتقاد سياسة المالكي إزاء الأكراد. فالتيار الصدري المنضوي داخل التحالف الوطني الذي ينتمي اليه رئيس الوزراء قام قبل أيام بتنظيم تظاهرات في بغداد تندد بتصريحات المالكي ضد زعيمهم مقتدى الصدر ردًا على ما قاله الصدر حول صفقة الأسلحة والأزمة مع الأكراد بأنّ: "تسليح الجيش العراقي أمر لابد منه لكن بشروط منها أن لا يكون السلاح من دولة محتلة ولا يكون فاسدًا ولا قديمًا ولا يكون بأضعاف سعره". مشددًا على أن "شراء السلاح يجب أن يكون للدفاع عن العراق لا من أجل دجلة"، ويقصد هنا قوات دجلة المتواجدة على مشارف كركوك. كما ارتسمت عبارات على جدران البنايات بعد انتهاء التظاهرات تدين رئيس الوزراء واصفة إياه بالديكتاتور، وأنه يتبع سياسة شبيهة بسياسة صدام. والحقيقة أن نوري المالكي لا يستطيع اتخاذ خطوة نحو العمل العسكري ضد الأكراد وهو على هذا المستوى من القطيعة مع أكبر تيار يتمتع بشعبية كبيرة وبثقل سياسي في البرلمان والحكومة. كما أن أغلبية منتسبي الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية هم من مناصري التيار الصدري. لذلك، يبدو من الصعوبة بمكان أن يتخذ المالكي خطوة نحو الخيار العسكري ضد الأكراد بدون التوافق مع التيار الصدري بالرغم من الحشد العسكري الذي قام به رئيس الوزراء في محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك، والاستعدادات العسكرية الكردية لمواجهة عسكرية من الطرف الآخر.

إن هذه الخلافات بشأن الأزمة مع الأكراد ربما ستعصف بالائتلاف الوطني لأن الصدريين بدأوا يلوّحون بالانفصال عن التحالف الوطني، إذا ما أصرّ المالكي على نفس النهج، وانفرد أعضاء دولة القانون بالقرارات. فضلاً عن معارضة الأطراف الشيعية الأخرى. فقد أكد السيد الصدر التزام المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف المتمثلة بآية الله علي السيستاني بفتوى المرجع الراحل السيد محسن الحكيم (بتحريم القتال ضد الأكراد) وذلك خلال فترة الستينيات من القرن الماضي. وفي محاولة من الأكراد لتجريد المالكي من الشرعية في الشارع الشيعي خصوصًا لدى مقلدي السيد السيستاني قاموا بتسليط الضوء إعلاميًا على هذه الفتوى. وبالفعل، بدأت هذه الفتوى تتردد في خطابات التيار الشيعي المحافظ. أما المجلس الأعلى الإسلامي الذي يتزعمه السيد عمار الحكيم فموقفه الداعم للأكراد يتضح من خلال سياسة المجلس المتبعة في العراق بعد 2003، حيث كان المجلس أول من طالب بتطبيق النظام الفيدرالي المتوافق نسبيًا مع التطلعات الكردية. ولذلك وصف أحد القيادات البارزة في المجلس الأعلى الإسلامي العلاقة بين الأكراد والشيعة بالمقدسة. أما القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي المعارض التقليدي للمالكي، فإنها انقسمت على نفسها نظرًا لتعدد الأيديولوجيات والقوميات والمذاهب داخلها. فالإخفاقات التي وقعت فيها هذه القائمة أدت إلى انفصال الكثير من رموزها؛ فالبعض منهم اليوم يؤيد نوري المالكي في سياسته المتبعة مع الأكراد وخصوصًا في قضية كركوك، أما البعض اللآخر فاتخذ طريق التهدئة لمعرفة ما ستؤول إليه الأزمة الحالية. أما المقربون من زعيم القائمة إياد علاوي، فيرون في هذه الأزمة فرصة لوضع نهاية لسياسة الحكومة الحالية. لم يبق ما يعوّل عليه المالكي إلا التركمان وبعض العشائر العربية في كركوك التي أبدت تأييدها لقوات دجلة لأنهم معنيون بصورة مباشرة بما سيؤول إليه مصير محافظة كركوك. وفي هذا السياق، تواردت تقارير عن تسليح رئيس الوزراء نوري المالكي للعشائر العربية في كركوك. وفي المقابل سارع الأكراد إلى تسليح سكان كركوك من الأكراد. وتنذر هذه السياسات بصدام بين القوميات والأديان والطوائف المتعددة في كركوك، يكون أسوأ بكثير من الصدام العسكري بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة.

 وبهذا، وعلى ضوء ما يجري على الساحتين الداخلية والخارجية سوف يبدأ عهد جديد من التحالفات لاسيما مع الأكراد. إن مواقف الكتل من المالكي خلال الأزمة الراهنة لا يصب بالضرورة لصالح الموقف الكردي. وربما نستثني المجلس الأعلى الإسلامي الذي يدعو للتوصل إلى حل مع الإقليم بتقديم تنازلات من الطرفين. فالصدريون كما هو حال أغلب الكتل يعتقدون أن كركوك هي مثال للتعايش السلمي بين مختلف القوميات والديانات. هذا الموقف يُطلق من باب المجاملات السياسية تفاديًا لتفجير الأزمة مع الأكراد. لكن تشظي الموقف العربي، بل الانقسامات الحادة في داخل الطائفة الواحدة، أضعف من مواقف الكتل السياسية في بغداد مما جعل إيجاد حل جذري للأزمة شبه مستحيل.

الأفق: تشظي المشهد وسيولة التحالفات

الواضح، أن أزمات علاقة بغداد مع الأكراد لا تنتهي بإعطائها جرعات من المسكنات بين الحين والآخر؛ فالمؤسسات المستقلة للإقليم وجيشه ودوره في المنطقة والإقامة التي تمنحها السلطات الأمنية الكردية للعراقيين العرب الداخلين إلى الإقليم يجعل منها دولة لا تختلف كثيرًا عن بقية الدول. وبالتالي، فإن افتعال أزمات قد تصل إلى المواجهة العسكرية ما هي إلا مضيعة للوقت. إلا أن إيجاد حل نهائي للنزاع العربي-الكردي مسألة تتطلب اتفاقًا داخليًا وإقليميًا ودوليًا؛ وهذا لا يمكن التوصل إليه في ظل الوضع الراهن؛ فالمشهد الاجتماعي-السياسي في عراق ما بعد 2003 يشهد انقسامات كبيرة؛ حيث لم تبق قومية أو إثنية أو طائفة إلا وتشظت إلى فرق وشيع متناحرة. بالأمس القريب، كانت حكومة نوري المالكي توجه أصابع الاتهام للنظام السوري لدوره في خلق الفوضى وإرسال السيارات المفخخة إلى العراق. أما اليوم فإنه من الداعمين لبقاء بشار الأسد في السلطة على عكس موقف الإقليم الذي يساند المعارضة الكردية السورية. بل إن رئيس إقليم كردستان، مسعود البرزاني، كان على علاقة طيبة مع رئيس الوزراء نوري المالكي وعلى خلاف مع القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي. أما اليوم فإنه يتخذ من القائمة العراقية حليفًا ومن تركيا صديقًا. لكن هل ستستمر هذه العلاقة الحميمة بين تركيا وأكراد العراق طويلاً، أم أن الوضع في المنطقة بات على رمال متحركة؟ وهل الطريق إلى العراق يمر في سوريا، أي أن ما سيؤول إليه الوضع في سوريا سيحدد مصير الكثير من المواضيع العالقة في الشأن العراقي بما فيها قضية إقليم كردستان وعلاقته مع العرب والمنطقة بصورة عامة؟ هذا ما ستحدده الأيام القادمة.
_______________________________
حميد ياسين - باحث بكرايزس غروب