العلاقات الصربية-الكوسوفوية بين غموض الرؤية وسكينة الإكراه

يسيطر التناقض على الموقف الصربي من استقلال كوسوفو، وخلاصته أنها لن تعترف بها كدولة قائمة وستظل بالنسبة لها جزءًا من صربيا، إلا إنها ستتعامل مع حكومة كوسوفو ورئيسها بصفتها حكومة محلية، في حين تدعو الأحزاب الراديكالية الصربية إلى فصل كل نائب في المجلس النيابي الصربي يستعمل تسمية "كوسوفو" أو "جمهورية كوسوفو".
201331463636318734_20.jpg
صربيا لن تعترف بكوسوفو كدولة قائمة وستظل بالنسبة لها جزءًا من صربيا، إلا إنها ستتعامل مع حكومة كوسوفو ورئيسها بصفتها حكومة محلية، في حين تدعو الأحزاب الراديكالية الصربية إلى فصل كل نائب في المجلس النيابي الصربي يستعمل تسمية "كوسوفو" أو "جمهورية كوسوفو" (الجزيرة)

جاء في التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الرئيس الصربي توميسلاف نيكوليتش حول موقف بلاده من كوسوفو أن "بلغراد تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وهي موحدة، تضم كوسوفو وميتوهيا الواقعتين في جنوب البلاد، بعد ذلك سيكون للاتحاد الأوروبي أن يتعامل مع كوسوفو ويدعمه ماليًا حتى يحقق نهضته".

هذه التصريحات أثارت ردود أفعال متباينة من طرف الأحزاب الصربية والكوسوفوية من جهة، ومن قِبل الاتحاد الأوروبي من جهة ثانية، وقد وردت هذه التصريحات بعد تصديق البرلمان الصربي على ما سُمي "منصة للحوار حول كوسوفو".

نص "منصة الحوار مع كوسوفو" الذي تم تبنيه في التاسع من يناير/كانون الثاني الماضي 2013، ظل وثيقة سرية للدولة الصربية إلى تاريخ الثاني عشر من الشهر نفسه، قبل إعلانه رسميًا تحت ضغط من الحزب الديمقراطي الذي تبنى بدوره فيما بعد نص "منصة الحوار" وما تضمنته من قرارات حول كوسوفو. لكن هذا لا يحجب حجم الاختلاف  بل والتباين الحاد في مواقف الأحزاب الصربية والكوسوفوية، وكذلك على مستوى المجتمع الدولي من جهة أخرى.

غموض الموقف الصربي من استقلال كوسوفو

هذا التباين في المواقف يعود أساسًا إلى الغموض الشديد وعدم الدقة الواضح الذي اكتنف نص "منصة الحوار حول كوسوفو" وطريقة صياغته.

المدافعون عن "منصة الحوار" رأوا في ذلك الغموض وفي عدم الدقة تلك، ما أسموه بالتضارب البنّاء، ووصفوا النص بأنه مهم وضروري، بالشكل الذي صيغ به، لإبقاء كوسوفو وميتوهيا جزءًا لا يتجزأ من دولة صربيا، وقد أكد ماركو دجوريتش مستشار الرئيس الصربي نيكوليتش، ما ذهب إليه الرئيس من أن "صربيا لن تعترف مطلقًا بكوسوفو كدولة"، مضيفًا "بالنسبة لصربيا، فإن كوسوفو ستكون دومًا جزءًا من صربيا، إلا أننا سنسمح للمؤسسات الكوسوفوية بأن تتخذ لنفسها من الصفات ما تريد... وهذا يعني عمليًا أن بلغراد ستتعامل مع حكومة كوسوفو ورئيسها بصفتها حكومة محلية، تمامًا كما ستتعامل مع رئيس حكومة كوسوفو وميتوهيا الصربية بنفس المستوى، لكن بلغراد ستسمح في الوقت نفسه للحكومتين بتقديم نفسيهما أمام المؤسسات الدولية بصفتهما حكومتين تمثلان جمهورية كوسوفو المستقلة".

باعتماد هذا التوصيف الغامض والمتداخل، فإن ما تسمى "منصة الحوار حول كوسوفو" لا تغير شيئًا وتُبقي على طبيعة العلاقات بين بريشتينا وبلغراد على ما هي عليه.

هذا "التضارب البنّاء" أو "الثنائية الخلاّقة" في موقف بلغراد من كوسوفو كما يصفها دجوريتش، تكشف في الواقع عن ثنائية الموقف الذي تتعامل به بلغراد تجاه كوسوفو -بوصفها جزءًا من دولة صربيا- دون أن يكون لبلغراد القدرة على التحكم في مواقف سياسيي كوسوفو أو منعهم من تقديم بلادهم أمام المجتمع الدولي على أنها دولة مستقلة". ويختم دجوريتش تفسيره لنص "منصة الحوار حول كوسوفو" بتأكيده: "لم يتغير أي شيء بالنسبة لصربيا؛ نحن لن نقبل بأي حل يُجبرنا على الاعتراف باستقلال كوسوفو".

في مقابل هذه التصريحات، فإن النائب عن الحزب الديمقراطي، أقوى أحزاب المعارضة في البرلمان الصربي، بوركو ستيفانوفيتش، يعتبر أن "... منصة الحوار هذه غير واقعية وأنها أتت بشيء غريب لم نرَ مثله من قبل؛ إذ كيف يمكن منح الاستقلال الذاتي لجهة هي أصلاً مستقلة ذاتيًا؟"، أما زعيم الحزب الديمقراطي، دراغان دجيلاس، فيرى أن "منصة الحوار حول كوسوفو" مرتبطة بشكل مباشر بالسياسة الخارجية لدولة صربيا، ويقول: "أعتقد أن مشروع (منصة الحوار حول كوسوفو) لم يكن هدفه خدمة متطلبات السياسة الداخلية للدولة الصربية، بل هو مشروع يهدف أساسًا إلى قطع مسار المفاوضات على طريق انضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي"، وأضاف: ".. تاريخنا يشهد أن إثارة القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية غالبًا ما يكون الهدف من ورائها الحصول على نقاط على المستوى الداخلي".

المحلل السياسي، ميلان نيكوليتش، من جهته وصف مشروع "منصة الحوار حول كوسوفو" بأنه ذرّ رماد في عيون الشعب الصربي، فلا جديد فيه على الإطلاق، وكوسوفو في الواقع مستقلة، والحكومة بهذه التصريحات تحاول إبقاء حل مسألة معقدة مثل هذه، وهي الاعتراف بالواقع، إلى أطراف أخرى، وهنا أذكّر بأن الحكومة السابقة وُصفت بالحكومة الخائنة بسبب موقفها من القضية الكوسوفوية، ولن يمرّ وقت طويل حتى توصف الحكومة الحالية بالخائنة بسبب نفس القضية، وستشكَّل حكومة ثالثة لتُبقي على نفس الوضع دون حل واضح. لقد مرّ القطار ونحن في مستنقع من الطين يقذف به بعضنا بعضًا".

أما بالنسبة لكوسوفو، فإن الواقع يشير إلى اعتراف أكثر من مائة دولة باستقلالها، وهو أمر يكفي لأن يكون دافعًا مهمًا لعدم قبولها بمشروع "منصة الحوار" المعلن عنها في بلغراد، ولا بـ"غموضه البنّاء" الذي يتضمنه نص المشروع؛ فقد رفضت كل المؤسسات الحكومية الكوسوفوية "منصة الحوار" الصربية المقترحة، معتبرة أنها لا تعدو كونها استفزازًا مفضوحًا ومحاولة لعرقلة المفاوضات الجارية بين البلدين".

وزير الخارجية الكوسوفوية، أنور حودجاي، وصف "منصة الحوار حول كوسوفو" بأنها غير واقعية وتمثل خطوة خاطئة في الاتجاه الخاطئ: "... هذه المنصة الصربية لا تصلح لأن تكون إطارًا لحل أي إشكال، وفي رأينا هي وثيقة لا وزن لها ولا فائدة ترجى منها".

المتحدث باسم الرئيسة الكوسوفوية، عاطفة يحي آغا، وصف محتوى مشروع "منصة الحوار" الصربية بأنه ".. غير شرعي وغير مشروع، فهو يأتي من دولة صربيا، لكنه يعني دولة أخرى هي كوسوفو. وبشكل واقعي فإن صربيا لا حق لها في أرض كوسوفو، كما لا حقّ لها في أراضي أية دولة أخرى مستقلة وسيدة. إن استقلال كوسوفو وقضاياه الداخلية غير قابلة للنقاش مع أي طرف خارجي أيًا كان".

من جهته، أكد المفاوض السياسي الكوسوفوي مع صربيا، بليريم شاليا، على نبذ مشروع "منصة الحوار" وتجاهله بالكامل عندما قال: "... (منصة الحوار) المقترحة من قِبل صربيا ما هي إلا وثيقة موجهة إلى ممثلي الدول الغربية على أنها "وثيقة غير رسمية"، وليست موجهة إلى كوسوفو بأي حال، وهي بذلك لا تعني لنا شيئًا يمكننا مناقشته"، وأضاف: "... إن (منصة الحوار) هذه مخالفة لما يحدث على الأرض في كوسوفو، وهي تمثل محاولة فاشلة لحرف مسار المفاوضات التي انطلقت في بروكسل".

أما الدكتور دانيال سيرفر، المتخصص في قضايا البلقان، فشكّك في إمكانية أن يكون لمنصة الحوار حول كوسوفو أية آثار إيجابية: ". ..إن هذه المنصة وما فيها من (ثنائية بنّاءة) لا يمكنها تطبيع العلاقات بين كوسوفو وصربيا"، لأن هدفها الأساسي هو محاولة تحقيق الحلم البلقاني لسلوبودان ميلوشيفيتش، "... لأنه في حال تحقق هذا السيناريو، فإن الألبان في كوسوفو سيكونون بدون دولة، وسيكونون مجبرين على العيش على أطراف صربيا، وهذا ما كان يحلم به ميلوشيفيتش". "وقد شدّد الدكتور سيرفر على أن هناك تهديدًا حقيقيًا لأمن واستقرار المنطقة بأسرها إذا ما أصرت صربيا على فرض سيادتها على شمال كوسوفو".

في الوقت الذي يذهب فيه عدد من المحللين السياسيين الصرب إلى أن (منصة الحوار حول كوسوفو) ستبطّئ أو تؤجّل، أو ربما تعرقل استمرار المحادثات مع الاتحاد الأوروبي حول انضمام صربيا إليه، فإن الدكتور سيرفر لا يرى ذلك، ويعتقد "أن الاتحاد الأوروبي لم ولن يبدي موقفًا محددًا بالرفض أو بالقبول للمنصة، وسيعتبر أنها لم توجد أصلا"، وهذا ما أدى برئيس الوزراء الصربي، إيفيتسا داتشيتش إلى التصريح بأن "... نص المنصة ليس مقدسًا، وليس بالضرورة أن يُطبق بأكمله، ويجب أخذ الواقع على الأرض بعين الاعتبار".

انعكاسات الموقف الصربي على المشهد السياسي الداخلي

هكذا فإن رقعة التجاذبات بين صربيا وكوسوفو تكون قد اتسعت لتُربك علاقات بلغراد مع الألبان من غير الكوسوفويين. وقد بدأ ذلك في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2012 عندما شيّد ألبان مدينة بريشيفو، الواقعة في أقصى جنوب صربيا وذات أغلبية سكانية ألبانية، نصبًا تذكاريًا لتخليد أسماء المحاربين المنتمين إلى جيش تحرير كوسوفو، ولاقى هذا النصب رفضًا قاطعًا من قبل بلغراد التي طلبت من السلطات المحلية إزالته، وإلا فإنها ستلجأ إلى القوة لفعل ذلك.

في العشرين من يناير/كانون الثاني الماضي حاصرت قوات دركية صربية خاصة مدينة بريشيفو وتمكنت خلال دقائق معدودة من إزالة النصب التذكاري، وبذلك وضعت حدًا لمرحلة من التوتر صاحبتها إشاعات بأن عناصر من جيش تحرير كوسوفو ستتصدى للقوات الصربية بالقوة لمنعها من إزالة النصب التذكاري، لكن الأمر تم دون أحداث تذكر. لكن ألبان بريشيفو خرجوا بعد انسحاب القوات الصربية إلى الشوارع في مظاهرات مندّدة بالصرب. أما على الجانب الرسمي الصربي والكوسوفوي والألباني فقد نشطت الدبلوماسية والإعلام لتوظيف هذا الحادث؛ فقد بررت الحكومة الصربية قرارها بإزالة النصب التذكاري بالقوة، بأنه قرار سيادي صربي داخلي، وسعت إلى حشد تأييد سفراء الدول المقيمين في بلغراد لتدخلها في بريشيفو، وقد أكد رئيس الحكومة على أن الاستقرار عاد إلى بريشيفو، وأن صربيا تسيطر على الوضع هناك مضيفًا: إنّ لا أحدَ قادر على تركيع صربيا!

من جانبهم، استغل الألبان الحادث لشكوى صربيا لدى مختلف المحافل الدولية والأوروبية، والتنديد الشديد بلجوئها إلى القوة المسلحة للاعتداء على حقوق الألبان الذين عبّروا بسلمية مطلقة عن مشاعرهم في مسيرات جابت مدينة بريشيفو وقريتي بويانوفتسا وميدفيدجي. وقد وظف كل من ألبان كوسوفو وحكومة تيرانا-ألبانيا هذه الأحداث بشكل منسّق، للتنديد بالسياسة الصربية الرسمية وإظهار الألبان بمظهر الضحية. كما أن الألبان أعلنوا أنهم لن يردوا على العنف الصربي بعنف مضاد وأنهم سيتبعون كل الطرق القانونية، ودعوا المجتمع الدولي لمساندة موقفهم، وطالبوا بإرجاع النصب التذكاري إلى السلطات المحلية ببريشيفو ودعوا المجتمع الدولي إلى التوسط بينهم وبين سلطات بلغراد لاستعادة النصب التذكاري.

زال الضباب الذي لفّ مبادرة (منصة الحوار حول كوسوفو وميتوهيا)، بعد هذه الأحداث الأخيرة، ولم تعد هذه المنصة مبادرة بنّاءة، وفقدت كذلك "ازدواجيتها الإيجابية"، لكن الضباب المنقشع فسح المكان أمام ظهور حقيقة مواقف كل من طرفي النزاع -بريشتينا وبلغراد-، وحري القول بأن حضور مؤسسات المجتمع الدولي ومراقبيه على أرض كوسوفو خلال السنوات الخمس الماضية، إلى جانب معطى رغبة الدولتين -صربيا وكوسوفو- في الالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي، كانا هما صمام الأمان للحفاظ على استقلال وسيادة جمهورية كوسوفو.

التداعيات المحتملة للموقف الصربي السلبي

هذا التغيير الطارئ على القيادة السياسية في صربيا، والذي قد يوحي ظاهريًا بأنه خطوة نحو التطبيع وتقريب وجهات النظر، ما هو في الواقع سوى دلالة واضحة على عدم الرغبة في التوصل إلى حل؛ فالقوى الراديكالية المؤثرة في رسم السياسة الصربية باتت تطالب البرلمان الصربي باعتماد تسمية –كوسوفو وميتوهيا- في كل نقاشاته وتوصياته المستقبلية -وهي التسمية التي تطلقها صربيا رسميًا على أراضي جمهورية كوسوفو- ولكن هذه المرة دون التواري وراء ازدواجية بنّاءة أو هدامة، وإنما بوضوح وعزم على إظهار موقف صربيا الرسمي الرافض للاعتراف باستقلال وسيادة جمهورية كوسوفو على أراضيها. وتشددت طلبات الأحزاب الراديكالية أكثر بدعوتها إلى فصل كل نائب في المجلس النيابي الصربي يستعمل تسمية "كوسوفو" أو "جمهورية كوسوفو". أما في البرلمان الكوسوفوي فلا تُستعمل غير تسمية " جمهورية كوسوفو".

التصريحات الصربية الرسمية بأن بلغراد لن تعترف أبدًا باستقلال كوسوفو وبأنها لن تغير مطلقًا ذلك البند في الدستور الصربي، الذي يعتبر كوسوفو جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الصربية، تكررت على ألسنة كل رؤساء الحكومات والرؤساء الذين حكموا صربيا، وكأن مفتاح كسب ود غالبية الصرب ونجاحهم في الحفاظ والاستمرار في مناصبهم مشروط بالتزامهم برفض استقلال كوسوفو.

أما على الجانب الكوسوفوي، فإن الرد على هذا التشدد الصربي لم يتأخر، فقد رد المسؤولون في بريشتينا بأن "على صربيا إلغاء المادة الدستورية التي تعتبر كوسوفو أرضًا صربية، وفي حال عدم فعل ذلك فإن بريشتينا ستقطع كل أشكال التفاوض مع بلغراد".

توتر العلاقات بين بلغراد وبريشتينا لا يتوقف عند هذا الحد، بل أصبحت حرب إطلاق التسميات على مختلف البلدات والقرى في كوسوفو مصدرًا إضافيًا لمزيد من التوتر بين البلدين؛ إذ إنها توحي بتسميات تختزل مضامينها أحداث تاريخية تذكّر بسيطرة ألبان كوسوفو على تلك الأراضي، في حين يراها الصرب أراضي تعود لهم منذ قرون عديدة ولا يمكن أن تكون بأية حال خاضعة لا للألبان ولا للكوسوفويين، ولا يمكن أن تشكّل موضوعًا للحوار الدائر بين صربيا وكوسوفو حول حدودهما. وكما هو متوقع فإن الرد الألباني جاء قويًا هذه المرة وذهب إلى حد المطالبة بضرورة توحيد كل المنتسبين إلى الإثنية الألبانية أينما كانت أماكن إقامتهم الحالية والتي تتوزع بين أجزاء من جمهورية الجبل الأسود ومقدونيا واليونان، وصولاً إلى منطقة سهول بريشيفو التي تقع في صربيا.

موقف طرفي النزاع: محادثات وجمود

تجري محادثات بين إيفيتسا داتشيتش، رئيس حكومة صربيا ونظيره هاشم تاتشي عن الجانب الكوسوفوي بوساطة أوروبية منذ أسابيع، وبإشراف مباشر من منسقة الأمن والسياسة الخارجية الأوروبية كاثرين أشتون، وذلك بالتزامن مع ارتفاع بعض الأصوات المعتدلة، ولكن أيضًا مع تصريحات نارية صادرة من الجانبين؛ فالراديكاليون في كلٍّ من صربيا وكوسوفو يعتبرون أن مجرد القبول بمبدأ التفاوض يعد في حد ذاته خيانة للمصلحة الوطنية، في حين يرى المعتدلون من الجانبين أن المحادثات هي أفضل الطرق المؤدية إلى استقرار منطقة البلقان بأكملها.

لكن، وفي كل الأحوال، فإنه من الواضح أن الحل لا يزال بعيدًا، بل إنه لا وجود لحل أصلاً قد يُرضي المفاوضين الصرب والكوسوفويين؛ فبريشتينا تطالب باعتراف واضح وصريح من بلغراد باستقلال جمهورية كوسوفو وسيادتها على أراضيها، في حين تُطالب بلغراد بأن تدخل بريشتينا المحادثات بصفتها جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الصربية. ويبدو واضحًا أن مطالب الجانبين لا تلتقي عند نقطة تقاطع مشتركة. ويزداد هذا الوضع تأزمًا مع اعتبار الراديكاليين الصرب أن تعامل سلطات بلغراد مع مؤسسات الصرب الموازية في كوسوفو، على أنها سلطات تابعة للمؤسسات الكوسوفوية، هو خيانة كبرى لصرب كوسوفو وتخلّ عنهم، في حين يرى الصرب الذين يعيشون في شمال كوسوفو أن مثل هذا الموقف من بلغراد يُعتبر إدارة الظهر لهم وتركهم يواجهون مصيرهم بمفردهم، وتجعلهم يقعون تحت رحمة أو سخط الألبان وانتقامهم منهم.

اليوم، وبعد خمس جولات من المحادثات بين رئيسي حكومتي البلدين: داتشيتش وتاتشي، ودخولهما في جولة جديدة في بروكسل فإن الحد الأدنى المرتقب من التفاهم لم يحصل، ولم يتقدم الطرفان حتى حول تفاصيل ملف مآل المؤسسات الموازية للصرب في مدينة ميتروفيتسا الكوسوفوية الواقعة شمال كوسوفو والمقسمة بين الصرب والألبان.

حل هذا الإشكال يصعب توقعه في الوقت الحالي، لكن الأمر الوحيد الذي يبدو على قدر من الوضوح والحسم في ملف النزاع بين بريشتينا وبلغراد، هو أن حضور المجتمع الدولي في المنطقة ضمانة مهمة لعدم تجدد صراعات دامية وواسعة، كما أن سلوك الجانبين: الصربي والكوسوفوي في باقي جولات المحادثات، التي ستُستأنف في بروكسل في العشرين من مارس/آذار الجاري، سيحدد خطوط السياسات القادمة للبلدين وسيسمح للمجتمع الدولي بتحديد أولوياته في المنطقة.
_________________________________
النص بالأصل أعد لمركز الجزيرة للدراسات باللغة البوسنية، وترجمه إلى العربية الباحث المتخصص بشؤون البلقان كريم الماجري.
فريد موهيتش - محاضرا لمادّة الفلسفة بجامعة القديسين سيريل وميثوديوس بالعاصمة المقدونية سكوبيا. أستاذ زائر بالمعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية بكوالالومبور الماليزية. وأستاذ زائر في جامعة فلوريدا الحكومية وجامعة سيراكوز بنيو يورك، وجامعة السوربون الباريسية وعدد آخر من الجامعات الغربية والإسلامية.