صعود التيارات اليمينية والشعبوية في الغرب : مأزق نظام أم أزمة مجتمعات؟

تطرح ظاهرة اليمين المتشدد والنزعة الشعبوية في أوروبا وأميركا أكثر من سؤال حول أسبابها، والمخاوف التي زرعتها في أذهان الأوروبيين، وعلاقاتها بالإسلام الراديكالي والهجرة من الشرق الأوسط نحو أوروبا فضلًا عن تداعياتها وانعكاساتها على العالم العربي والإسلامي، هذه الحيثيات وغيرها يتناولها هذا التقرير.
0a4a70f75aae484b827c128e063087ed_18.jpg
صعود التيارات اليمينية والشعبوية في الغرب : مأزق نظام أم أزمة مجتمعات؟ [Al Jazeera]

نظَّم مركز الجزيرة للدراسات والجزيرة مباشر ندوتهما الشهرية، يوم الثلاثاء 13 ديسمبر/كانون الأول 2016، حول التيارات اليمينية والشعبوية الغربية وصعودها المطَّرد في المشهد السياسي الأوروبي والأميركي، وهو أمر يستدعي أكثر من سؤال: فهل هذه الظاهرة جديدة ومرتبطة بالمتغيرات الحالية، أم أنها قديمة ولها جذورها الراسخة وروافعها الفكرية والثقافية في المجتمعات الغربية، وتعود لعقود طويلة مضت؟ وما الأسباب والعوامل التي أسهمت في دفع التيارات اليمينية والشعبوية لتتصدر المشهد السياسي في أوروبا وأميركا خلال السنوات الأخيرة؟ هل هي أسباب اقتصادية ترتبط بالأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد العالمي منذ عام 2008، ومن ثم هل هي تكرار لما حدث قبل الحرب العالمية الثانية من صعود للحزب النازي في ألمانيا، أو صعود التحالف الفاشي في إيطاليا عقب أزمة 1929 الشهيرة؟

وهل يتعلق الأمر بمخاوف شعوب هذه الدول على رفاهها الاقتصادي أم هو خوف من الأجانب واللاجئين لاسيما في ظل الزيادة الكبيرة في أعدادهم بسبب الأوضاع المتأزمة في الشرق الأوسط؟ وما علاقة الظاهرة بصعود تيارات الإسلام الراديكالي كخطر وتهديد للأمن الأوروبي لاسيما في ظل تكرار الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها عدَّة بلدان أوروبية وأُلقيت مسؤوليتها على تنظيمات أو جماعات جهادية؟ وهل الأمر تعبير عن أزمة النظام الرأسمالي العالمي، ومن ثم النخب السياسية التقليدية التي تحكم أوروبا والغرب منذ عقود، وفشلها في الاستجابة لتطلعات والتغييرات في مجتمعاتها خصوصًا في ظل التقارب الواضح بين برامجها وذوبان الفوارق فيما بينها لدرجة دفعت الجماهير للبحث عن جديد؟

ما التداعيات والانعكاسات التي يمكن أن تترتب على وصول التيارات اليمينية والشعبوية لمركز السلطة والسياسة في أوروبا والغرب سواء داخل المجتمعات الغربية نفسها أو على صعيد العلاقات الدولية وعلاقات الغرب مع الآخر، وعلى النظام العالمي الحالي ككل؟ وما انعكاسات ذلك على قضايا وأزمات العالمين العربي والإسلامي، وعلى الجاليات العربية والإسلامية في المجتمعات الغربية؟ وما المطلوب من المجتمعات العربية والإسلامية أن تقوم به للتعامل مع هذا التحدي؟

للإجابة عن هذه الأسئلة استضافت الندوة كلًّا من: 

السيد الحواس تقية : الباحث بمركز الجزيرة للدراسات.

الدكتور عبد النور بن عنتر: الأكاديمي والباحث الجزائري المقيم في فرنسا.

الدكتور جاك غولدستون : أستاذ السياسة العامة بجامعة ميسن بالولايات المتحدة الأميركية.

الدكتور إبراهيم فريحات : الباحث والأستاذ بمركز دراسة النزاع والعمل الإنساني في معهد الدوحة لدراسة السياسات.

 

اليمين الشعبوي بين الأمس واليوم

يذهب الحواس تقية إلى أن الجذور الفكرية للتيارات اليمينية والشعبوية في الغرب ليست بالجديدة فقد ظهرت تلك السرديات في أميركا مرتين في القرن 19؛ حيث ظهر كره الأجانب خصوصًا الصينيين منهم، ويبدو أن تلك الكراهية والمخاوف أصبحت اليوم متوجِّهة نحو العرب والمسلمين. وقد عرفت فرنسا نفس الموقف وخصوصًا معاداة اليهود، وذلك في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فيما بات يُعرَف بقضية دريفوس، وهو ذلك النقيب الفرنسي يهودي الديانة والذي اتُّهم بأنه أرسل ملفات فرنسية سرية إلى ألمانيا، وظهر تيار فرنسي عريض معاد للسامية حينها في ظل الحكومة الفرنسية الثالثة. وقد خلَّد الكاتب الفرنسي الشهير، إميل زولا، قصة ديفوس في مقاله الشهير "إني أتهم". فمعاداة الأجانب في فرنسا ليس وليدة اليوم. 

وقد أصبح الإسلام والمسلمون اليوم أبرز عدو في السرديات اليمينية المتشددة في الغرب، فالسياسي وعضو مجلس النواب الهولندي ومؤسس الحزب من أجل الحرية، خيرت فيلدرز، أحد أبرز مناهضي العرب والمسلمين في أوروبا الآن. وتكاد تشكيلات الأحزاب اليمينية المتشددة في الغرب يكون لها نفس المواصفات، فهي أحزاب محافظة، تدعو لنقاء الهوية الأوروبية، وتعتبر الأجانب خطرًا على الأمم الغربية، كما تعتبر النخب الغربية نخبًا مفرِّطة، وتعتبر هذه الأحزاب نفسها تدافع عن القيم الغربية في مواجهة خطر الإسلام.

ولعلنا، كما يلاحظ الحواس تقية، نجد شبهًا بين هذه السرديات الآن في القرن الحادي والعشرين وبين تلك السرديات التي ظهرت في ثلاثينات القرن العشرين إبَّان ظهور النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، فهنا وهنالك دعوة إلى كره الأجانب وهي دعوة دفعت في القرن الماضي بأوروبا إلى الحرب العالمية الثانية وقد أدت إلى ما بات يُعرف بقضية المحرقة وإن كان البعض ينفيها أصلا! مع أن هذه التيارات الشعبوية تريد أن تعيد صياغة نفسها مبتعدة عن المقارنة بالنازية والفاشية ويتجلى ذلك في تقديم نفسها على أنها أحزاب ديمقراطية تريد أن تأخذ السلطة بطريقة ديمقراطية بواسطة صناديق الاقتراع وليس بطريقة عسكرية كما حصل مع الأحزاب النازية والفاشية. فالأحزاب اليمينية الشعبوية في الغرب تريد أن تدخل بواسطة اللعبة الديمقراطية في الحكم لكنها تمثِّل خطرًا على الديمقراطية ويتجلَّى تهديدها للديمقراطية في أكثر من سلوك وناحية ومن أبسط ذلك تهديد الصحفيين واتهامهم بشتى الاتهامات كما حصل مؤخرًا بين الرئيس الأميركي المنتخب، ترامب، وبعض الصحفيين. وعمومًا، فإن هذا التيار اليميني المتشدد يدَّعي الدفاع عن مصالح الشعوب الأوروبية المهدَّدة من طرف مهاجرين أجانب ونخبة سياسية مفرِّطة، والواقع أن هذا الشعب الذي يدافعون عنه ويريدون حمايته شعب متخيَّل؛ حيث لا تعنيهم الشرائح الشعبية الغربية الواسعة التي لا تصوِّت لهم.

 

 

أحزاب اليمين المتشدد والتموقع في المشد السياسي الغربي

يرى الدكتور جاك غولدستون أن فوز دونالد ترامب كان محطة مفصلية بالنسبة للتيارات اليمينية في الدول الغربية. وقد تزامن فوز ترامب مع فوز كاسح لأحزاب يمينية أخرى أو لمرشحين محسوبين على التيار الشعبوي. غير أنه من الواضح، كما يقول غولدستون، أن فوز ترامب شكَّل ضربة قاسية للنخبة السياسية التقليدية الحاكمة في الدول الغربية، ولم يتضح بعد ما إذا كان ترامب سيعتمد سياسات مناوئة لإفريقيا والشرق الأوسط وأميركا الجنوبية، في حين يمكن أن نرى في تصريحاته بداية عداوة للصين وبداية تحالف مع روسيا.

ومن المعروف أن حرية الأديان مكفولة في أميركا، حتى لو صرَّح السيد ترامب بأن حركات نمت وظهرت في العالم الإسلامي تشكِّل مصدرًا للتهديد. ويبقى السؤال: هل سيكون حكم ترامب على هذه الحركات الإسلامية المتشددة هو نفسه حكمه على الإسلام الذي يُعتبر دينًا ومنهجًا للكثير من ملايين البشر. لا شك أن السيد ترامب يلعب على أوتار حساسة ويخاطب شرائح أميركية ترى في هذه الحركات الإسلامية المتشددة تهديدًا للقيم الغربية.

ومن جانبه، يرى الدكتور عبد النور بن عنتر أن ما حدث في فرنسا يشكِّل انتقالًا تدريجيًّا للأحزاب التقليدية الفرنسية نحو الأطراف سواء تعلق الأمر بأحزاب اليسار أو أحزاب اليمين فهناك شعبوية في الطرفين، وهناك إعادة تموقع تشهدها الساحة الحزبية في الدول الأوروبية.

والواقع، كما يؤكد بن عنتر، أنه كان هناك خط واضح بين اليمين الجمهوري وبين اليمين المتشدد كالجبهة الوطنية. هذا الخط الأحمر شابَهُ تطور خطير؛ حيث ضاقت هذه المنطقة الفاصلة بين هذين اليمينين وهذه المنطقة المتاخمة صارت تضيق شيئًا فشيئًا؛ فالناخب الفرنسي كان يتلاعب باستطلاعات الرأي فتارة يصوِّت لهذا وتارة لذاك. لكن المنطقة الفاصلة بين اليمين الجمهوري واليمين المتشدد قد ضاقت. لقد أصبح يمين الوسط "يصطاد في مياه" اليمين المتشدد.

والواقع أن يمين الوسط يتوافق مع اليمين المتشدد حول المسائل المجتمعية لكنهما يتعارضان بشكل كبير جدًّا في الاقتصاد.

كما أن هناك إعادة صياغة سرديات عند اليمينيْن: الوسطي والمتشدد، ويتمثل هذا في تعويض فزاعة بفزاعة فقد تم تعويض كره اليهودي بكره المسلم، ونفس التركيبة الذهنية المتعلقة بتصوير المدركات بين الأنا والآخر هي نفسها لم تتغير، وما يحدث هو تحول تكتيكي لم يأتِ عن قناعة؛ ذلك أن معاداة السامية في التركيبة الجينية لليمين المتشدد، وما حدث هو أن الاهتمام بالموقف من الحركات الإسلامية المتشددة جعل الإسلام في الواجهة.

ويبين الدكتور ابن عنتر أن هنالك فرقًا بين زعيمة الجبهة الوطنية، مارين لوبان، وبين أبيها، جان ماري لوبان، فالبنت مارين تركِّز على ثلاث نقاط، وهي: 

• لا تريد الجبهة الوطنية بزعامة مارين أن تتحمل الموروث التاريخي ولا يهمُّها ما حدث لليهود في الحرب العالمية الثانية ولا ما حدث للجزائريين من طرف الاستعمار الفرنسي خلال الثورة، فمارين تريد التخلص من الموروث التاريخي.

• تريد تحويل الجبهة الوطنية من حزب معارض إلى حزب حاكم.

• تريد وضع الجبهة الوطنية في قلب المشهد السياسي الفرنسي وبالتالي تطبيع هذا الحزب فلم يعد هناك حديث عن معاداة السامية في سرديات خطاب الجبهة الوطنية.

أي أسباب وراء ظهور التيارات الشعبوية في الغرب؟

يرى الدكتور إبراهيم فريحات أن تراجع الأحزاب الليبرالية له عدد كبير من الأسباب، ولعل بعض التحليلات تشير دائمًا إلى السبب الاقتصادي. والواضح أن الاقتصاد ليس هو السبب في حقيقة الأمر، ففي قمة الأزمة الاقتصادية من 2005 إلى 2010 لم تعرف هذه الفترة صعودًا لليمين المتشدد، ثم إن المجتمعات الأوروبية لا توجد فيها ثورة جياع، فالنظام الاقتصادي يوفِّر فائضًا يسمح للمجتمع بالحفاظ على مستوى من الرفاه.

 

بيد أن السبب الرئيس وراء ظهور هذه التيارات الشعبوية هو صراع الهوية، فالهوية البيضاء في الغرب عمومًا أصبحت تحت خطر مُحدِق، حسب زعماء هذه الأحزاب اليمينية المتشددة، وقد جسد هذا الخوفَ على الهوية الأوروبية الموقفُ من المسلمين أو ما بات يُعرف بالإسلاموفوبيا، فأصبح الإسلام ورموزه في هذه السرديات مُهدِّدًا للهوية الغربية، فمنارات المساجد وارتداء البوركيني أصبحت تهديدًا للمواطن الأوروبي. أتقنت الأحزاب اليمينية ركوب هذه الموجة وهوَّلت الأمر وصار المواطن يرى هويته مُهدَّدة من طرف المسلمين. مع أنه في أميركا وخصوصًا مع الرئيس ترامب هناك خوف مزدوج: خوف من المكسيكيين فهجرتهم تهدِّد -حسب ترامب- المجتمع الأميركي، وكذلك المسلمون. لذلك صرَّح ترامب أثناء حملته الانتخابية بضرورة بناء جدار على حدود المكسيك، وعدم إعطاء تأشيرات للمسلمين لدخول أميركا. ولعل فشل النخب السياسية الغربية في التعامل مع صراع الهوية كان من أسباب هذا التعاطف الواسع مع التيارات المتشددة. 

وهناك عاملان رئيسيان فاقما قضية الهوية في أوروبا :

(1) التحول الذي أصاب بنية النظام الدولي من نظام أُحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب؛ حيث أصبح العديد من القوى الصاعدة يسعى إلى اكتساب مكان واحتلال مساحة. وهذا التحول أثَّر كثيرًا على مسألة الهوية؛ فعلى سبيل المثال في الأزمة السورية نرى إيران وروسيا تبحثان عن تمدد في سوريا، وهذا أدَّى إلى عنف وإلى هجرة غصَّت بها الدول الأوروبية وطرحت من جديد قضية الهوية. وقد فشلت النخب الأوروبية في التعاطي مع هذه الأزمة فرأى المواطن الأوروبي أن هذه الأحزاب اليمينة المتشددة هي المنقذ.

(2) العامل الثاني هو العولمة الاقتصادية والثقافية بشكل خاص، فهنالك حصار لثقافات العالم عن طريق عولمة القيم وعولمة الثقافة. نحن نشاهد اليوم المطاعم الأميركية التي تغزو العالم ونشاهد الأفلام الأميركية والموسيقى، وكل هذه الأمور أدى إلى محاصرة الثقافات المحلية وأدَّى إلى ردة فعل، لقد أصبحت الهويات في خطر، وظهر الخوف كرد فعل على العولمة الرأسمالية. وظاهرة التشدد في المجتمعات الإسلامية ليست في وجه من وجوهها سوى محاولة للمحافظة على الهوية الإسلامية.

 

 

اليمين الغربي واستغلال خوف المواطن

يعتقد الدكتور غولدستون أن اليمين المتشدد سوف يفوز في أكثر من استحقاق انتخابي ما دام يستغل خوف الناخب الغربي على هويته. إن هناك اختلالات كثيرة تعصف بالمجتمعات الغربية، وعندما تكون هنالك اختلالات فإن التيه يغلب على الشعوب؛ ومن ثم فإن هذه الشعوب تتساءل: كيف يمكننا أن نضمن نقاءنا وصفاءنا؟ إن أغلب الشعوب الغربية الآن تلوذ بهويتها نتيجة خوفها من الآخرين. والسياسيون يستغلون هذه المخاوف، ولا شك في أن الخوف سوف يتجذر ما دامت الطبقة المتوسطة ضعيفة والغني يزداد غنى والفقير يزداد فقرًا. والتوجه العام نحو حماية الهوية سيتمحض وهذا مناخ مهم للأحزاب الأوروبية المتشددة وقد نجحوا في استغلاله. ولا شك في أن الاتجاهات العولمية الجديدة تعزِّز من ترسيخ هذه التيارات القومية.

ولا نقاش في أن للمجتمع المدني دوره في الوقوف في وجه هذا التوجه؛ ذلك أن المُثُل الليبرالية -كما يذكر غولدستون- مُثل كونية وبشرية تقوم على مدِّ الجسور بين الشعوب، لكن الاستجابة الوجدانية لدى المواطن الغربي والتي يُعزِّزها التشدد تسمو على هذه المثل، فعواطف القلق والخوف أشد وطأة. إن القيادة الأميركية ظلت واهنة أمام تمدد وصعود دول كالصين والاتحاد السوفيتي، ثم إن أميركا فشلت في العراق وأفغانستان ولذلك فقدت الثقة.



مستقبل الأحزاب اليمينية المتشددة والعلاقة بالعالم العربي

يرى الدكتور بن عنتر أن كل المؤشرات قبل الانتخابات النمساوية كانت تشير إلى نجاح اليمين المتشدد مع أنه لم ينجح والواقع أن هناك تجاهلًا في التحليل لبعض المعطيات. ولعل نجاح الجبهة الوطنية في فرنسا قد يكون سببًا في فشلها، فالجبهة الوطنية دائمًا في عملية تأثير وتأثر مع يمين الوسط خصوصًا، فأحزاب يمين الوسط أسهمت في نقل الثقل الانتخابي نحو اليمين المتشدد وهي دينامية مستمرة بين هذه الأحزاب، وقد سبق أن أشرنا إلى أن المنطقة المتاخمة بين هذه التشكيلات ما فتئت تضيق. ولا شك أنه في مرحلة معينة سيتساءل الناخب الفرنسي: ما الحاجة إلى الجبهة الوطنية، والسواد الأعظم من اليمين التقليدي أقرب إلى أطروحات فرنسوا فييون منه إلى مارين لوبان؟ والواقع أن فرنسا كانت دائمًا يمينية التوجُّه، وما حدث من فوز لفيون في الانتخابات التمهيدية لليمين لاختيار مرشحه إلى الاقتراع الرئاسي يعود إلى أن المخزون الكاثوليكي هو من أسهم في نجاحه ومعروف أن الجبهة الوطنية لا تمثِّل هذا المخزون الكاثوليكي؟

ويؤكد الدكتور إبراهيم فريحات على أن تلاشي الأحزاب اليمينية من بين الاحتمالات المفتوحة، ولا شك في أن هناك تزايدًا في الاتجاه نحو اليمين المتشدد وهذا سيؤثِّر على اليمين عمومًا، ووصول الأحزاب اليمينية سيؤثِّر على السياسة الخارجية للدول الغربية بالمنطقة العربية. إن قادة هذه الأحزاب المتشددة يسيرون في اتجاه الواقعية السياسية ويغلب عليهم المصلحية الفجَّة الخاصة، وهذا سيؤثِّر على المنطقة العربية.

ويرى غولدستون أنه إذا لم تحدث اعتداءات إرهابية سيكون تبادل المصالح متطورًا بين العالم العربي والغرب، مع العلم بأن جميع الدول الغربية ترعى الآن شعارات براغماتية صرفة. وهي شعارات تؤكد أن كل دولة تريد مصلحتها ولو بشكل فج. وربما نشهد انقسام العالم إلى مناطق نفوذ، فللصين ذراعها الممتدة نحو آسيا الجنوبية ولأميركا نفوذها القديم المتجدد في مناطق عديدة، كما سيتكرس نفوذ السعودية وإيران وكل منهما يصارع الآخر في مناطق في الشرق الأوسط. وربما يتجه العالم نحو المعادلة الصفرية أي إمَّا غالب أو مغلوب، ولو فازت حركة النجوم الخمس في إيطاليا والجبهة الوطنية في فرنسا واستمر ترامب في خطاباته التصعيدية فإن حروبًا تجارية قد تحدث، وقد يتم بناء جدران كما ذكر ترامب الذي يرى أن مصلحة أميركا فوق كل شيء، ولا شك أن هذا سيكون توجهًا عالميًّا وسيؤثِّر على السلم العالمي.

ويعتقد الدكتور إبراهيم فريحات أن لدى حركات اليمين المتشدد في الغرب عداءً لكل ما هو ضد الهوية المحلية، وبالتالي عداء للآخر، وهذا ناتج عن الجانب الفاشي والتعصب للهوية القومية. والواقع أن المتهم الأول هو المسلمون بسبب أعمال العنف التي وقعت في الغرب وكان المسلمون المتهمين. وهذا يعني أن وصول التيار اليميني إلى الحكم سيؤدي إلى تشدِّد ضد المسلمين خصوصًا في جوانب القانون والهجرة.



خاتمة

يختم الدكتور ابن عنتر بأن هنالك ثلاثة مستويات ضرورية للتعامل في المستقبل مع العلاقة بين العالم العربي والإسلامي مع أوروبا في ظل قوة وتقدم الأحزاب اليمينية في المشهد السياسي.

• لابد للجاليات المسلمة في الغرب من تغيير الذهنيات؛ فعلى المسلمين في الغرب أن يتمثلوا دورهم كمواطنين وليس كمهاجرين، فواقع المهاجرين العرب في الدول الغربية مثل من يضع رِجلًا في الداخل وأخرى في الخارج، أو كمن يهيئ حقيبة سفره على الدوام.

• لابد من الاندماج التام والانخراط كمواطن أوروبي وبعد ذلك كمواطن مسلم. ما يحدث أن أعضاء هذه الجاليات يُظهرون واجهتهم الدينية أكثر مما يُظهرون انتماءهم لدول المُهاجَر، بينما عليهم أن ينادوا بحقوقهم كمواطنين؛ فهناك ولاء للوطن الأم، ولا بد من ولاء للمجتمع الذي ينتمي إليه.

• النقطة الثالثة: وهي دور الأنظمة العربية؛ فالحكومات العربية تقمع مواطنيها في الداخل وعلى هذا الأساس كيف لمواطن من هذه الدول أن يجد من يحميه في الدول الغربية ودولته لا تحمي مواطنيها في الداخل؟

ويبقى الحل الأساسي للمجتمعات العربية والإسلامية هو الإصلاح السياسي في داخل الدول العربية والإسلامية، فنحن نتفهم الهجرة ودوافعها فهنالك حروب واستبداد كانا وراء الهجرة نحو الغرب. ويبقى سؤال الاندماج في المجتمعات العربية سؤالًا صعبًا جدًّا، وليس له من الحل سوى إشاعة الحرية والقانون في الدول العربية والإسلامية.

*باحث بمركز الجزيرة للدراسات