حصيلة مئة يوم: براغماتية ترامب في مواجهة كوابح داخلية وخارجية

واجه ترامب، خلال مئة يوم الأولى، كوابح النظام السياسي الأميركي وعوائق النظام الدولي، فراجع أغلب مواقفه التي أعلن عنها أثناء الحملة الانتخابية، دون أن يصوغ استراتيجية واضحة المعالم، تجعل قرارته متعاضدة.
7caa8cc3c971421ea1ca3733eb93a2ff_18.jpg
طرق ترامب المتعرجة في الشرق الأوسط (رويترز)

تتعقب هذه الدراسة حصيلة شهر العسل السياسي لدونالد ترامب في ظل وجود أغلبية جمهورية في كل من مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس، وتناقش في محورها الأول التحديات التي يواجهها في بلورة استراتيجية محددة بما يفوق الضربات العسكرية المحدودة، كما حدث في مطار الشعيرات السوري وإقليم ننغرهار الأفغاني، وتبني لغة الدبلوماسية في التعامل مع التهديد النووي المتنامي لكوريا الشمالية. أما المحور الثاني، فيركز على قرارات ترامب وآلياته في إدارة العلاقات الأميركية-العربية حاليًّا، وسط تراجع دور وزارة الخارجية الأميركية في التواصل مع مختلف العواصم. وتنقِّب الدراسة كذلك في ما إذا كان ترامب يضع الدول العربية في سلة واحدة أم يضع نصب عينيه مقاييس متباينة في تحديد المسافة بين الولايات المتحدة وكل دولة عربية على حدة. وتخلص إلى تحديد عشر ركائز رئيسية ستشكِّل سياق تعامل ترامب مع مختلف الدول العربية في المستقبل.   

مقدمة 

وجد أنصار ترامب صعوبة في تحديد النجاحات التي يمكن أن تُحْسَبَ له خلال أيامه المئة الأولى في البيت الأبيض سواء على مستوى السياسات الداخلية أو إدارة العلاقات والأزمات الدولية وسط المزاعم المتنامية بأنه يدور في فَلَك نظيره الرئيس، فلاديمير بوتين، ولا يستطيع الخروج عن إرادة الكرملين. وتُشَكِّل حقبة ترامب حتى الآن على الأقل ولاية رئاسية غير اعتيادية تفتقر للحنكة السياسية والدبلوماسية بفعل مزاجيته وفلسفته الارتجالية في الحكم؛ فقد أصدر عددًا قياسيًّا من القرارات الرئاسية لم يتمكن من تنفيذها، مثل: قانون إلغاء واستبدال نظام الرعاية الصحية بسبب معارضة أعضاء الكونغرس حتى من المحافظين من أعضاء تجمع الحرية (Freedom Caucus)، وحظر سفر المسلمين من سبع دول عربية وإسلامية بسبب تمسك المحاكم في ولايتي واشنطن وهاواي بأنه يتعارض مع مبادئ الدستور الأميركي ويقوم على أساس التمييز الديني. 

وعد ترامب ليلة فوزه بالانتخابات بتوحيد البلاد، لكن بعد مرور مئة يوم من رئاسته، لا يزال الأميركيون منقسمين بشكل عميق حول سياساته المثيرة للجدل، بداية بالرعاية الصحية والهجرة وبناء الجدار العازل مع المكسيك، ونهاية بالبيئة والاحتباس الحراري والسعي للتحلل من عدة اتفاقيات ومعاهدات دولية مثل معاهدة باريس والنافتا والاتفاق النووي الإيراني ومنح الشركات الكبرى امتيازات وإعفاءات ضريبية. تقول إليزابيث وارن (Elizabeth Warren)، وهي من الوجوه القيادية في الحزب الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ: إن ترامب "رجل رشَّح نفسه لمنصب الرئيس ووعد بمساعدة العمال. ما الذي فعله؟ حسنًا، أولًا: هو أنه جمع فريقًا من أصحاب المليارات ورجال المصارف وسلَّم المفاتيح إليهم، وقال لأثرياء شركة غولدمان ساكس Goldman Sachs (التي جاء منها وزير المالية): يمكنكم الآن تحديد كيفية تحرير الاقتصاد، أعني، ما يمكن أن يحدث بطريق الخطأ"(1). 

وقبل نهاية أبريل/نيسان 2017، ازداد السجال السياسي حول تقييم مستوى أداء ترامب بعد مئة يوم شهدت عواصف سياسية ومعارك مفتوحة بين البيت الأبيض والكونغرس والقضاء ووسائل الإعلام والشارع الأميركي. علَّق ماكس بوت (Max Boot)، أحد المحافظين المتحمسين لفكرة المواجهات العسكرية، بالقول: "إن هناك رئيس شرطة جديدًا في المدينة قال إنه لن يتردد في استخدام القوة على خلاف موقف أوباما"(2). 

تنافس على اهتمامات ترامب ثلاثةُ أنساق سياسية متوازية خلال النصف الأول من أبريل/نيسان: أولها: نسق القضايا العربية ما بين الأزمة السورية ومستقبل تنظيم الدولة الإسلامية والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وقضايا أخرى خلال زيارتي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، والعاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، للبيت الأبيض، تزامنًا مع مستجدات الخلاف أو التوافق بين البيت الأبيض والكرملين. وثانيها: نسق العلاقات الأميركية-الصينية وتشابكها مع التهديدات العسكرية لكوريا الشمالية خلال محادثات الرئيسين، الأميركي ترامب والصيني شي جين بينغ، في فلوريدا على خلفية تأثير بكين على بيونغ يانغ، وإرسال دوريات ومعدات أميركية إلى كوريا الجنوبية، وتعهد الرئيس ترامب بحماية الأمن القومي الياباني. ويكمن النسق الثالث في مصير حلف شمال الأطلسي في ظل تقليل ترامب من أهمية الشراكة الأطلسية إنْ لم تركِّز على مكافحة الإرهاب، والسجال المفتوح حول من يسدِّد تكاليفه مستقبلًا خلال محادثاته مع الأمين العام للحلف، جينز ستولتومبرغ، في البيت الأبيض. 

كما لا يزال الجدل محتدمًا حول حقيقة موقفه من مستقبل نظام الأسد في دمشق، وما إذا كان الإجراء العسكري المحدود مجرد رسالة سياسية تحتَّم عليه إرسالها لاعتبارات داخلية في الولايات المتحدة أكثر من السعي لغايات محددة في الشرق الأوسط، بموازاة نية ترامب في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق. ويعتقد البعض أنه لم يقصف سوريا؛ لأنه "يعيش معركة في رُوحه بين العزلة والتدخل، فيما أسهم ثقل مسؤولية المنصب في ترجيح كفة الخيار الثاني. إنه شخص مبتذل بسيط يتخذ القرارات لأسباب بسيطة ومبتذلة"(3). 

غير أن أغلب المعلِّقين اعتبروا الضربة العسكرية ضد سوريا تحولًا مهمًّا في سياسة ترامب الخارجية وأنه "أصبح رئيسًا"، كما قال فريد زكريا المحلِّل في الواشنطن بوست وسي إن إن (CNN). وكتب إليوت أبرامز الذي كان مرشحًا لمنصب نائب وزير الخارجية في فبراير/شباط 2017: "إن الرئيس قَبِلَ أخيرًا دور زعيم العالم الحر"(4). ودافع آخرون عن جدوى القصف الجوي مشدِّدين على "دونالد ترامب فعل الشيء الصحيح إزاء سوريا أخيرًا بعد سنوات من التكاسل غير المجدي في مواجهة الفظائع البشعة"(5). وفقًا لما قالته آن ماري سلوتر، التي كانت مديرة السياسات العامة في وزارة الخارجية خلال فترة هيلاري كلينتون. 

يبدو أن مغزى وتداعيات استهداف مطار الشعيرات السوري بصواريخ توماهوك التسعة والخمسين الأميركية في الثامن من أبريل/نيسان 2017 رجحت كفة القضايا العربية ليس من حيث دلالتُها السياسية والإعلامية وأيضًا الاستراتيجية في وجه معارضي ترامب في الكونغرس فحسب، بل وأيضًا في إثارة تساؤلات جديدة ملحَّة بشأن ما إذا كانت لديه استراتيجية واضحة الملامح أم مجرد مواقف مرتجلة إزاء العواصم العربية، وهل يتعامل معها كوحدة جغرافية وسياسية متجانسة أم أنه يتبنى تصنيفات فرعية حسب مستويات مختلفة لمدى التقارب والتباعد بين البيت الأبيض والدول العربية. 

المحور الأول: شهر عسل أم قرح سياسي؟ 

تكثر التساؤلات حول تذبذب ترامب بين سياستيْن متناقضتيْن: سياسة التدخل العسكري الانتقائي في نزاعات الدول الأخرى وسياسة الانعزالية والحمائية عملًا بمبدأ "أميركا أولًا"، و"أنا أمثِّل الولايات المتحدة، ولا أمثِّل العالم"، كما شدَّد في خطابه عن حالة الاتحاد أمام مجلسي الكونغرس. وعلى خلاف أي مرشح أميركي آخر، يتمسك ترامب بمسافة شاسعة بين خطته وخطط خصومه من الجمهوريين والديمقراطيين؛ إذ يقول: "وضْع أميركا أولًا، والنزعة الأميركية (Americanism) وليس النزعة العالمية (Globalism) ستكون عقيدتنا. وطالما أننا محكومون من قِبل سياسيين لم يضعوا أميركا أولًا، فلنكن متأكدين من أن الدول الأخرى لن تُعاملها باحترام"(6). 

والمثير أن تلويحه المستمر بمشروع "استعادة عظمة أميركا"، وأنه رجل "الحسم والإنجاز" وحامل لواء البراغماتية الواعدة، وأن "لا أحد يعرف النظام أفضل منِّي، وهذا هو السبب في أنني الوحيد الذي أستطيع إصلاحه"(7)، لا يسمح بتركيب مذهب سياسي قائم بذاته يمكن تسميته: "مذهب ترامب"، أو قياسه فكريًّا أو سياسيًّا أو استراتيجيًّا مع مذاهب أسلافه مثل أوباما أو ريغان أو كنيدي أو لنكولن. وتظل مواقف ترامب وقراراته الرئاسية، في مجملها، شعارات فضفاضة وقرارات مرتجلة، تستمد "نجاعتها" من المناداة بالانعزالية والحمائية وتضخيم تهديدات الأمن القومي الأميركي. 

ويلاحظ كثير من المراقبين أنه ليست لدى ترامب استراتيجية أو خطة كبرى، و"لا يستند إلى حسابات أخلاقية أو معنوية أو فلسفية، هناك ترامب فقط، وكيف يشعر من لحظة إلى أخرى"(8)؛ فهو لا يتردد في تصوير العلاقات الدولية على أنها معادلة حسابية يريد أن يكون الطرف الرابح فيها دومًا تماشيًا مع نجاحه "القياسي" المزعوم في إبرام الصفقات، ودون اكتراث بمصالح الشعوب والحكومات الأخرى، ضمن نسق جديد يسعى لفرض قوة ومصلحة أميركا مجددًا في بلورة العلاقات الدولية. غير أن سياسته تتعرض لانتقادات متزايدة لكونها بمثابة "استراتيجية القطار الجامح عن خطَّي السِّكَّة"، وهي تصورات "مظلمة ومقلقة للغاية ومزدحمة بالتوترات والمعضلات الشائكة"(9) 

مصداقية ترامب في الميزان

مع استكمال ترامب الأيام المئة الأولى في سُدَّة الحكم، عبَّرت نسبة واحد وستين في المئة من الأميركيين عن عدم ثقتها فيه، ولم ترتفع نسبة التأييد له عن أربعين في المئة. وبدا أن استثماره العسكري في استهداف مطار الشعيرات في سوريا واستخدام أم القنابل في شمال أفغانستان لم يقنع سائر الأميركيين من خارج قاعدته الشعبية التي تشمل جماعات البيض ضعيفي المستوى التعليمي والحانقين على الحزبين الديمقراطي والجمهوري وبقية المؤسسة السياسية في واشنطن. ولم يستطع ترامب استقطاب الرأي العام إلى ضرورة الرد على التهديدات الخارجية، كما فعل جورج بوش الابن باستهداف معاقل القاعدة في أفغانستان بعد أسابيع قليلة من هجمات سبتمبر/أيلول عام 2001. 

لا تنم قرارات ترامب عن حساب منطقي للسياسات العامة في الولايات المتحدة يؤيد التقلبات المفاجئة في اتخاذ القرارات. ويعتقد البعض أن المعضلة تكمن في الفشل في التواصل والإقناع بشأن المصالح أو الخيارات الثابتة، أو إرسال إشارات متضاربة باستمرار، أو أي شكل آخر من أشكال المرونة المطروحة الآن على الطاولة. ويشدِّد بعض المحللين على أن "عدم القدرة على التنبؤ بترامب هي الاستراتيجية التي تحمل المزيد من الفوائد للدول الضعيفة التي تواجه خصومًا متفوقين عليها إلى حدٍّ كبير"(10). 

يمكن اختزال العوامل الذاتية قبل السياسية لدى ترامب في عدم تحقيق نجاحات تشريعية أو سياسية أو إعلامية من حيث تعزيز المستوى المتردي لشعبيته وتأرجحه بين التصريح ونقيضه، في ثلاثة أمور أساسية: 1) الاستعراضية، و2) الانطباعية، و3) الارتجالية والكذب. 

1. الاستعراضية

يمعن ترامب في التلويح بخطاب براغماتي في ظاهره ومتفائل في نبرته ينطوي على حمولة أيديولوجية تبقى كامنة خلف كواليس اللغة الشعبوية البسيطة، أو كما نبَّه يورجن هابرماس إلى تداخل اللغة والأيديولوجيا قائلًا: إن "اللغة وسيلة أخرى للهيمنة والقوة الاجتماعية، إذ تسهم في إضفاء الشرعية على علاقات قوة منظمة،... واللغة أيضًا تكريس أيديولوجي"(11). 

تجسَّد هذا المنحى الاستعراضي في بدايات ترامب في البيت الأبيض خلال ضغوطه على رئيس المكسيك من أجل تسديد تكاليف تشييد الجدار العازل بحوالي 25 مليار دولار. وبعد امتناع المكسيك، حكومة وشعبًا عن تسديد أي فلس في بناء مشاريع ترامب، غيَّر النبرة، قائلًا: إن المكسيك ستدفع المبلغ بشكل غير مباشر. ثم قدَّم اقتراحًا إلى الكونغرس بتخصيص اعتمادات مالية لمشروع الجدار، لكن أغلب المشرعين رفضوا المضي قُدمًا في هذا الاتجاه. 

كانت إيران موضع هذا الأسلوب الاستعراضي أيضًا عندما ظهر مستشار الأمن القومي المُقال، الجنرال مايكل فلين، أمام الصحفيين، في فبراير/شباط 2017، لتوجيه تحذير شديد النبرة باسم الرئيس ترامب إلى طهران بسبب ما وصفه بانتهاكات أمن الخليج. ثم عاود ترامب الاستثمار في سردية "محور الشر" للنَّيْل من إيران قائلًا: إنها "لا ترقى إلى رُوح الاتفاق النووي رغم الامتثال له." وعزَّز وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، هذه العدائية الجديدة بقوله: إن "طهران تقوم باستفزازات مستمرة ومثيرة للجزع". في الوقت ذاته، جدَّد ترامب معارضته للاتفاق النووي الذي توصلت إليه حكومة أوباما وخمس حكومات غربية أخرى مع إيران، في 15 يوليو/تموز عام 2015. 

 بيد أن رئيس مجلس النواب، بول ريان، أوضح أن "إيران تواصل الحفاظ على التزاماتها بشأن الاتفاق النووي"، واكتفى وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف بالقول: إن "الاتهامات الأميركية البالية لا يمكن أن تخفي قبولها لامتثال إيران لـ"خطة العمل المشتركة"، وتلزم الولايات المتحدة بتغيير مسارها والوفاء بالتزاماتها." وحتى الآن، لم يقدِّم ترامب أي تصور عن السبيل لإلغاء الاتفاق. 

شكَّلت أفغانستان أرضية ملائمة لاستعراض أم القنابل ومدى مفعولها المدمر، وجسَّد الدخان والأتربة المتصاعدة في الجو من جرَّاء شدَّة التفجير لترامب رومانسية الجبروت الذي يسعى لأن يضفيه على القدرات العسكرية الأميركية، فهو يعتمد لغة القوة وسرديات الردع من خلال التلويح بأن تطوير القدرات العسكرية الأميركية بزيادة 54 مليار دولار في ميزانية وزارة الدفاع، بداية أكتوبر/تشرين الأول 2017، سيُرْهب الأعداء الذين لم يعودوا، حسب اعتقاده، يحسبون أي حساب للولايات المتحدة. وعند تركيب دلالات خطبه الجماهيرية ومؤتمراته الصحفية، يستخدم ترامب مزيجًا متكاملًا من صدى النوستالجيا إلى وضع أميركا القوية في الماضي، ورومانسية أميركا العظمى كمشروع مفتوح على المستقبل، ومركزية واشنطن في النظام الدولي في القرن الجديد. 

2. الانطباعية

يظل ترامب حريصًا على الحفاظ على مستويات مرتفعة لمتابعته من قبل الرأي العام عبر شاشات التليفزيون، وهو يجسد بذلك مهندس الانطباع في المقام الأول. ومع غياب برنامج حَوْكَمَة متكامل يجسد بنات أفكاره أو عصارة ألمعيته السياسية، فإنه يلجأ إلى منصة الخطابة وأداء دور السياسي "المغوار" أمام الكاميرات، ويفضِّل نشوة الحديث الحماسي أمام مناصريه وكأنه لا يزال نفسيًّا وذهنيًّا في مرحلة الحملات الانتخابية بدلًا من مواجهة المراسلين في المؤتمرات الصحفية. 

يظل ترامب حريصًا على أن يظهر ليس على المسرح السياسي الأميركي فحسب، بل وأيضًا على المسرح العالمي، ويدعو إلى سياسة خارجية "لا يمكن التنبؤ بها"؛ فقد قال في إحدى خطبه: "إنه يمكن التنبؤ بها تمامًا؛ فنحن نصرِّح بكل شيء ونرسل القوات! نحن نبلغهم بذاك، ونرسل شيئًا آخر! لدينا مؤتمر صحفي. علينا أن نكون ممن لا يمكن التنبؤ بهم، وعلينا أن نتصرف بحيث لا يمكن التوقع بما سنفعل بدءًا من الآن"(12). 

شكَّلت تداعيات استهداف مطار الشعيرات وزيارة وزير الخارجية الأميركي، تيلرسون، إلى موسكو، في التاسع من أبريل/نيسان 2017، إحدى المناسبات لتركيب ونشر انطباع عن ترامب يخالف الانطباع الذي شكَّلته الاتهامات بأنه متورط في فضيحة ما مع الكرملين، وأنه لا يستطيع نهج أي سياسة مستقلة عن إرادة الكرملين. وكان تيلرسون حريصًا على ترميم بعض الأمور المختلف عليها بين موسكو وواشنطن، فيما ذهبت أغلب التحليلات إلى التأويل بوجود أزمة في العلاقات الروسية-الأميركية أو تجدُّد الحرب الباردة بين البلدين. 

من أهم الانطباعات التي يسعى لنشرها في أرجاء العالم أنه لا يمكن التنبؤ أو استباق ما سيفعله. ويقول البعض: إنه "كثيرًا ما تُقَوَّض فرضية ترامب التي مفادها أنه لا يمكن التنبؤ بقراراته الدبلوماسية القسرية. ماذا كان سيحدث لو كانت حكومة ترامب قد أوضحت أن استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في سوريا سيؤدي إلى عمل عسكري أميركي؟ أم أن ترامب وكبار مستشاريه لم يذكروا مرارًا أنهم يفضِّلون العمل مع الأسد بدلًا من التحريض ضده؟ لن نعرف أبدًا، ولكن التهديد الذي لا لبس فيه بالانتقام ربما يكون قد ردع استخدام الأسلحة الكيميائية في المقام الأول"(13). 

يربط بعض المعلقين دفاع ترامب عن فكرة عدم القدرة على التنبؤ بقراراته بما يسمى "نظرية الرجل المجنون" التي وُصف بها ريتشارد نيكسون عند محاولته إقناع منافسيه -بمن فيهم الفيتناميون الشماليون والاتحاد السوفيتي- بأنه متهور ولا يمكن توقع خطواته. ولم تكن هانوي ولا موسكو مقتنعتين تمامًا بموقف نيكسون. بيد أن نظرية الرجل المجنون لم تكن أيضًا تنطبق على عدم القدرة على التنبؤ بقرارات ترامب. لقد  أراد نيكسون إقناع خصومه بأنه غير عقلاني، ولكنه ثابت في تفكيره، عندما يتعلق الأمر بحساب سلبيات استخدام القوة(14). 

لكن عددًا من المراقبين أصبحوا يحذرون من التمادي في هذه السرية الممعنة في التعتيم. وينطوي عدم القدرة على التنبؤ بخطوات الرئيس على مخاطر هائلة، وينطبق هذا على ترامب أكثر من ريتشارد نيكسون الذي كان يوصف بأنه رجل "الحسابات غير العقلانية"(15). ويخلص البعض إلى القول: إن عدم القدرة على التنبؤ بما سيفعله الرئيس "نهج ضعيف للاستراتيجية الكبرى"(16). 

3. الارتجالية والكذب

لم تشهد أميركا في تاريخها الحديث والقديم رئيسًا لا يتردد في التأرجح بين الموقف ونقيضه بين تصريح وآخر أو بين تغريدة وأخرى. ومما يزيد في هذا التذبذب معضلة التأويل وهل ينبغي "أخذ ترامب حرفيًّا، وليس جديًّا؟"  أو "لا تأخذ ترامب حرفيًّا بل جديًّا"؛ فقد انقلب ترامب على مزاعمه السابقة بأن حلف شمال الأطلسي "قد عفا عليه الزمن". وتراجع عن اعتبار الصين دولة تتلاعب في قيمة العملات. ويبدو أن وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، والسفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نيكي هالي، يختلفان في الرأي الآن بشكل واضح حول ما إذا كانت حكومة ترامب "ستستأنف سياسة باراك أوباما في المطالبة بإبعاد الأسد عن السُّلطة"(17). 

أظهرت دراسة حديثة أن نسبة 70 في المئة من تصريحات ترامب خاطئة، وأن نسبة 11 في المئة قريبة من الصحة، فيما تبقى نسبة 4 في المئة فقط من قبيل التصريحات الصحيحة(18). والمهم في متابعة خطبه وتغريداته المتناثرة، وتأرجحه بين الحقيقة وما بعد الحقيقة، هو اعتماده استراتيجية "الانتقائية الخطابية" التي لا تخرج عن معطيات التجربة الشخصية والأحكام الذاتية؛ "فبدون اللغة لا توجد مساءلة ولا معيار للحقيقة. وإذا قال ترامب أي شيء ملموس على الإطلاق، فإنه لم يفعل أي شيء ملموس على الإطلاق"(19). 

وفي مقال بعنوان "مئة يوم من الرطانة: ترامب يحوِّل الكلام الهراء إلى سلاح"، لخصت لندي وست التركيبة النفسية لترامب وكيف يجهز نظامه الدفاعي عندما تستعصي الأمور عليه في البيت الأبيض. فكتبت تقول: "ترامب يكذب بلا هوادة بشأن إنجازاته، فهو يدَّعي على سبيل المثال أنه "قاب قوسين أو أدنى" من تطبيق خطته خلال الأيام المئة الأولى، على الرغم من أنه لا يعرف ماهية تلك الخطط. وهو يعترف بأنه "لم يدرك" طبيعة المسؤوليات الجسيمة التي تنطوي عليها مهمة الرئيس، وينسى عدد الصواريخ التي أطلقها على سوريا، على الرغم من أنه ذكر العدد الصحيح قبلها بفارق سبع عشرة كلمة، ويلوِّح بأن مستوى الإقبال على مشاهدته على شاشات التليفزيون كان أكبر من متابعة أحداث الحادي عشر من 11 سبتمبر/أيلول عام 2001"(20). 

محنة الخروج من ظل أوباما

يبدو أن أغلب قرارات ترامب تستهدف قلب قرارات سلفه باراك أوباما رأسًا على عقب. ويبدو أن الهاجس النفسي قبل أن يكون سياسيًّا هو محاولة التحرر من عقدة الفارق بين الرجلين، سواء من حيث المؤهلات المعرفية أو مستوى البصيرة السياسية. ويوضح جيفري غودلبرغ، رئيس تحرير مجلة ذي أتلانتيك، أن "أوباما كان معروفًا بالتزام ذهني مفرط بمفهوم الصبر الاستراتيجي. بيد أن ترامب يبدو أكثر التزامًا بسياسة غددية تستند إلى نفاد صبر غير استراتيجي. ربما كان أوباما قد عانى الشلل بسبب ردِّ الفعل الرُّهابي على التهديد الذي يشكله المنحدر الزلق. أما دونالد ترامب فيجد نفسه الآن يرقص على حافة المنحدر الزلق الذي تجنبه سلفه بشدة"(21). 

ويبدو أن التصرف من خلال هذه المقارنة الدفينة في ذهن ترامب كانت قوة الدفع الضمنية وراء قراره ضرب مطار الشعيرات وكأنه يسعى إلى ضرب مسمار في نعش مذهب أوباما في السياسة الخارجية، وأن الإجراء العسكري أكد أن مبدأ أساسيًّا من مبادئ أوباما قد مات. غير أن غودلبرغ يتمسك بالقول: إنه "لا يمكن تحديد مبدأ الرئيس ترامب في السياسة الخارجية بسهولة؛ إذ إن تصريحاته الأخيرة حول سوريا، مشوشة في تنوعها، وقراره بإعطاء الضوء الأخضر لسِّن الهجوم، أقنعني بأنه تركيبة فريدة من نوعها في تاريخ الرئاسة الأميركية: الجمع بين مذهب التدخل ومذهب الانعزالية"(22). 

المحور الثاني: تحديات ترامب في الشرق الأوسط 

يتدرج الرئيس ترامب بين عدة مواقف متباينة، وأحيانًا متناقضة، كما هي الحال إزاء سوريا وروسيا والصين وحلف شمال الأطلسي إلى حدِّ أنه أصبح يُعرف بـ"الرئيس المتأرجح" بعد أقل من ثلاثة أشهر من دخوله البيت الأبيض. ويمكن تسمية هذا التذبذب: معضلة التأرجح السياسي، والتمسك بهامش المناورة دون اكتراث بمواقفه وتصريحاته السابقة؛ فهو يريد أن يدير العلاقات الدولية على وتيرة وأسلوب الصفقات المالية، على حد قوله: "أنا لا أتعلق من الناحية النفسية بصفقة واحدة أو بأسلوب واحد. ومن الأمور الأولية التي ينبغي توضيحها هي أنني أترك الكثير من الكرات عالقة في الهواء؛ لأن معظم الصفقات تفشل مهما بدت واعدة في البداية"، كما جاء في كتابه "فن الصفقات"(23). 

وكما يقول بعض المتتبعين لرئاسة ترامب، "ليست لديه خبرة سياسية ولا سجل قائم على الفكر الجاد في السياسة الخارجية؛ كان يؤيد غزو العراق قبل أن يعارضه، وتعهد بالقضاء على داعش في الوقت الذي يلوِّح بسياسة الانعزالية. وهذا يشير إلى أنه أكثر قليلًا من كونه رجلًا نرجسيًّا يكذب في كثير من الأحيان أكثر مما يقول الحقيقة، وأكاذيبه عادة تخدم غرضًا واحدًا هو أن يظهر في وضع جيد"(24). 

ويبدو أن لهذا التأرجح أسبابًا شخصية وسياسية، فهو يتمسك بتوسيع المسافة بين قراراته وخطط الديمقراطيين والجمهوريين، وبمحاولة التحلل من القواعد المتعارف عليها في دبلوماسية العلاقات الدولية. وتُعزى هذه النزعة أيضًا إلى تلويحه بما يعتبره "فشل المؤسسة" في واشنطن، وأن حصيلة عمل أعضاء الكونغرس وبقية زعماء الأحزاب "مجرد أقوال دون أفعال" كتبرير لمناداته بضرورة "تجفيف المستنقع". لكنه يجد تحديات متزايدة في مسعاه لتطويع المؤسسة السياسية للحزبين الجمهوري والديمقراطي، تبعًا لوعوده الانتخابية بـ"تصحيح النظام الأميركي". 

وثمة مفارقة مثيرة تكمن في أن أغلب تحديات ترامب في التعامل مع دول الشرق الأوسط لا تتأتَّى من تعقيدات الأوضاع الجيوسياسية في تلك الدول، وهي على بُعد اثني عشر ألف ميل، بقدر ما تتأتَّى من طبيعة القناعات السياسية التي بنى عليها حملته الانتخابية ويحرص على تطبيقها حاليًّا في البيت الأبيض. ويبدو أن "الفراغ في الزعامة الأميركية يؤدي إلى تآكل التحالفات القائمة منذ أمد طويل وتشديد المنافسين على إعادة تشكيل النظام الدولي. ولا يتجلى هذا الاتجاه بأكثر مما هي عليه الحال في الشرق الأوسط"، كما يقول والي نصر مؤلِّف كتاب "الأمة القابلة للاستغناء: تراجع السياسة الخارجية الأميركية"(25). ويمكن اختزال تلك التحديات في ثلاث نقاط رئيسية: 

1. مركزية الرؤية الأمنية

تعهد ترامب في خطاب التنصيب بتعزيز التحالفات القديمة وتشكيل تحالفات جديدة و"توحيد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي الراديكالي الذي سنستأصله تمامًا من على وجه الأرض"(26). وهو بهذه النبرة التقريرية يتبنى تضخيم الهاجس الأمني في الداخل والخارج، دون وجود تهديدات حقيقية كمرجعية متأصلة في اتخاذ قراراته، وهي مرجعية "الإرهاب الإسلامي الراديكالي" و"عداء" الإسلام للغرب حسب اعتقاده. وتبعًا لهذه الصورة النمطية الجديدة، لا يميز ترامب بين الطوائف السنِّيَّة أو الشيعية أو غيرها من الطوائف والتقاليد الإسلامية. ومما يثير القلق هو أن التهديد المتخيل لديه يشمل أيضًا العديد من المواطنين المسلمين الأميركيين المتدينين في الولايات المتحدة الذين يُعتبرون، في رأيه، بمثابة "الطابور الخامس المحتمل للمتطرفين الإسلاميين المحليين"(27). 

والمثير هنا أن ترامب ومن حوله، ستيفان بانون، كبير مستشاريه ورأس الحربة الأيديولوجية لليمين المتطرف الذي يُسَمِّي نفسه "اليمين البديل"، يستندان في رؤيتهما الأمنية إلى أطروحة صامويل هنتنغتون الذي أنذر بقرب حقبة "الصراعات الحضارية" في القرن الجديد. وقد أشار في مقاله عام 1993، كنواة لكتابه الشهير "صراع الحضارات وإعادة ترتيب النظام العالمي"، الصادر عام 1996، إلى "الحدود الدموية" بين الحضارات الإسلامية وغير الإسلامية. وكتب يقول: "هذه ليست دعوة إلى الرغبة في الصراعات بين الحضارات، بل تقديم فرضية وصفية إلى ما قد يكون عليه المستقبل"(28). 

ويتداخل الهم الأمني وفرضية "صراع الحضارات" عند ترامب مع تبرير الحاجة إلى تطوير القدرات العسكرية المتطورة أصلًا من أجل إرهاب الإرهاب. فهو يقول: "نحن نرفع قدرات جيشنا إلى أعلى مستوى في هذه الأوقات، ربما أكثر من أي وقت مضى، أو بالتأكيد أكثر من أي وقت مضى. هذا ما نحتاجه". وقد طلب بالفعل من الكونغرس اعتماد زيادة 54 مليار دولار إضافية في ميزانية وزارة الدفاع في أكتوبر/تشرين الأول المقبل رغم أن الميزانية العسكرية الأميركية تبلغ حاليًّا قرابة 600 مليار دولار، وهي تفوق ميزانيات كل من روسيا والصين واليابان والهند والسعودية وفرنسا وبريطانيا مجتمعة. ويظل هذا التسلح المفرط في نظر البعض مجرد "استعراض للقوة وعسكرة أميركا الانعزالية"(29). 

يروِّج ترامب لصورة ذهنية جديدة عن الرجل القوي وأميركا القوية والجيش القوي و"حتمية" الانتصارات على الخصوم في مواجهة حتمية حسم أطرافها سلفًا بانشطارية "نحن"/"هم"، أو "نحن العالم المتحضر" مقابل "هم دعاة الإرهاب الإسلامي الراديكالي" كمحور شرٍّ جديد يشمل أكثر من مليار مسلم في العالم. ويقول توم مالينوفسكي، مساعد وزير الخارجية في حكومة أوباما: إن "هذا يشير إلى أنهم مهتمون بإثارة الصراع مع طابور خامس خيالي من المسلمين في الولايات المتحدة أكثر من الحفاظ على علاقاتنا مع شركاء مكافحة الإرهاب، مثل: تركيا والأردن وتونس والمغرب، أو مع محاربة الإرهاب الفعلي"(30). 

2. غلبة المنحى الأميركي على المنحى العالمي

أضفى ستيفان بانون على الإصلاحات الاقتصادية التي يسعى الرئيس ترامب لتطبيقها مصطلح "القومية الاقتصادية"، وهي صيغة مبسطة تنادي برفع القيود المحلية على نطاق واسع، وتخفيض الضرائب على الشركات، والإنفاق على البنية التحتية والدفاع، وفرض الحواجز الحمائية العالية على استيراد السلع والخدمات وهجرة الأشخاص. ويسعى ترامب لفرض تعريفات جمركية على الصادرات الصينية والمكسيكية وغيرها، فيما ألغى عدَّة لوائح تنظيمية وقلَّص رقابة الدولة على القطاع الخاص في الداخل في سبيل تحفيز إنتاج الشركات الأميركية وربط ذلك بالاستهلاك والتوظيف بقوله: "اشتَرُوا منتجات أميركية ووَظِّفوا أيدي عاملة أميركية" ضمن نسق انتقائي لمكاسب العولمة.  

وينادي ترامب بـ"وضع أميركا أولًا، وأن "النزعة الأميركية وليست النزعة العالمية ستكون عقيدتنا. وطالما أننا محكومون من قبل سياسيين لم يضعوا أميركا أولًا، فلنكن متأكدين من أن الدول الأخرى لن تُعاملها باحترام"(31). 

ولا يتردد في تكريس الرؤية الأمنية ذاتها التي تقوم على عنصر الخوف والتخويف في مناهضة الانفتاح على بقية العالم أو النزعة العالمية ومناهضة العولمة. يقول جوزيف ناي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد: إن النزعة العالمية تعني "الشبكة الأساسية الكامنة"، في حين تشير العولمة إلى "تقلُّص دينامية المسافة على نطاق واسع"(32). 

3. المزاجية والارتجالية

يظل باب الترقب والمفاجأة مفتوحًا عندما يعلن ترامب مواقف مؤيدة لبعض الدول والمؤسسات والمعاهدات، ثم ينقلب عليها بتصريحات مناوئة مثل تذبذبه بشأن العلاقة مع السعودية، وإدراج العراق ثم سحبه من قائمة الحظر على سفر مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة إلى الولايات المتحدة، وتأرجح تصريحاته بين حلِّ "الدولة الواحدة" و"حل الدولتين" لتسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وتناقض مواقفه أيضًا بشأن مصير الاتفاق النووي مع إيران وعضوية الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي. 

وتنتعش هذه المزاجية والارتجالية في ظل غياب استراتيجية واضحة للسياسة الخارجية الأميركية خارج التلويح ببناء تحالف عربي-دولي للقضاء على تنظيم الدولة. وقد تصل إلى حدِّ التهور بقراريْه الرئاسيين بحظر دخول مواطني ست دول عربية إلى الولايات المتحدة. وتترسخ لديه القناعة بأنه رجل "الحسم والإنجاز" وحامل لواء البراغماتية الواعدة. وهذا ما يفسر إصراره على أن "لا أحد يعرف النظام أفضل منِّي، وهذا هو السبب في أنني الوحيد الذي أستطيع إصلاحه"(33). 

لكن أغلب المثقفين الأميركيين يُقرُّون بحدوث فراغ مفاجئ في الخطاب السياسي الأميركي بعد وصوله إلى السُّلطة، ويشكِّكون في وجود زعامة مؤهلة وقادرة حاليًّا في البيت الأبيض. وما يؤرِّق الكثيرين عدم اكتراثه بأية مؤسسات أو أعراف سياسية أو قواعد دبلوماسية، ويظل في نظر الكثيرين "راديكاليًّا مُتَأَدْلِجًا يرغب في إحداث ثورة في السياسة الخارجية الأميركية"(34)؛ وهو بهذا المنحى يُقَوِّض سياسة القيم وعِلم الأخلاقيات اللذين يمثلان المحك الرئيسي في تصحيح النظام السياسي الأميركي ذاته بذاته منذ قيام الولايات المتحدة عام 1776. 

ويبدو أن هذه المزاجية والارتجالية تفسِّر ميول ترامب إلى تصنيف الدول العربية في ثلاث خانات مختلفة متباعدة نسبيًّا على الرغم من تقاطعاتها واختلافاتها الاستراتيجية والسياسية والثقافية: 

‌أ. دول الانفتاح والاستثمار

ينمُّ موقف ترامب من الدول العربية الثرية في الخليج عن محاولة فرض نسق براغماتي في مجالين: أولهما: عملية المقايضة النقدية والاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة والاستثمارات الأميركية (وحتى الشخصية له) في دبي وغيرها من إمارات الخليج. وكان ترامب في السابق يجاهر بنبرة الانتقادات وحتى التهكم أحيانًا على دول الخليج علنًا، فهو يؤمن بأن السعودية مثلًا "ليس لها وجود بدون الولايات المتحدة، ولا تملك أي شيء باستثناء الأموال". ويبدو أن الثابت في تفكير ترامب هو منطق الربح والخسارة، على غرار فلسفة إدارة الأعمال، كعملة جديدة يكرسها في إدارة العلاقات الخارجية؛ فقرر بسط "السجاد الأحمر في طريق الأمراء السعوديين، وقد منحهم دعمًا دعائيًّا ضخمًا والتزامًا أميركيًّا رفيع المستوى بتحسين العلاقات الثنائية ورفعها"، كما يقول أحد المراقبين(35). 

وعقب اجتماع ترامب بولي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في واشنطن، أوضح بيان أصدره البيت الأبيض أن الرئيس ترامب والملك سلمان كلَّفا فريقيهما بإيجاد سبل "لتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية" على الجبهات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وأضاف البيان: "إن الجانبيْن اتفقا على التعاون بشكل أكبر في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والطاقة، وبدء برنامج أميركي-سعودي جديد بميزانية 200 مليار دولار من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة خلال السنوات الأربع المقبلة"(36). 

وثاني المجالات التي يحاول ترامب فرض نسق براغماتي فيها: التراجع عن المطالبة باحترام حقوق الإنسان والحريات الفردية التي تخصص لها وزارة الخارجية الأميركية تقارير سنوية عن سجلات تلك الدول وغيرها في انتهاكات حقوق الإنسان والحريات الدينية، وتشكِّل مرجعًا أساسيًّا لدى أعضاء الكونغرس أثناء سجالاتهم بشأن التعاون أو إبرام صفقات الأسلحة مع الحكومات العربية. وكما قال ترامب في خطاب التنصيب: "سنسعى إلى تكريس الصداقة وحُسن النية مع دول العالم، ولكننا سنفعل ذلك على أساس أن من حق جميع الدول أن تضع مصالحها الخاصة أولًا"(37). وفي أواخر مارس/آذار 2017، أبلغت حكومة ترامب أعضاء الكونغرس بضرورة الموافقة على صفقة بيع تسع عشرة طائرة مقاتلة من طراز إف-16 التي تصنعها شركة لوكهيد مارتن إلى البحرين، وإلغاء الشروط التي فرضتها حكومة أوباما على الصفقة بشأن ممارسات البحرين في مجال حقوق الإنسان وتعامل الحكومة مع الناشطين الشيعة. 

‌ب. دول المشاركة الأمنية

يعوِّل ترامب على مساهمة عدد من الحكومات العربية كالأردن والعراق ومصر وليبيا (بدعم خليفة حفتر) وأيضًا الجزائر والمغرب في أمريْن أساسييْن: أولهما: تأييد سردية "الإرهاب الإسلامي الراديكالي" على أساس فرضية وجود "عدو مشترك" ينبغي مواجهته في الشرق والغرب. وثانيهما: تعزيز التحالف الدولي بمساهمات أكبر للدول العربية في تحقيق وعده الانتخابي: "القضاء على محو داعش من وجه الأرض". وقد شدَّد ترامب على أنه "ينبغي أن تكون جميع الإجراءات موجهة نحو هذا الهدف، وأن أي بلد يشاركنا في تحقيق هذا الهدف سيكون حليفنا". 

وخيَّم هذا التصور بظلاله بالفعل على زيارة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، للبيت الأبيض. واتسمت المحادثات الثنائية بغزل سياسي قياسي بين الرجلين والإشادة السخية بأداء السيسي الذي وصفه ترامب بأنه "أنجز عملًا رائعًا في ظروف صعبة جدًّا" باعتباره أحد أقوى حلفائه في المنطقة، على خلاف رفض الرئيس أوباما استقباله في البيت الأبيض أو الأمم المتحدة وتحفظاته على انتهاكات حقوق الإنسان في مصر بعد مقتل 831 متظاهرًا في يوم واحد في أغسطس/آب عام 2013، واعتقال وتعذيب ناشطي ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، واحتجاز قيادات الإخوان المسلمين وحوالي أربعين ألفًا من مؤيديهم في السجون المصرية. 

مراجع

1 - Dan, Gunderman, “Senator Elizabeth Warren blasts Donald Trump over performance in first 100 days in White House”, 25 April 2017:

http://www.nydailynews.com/news/politics/sen-elizabeth-warren-blasts-donald-trump-100-days-article-1.3097259

2- Ben, Norton, “Pundits Who Helped Sell NATO's Destruction of Libya Push for Trump to Lead Syria Regime Change”, Grayzone Project, 21 April 2017:

http://www.alternet.org/grayzone-project/media-pundits-libya-syria-regime-change#.WQDVQCOfwbZ.facebook

3- Sara, Jones, “Donald Trump has no Strategy, no Beliefs, and no Principles”, New Republic, 7 April 2017:

https://newrepublic.com/minutes/141930/donald-trump-no-strategy-no-beliefs-no-principles

4- Heather Digby Parton, “Are Neoconservatives Marching the United States into a Fresh New Hell? 25 April 2017:

http://www.alternet.org/news-amp-politics/are-neoconservatives-marching-united-states-fresh-new-hell

5- Ben Norton, “Pundits Who Helped Sell NATO's Destruction of Libya Push for Trump to Lead Syria Regime Change”, Grayzone Project, 21 April  2017:

http://www.alternet.org/grayzone-project/media-pundits-libya-syria-regime-change#.WQDVQCOfwbZ.facebook

6- D. Trump, “Full text: Donald Trump 2016 RNC draft speech transcript”, POLITICO, 21 July 2016, (Visited on 22 July 2016): http://www.politico.com/story/2016/07/full-transcript-donald-trump-nomination-acceptance-speech-at-rnc-225974

7- Trump, Donald, “Full text: Donald Trump 2016 RNC draft speech transcript”, POLITICO, 21 July 2016, (Visited on 22 July 2016): http://www.politico.com/story/2016/07/full-transcript-donald-trump-nomination-acceptance-speech-at-rnc-225974

8- Sara Jones, “Donald Trump has no Strategy, no Beliefs, and no Principles”, New Republic, 7 April 2017:

https://newrepublic.com/minutes/141930/donald-trump-no-strategy-no-beliefs-no-principles

9Colin Kahl, Hal Brands, “Trump’s Grand Strategic Train Wreck”, Foreign Policy, 31 January 2017:

HTTP://FOREIGNPOLICY.COM/2017/01/31/TRUMPS-GRAND-STRATEGIC-TRAIN-WRECK/

10- Dani Nedal and Daniel Nexon, “Trump’s ‘Madman Theory’ Isn’t Strategic Unpredictability. It’s Just Crazy”, Foreign Policy, 18 April 2017:

http://ow.ly/G6Sw30bi12P

11- Habermas, Jürgen, Erkenntnis und Interesse. Frankfurt: Suhrkamp. 1977. p. 259.

12- Dani Nedal and Daniel Nexon, “Trump’s ‘Madman Theory’ Isn’t Strategic Unpredictability. It’s Just Crazy”, Foreign Policy, 18 April 2017:

http://ow.ly/G6Sw30bi12P

13- Dani Nedal and Daniel Nexon, “Trump’s ‘Madman Theory’ Isn’t Strategic Unpredictability. It’s Just Crazy”, Foreign Policy, 18 April 2017:

http://ow.ly/G6Sw30bi12P

14- Dani Nedal and Daniel Nexon, “Trump’s ‘Madman Theory’ Isn’t Strategic Unpredictability. It’s Just Crazy”, Foreign Policy, 18 April 2017:

http://ow.ly/G6Sw30bi12P

15- Dani Nedal and Daniel Nexon, “Trump’s ‘Madman Theory’ Isn’t Strategic Unpredictability. It’s Just Crazy”, Foreign Policy, 18 April  2017:

http://ow.ly/G6Sw30bi12P

16- Dani Nedal and Daniel Nexon, “Trump’s ‘Madman Theory’ Isn’t Strategic Unpredictability. It’s Just Crazy”, Foreign Policy, 18 April 2017:

http://ow.ly/G6Sw30bi12P

17- Dani Nedal and Daniel Nexon, “Trump’s ‘Madman Theory’ Isn’t Strategic Unpredictability. It’s Just Crazy”, Foreign Policy, 18 April 2017:

http://ow.ly/G6Sw30bi12P

18 – Maria, Konnikova, "Trump’s Lies vs. Your Brain”, POLITOCO, January/February 2017:

http://www.politico.com/magazine/story/2017/01/donald-trump-lies-liar-effect-brain-214658

19- Lindy, West, “100 Days of Gibberish—Trump Has Weaponized Nonsense”, the Guardian, 25 April  2017:

http://www.alternet.org/right-wing/trump-has-weaponized-nonsense

20- Lindy, West, 100 Days of Gibberish—Trump Has Weaponized Nonsense, the Guardian, 25 April  2017:

http://www.alternet.org/right-wing/trump-has-weaponized-nonsense

21- Jeffrey, Goldberg, “The Obama Doctrine, R.I.P.”, 7 April  2017:

https://www.theatlantic.com/international/archive/2017/04/the-obama-doctrine-rip/522276/

22- Jeffrey, Goldberg, “The Obama Doctrine, R.I.P.”, 7 April  2017:

https://www.theatlantic.com/international/archive/2017/04/the-obama-doctrine-rip/522276/

23- Donald J. Trump, Tony Schwartz, “Trump: The Art of the Deal”, Ballantine Books, 1987, p. 50.

24- Sara, Jones, “Donald Trump has no Strategy, no Beliefs, and no Principles”, New Republic, 7 April 2017:

https://newrepublic.com/minutes/141930/donald-trump-no-strategy-no-beliefs-no-principles

25- Nasr, V, (2016) “Trump’s Big Test in the Middle East,” The Atlantic, 25 November 2016:

https://www.theatlantic.com/international/archive/2016/11/trump-isis-iran-russia-syria-middle-east/508553/

26- Trump, Donald. “Full text: Donald Trump 2016 RNC draft speech transcript”, POLITICO, 21 July 2016 (Visited on 22 July 2016): http://www.politico.com/story/2016/07/full-transcript-donald-trump-nomination-acceptance-speech-at-rnc-225974

27-Colin Kahl, Hal Brands, “Trump’s Grand Strategic Train Wreck”, Foreign Policy, 31 January 2017:

HTTP://FOREIGNPOLICY.COM/2017/01/31/TRUMPS-GRAND-STRATEGIC-TRAIN-WRECK/

28- Samuel, Huntington, “The Clash of Civilizations?” Foreign Affairs. Summer, (1993) Vol. 72

29- Colin Kahl, Hal Brands, “Trump’s Grand Strategic Train Wreck”, Foreign Policy, 31 January 2017:

HTTP://FOREIGNPOLICY.COM/2017/01/31/TRUMPS-GRAND-STRATEGIC-TRAIN-WRECK/

30 – Peter, baker, “White House Weighs Terrorist Designation for Muslim Brotherhood” The New York Times, 7 February 2017: https://www.nytimes.com/2017/02/07/world/middleeast/muslim-brotherhood-terrorism-trump.html

31- D. Trump, “Full text: Donald Trump 2016 RNC draft speech transcript”, POLITICO, 21 July 2016 (Visited on 22 July 2016): http://www.politico.com/story/2016/07/full-transcript-donald-trump-nomination-acceptance-speech-at-rnc-225974

32J. Nye, “Globalism Versus Globalization”, the Globalist, 15 April 2002 (visited on 2 October 2008):

 http://www.theglobalist.com/globalism-versus-globalization/

33- Trump, Donald, “Full text: Donald Trump 2016 RNC draft speech transcript”, POLITICO, 21 July 2016 (Visited on 22 July 2016): http://www.politico.com/story/2016/07/full-transcript-donald-trump-nomination-acceptance-speech-at-rnc-225974

34-Thomas, Wright, “Trump’s Jekyll and Hyde Foreign Policy”, Politico, 13 March 2017:

http://www.politico.com/magazine/story/2017/03/trumps-jekyll-and-hyde-foreign-policy-214903

35- Josh, Rogin, “Trump resets U.S.-Saudi relations, in Saudi Arabia’s favor”, The Washington Post, 16 March 2017: https://www.washingtonpost.com/news/josh-rogin/wp/2017/03/16/trump-resets-u-s-saudi-relations-in-saudi-arabias-favor/?utm_term=.ecdb2ac579e6

36- Josh, Rogin, “Trump resets U.S.-Saudi relations, in Saudi Arabia’s favor”, The Washington Post, 16 March 2017: https://www.washingtonpost.com/news/josh-rogin/wp/2017/03/16/trump-resets-u-s-saudi-relations-in-saudi-arabias-favor/?utm_term=.ecdb2ac579e6

 37- Trump, Donald, “Full text: Donald Trump 2016 RNC draft speech transcript”, POLITICO, 21 July 2016, (Visited on 22 July 2016): http://www.politico.com/story/2016/07/full-transcript-donald-trump-nomination-acceptance-speech-at-rnc-225974

38- Eric S. Edelman and Whitney M. McNamara, “Contain, Degrade, and Defeat: A Defense Strategy for a Troubled Middle East”,  The Center for Strategic and Budgetary Assessments, 2017.