نحو تبني ثقافة الانحياز إلى المستقبل ودراسات المستقبلات في الوطن العربي

تُقدِّم هذه الورقة ملخصًا لدراسة موسعة نُشرت في العدد الثاني من مجلة لباب، وتستقصي فرضية مفادها أن أهمية دراسات المستقبلات ومحوريتها في السعي لتطويع المستقبل في ضوء توظيف مُعطياته، أفضت إلى أن تتبوأ مكانة مهمة في المجتمعات المتقدمة، وكذلك السائرة في طريق النمو.
73e5f5972d33476a93619fdf96850f50_18.jpg
(الجزيرة)

تحتل دراسات المستقبَلات مكانة بارزة في عموم المجالات البحثية التخصصية، لاسيما تلك الدراسات التي تتخذ من المقاربة المنهجية العلمية، والموضوعية دربًا لها، يمثِّل سلوكه أولى حلقات النجاح في البحث العلمي الرصين القائم على استشراف احتمالات المستقبل.

وتلاحظ الدراسة أن الجهد العلمي العربي على صعيد استشراف المستقبل بدا متأخرًا وتراجع مبكرًا لذا استمر محدودًا، فضلًا عن أن كمًّا منه يتناول الماضي والحاضر أكثر من تناوله المستقبل. وإذا كانت الأسبقية في تناول موضوع دراسات المستقبَلات تُسجَّل للغرب، فإن ذلك لا يمنع المفكرين والباحثين العرب من الأخذ بها كذلك، والسعي لتناولها بحثيًّا ابتغاء لرصد معالم الزمن الآتي بعد الحال، في ظل استقراء متغيرات الماضي والحاضر سبيلًا لاستعلام المستقبل.

وترى أن تأخر العرب على صعيد دراسات المستقبلات لا يُردُّ إلى تأثير المدخلات أعلاه فقط وإنما إلى جميع تلك المدخلات التي أفضت مخرجاتها إلى "غياب الرؤية العلمية عن كيفية صناعة لمستقبلنا على وفق مصالحنا العليا وإرادتنا الحرة. لذا، فإن تحرير رؤيتنا الثقافية للمستقبل من كوابحها المتعددة، ومن ثم التعامل مع المستقبل كما لو كان حاضرًا معنا، هو الذي يُفضي بنا إلى شراء الزمان واختزال الفجوة الحضارية القائمة بين حاضرنا الراهن باختلالاته الهيكلية المتعددة ومستقبلنا المنشود الذي يُؤَمِّن صناعة تاريخنا على وفق مصالحنا العليا"، لاسيما أن المجد لا يُصنع بالتمني وإنما بالانحياز إلى المستقبل والعمل من أجله ونحن في الحاضر. 

من هنا، تشكِّل دراسات المستقبل في البحث العلمي ضرورة ينبغي الأخذ بها في ظل انتهاج منظور استراتيجي واقتراب رشيد في التعامل مع القضايا العلمية المحورية والملحَّة في الحاضر والمستقبل، إضافة إلى الاهتمام البالغ بتخصصات المستقبلات علميًّا، والسعي إلى الارتقاء بها. 

إن ضآلة الاهتمام العربي بدراسات المستقبَلات، وخلو معظم الدراسات البحثية من الجانب الاستشرافي، يسجل ترهُّلًا كبيرًا في واقع البحوث العلمية، لاسيما تلك التي تُعَدُّ قاصرة إذا ما لامست الواقع دون التطلع لذلك المستقبل الآتي بلا شك، كون الحاضر ذاته ماضيًا يمضي، وكون المستقبل هو واقع آتٍ. إن الإشكالية الناجمة عما تقدَّم ستزداد، وبشكل مطَّرد، كلما أُهْمِل التوجه العربي العلمي المدعوم نحو الأخذ بدراسات المستقبلات مضمونًا وأداءً.

ومن رحم هذه الإشكالية يثار العديد من الأسئلة الفرعية التي تحاول الدراسة الإجابة عنها:

- ما الذي يقصد بمفهوم المستقبَلات؟

- كيف تطور التفكير العلمي في المستقبلات؟

- ما الذي يقصد بمفهوم دراسات المستقبلات؟

- ما غايات دراسات المستقبلات وآلياتها؟

- ما خصائص دراسات المستقبلات؟

- ما أهمية مقاربة بناء المشاهد؟

- كيف أضحى التفكير العلمي العربي في المستقبلات ودراساتها؟

كما ترتكز الدراسة على فرضية مفادها أن أهمية دراسات المستقبلات ومحوريتها في السعي لتطويع المستقبل في ضوء توظيف مُعطياته، أفضت إلى أن تتبوأ مكانة مهمة في المجتمعات المتقدمة، وكذلك السائرة في طريق النمو سبيلًا للارتقاء باستجابتها الحضارية إلى مستوى تحديات عالم يتغير بسرعة تأمينًا لمستقبل آمن وأفضل.

وخلافًا للدول التي تأخذ بالتفكير العلمي في المستقبل وتطبيقاته العملية، فإن هذا التفكير وتطبيقاته العملية لا يحظى باهتمام رسمي ومجتمعي واسع في جل دول عالم الجنوب، ويُردُّ هذا الواقع إلى مدخلات ينبع جلها من التخلف الحضاري لتلك الدول وصعوبة تحررها من مخرجاته، لاسيما أن كُلْفَة هذا التحرر قد تضاعفت عبر الزمان، وهو الأمر الذي يجعل مستقبلها امتدادًا وبالضرورة لاتجاهات واقعها الراهن. وكجزء مهم، حضاريًّا وجيوستراتيجيًّا واقتصاديًّا، في عالم الجنوب، لا تتماهى أهمية الوطن العربي ونوعية انشغاله، الرسمي والمجتمعي، بالتفكير العلمي في المستقبل وتطبيقاته العملية؛ فمثل هذا التفكير استمر يتميز بمحدودية انتشاره أما تطبيقاته فقد كانت ضآلة الإنجاز نصيبها.

واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي للوقوف -وبمقاربة معمقة- على أهمية المستقبلات ومكانتها في البحوث العلمية الرصينة التي تتطلع برؤاها إلى القابل من الأيام استباقًا واستعدادًا لها. ومن أهم النتائج التي خلصت إليها الباحثان:

1. أن الجهد العلمي العربي على صعيد استشراف المستقبلات بدأ متأخرًا وتراجع مبكرًا. لذا، استمر محدودًا، فضلًا عن أن كمًّا منه يتناول الماضي والحاضر أكثر من تناوله المستقبلات، وهو ما أحدث فجوة تتسع كلما تقدم الزمن إلى الأمام بين عالمنا العربي، وعالم الحداثة الغربي.

2. تستدعي دراسات المستقبلات من الباحث أن يكون على جانب كبير من الموضوعية والواقعية في آن واحد، كونها عملية بحث علمي منظَّم، تعتمد الاستشراف العلمي المنظم، في مجال ما، تدرس ماضي الحاضر وحاضر الماضي، أملًا في رصد مستقبل الحاضر بعناية لتحديد آفاقه واتجاهاته، بناءً على معطيات ماثلة، ومتغيرات عديدة.

3. بات الاهتمام بدراسات المستقبلات من الضرورات التي لا غنى عنها للدول والمجتمعات والمؤسسات، ولم تعد ترفًا تأخذ به الدول أو تهجره، تستوي في ذلك الدول المتقدمة والنامية، وليس أدل على أهمية دراسات المستقبلات من ظهور أعداد كبيرة من العلماء والباحثين المشتغلين بدراسات المستقبلات في الجامعات ومراكز البحوث المختلفة، وظهور العديد من المراكز والهيئات العلمية والمعاهد المتخصصة في دراسات المستقبلات، وانتشارها عالميًّا.

4. تعتمد دراسات المستقبلات على أدوات عديدة تضفي عليها صفة الاستشراف العلمي المنظم، منها الشمول والنظرة الكلية، آخذة بنظر الاعتبار النظر إلى الماضي، وملامسة الواقع للتطلع إلى ذلك المستقبل المأمول، وعبر المزج بين الأساليب الكيفية والأساليب الكمية في العمل المستقبلي، ضمن فريق عمل جماعي متجانس ومنظم. 

5. إن تراكم القناعة بجدوى الارتقاء بالاستجابة إلى مستوى التحديات الإنسانية التي يواجهها عالمنا العربي، في ظل ندرة دراسات التخطيط المستقبلي، تدفع إلى التنبيه بضرورة الأخذ بهذه الدراسة فكرًا وأداءً، والحاجة الملحَّة لدعمها على مستوى الحكومات العربية، كونها تساعد على التخفيف من الأزمات عن طريق التنبؤ بها قبل وقوعها والتهيؤ لمواجهتها؛ الأمر الذي يؤدي إلى السبق والمبادأة للتعامل مع المشكلات قبل أن تصبح كوارث حقيقية.

6. ضرورة اعتماد البحوث العلمية العربية على مقاربة منهجية في بناء مشاهد المستقبلات علميًّا، أي تلك المشاهد المحتملة أو الممكنة، أو المرغوب بها، والتي ستُفضي حتمًا إلى إحداث قفزة نوعية علمية في واقع البحوث العربية، كونها ستدخل في إطار البحوث الخلاقة القادرة على الإتيان بكل ما هو جديد، ذلك أن الانخراط في دراسات المستقبلات هو السبيل الوحيد الذي يفضي إلى شراء الزمن لاختزال الفجوة العلمية بين واقع التردي وطموح الارتقاء، وهو ذاته الذي يسهم في تأمين تطويع المستقبل من قبلنا ذاتيًّا، بالعمل على استجلابه عبر صناعته. 

للاطلاع على النص الكامل للدراسة (اضغط هنا) وللاطلاع على عدد المجلة كاملًا (اضغط هنا)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أ.د. مازن إسماعيل الرمضاني، أستاذ السياسة الدولية ودراسات المستقبَلات، عميد كلية العلوم السياسية بجامعة النهرين-بغداد، سابقًا.

*د. محمد وائل القيسي، باحث وأكاديمي عراقي، متخصص في الاستراتيجية الدولية ودراسات المستقبَلات.