عام 2019: اتجاهات وانقطاعات

شهد عام 2019 استمرار عملية إعادة تشكيل الوضع الدولي نتيجة تراجع القوى الغربية، وتزايد التدخل الخارجي في المجال العربي، وفي المقابل تميز بانتكاسة عملية تشكيل قطب عربي يقاوم المد الديمقراطي.
نشرت في: 05/01/2020
عمر البشير من القصر إلى السجن (رويترز)

منذ عقد من الزمن تقريبًا، أصبح كل عام أكثر حركية وكثافة تطورات من الذي يسبقه. ولم يكن عام 2019 نشازًا في هذا الصدد؛ فمستوى التطورات فيه وحجمها وشمولها لمختلف مناطق العالم ثم سرعتها وأثرها والنتائج المترتبة عليها، كل ذلك كان باديًا لكل ملاحِظ ومراقب.

ولم يكن خافيًا مستوى التداخل بين أحداث وتطورات العالم ولا درجة تقاطع الخطوط في عديد المناطق سواء بحكم الفاعلين في الأحداث أو أسبابها ودوافعها.

وقد صاحبت هذه التطورات -كما يقع كل مرة- ظواهر سياسية واجتماعية واقتصادية دالَّة.

برزت قوى وتمدَّد نفوذ قوى وتراجعت أخرى، تحركت شعوب ورضيت أخرى واستسلمت للمعاناة ثالثة. ومع أن تطورات عام 2019 متصلة بأحداث العام الذي سبقه 2018 فإنها فتحت وتمددت في اتجاه العام 2020 الذي سيحتضن عناوين عديدة لتطورات 2019، وتلك صيرورة ملحوظة خصوصًا في الأمور التي عُرفت بدايتها واستعصى توقع نهايتها.

أولًا: المشهد الدولي

درج الكثيرون على تقييم الوضع الدولي بقياس نشاط وحركية الدول الأكثر والأوسع تأثيرًا وفي مقدمتها الدولة الأقوى والأكثر نفوذًا في العالم، أي الولايات المتحدة الأميركية. ومن هنا كان اهتمام العديدين بما يجري داخل الولايات المتحدة الأميركية لما يتركه من أثر خارجها وفي المناطق الأكثر حساسية في العالم.

ليس خافيًا أن الولايات المتحدة الأميركية اكتسبت عناصر قوة إضافية لعل أهمها تأكيد وتعزيز اكتشافاتها في مجال الطاقة خصوصًا من النفط الصخري، وصرامتها في التحصيل المستمر من الدول الباحثة عن التأمين الأميركي والدعم الأميركي، مع الغرابة الملاحظة على أسلوب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتجاوزاته التي أحرجت أحيانًا مؤسسات الدولة الأميركية لكن حيوية أسلوبه وجرأته وصلافته أعطت دفعًا للدور الأميركي وألجأت بعض الدول لمسايرة أسلوب الرئيس المثير.

ولا يخفى أن استراتيجية البيت الأبيض التي أنهكت إيران بالعقوبات القاسية المتتالية، ودفعت أوروبا إلى شراكة فيها أخذ وعطاء وندية مالية خلافًا لما كان، واستمرت في حماية حلفائها الأهم، وفي مقدمتهم الدولة العبرية، قد عانت إشكالات استراتيجية يمكنها أن تشكِّل تهديدًا جديًّا للنفوذ الأميركي.

حين ضايقت الحليفَ التركي، منحت روسيا فرصة لتوسيع نفوذها، وحين زادت في ابتزاز الحليف السعودي، تمددت روسيا ونجحت في نسج علاقات مع منطقة كانت مطرودة منها، وحين خذلت الحليفَ القطري وهو يتعرض لأشد الحصار، تغلغلت تركيا وإيران وروسيا ونجحوا جميعًا في نسج علاقات مع دولة واعدة اقتصاديًّا ولها بُعد نظر في الأمور السياسية والاستراتيجية.

ورغم القوة الاقتصادية الهائلة التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأميركية فإن كلفة الصدام الاقتصادي والتجاري مع الصين وحتى مع حلفاء تقليديين للأميركيين ككندا والاتحاد الأوروبي والمكسيك لن تكون سهلة، بل إن محاولات مضايقة الصين عن طريق جيرانها الكبار (الهند مثلًا) ستزيد كلفة المساعي الأميركية لإيقاف الصعود الملحوظ للتنين الصيني. والظاهر أن هذا الهدف صعب التحقيق خصوصًا على المستوى العسكري والاقتصادي.

ويشكِّل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مجالًا مهمًّا في المقاربة الأميركية، ولعلها تأمل في حالة تحققه النهائي أن تنضم بريطانيا -ومعها مستعمرات سابقة مهمة- إلى تحالف قديم هو تحالف العيون الخمسة الذي يضم إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية كلًّا من أستراليا وكندا ونيوزيلندا.

هذا المشهد بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية يتأثر بالتطورات الداخلية في هذا البلد الحي والمثير ويؤثر فيها، وسواء نجحت جهود الديمقراطيين المستمرة منذ حين في محاكمة برلمانية للرئيس، دونالد ترامب، أو لم تنجح فإنه لا يستبعد أن تؤثر على مصيره في الانتخابات الأميركية القادمة بحيث تفقد خطواته الأخرى في مجال السياسة الداخلية (الشغل، وتوفير الأموال، وحركية الاقتصاد) بريقَها فتضعف إمكانات فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة.

ومع قوة الولايات المتحدة الأميركية وتأثيرها فإنها عانت في السنوات الأخيرة من منافسات وتقاطعات حدَّت من نفوذها، وأعادت للنقاش السياسي والاستراتيجي إمكانية عودة مشهد دولي بأقطاب متعددة.

وتبرز روسيا الاتحادية الدولة الكبيرة في هذا الصدد، فقد نجحت بعد تشكلها وإعادة هيبتها على يد الرئيس، فلاديمير بوتين، في الحضور دوليًّا ودخول مناطق طُرد منها سلفها (الاتحاد السوفيتي) أو لم يكن لها فيها تأثير.

ومع المشاكل الاقتصادية لهذا البلد الكبير ومع غياب الألق السياسي له بحكم التحكمية والأحادية التي ما زالت غالبة في نظام الحكم عنده فإنه استطاع إحياء مستوى من الندية مع الطرف الأميركي يساعده في ذلك -فضلًا عن الميراث- قوة عسكرية هائلة على المستويين، التقليدي والاستراتيجي، وجرأة في حماية الحلفاء والوفاء لهم.

فضلًا عن الدور الروسي الرئيسي في الملف السوري والتدخل في أوكرانيا الذي استقرت على إثره جزيرة القرم بقبضة موسكو فإن النفوذ الروسي يزداد ويتمدد.

نجحت روسيا في بناء علاقة حذرة مع الجار التركي، طالت الأبعاد الاقتصادية والعسكرية الحساسة، وكانت صفقة صواريخ إس 400 أبرز عنوان لذلك؛ مما هدَّد ولا يزال يهدد علاقات تركيا مع حلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية، وأصبحت روسيا قائدة فعلية للتحالف الثلاثي (الروسي-التركي-الإيراني) في القضية السورية. مع إيران -رغم ثقل التاريخ والأيديولوجيا- أدارت روسيا علاقات قوية ترتب عليها أحيانًا استفادة إيران من المظلة الروسية أمميًّا فضلًا عن التنسيق والتعاون النوعي على الأرض السورية.

وإضافة إلى الدخول الروسي في الخليج والخط المفتوح مع مصر ودول في القرن الإفريقي، فقد اتجهت روسيا اليوم للقارة الإفريقية الواعدة وأصبحت القمة الروسية-الإفريقية التي أطلقتها هذا العام في منتجع سوتشي الروسي من عناوين الدبلوماسية الروسية الفعالة.

ويتساءل مراقبون ومحللون: هل تستطيع روسيا حماية هذا الطموح الذي يتوسع خصوصًا على المستويين الاقتصادي والسياسي؟ وهل تعوض القيادة الكاريزمية لفلاديمير بوتين شروط التوسع الإمبراطوري الظاهر في المقاربة الروسية؟

خلافًا لروسيا، لا تُظهر الصين طموحًا مماثلًا في النفوذ السياسي الدولي، ولعلها تملك على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي ما يؤهلها لذلك.

مع ذلك، تُظهر الصين، بخطوات محسوبة، اهتمامًا بالملفات الأكثر احتراقًا وإن اجتهدت في تجنب نيرانها، وفي الغالب يكون تعبيرها أمميًّا من خلال تصويتات حاسمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ومع ذلك، فالمتابع للنهضة الصينية والتوقعات المصاحبة لها وللنفوذ الصيني في جنوب شرق آسيا الذي يوصف بأنه بالغ التأثير يدعمه وجود ديمغرافي وتجاري في ذلك الجزء من العالم وللنشاط المتمدد في إفريقيا (القمة الصينية-الإفريقية من عناوين ذلك) وللشراكات المفيدة لعدد من دول العالم، المتابع لكل هذا سيدرك دون كبير عناء أن للصين طموحها ولكن بطريقتها الخاصة.

ومع التخلف السياسي -بميزان الديمقراطية والحريات- الذي تعاني منه الصين فإن قدراتها العلمية والعسكرية والاقتصادية -المعلوم منها والمفترض- يؤهلان هذ البلد الكبير وكثير الساكنة لأدوار أوسع وأبلغ في المشهد الدولي.

لا يمكن تجاهل الدور التقليدي للاتحاد الأوروبي ودوله الكبيرة (فرنسا-ألمانيا-بريطانيا) فميراثها وألقها السياسي ووضعها الاقتصادي -رغم معاناة بعضها- ووزنها الدولي وقوتها العسكرية، كل ذلك يعطيها دورًا مهمًّا في المشهد الدولي وإن حدَّ منه غالبًا قيود التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية القادرة على التغطية على حلفائها.

ورغم حضور فرنسا ووزنها خصوصًا في محيط مستعمراتها التقليدية، ورغم منزلة بريطانيا واستفادتها من العلاقات المخصوصة مع الولايات المتحدة الأميركية، ورغم القوة الاقتصادية والتكنولوجية لألمانيا، فإن تأثير الدول الأوروبية في المشهد الدولي أصبح أقرب إلى الثانوي منه إلى الرئيسي مع استثناءات محدودة وفي ملفات معينة.

هناك دول صاعدة وكبيرة ولها تقاطعات مع مختلف القوى المذكورة سلفًا ولكنها -بما فيها الهند والبرازيل- ذات تأثير في المشاهد الإقليمية أكثر منه على المستوى الدولي.

وعلى ذكر البرازيل، لا تبدو أميركا اللاتينية ذات تأثير كبير في السياسة الدولية، مع أنها ميدان لصراع قوى النفوذ الكبرى، كما يحدث في فنزويلا التي عجزت الولايات المتحدة الأميركية عن إسقاط نظامها وإنْ أنهكته بالتعاون مع معارضة داخلية نشطة. مقابل تمنُّع السلطة في فنزويلا، لم يستطع الرئيس البوليفي التماسك في وجه حركة شعبية يبدو أنها حظيت بدعم الجيش في إزاحة إحدى السلط اليسارية في المنطقة. وتتصف أميركا اللاتينية عمومًا بكثرة التحديات الاقتصادية والأمنية ومعاناتها من انتشار الجريمة والمخدرات، وتستمر ساحتها ميدانًا لصراع النفوذ بين القوى الكبرى.

ورغم أهمية بعض الدول الصاعدة والعتيقة، مثل: كوريا الجنوبية وكندا وجنوب إفريقيا وإيطاليا وإسبانيا، فإن تأثيرها في المشهد الدولي محدود أو ضعيف.

ثانيًا: مشهد الشرق الأوسط وما حوله

ما زالت السعودية تحاول قيادة قطب إقليمي مؤثر، وتحرص على المحافظة على حلفها الرباعي الذي يضم الإمارات التوسعية، ومصر المضطربة والعاجزة اقتصاديًّا، والبحرين التي تنفذ فقط الأدوار التي تراها الدول الراعية لها مكلفة سياسيًّا.

ومع الإمكانات المادية الكبيرة التي تتمتع بها المملكة العربية السعودية فإنها تمر بظروف صعبة، أضلاعها ثلاث، الأول منها: حرب اليمن المستعصية على الحل والمكلفة بشريًّا وماديًّا والتي تحولت فيها المملكة من محرِّر منتصر للشرعية إلى مدافع عن حدوده، مثقل بمواقف حلفائه، وثانيها: آثار ومخلَّفات الاغتيال البشع للصحفي، جمال خاشقجي، الذي أصبح موضوعًا أمميًّا وحقوقيًّا وسياسيًّا، فضلًا عن أنه أزَّم العلاقات مع تركيا على نحو غير مسبوق، أما ثالثها؛ فالمشاكل الداخلية الصعبة التي ترجمتها الاعتقالات الواسعة. ومع مشاكل هذا الحلف المناهض بدرجات مختلفة للربيع العربي (لمصر موقف من سوريا وإيران مختلف عن السعودية) فإنه لم يستطع إخفاء بعض التناقضات داخله (السعودية والإمارات مثلًا في حرب اليمن) وتبرُّم بعضه من الكلفة العالية للبعض الآخر (الخليجيون من مصر).

إن التطورات الحاصلة في الحالة اليمنية والأسلوب الجديد للإمارات في هذا البلد المنهك، وبعض الخطوط التي فُتحت مع إيران، وتفضيل الوكلاء على الوجود المباشر، وتحول الحوثيين في بعض الحالات من الدفاع إلى الهجوم، أمور بالغة التأثير على الدور السعودي في المنطقة، ولعل جرأة يمنيين كثر في سقطرى والمهرة وعدن بل في أطراف أخرى من اليمن على انتقاد التحالف وتحميله تردي أوضاعهم يكشف حجم المأزق الذي أوقع نفسه فيه.

من ناحية أخرى، عانت المملكة العربية السعودية في أغلب سنوات الرئيس، دونالد ترامب، التي مضت، من ضغط غير مسبوق شكلًا ومضمونًا من الإدارة الأميركية، فلسان ترامب جمع بين السخرية والتهديد، ويده امتدت مرات لتعود بمبالغ كبيرة. ومع أن الرئيس، دونالد ترامب، جمع السعودية مع دول أخرى تستفيد من الحماية الأميركية، كاليابان وكوريا الجنوبية، في بعض خطاباته فإن أيًّا منها لم يواجه الضغط الممارس على السعودية.

ويمكن القول: إن حلف الثورة المضادة عرف في 2019 هذه تحديات إضافية وزادت التعقيدات في طريقه، ولعله بدأ الانتقال من وضعية الهجوم إلى وضعية الدفاع، فلم تستطع المملكة العربية السعودية أن تتقدم كثيرًا في إزعاج الولايات المتحدة الأميركية فلا العلاقات مع روسيا ذهبت بعيدًا، ولا الهامش الدبلوماسي توسع على النحو الذي ينسجم مع مستوى الغضب المفترض من تطور الابتزاز الأميركي.

ولم تُخْفِ أقطاب حلف الثورة المضادة، مجتمعة أو منفردة، حماسها للتقارب مع إسرائيل، وعلى مختلف المستويات، فتم تبادل الوفود سرًّا وعلانية وظهرت صور الإسرائيليين وهم يتجولون في "أبو ظبي" و"دبي" و"المنامة". أما عن مصر، فلا غرابة أن يحدث الأمر بحكم العلاقات النوعية بين السيسي والإسرائيليين. من جهة أخرى، ظهرت صور الخليجيين، إماراتيين وسعوديين وبحرينيين، في الدولة العبرية واتخذ بعضها طابعًا رمزيًّا مستفزًّا.

وتستمر مصر في الغياب عن دورها الإقليمي التقليدي الذي أهلها له تاريخها وجغرافيتها وديمغرافيتها، وكان يلقى قبولًا واسعًا وله سوابق مؤثرة، ولكن الوضعية التي عرفتها مصر بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي واستمراره في السلطة حدَّا من هذا الدور، فتحولت إلى لاعب تابع في حلف تقوده السعودية وألجأتها حاجتها المادية الشديدة إلى الانقياد للدول المموِّنة.

وفي الملف الفلسطيني، تراجع الدور المصري الذي كان في الماضي رئيسًا في غزة، مهمًّا في عموم فلسطين.

ورغم المحاولات التي وقعت منذ حين لتحريك الشارع المصري من جديد والدور الكبير الذي لعبه رجل الأعمال الهارب، محمد علي، في ذلك، والأمل الذي بدأ يعود للساحة المصرية، فإن الأسلوب الصارم والقبضة الأمنية الشديدة مع تكثيف التعتيم الإعلامي، أوقفا ذلك أو أجَّلاه في الحد الأدنى.

كانت أزمة مياه نهر النيل والخلاف الذي كاد يتطور إلى احتكاك وحرب مع إثيوبيا مظهرًا آخر للتراجع وارتباك الدولة المصرية.

لقد كانت إثيوبيا حاسمة في موضوع سد النهضة وحولته إلى مشروع وطني يموله المواطنون ويتعلقون به، ونجح رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، في جعله جزءًا من مقاربة نهضوية ترافق الانفتاح السياسي وخطوات التنمية الصاعدة، بينما كان موقف السودان ومصر مرتبكًا مترددًا، وهو ما جعلهما عاجزتين بعد أن بلغ السد ما بلغ، وظهر حجم المخاطر على حصة البلدين من المياه.

إن التراجع الذي عرفه حلف الثورة المضادة شجَّع بلدانًا وأطرافًا في المنطقة -وقد لعب بعضها دورًا مهمًّا في هذا التراجع- على أخذ مبادرات وحبك تحالفات.

تبرز من بين هذه البلدان تركيا التي بنت سياستها على الوقوف في وجه الانقلاب المصري والتمدد الإماراتي، واستطاعت أن تحقق حضورًا مهمًّا في محيطها وحتى بعيدًا عنه.

ركزت تركيا على الملف السوري وحددت هدفًا لها، وهو منطقة آمنة داخل سوريا تحافظ بها على وحدتها الترابية، وتعطيها مجالًا جغرافيًّا تعيد إليه اللاجئين السوريين الذين مثَّلوا عبئًا على الاقتصاد التركي وتسببوا في مشاكل سياسية لحزب العدالة والتنمية الحاكم (من أسباب هزيمة الحزب في بلدية إسطنبول). ويبدو أن نجاح تركيا في عملية نبع السلام التي جعلت المنطقة الآمنة حقيقة على الأرض مع نواقص وتحديات واضحة أعطاها نَفَسًا إضافيًّا وخفف حجم التحديات التي تواجهها، وواصلت خطواتها النوعية الأخرى سواء اتفاقية أنابيب الغاز الأذربيجاني المارَّة من تركيا إلى أوروبا، أو اتفاقية الحدود البحرية مع ليبيا ممثَّلة في حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا.

ومع الحضور التركي الظاهر إقليميًّا وفي محيطها القريب والمتوسط، طوَّرت تركيا من حضورها الإفريقي الذي كان عنوانه الأبرز هو القمة التركية-الإفريقية وحجم التبادلات مع عدد من دول القارة.

يتعزز هذا النفوذ التركي بحضور رمزي في المواقف والتصريحات والأشكال يضفي حيوية وأَلَقًا خصوصًا بالنسبة للشعوب والتيارات المتعاطفة مع نظام أنقرة.

ولكن تركيا مع ذلك تواجه صعوبات من النوع الثقيل، فتدخلها في سوريا يواجه رفضًا كرديًّا ومن قبل نظام دمشق، ولا تفتأ الولايات المتحد الأميركية تتوعد تركيا بسببه، وروسيا تتعامل معه بحذر شديد، ولا تُخفى انحيازها لنظام الأسد في بعض إشكالات هذا التدخل، والأوروبيون اعترضوا، والجامعة العربية نددت، ولم تفتأ اتفاقية صواريخ إس400 تثير الولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو، ولم تنجح زيارة الرئيس، رجب طيب أردوغان، إلى واشنطن في حل هذه المشكلة وآثارها المتوقعة على برنامج طائرة إف 35 التي كانت تركيا طرفًا فيه تصنيعًا واستعمالًا من بعد.

والوضع السياسي الداخلي في تركيا يشهد تحولات في موازين القوى، سواء مع خسارة حزب العدالة والتنمية لبلديات مدن كبيرة من بينها العاصمتان أنقرة وإسطنبول، أو مع ظهور مشاكل داخل الحزب الحاكم، وهناك مشاريع ناشئة تتنافس على قاعدته، والأسماء الأكثر تداولًا هي رئيس الوزراء السابق، أحمد داوود أوغلو، والرئيس السابق، عبد الله غول، ووزير المالية، علي بابا جان، هذا فضلًا عن المشاكل الاقتصادية التي تثقلها أوضاع إقليمية وأمنية صعبة.

موازاة مع سياستها الحذرة تجاه روسيا والمشاكل مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والتوتر مع السعودية والصراع مع مصر، حاولت تركيا أن تجد متنفسًا شرقًا و هو ما التقى مع طموح ماليزي معروف عند رئيس الوزراء، مهاتير محمد، وحاجة باكستانية بيِّنة ترجمها موقف رئيس الوزراء، عمران خان، ومسعى قطري ما زال أصحابه محاصرين من الجوار القريب، وقبول إندونيسي تجاوب من قبل مع مبادرة الدول الثمانية أيام رئيس الوزراء التركي الأسبق، نجم الدين أربكان. وهكذا أعلن رئيس وزراء ماليزيا، مهاتير محمد، أن هذه الدول (تركيا وقطر وإندونيسيا وباكستان فضلًا عن ماليزيا) ستعلن عن تحالف في قمة تنعقد بالعاصمة الماليزية، كوالالمبور، في التاسع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2019، وهو تحالف لا تخفى أهميته الاقتصادية والسياسية والديمغرافية، إلا أن القمة انعقدت في النهاية برئاسة ماليزيا ومشاركة قطر وتركيا وإيران.

لاعب إقليمي آخر ذو دور مهم هو إيران التي استطاعت أن تصمد في وجه عواصف عاتية خلال الفترة الماضية، وتوسع من دائرة تأثيرها في المنطقة خصوصًا في اليمن وسوريا والعراق ولبنان والبحرين، وإن كان بعض هذا الحضور يواجه صعوبات حقيقية هذه الأيام خصوصًا في العراق وإلى حدٍّ ما في لبنان، وإلى جانب ذلك تدير علاقات مهمة مع المقاومة في فلسطين ومتوازنة مع قطر المحاصرة من جيرانها ولديها تفاهمات حذرة مع روسيا الاتحادية وتركيا.

عانت إيران من عقوبات الرئيس، دونالد ترامب، ومن خروجه من الاتفاقية النووية التي اعتُبرت في وقتها نجاحًا كبيرًا للإيرانيين يعيدهم للساحة الدولية ويكون سببًا للتطبيع معهم، وهو ما ظهر في تدافع الشركات الكبرى والوفود المختلفة على طهران، وقد تأثر الاقتصاد الإيراني بالعقوبات أيما تأثر ودفعت النظام إلى اتخاذ مواقف وسياسات اجتماعية صعبة كان آخرها الزيادات في البنزين التي حركت الشارع الإيراني على نطاق واسع، ولم تخفت إلا إثر تشديد القبضة الأمنية، فضلًا عن التوظيف التقليدي لخطر التدخل الأجنبي واستدعاء الروح الوطنية في مواجهة ذلك.

تستمر القضية الفلسطينية عنوانًا مؤثرًا على المشهد في هذه المنطقة، ولا يعقد كثيرون أملًا كبيرًا على التوافقات الفلسطينية الأخيرة لإجراء انتخابات عامة ورئاسية في الضفة وغزة والقدس لهشاشة الثقة بين الطرفين الرئيسين، وهما: حركة حماس وحركة فتح، ولحجم العراقيل الإسرائيلية المتوقعة أمام أي توافق فلسطيني خصوصًا إذا تعلق بالانتخابات.

ليس خافيًا أن ما عُرف في الفترة الأخيرة بصفقة القرن قد واجه فشلًا أو تراجعًا أو تأجيلًا في الحد الأدنى، فلا الطرف الفلسطيني الرسمي موافق (اتخذت الرئاسة في رام الله وقيادة فتح مواقف قوية من الرئيس الأميركي إثر اعترافه بالقدس ثم بشرعية المستوطنات) ولا الأطراف العربية التي كانت وعدت أو أوحت بتأييد هذه الصفقة بقادرة على فعل ما يتطلبه ويقتضيه ذلك لانشغالها بأزماتها من ناحية، ولخوفها من الظهور الصريح إلى جانب الصفقة من ناحية أخرى.

يحدث كل هذا وإسرائيل تمر بأزمة سياسية عنوانها الأبرز رئيس الوزراء المنتهية ولايته، بنيامين نتنياهو، الذي يُكسبه تطرفه وخطاب الكراهية عنده شعبية معتبرة في أوساط اليمين واليمين المتطرف، لكن تراجعه السياسي في الانتخابات الأخيرة، وملفات الفساد التي تُضيِّق الخناق حوله قضائيًّا وأخلاقيًّا، يقربانه من السقوط وربما مجاورة سلفه، أولمرت، في السجن الإسرائيلي.

كان العنوان الأبرز في هذا العام هو حراك الشعوب في عدد من بلدان المنطقة من السودان إلى العراق إلى لبنان، وكان أن تحركت مصر قبل أن تُقمع من جديد.

لقد توقع بعض الكتَّاب والمحللين أن ما عُرف بالربيع العربي سيكون على شكل موجات تنطلق متتالية عند توافر شروطها وأسبابها. وسواء كان الذي حدث في العام (2019) هو موجة جديدة من الربيع العربي أو كان حراكًا آخر مختلفًا في شكله ومطالبه، فإن ساحات عديدة عرفت هبَّات شعبية لم تكن في التوقعات، ففي السودان البلد الذي نجح نظامه السابق بقيادة الرئيس، عمر البشير، في إسكات محاولات عديدة للتحرك الشعبي ضده، انتفض قطاع واسع من الناس واستمر على انتفاضته حتى أوهنت نظام البشير وكانت القوات المسلحة -الموصوفة سابقًا بالولاء القوي للبشير- مضطرة للتجاوب مع الثائرين في الشارع فأطاحت بالنظام ولم تستقر الأحوال إلا بعد تسليم الحكومة للتيارات القائدة للانتفاضة وإبعاد عناصر عسكرية اتُّهمت بالقرب من الإسلاميين (المؤتمر الوطني)، ولا تبدو الحكومة الجديدة -مدعومة في ذلك بالمجلس السيادي- مترددة في تصفية النظام السباق، وآخر تجليات ذلك قانون تصفية الإنقاذ القاضي بحل المؤتمر الوطني والعزل السياسي لقياداته ومنعهم من العمل السياسي 10 سنوات.

يواجه السودان صعوبات كثيرة داخليًّا، على المستويات الاقتصادية والأمنية والمعيشية، وخارجيًّا، في إدارة العلاقة مع الأحلاف في المنطقة وحدود التقارب مع هذه الجهة أو تلك، ويواجه الوجود السوداني في اليمن أكبر الإشكالات خصوصًا بعد المعلومات المتداولة عن الخسائر البشرية هناك.

أما في العراق، فكان الحراك الشعبي أقوى في بيئة صعبة ومعقدة لأسباب راهنة وتاريخية.

اجتمعت في الحالة العراقية الأسباب الاقتصادية والمعيشية مع الهشاشة السياسية، فرغم أن البلد يملك ثاني احتياطي عالمي من النفط، وهو ثاني أكبر منتِج في منظمة الأوبك فإنه يعيش وضعًا اقتصاديًّا صعبًا وحالة معيشية مزرية لكثير من الناس (معدل الفقر يتجاوز 22%، وجنوبًا يصل إلى 31%، ونسبة البطالة تجاوزت 42%)، ناتجة في المقام الأول عن الطائفية المهيمِنة، والتي يحمِّلها الكثيرون حماية الفساد المستشري في أوصال الدولة.

انطلقت الموجة الأولى من الاحتجاجات في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2019 ثم توقفت، فكان استئناف الموجة الثانية، في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2019، والتي ما زالت مستمرة حتى الآن، ورغم التكلفة المتزايدة (القتلى بالمئات والجرحى بالآلاف)، فإن انتفاضة العراقيين العابرة للطوائف في مشهد غير مسبوق منذ الاحتلال الأميركي مستمرة وتتزايد أعداد المظاهرات والمتظاهرين وقد حققت أولى أهدافها باستقالة رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، لتحتفل بذلك وتُواصل في جوٍّ يتساءل فيه الكثيرون عن أهداف ومقاصد هذا الحراك: هل تبقى في حدود تحسين وإصلاح النظام (حكومة جديدة، قوانين جديدة، انتخابات جديدة) أم إنها مع توسع الحراك وصموده ستنتقل إلى تغيير النظام وإسقاط الطائفية السياسية التي قام عليها نظام ما بعد الاحتلال؟!

جاء الحراك الشعبي في لبنان في جوٍّ متأزم في البلد وحوله وجاء شبيهًا بالذي كان في العراق.

كانت الشرارة الأولى في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 (بين موجتي الحراك العراقي) وإثر تصريحات حكومية عن ضرائب جديدة مباشرة في موازنة 2020، وكان التضخم في هذا البلد ذي الاقتصاد الرخو شديد التأثر بما حوله قد وصل في العام السابق 2018 (%6.1) بزيادة نقطة ونصف تقريبًا عن عام 2017 (%4.7). كانت الشعارات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية هي الطاغية، فتجاوبت بيروت كما الشمال والجنوب، ثم اتجهت سهام الاحتجاج للطائفية، وَوُصفت بأنها السبب في تدهور أوضاع البلد.

سارعت قوى سياسية إلى تبني الحراك والمشاركة فيه، كل حسب وضعيته، ويتعلق الأمر هنا بالحزب التقدمي الاشتراكي الذي يقوده الزعيم الدرزي، وليد جنبلاط، وحزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، وحزب الكتاب اللبنانية الذي يتزعمه أمين الجميل، ولم تكن أوساط سُنِّية بعيدة عن هذا الحراك سواء في طرابلس أو في بيروت. وفي الكفة الأخرى كانت هناك مواقف رافضة أو متحفظة في الحد الأدنى وينطبق ذلك على الثنائي الشيعي، حزب الله الذي يقوده حسن نصر الله وحركة أمل بزعامة رئيس مجلس النواب، نبيه بري، والتيار الوطني الحر الذي يقوده وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، جبران باسيل، صهر الرئيس، ميشال عون.

استقال رئيس الحكومة، رفيق الحريري، بعد محاولات أسند مسؤولية إفشالها لشركائه في الحكومة، ولم تستطع القوى الرئيسية حتى الآن التوافق على رئيس حكومة جديد.

يتوسع الحراك وتظهر بين الفينة والأخرى محاولات احتكاك، طائفية حينًا وسياسية حينًا آخر، ولا يُدرى إلى أي مصير يمكن أن يقود ذلك. وكما في العراق يتساءل كثيرون: هل يكتفي الحراك اللبناني بإصلاحات قد تقبل بها القوى الرئيسة، تتعلق بشكل الحكومة وأولوياتها وتغيير بعض القوانين وربما إجراء انتخابات سابقة لأوانها أم إن إسقاط النظام الطائفي -وهو ليس بتلك السهولة- سيكون هدفًا لا تنازل عنه.

تكشف تطورات المشهد في الشرق الأوسط وما حوله شرقًا وغربًا أن ثمة فاعلين دوليين تتقاطع مصالحهم وتتشابك اتجاهاتهم ويبحثون في الإقليم عن تحالفات وتفاهمات توسِّع من نفوذهم، كما تكشف أن قوى إقليمية مؤثِّرة يتنافس بعضها وتتناقض تحالفاتها سيكون لها دور في اتجاه الأحداث ومستقبل التطورات، وتكشف أكثر أن ثمة خطوطًا عديدة وتداخلات لا تُحصى بين الأطراف الدولية والإقليمية وبين المجالات ذات الأهمية: الاقتصادية والأمنية والسياسية، ولا شك أن هذه المنطقة من العالم تمثِّل بؤرة توترات جعلتها محطَّ اهتمام لا يخلو منه ذو طموح أو ذو قوة أو ذو تطلع.

ثالثًا: المشهد الإفريقي

وهو محوران: المغرب العربي وتطوراته وإفريقيا جنوب الصحراء وآفاقها.

تشكِّل الجزائر البلد الأكثر حضورًا في مشهد التطورات خلال العام خصوصًا بعد انطلاقة حراكها الشعبي منذ شهر فبراير/شباط 2019.

كانت قوة الحراك والأمواج البشرية المشاركة وسلميته الصارمة وعنوانه الوطني الجامع والمستعصي على محاولات التجيير السياسي والأيديولوجي كفيلة بالنسبة لكثيرين بتحقيقه لأهدافه.

نجح الحراك الشعبي في دفْع الرئيس، عبد العزيز بوتفليقة، إلى الانسحاب من المشهد وفَرَضَ على الرأي العام تقويمًا للساحة بموجبه ينبغي إسقاط أركان نظام بوتفليقة وتحقيق الإصلاحات.

انخرط في حراك الجزائر كثير من القوى السياسية دون شعاراتها الخاصة، وتفاعلت معه المكونات المهنية والتنظيمات الطلابية، ولكن المؤسسة العسكرية ممثلة في قيادتها وشخصها الأول، الجنرال قائد صالح، رفضت أن تساير الحراك بل وضعت خطتها على حساب بعض مطالبه البارزة، وهكذا أسهمت في دفع الرئيس، بوتفليقة، إلى الاستقالة وحمت خلفاءه في السلطة خصوصًا الرئيس المؤقت، ابن صالح، والوزير الأول المعين من قبل بوتفليقة، ودفعت الأمور في اتجاه مسار وصفته بالدستوري يفضي إلى انتخابات رئاسية في أسرع ما يمكن. وقد جرت هذه الانتخابات، في 12 ديسمبر/كانون الأول 2019، وتمخضت عن فوز عبد المجيد تبون أحد أركان نظام بوتفليقة، لكن الحراك رفض الانتخابات ونتائجها -رغم ما يتعرض له من مضايقات واعتقالات ودعايات. مع ذلك، يظل السؤال مطروحًا: هل سيتمكن الرئيس الجديد المرفوض من الحراك والمطعون في شرعيته، من النجاح في تهدئة الأجواء وإيقاف أو تخفيف الحراك؟

قريبًا من الجزائر، تواصل تونس مسارها ذا الخصوصية في مناخ لا يساعد على المستويين الإقليمي والعربي. ومع ذلك، استطاعت بصعوبة اجتياز الاختبار الديمقراطي الجديد لسنة 2019 فنظمت انتخاباتها الرئاسية والبرلمانية وأفرزت رئيسًا ذا ألق شعبي كبير، هو الرئيس قيس سعيد، الذي انتصر على حساب القوى السياسية والمالية المختلفة، وبرلمانًا ذا ألوان كثيرة دون أغلبية تلقائية، وإن ظلت حركة النهضة في مقدمة كُتَلِهِ مما سهل لها وصول رئيسها، راشد الغنوشي، إلى رئاسة البرلمان وتكليف من اقترحته، المهندس حبيب الجملي، بتشكيل الحكومة التونسية الجديدة.

وقد أفضت التطورات الداخلية في تونس إلى غياب أحزاب وبروز أخرى؛ فتراجع حزب نداء تونس الذي أسسه الرئيس السابق، الباجي قائد السبسي، إلى الحد الذي كاد معه يندثر، وهو نفس المصير لليسار التونسي الراديكالي ممثَّلًا في الجبهة الشعبية ورمزها الأبرز، حمة الهمامي، وبرز قلب تونس الذي يقوده رجل الأعمال ومرشح الرئاسيات الخاسر، نبيل القروي، وانتعش القوميون العرب من خلال تقدم حركة الشعب.

وتستمر التجربة المغربية بوتيرتها المعهودة مع استقرار سياسي تمثَّل في استمرار الائتلاف الحكومي الذي يقوده حزب العدالة والتنمية، وتوتر اجتماعي عكسه حراك الريف وتداعياته المختلفة.

ولئن كان المغرب قد احتوى موجة الربيع العربي وسارع إلى إصلاحات سياسية أرضت قطاعًا كبيرًا من التيارات والأحزاب، فإنه -ومع تراجع الربيع العربي وتقدم الثورة المضادة- حافظ على مكتسباته دون تطوير أو توسيع ودون تراجع كبير يؤثِّر على صورة المغرب الديمقراطي. ومع عدم تأثر المغرب بتطورات الجزائر كثيرًا فإنه مهتم بمآلات الأمور في الجار الأكبر خصوصًا انعكاسات ذلك على قضية الصحراء.

واستفادت موريتانيا من أجواء الدعوة لاحترام الدساتير خصوصًا في شأن المأموريات وحدودها، وهكذا شهدت مغادرة رئيس ومجيء آخر بعد انتخابات رئاسية شارك فيها الطيف السياسي بمختلف تشكلاته.

ويبدو أن وصول الرئيس، محمد ولد الشيخ الغزواني، بداية انفراج كانت تحتاجه البلاد، خصوصًا مع ملفات اجتماعية وأمنية عصيَّة، وفي أفق وضع اقتصادي مغرٍ بعد الاكتشافات الغازية المعتبرة. 

وتتميز ليبيا بكونها ميدانًا لقوى الثورة المضادة التي تدعم -ومعها جهات دولية معروفة- اللواء خليفة حفتر، الذي تستمر قواته في حرب ضروس ضد الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًّا، وقد أضرَّ هذا الصراع المزمن باستقرار البلد السياسي وتعافيه الاقتصادي.

ومع النجاحات العسكرية التي حققتها قوات الحكومة الشرعية، وتمكنها من إبعاد قوات حفتر وتحرير مناطق كانت بحوزة هذه الأخيرة خصوصًا في غريان، فإنه لا تبدو في الأفق نهاية قريبة لهذا الصراع الذي أصبح ميدانًا لاستثمار قوى دولية وإقليمية عديدة. 

أما محور إفريقيا جنوب الصحراء، فيمكن تصور الحال فيه خلال العام من خلال الوقفات التالية: 

- تتمدد الظاهرة الديمقراطية باطِّراد في هذه المنطقة، وأصبح للاتحاد الإفريقي -رغم نواقصه- دور في حماية الوضعيات الدستورية في ظل وجود الانقلابات والتهديد بها، بل إن الوضع الديمقراطي في بعض الدول الإفريقية أصبح نموذجًا في استقراره والتعود عليه وسلاسة التداول على السلطة من خلاله (حالة السنغال والنيجر وبوركينافاسو والكونغو الديمقراطية وحتى نيجيريا وغانا وغيرهما). 

- أصبحت بعض النماذج التنموية في القارة الإفريقية مثالًا يُشاد به في المحافل الدولية، حكامة وعمرانًا وتطورًا لا تخطئها عين المراقب والمتابع، وتُذْكَر رواندا بزعيمها، بول كاغامي، في هذا الباب، والتي صُنِّفت أخيرًا باعتبارها البلد السابع في ترتيب البلدان الأحسن حكامة في العالم، كما تُذكر إثيوبيا بالقفزة التي حققتها في مجالي الحكامة والتنمية.

- يتزايد الاهتمام من قبل دول العالم القوية والطَّموح بالقارة الإفريقية، وقد تُرجم ذلك من خلال القمم المشتركة التي أصبحت تناهز العشر، القمة الفرنسية-الإفريقية، والقمة الأميركية-الإفريقية، والقمة الصينية-الإفريقية، والقمة اليابانية-الإفريقية، والقمة التركية-الإفريقية، والقمة الإسرائيلية-الإفريقية رغم رفضها من عدد من الدول الإفريقية، والقمة الروسية-الإفريقية، وثمة جهود هندية في هذا الاتجاه، ولألمانيا وكندا والبرازيل اهتمام بالقارة الواعدة.

- يشهد عدد من بلدان المنطقة اكتشافات كثيرة خصوصًا في مجال الطاقة سواء في الغرب الإفريقي (السنغال وموريتانيا) أو في قلب القارة (أنغولا والكونغو)، هذا فضلًا عمَّا كان موجودًا معلنًا كان أو مخفيًّا، ويشير مراقبون كثر إلى الأهمية الاقتصادية المتزايدة لإفريقيا خصوصًا في ظل مشاكل وتحديات اقتصادية صعبة في أطراف عدة من العالم.

واضح أن عام 2019 كان عام حراك واسع وفيه من المتغيرات ما أثَّر في مناطق عديدة ورُسمت فيه خطوط ووقعت فيه تداخلات في أكثر من ملف وموضوع، وستنتقل أمواج هذا العام إلى العام الجديد، 2020 ليكون مجالًا لحركية واسعة ومشاهد حية وقوية -لا شك- ستجعله أكثر إثارة.

نبذة عن الكاتب