حرب ناغورنو قرة باغ: موازين قوى جديدة في جنوب القوقاز

انتهت حرب ناغورنو قرة باغ بمنتصريْن رئيسييْن، هما: أذربيجان وتركيا، وأربعة خاسرين رئيسيين، هم: أرمينيا وفرنسا والولايات المتحدة وإيران.
19 نوفمبر 2020
(الجزيرة)

في ساعة متأخرة من 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، أُعلن في موسكو عن توصل أرمينيا وأذربيجان إلى اتفاق يتضمن وقفًا شاملًا لإطلاق النار، يبدأ في اليوم التالي، وحل للنزاع المديد حول إقليم ناغورنو قرة باغ. لم يأخذ المراقبون الإعلان الروسي مأخذ الجد، بعد أن شهدت الحرب الأذرية-الأرمينية، منذ بدايتها، أكثر من اتفاق لوقف إطلاق النار، فقد انهار معظمها خلال ساعات من الإعلان. ولكن، وما إن سُرِّبت تفاصيل الاتفاق، الذي وصفه بوتين بالثلاثي (بمعنى أنه روسي-أذري-أرميني)، حتى تبين حجم الهزيمة التي أُوقِعت بالجانب الأرميني، واتضحت جدية ما تم التوصل إليه. وفي حين وصف رئيس الحكومة الأرميني، نيكول باشينيان، الاتفاق بالمؤلم، اعتبره الرئيس الأذري، إلهام علييف، الذي خاض الحرب باعتبارها حربًا مصيرية لأذربيجان ولرئاسته، على السواء، نصرًا حاسمًا لبلاده، ساخرًا من باشينيان ومستخدمًا لغة غير سياسية لوصف الاندحار الأرميني.

لماذا انتهت الحرب إلى ما انتهت إليه؟ وما الأطراف التي يمكن وصفها بالخاسرة في هذه الحرب، وتلك التي انتصرت؟

حرب الأسابيع الستة

اندلعت الحرب بصورتها الشاملة، في 27 سبتمبر/أيلول 2020، بعد سلسلة متقطعة من المناوشات بين الطرفين على حدود التماس في إقليم ناغورنو قرة باغ المتنازع عليه، واستمرت نحو ستة أسابيع. هذه هي الحرب الثالثة حول الإقليم، الذي يرمز الصراع فيه إلى موروثات دينية وثقافية وديمغرافية بالغة الاشتباك، وتعود جذوره إلى نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط السلطنة العثمانية.

بدأت الجولة الأولى من الصراع في نهاية الثمانينات، عندما اندلع حراك قومي أرميني في ناغورنو قرة باغ، الذي تمتع بالحكم الذاتي داخل جمهورية أذربيجان، مطالبًا بانفصال الإقليم والوحدة مع أرمينيا، في ظل سياسة الغلاسنوست التي اتبعها غورباتشوف وأدت إلى انفجار المسألة القومية في أكثر من جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفيتي. ولكن النزاع بين أذربيجان وأرمينيا لم يتطور إلى حرب شاملة إلا مع نهاية 1991، عندما وقع الانهيار الفعلي للاتحاد السوفيتي. مالت الحرب في مراحلها الأولى لصالح أذربيجان، ولكن انخراط أعداد متزايدة من الضباط السوفيت السابقين، والاستخدام الكثيف لطائرات الهيلوكوبتر المسلحة، إلى جانب حالة عدم الاستقرار السياسي في باكو، أدى في النهاية إلى إنهاك الجيش الأذري وهزيمته.

انتهت الحرب الأولى بوقف لإطلاق النار، في 1994، وليس باتفاق سياسي نهائي. وقامت منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، التي لعبت دورًا نشطًا في الوساطة، بتشكيل لجنة من روسيا الاتحادية والولايات المتحدة وفرنسا، عُرفت بعد ذلك باللجنة الرئاسية لمجموعة منسك، لقيادة التفاوض بين الطرفين والعمل على التوصل إلى حل نهائي. على الأرض، حققت أرمينيا سيطرة شبه كاملة على إقليم ناغورنو قرة باغ، وعلى كل الشريط الحدودي الأذري، الذي يفصل الإقليم عن أرمينيا. ولأن الصراع اتسم منذ بدايته في نهاية الثمانينات بقدر واسع من الوحشية والجرائم ضد المدنيين، فقد دفع الانتصار الأرميني إلى تهجير ما يقارب المليون من الأذريين من قرة باغ ومن الشريط الحدودي الأذري مع أرمينيا.

بالرغم من أن الأمم المتحدة، بموافقة روسية، اعتبرت الأراضي الأذرية أراضي محتلة، وأن المجتمع الدولي لم يعترف مطلقًا بالجمهورية الأرمينية التي أُعلنت في قرة باغ، فقد فشلت اللجنة الثلاثية لمجموعة منسك في تحقيق أي تقدم نحو حل النزاع. ففي أبريل/نيسان 2016، اندلعت الحرب من جديد وعلى نطاق واسع، وليس من السهل التعرف على الطرف الذي بدأها، سيما أن المناوشات لم تتوقف مطلقًا بين الطرفين على خطوط التماس. ولكن تلك الحرب، التي استمرت لأيام أربعة فقط، أظهرت ثقة أذرية كبيرة بالنفس. وانتهت الحرب كسابقتها بوقف لإطلاق النار، بعد أن أحرزت أذربيجان تقدمًا لعدة عشرات من الكيلومترات المربعة في عدد من المواقع الاستراتيجية.

طوال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عملت أذربيجان على إعادة بناء قواتها المسلحة. وبالرغم من أن تقارير تفيد بأن أذربيجان، التي تربطها علاقات جيدة مع إسرائيل، حصلت على معدات عسكرية متقدمة من الجانب الإسرائيلي، إلا أن المؤكد أن تركيا لعبت الدور الرئيس في بناء القوات المسلحة الآذرية، سواء بتوفير معدات وأدوات عسكرية حديثة، أو من خلال الدعم الاستخباراتي والمساعدة التي يقدمها الخبراء العسكريون الأتراك. في صيف 2020، وقبل شهور قليلة فقط من اندلاع الحرب الثالثة، أُجريت مناورات عسكرية مشتركة، أذرية-تركية، في أذربيجان للمرة الأولى، شاركت فيها وحدات نخبة من القوات المسلحة التركية، ووُصفت بأنها كانت التمهيد الفعلي للحرب.

ما إن اشتعلت نيران الحرب من جديد، في 27 سبتمبر/أيلول 2020، بعد اتهامات متبادلة من الطرفين بخرق وقف إطلاق النار، حتى اتضح أن الجانب الأذري يتمتع بتفوق ملموس، سواء على مستوى التعبئة والتخطيط، أم على مستوى التقنية العسكرية. وليس ثمة شك في أن الطائرات التركية المسيَّرة لعبت دورًا كبيرًا في تحقيق هذا التفوق وفي ضبط إيقاع الحرب. ولكن التقدم الأذري على الأرض، بالرغم من أنه استمر بلا تراجع، كان بطيئًا. ونظرًا للحساسية الاقتصادية لجنوب القوقاز، والتداخل الإثني، وتعدد الأطراف الإقليمية ذات الاهتمام البالغ بمسار الحرب، تحركت روسيا والولايات المتحدة للعمل على وقف إطلاق النار. ولكن، لا الاتفاقات التي أُعلن عنها في موسكو، ولا الاتفاق الذي عملت عليه الخارجية الأميركية، نجح في الصمود.

أخفقت اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة لسببين، يعود الأول إلى آمال الجانب الأرميني في أن يدفع استمرار الحرب إلى تدخل روسي. ويعود الثاني إلى تصميم الجانب الأذري على أن تفرض هذه الجولة من الحرب حلًّا جوهريًّا لمسألة قرة باغ وتحقق انسحابًا أرمينيًّا كاملًا من أراضي أذربيجان؛ الأمر الذي لم تعالجه كافة الاتفاقات السابقة. ما ساعد في النهاية على التوصل لاتفاق 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 كان إعلان موسكو الصريح أن اتفاقية الأمن الجماعي التي تُعتبر أرمينيا عضوًا فيها لا تتضمن التدخل من أعضاء الاتفاقية الآخرين، بما في ذلك روسيا، لمساعدة أرمينيا عسكريًّا في حروب تخوضها الأخيرة خارج حدودها. بمعنى، أنه طالما لم تكن حدود أرمينيا مهددة، فليس ثمة أساس قانوني لتدخل عسكري روسي. بذلك، ترُكت أرمينيا منفردة في مواجهة آلة عسكرية أذرية حديثة، كفؤة، ومتفوقة بصورة ملموسة.

ومع استمرار التقدم الأذري على الأرض، سيما بعد السيطرة على مدينة شوشة التاريخية وذات الموقع الاستراتيجي (تشرف على عاصمة قرة باغ ولا تبعد عنها سوى 20 كيلومترًا)، في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني، لم يكن ثمة مهرب من إقرار يريفان بالهزيمة والقبول بشروط باكو. وكما أقرَّ رئيس الحكومة الأرمينية، في تبريره لتوقيع اتفاق 9 نوفمبر/تشرين الثاني، كان الجيش الأرميني عندها قد أُنهك، وبات سقوط عاصمة قرة باغ وشيكًا، مع كل ما تحمله تلك النهاية من خسائر مدنية وعسكرية ورحيل عشرات الآلاف من سكان قرة باغ الأرمن من مدنهم وقراهم.

دعم تركيا رجح ميزان أذربيجان ( إردوغان يمين الصورة و علييف)
دعم تركيا رجح ميزان أذربيجان ( إردوغان يمين الصورة و علييف)

وضوح الاتفاق وغموضه

طبقًا لما نُشر من نصوص اتفاق 9 نوفمبر/تشرين الثاني، أُعلن وقف شامل لإطلاق النار في كافة نقاط التَّماس في اليوم التالي، مع احتفاظ قوات الطرفين بمواقعها كما هي عليه. بمعنى أن الاتفاق لا يفرض على أذربيجان التراجع عمَّا حققته في أسابيع الحرب الستة. وهذا ما تم فعليًّا، بعودة الهدوء إلى جبهات القتال في اليوم التالي، دون انتهاكات ملموسة لوقف إطلاق النار. وبدأ مباشرة، وطبقًا للاتفاق، أيضًا، تبادل الأسرى وجثث قتلى الحرب بين الطرفين.

تضمن الاتفاق جدولًا لانسحاب القوات الأرمينية من كافة أراضي أذربيجان مع منتصف ديسمبر/كانون الأول. ولكن، ونظرًا لأحوال الطقس، طلبت أرمينيا، ووافقت أذربيجان، على تأجيل المواعيد المتفق عليها لعشرة أيام. كما تقوم روسيا بنشر قوة سلام عسكرية من 1960 جنديًّا في عدة نقاط حول قرة باغ، وعلى ممر لاتشين، الذي يصل قرة باغ بأرمينيا، لحفظ السلام وتأمين المدنيين. وسيستمر عمل قوة السلام الروسية لمدة خمس سنوات، تُجدَّد تلقائيًّا إن لم يعترض أحد الطرفين المتحاربين. كما يتضمن الاتفاق إقامة مركز مراقبة روسي-تركي في أراضي أذربيجان، للتأكد من استمرار وقف إطلاق النار وتنفيذ ما اتُّفق عليه.

وقد أثار تعليق وزير الدفاع التركي على الاتفاق بعضًا من اللغط عندما أشار إلى أن القوات المسلحة التركية ستُوجد في أذربيجان للمشاركة في وضع نهاية للحرب. ولكن الاتفاق لم يُشِر إلى دور تركي في قوات حفظ السلام، بل إلى شراكة روسية-تركية في مركز مراقبة وقف إطلاق النار. وفي 16 نوفمبر/تشرين الثاني، تقدمت الحكومة التركية للبرلمان بطلب الموافقة على نشر قوة عسكرية تركية في أذربيجان، وهو ما كشف عن أن تركيا وأذربيجان اتفقتا على وجود عسكري تركي، لفترة غير محددة، طبقًا لاتفاقية التعاون الاستراتيجي بين البلدين. وكانت سلسلة من الاجتماعات بين عسكريين روس ونظرائهم من الأتراك، في أنقرة، قد انتهت في 14 نوفمبر/تشرين الثاني، بتنظيم مشاركة الطرفين في مركز المراقبة المزمع إقامته، وتحديد طرق التعاون الأخرى.

أخيرًا، ينص الاتفاق، إضافة إلى ذلك، على تأمين الطريق الرابط بين قرة باغ وأرمينيا، وفتح وتأمين الطريق الذي يصل إقليم ناختيشنيان الأذري بأذربيجان الأم.

في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق، علَّق الرئيس الأذري على نهاية الحرب بقوله: إن إقليم قرة باغ سيعود كاملًا إلى السيادة الأذرية، وإن العملة الآذرية فقط ستكون العملة المتداولة في الإقليم. وفي أول إشارة إلى تخليه عن مقترح حكومته السابق بمنح الإقليم حكمًا ذاتيًّا داخل أذربيجان، وهي الصفة التي كان يتمتع بها أثناء الحقبة السوفيتية، قال علييف: إن نظام الحكم الذاتي لن يُمنَح في أذربيجان، لا لقرة باغ ولا لأي إقليم آخر.

المشكلة، بالطبع، أن ما عُرِف من اتفاق 9 نوفمبر/تشرين الثاني يحمل قدرًا من الغموض حول مصير ووضع قرة باغ، أو على الأقل الجزء من الأقليم الذي لم تكن أذربيجان سيطرت عليه أثناء أسابيع الحرب. وبوجود قوة حفظ السلام الروسية في محيط قرة باغ، سيصبح من الصعب حسم وضع الإقليم دون موافقة روسية، ما لم تكن موسكو قد وافقت ضمنيًّا على عودة السيادة الأذرية على كافة أراضي الإقليم، بغضِّ النظر عن وضع الحكم الذاتي.

الرابحون والخاسرون

لم تكن مسألة قرة باغ، ولا جولات الحرب الثلاثة حولها، مجرد صراع أذري-أرميني. فطوال سنوات الصراع الثلاثين حول الإقليم، لعبت كل من روسيا وفرنسا والولايات المتحدة أدوارًا متفاوتة في مسار الصراع والتفاوض، ومن ذلك تولِّيها اللجنة الرئاسية المفوَّضة من مجموعة منسك للمساعدة على إيجاد حل تفاوضي لمسألة قرة باغ. ولاعتبارات قومية، وتاريخية، واستراتيجية، كانت تركيا أيضًا طرفًا مباشرًا، وكذلك كانت إيران، التي تربطها علاقات بالغة التناقض والتعقيد بجارتيها الأذرية والأرمينية.

وبالرغم من أن من المبكر التيقن من أن مسألة قرة باغ والصراع الأذري-الأرميني قد انتهيا بصورة حاسمة، تكشف جولة الحرب الثالثة عن رابحين وخاسرين.

أول الرابحين هو أذربيجان، التي لم تتمكن لأكثر من ثلاثين عامًا من استعادة أرضها المحتلة بدعم من الوسطاء الدوليين، لكنها خلال ستة أسابيع فقط من الحرب، وبخسائر محدودة نسبيًّا، توشك أن تحقق كافة أهدافها، بما في ذلك وحدة البلاد، وخروج المحتلين، ومشاركة ملموسة من الحليف التركي في حل الأزمة، وعلاقات أفضل مع روسيا، إضافة إلى طريق آمن إلى إقليم ناختيشنيان، الذي تفصلها عنه أرمينيا.

تركيا، أيضًا، خرجت رابحة من هذه الحرب. ليس فقط لأن تحالفها مع أذربيجان ومراهنتها عليها جاءت بنتائج فعالة وملموسة، ولكن أيضًا لأن الانتصار الأذري يؤسِّس لوجود عسكري تركي في أذربيجان للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى. كما أن طريق تركيا التجاري مع أذربيجان ودول وسط آسيا الأخرى سيكون أيسر وأقصر، بعد أن انتهت الحاجة لمرور النقل التجاري التركي نحو باكو والشرق الآسيوي عبر الأراضي الإيرانية. وإذا ساد السلام في النهاية، وفُتحت الحدود التركية-الأرمينية، ستصبح طرق التجارة التركية مع جنوب القوقاز ووسط آسيا أكثر أمنًا ويسرًا.

وليس ثمة شك في أن الموقف الحيادي الذي اتخذته روسيا من الحرب وفَّر لها فرصة أكبر لتعزيز نفوذها في جنوب القوقاز. فالعسكر الروسي يعود بذلك إلى أذربيجان، التي كانت قد رفضت الانضواء في اتحاد الدول المستقلة واتفاقية الأمن الجماعي، للمرة الأولى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. والوجود العسكري الروسي، حتى باسم حفظ السلام، إضافة إلى القاعدة العسكرية الروسية في أرمينيا، يجعل من روسيا القوة الأولى بلا منازع في جنوب القوقاز. ولأن الحرب انتهت بهزيمة فادحة لأرمينيا، ثمة أمل في موسكو بأن تؤدي المعارضة المتصاعدة لرئيس الحكومة الأرميني، المعروف منذ توليه الحكم، في 2018، بميوله الغربية، إلى تغيير النظام في يريفان، أو تغيير التوجهات، على الأقل.  

في المقابل، كانت خسائر أرمينيا فادحة. وكان صعود نيكول باشينيان للحكم، إثر انتفاضة شعبية في 2018، قد أُحيط بمناخ من التفاؤل بالنظر إلى تاريخه ومواقفه السابقة. ولكن باشينيان فاجأ الجميع في جولة التفاوض التي أعقبت تسلمه رئاسة الحكومة باتخاذ موقف متصلب في تسوية النزاع مع أذربيجان. كما لم تتورع أرمينيا في العامين الأخيرين عن استفزاز أذربيجان باختراقات متفاوتة الحجم لوقف إطلاق النار، وشن هجمات عسكرية في مختلف نقاط التماس. وحتى عندما اندلعت نيران الحرب في نهاية سبتمبر/أيلول، لم يدرك باشينيان جدية ولا حجم التحدي الذي يواجهه، واستمر في رفضه مطالب أذربيجان بالانسحاب، مراهنًا على الدعم الغربي، أو منتظرًا التدخل الروسي. ولو قبل باشينيان حلًّا تفاوضيًّا في 2018، ما كان جيشه تكبد الخسائر التي تُقدَّر بآلاف الإصابات في الحرب، ولا كان المواطنون الأرمن الذين يقطنون قرة باغ وجوارها، سواء بصورة شرعية أو غير شرعية، قد اضطروا إلى الهروب الجماعي إلى أرمينيا.

فرنسا، التي ساندت أرمينيا طوال سنوات، بفعل ضغوط الأقلية الأرمينية الفرنسية، أو بدوافع دينية أو استراتيجية، خرجت أيضًا خاسرة. فلا هي استطاعت أن تلعب دورًا فعالًا ضمن لجنة الوساطة الثلاثية، ولا هي أظهرت قدرة وعزمًا على تقديم مساندة فعالة لأرمينيا. ولا تقل خسارة الولايات المتحدة، المنشغلة بأزمة ما بعد الانتخابات الرئاسية، عن خسارة فرنسا. فقد أدى عجز واشنطن عن التدخل الفعال في مجريات الأزمة إلى التفرد الروسي، ومن ثم تعزيز نفوذ موسكو عبر جنوب القوقاز برمته.

أما الخاسر الإقليمي الرئيس، فكان إيران بالتأكيد. فقد أسست الجمهورية الإسلامية تحالفًا استراتيجيًّا مع أرمينيا منذ التسعينات، لعدة أسباب: الثقة المفقودة بين طهران وباكو لأسباب تاريخية معقدة؛ ما جعل في النهاية كلًّا منهما يختار التحالف مع خصم غيره، فتحالفت أذربيجان مع إسرائيل وكانت إيران تميل لمساندة أرمينيا، ففاقما مخاوفهما المتبادلة. خشية طهران من انتقال النزعة القومية الأذرية من أذربيجان إلى صفوف الأذريين الإيرانيين، الذين يشكِّلون الكتلة البشرية الثانية، من حيث الحجم، ضمن الجماعات الإثنية والطائفية الإيرانية. هذه المرة، ونظرًا لتصاعد مشاعر التضامن من الأذريين الإيرانيين مع أشقائهم في أذربيجان، دعا الموقف الرسمي الإيراني أرمينيا إلى الانسحاب من الأراضي الأذرية المحتلة، وامتنعت إيران عن تقديم مساندة ملموسة لأرمينيا. أما وقد انتهت الحرب بهزيمة أرمينيا، فلابد أن إيران تنظر بقلق بالغ إلى تعزيز الروابط الآذرية الإسرائيلية، وإلى الوجود العسكري التركي في أذربيجان، واحتمالات ازدياد النفوذ التجاري التركي في كافة المحيط الشمالي، من أذربيجان إلى أوزبكستان.

بصورة من الصور، كانت مسألة قرة باغ في السنوات الأخيرة قد نُسيت، أو تراجعت إلى حدٍّ كبير في جدول الاهتمامات العالمية؛ فلا أحد كان لديه الوقت أو الحماس للاهتمام بصراع محدود، بين دولتين صغيرتين، في جنوب القوقاز، الذي يصعب على أغلب قادة العالم تحديده على الخارطة. أما اليوم، وبالنظر إلى حجم الخسارة والربح في جولة الحرب الثالثة، لم يعد ثمة شك في الخطأ الفادح الذي ارتكبه كل من تجاهل هذا الصراع.

نبذة عن الكاتب