دولة الاستيطان: صعود قوة المستوطنين وتحولات بنية الحكم في إسرائيل

تبحث الورقة في تحول قوى المستوطنين في إسرائيل من جماعات ضغط إلى بنية نفوذ داخل الدولة عبر مسارات أيديولوجية وميدانية ومؤسسية، وتستشرف آثار ذلك على الضفة الغربية وبنية الحكم الإسرائيلية واحتمالات ترسخه مستقبلًا.
18 مارس 2026
عزَّز سموتريتش نفوذ الاستيطان عبر وزارة المالية بالتحكم بالموازنات والتخطيط والبناء في الضفة الغربية وتشجيع انتقال الإسرائيليين إلى المستوطنات (الجزيرة).

مقدمة

تشهد اسرائيل في آخر عقدين تحولات في مواقع وأدوار قوى المستوطنين داخل البنية السياسية والاجتماعية، تمثلت في انتقالها تدريجيًّا من جماعات ضغط أيديولوجي تسعى إلى التأثير من خارج دوائر صنع القرار، إلى قوى فاعلة تمارس أدوارها من داخلها بعد أن حصلت على تمكين وظيفي ومؤسسي داخل مؤسسات الدولة. وقد تعزز هذا التحول بتشكل شبكة سلطوية متعددة المستويات، تشريعية وتنفيذية وقضائية داخل الدولة؛ الأمر الذي أتاح لهذه القوى امتلاك أدوات تنفيذ وقدرة على فرض الوقائع المتعلقة بالمشروع الاستيطاني، وتنفيذها على الأرض في مناطق مصنفة (ج) في الضفة الغربية(1). وقد برزت معالم هذا التحول منذ تولي الحكومة اليمينية الأخيرة (السابعة والثلاثين) زمام الحكم في ديسمبر/كانون الأول 2022؛ حيث سخَّرت هذه القوى لنفسها داخل الحكومة الإسرائيلية إمكانات كبيرة لدعم المستوطنين ومأسسة مشروعهم؛ مما دفع تجاه رفع وتيرة الاستيطان وتحوله من نشاط وطموحات استعمارية إلى واقع مؤسسي مدعوم، ارتفعت وتيرته بشكل ملحوظ بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

تهدف هذه الورقة إلى تقدير وزن قوى الاستيطان في إسرائيل وأدوارها المتحولة، وإعادة قراءة ما انكشف من طموحاتها عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما طرأ على آليات عملها وتحالفاتها، واستشراف انعكاس ذلك على سلوك إسرائيل في المجال الفلسطيني، في الضفة الغربية خصوصًا، وعلى مقاربتها الإقليمية في دول الجوار. وتحاول استشراف مستقبل نفوذ المستوطنين: هل هو نفوذ مؤقت أم يتجه نحو الترسخ في "الدولة"، وذلك من خلال قراءة البنية والتحولات والسلوك.

تعمل قوى الاستيطان وشبكاتها الفاعلة في إسرائيل عبر ثلاث مسارات متوازية تشكل بنية متكاملة ذات تقاطعات وظيفية: الأول: مسار أيديولوجي مجتمعي، تنشط فيه الأحزاب السياسية الداعمة للاستيطان، والمجالس الإقليمية للمستوطنات، والمنظمات القانونية والإعلامية، والمدارس الدينية والتوراتية، إضافة إلى منظومات التمويل المحلية والدولية. والثاني: مسار ميداني، تنشط فيه الحركات الشبابية ومجموعات الحراسة التي تمارس نشاطًا توسعيًّا ضاغطا على الأرض، وتدفع باتجاه توظيف العمل المؤسسي الداعم للاستيطان. أما الثالث فهو مسار مؤسسي حكومي، تنشط فيه الوزارات والمؤسسات الحكومية والأطر الرسمية التابعة والداعمة للمشروع الاستيطاني.

المسار الأول: مسار أيديولوجي مجتمعي: يتمثل هذا المسار في إنتاج الكوادر الشرعية الدينية والفكرية للمشروع الاستيطاني، ويشمل مجموعة من الفاعلين، من أبرزهم:

  1.  الأحزاب الاستيطانية: وفي مقدمتها حزب الليكود الذي يوفر، ضمن ائتلافاته الحكومية، غطاء سياسيًّا وحكوميًّا للتوسع الاستيطاني، ويحمل إرثًا تاريخيًّا في المشروع الاستيطاني منذ سبعينات القرن الماضي. وتليه الأحزاب الدينية الناشطة التي تعد الاستيطان جزءًا من برنامجها، وأبرزها: الصهيونية الدينية، وحزب العظمة اليهودية (عوتسما يهوديت)، وحزب نوعم(2). في المقابل، تقدِّم الأحزاب الحريدية، مثل "شاس" و"يهدوت هتوراه"، دورًا براغماتيًّا؛ إذ تدعم الاستيطان في إطار تحالفاتها ومشاركتها في الائتلافات الحكومية التي يقودها الليكود، مقابل حصولها على امتيازات سياسية ومخصصات مالية لمؤسساتها الدينية(3).

 ويتشكل التيار الرئيس للصهيونية الدينية الذي يتصدر واجهة قوى الاستيطان في إسرائيل، من شبكة متعددة المستويات التنظيمية تضم منظمات اجتماعية وثقافية، ومؤسسات حزبية، وأطرًا تربوية وشبابية، وروابط دينية تعمل على ربط الأيديولوجيا بالممارسة السياسية. ويقوم هذا الفكر على مزج مبادئ مستمدة من التوراة مع نزعة قومية توسعية، حيث تمتزج فكرة "أرض الميعاد" و"الوعد الإلهي بالخلاص التاريخي" مع مفهوم السيادة اليهودية الكاملة على أرض فلسطين الممتدة من البحر إلى النهر. وقد أسهم هذا المزج بين البعدين الديني والقومي في انتاج رؤية أيديولوجية تدفع نحو ضم الأراضي الفلسطينية وتوسيع الاستيطان بوصفه أداة لتحقيق السيادة، وفق ما أعلنه الحزب من خلال سموتريتش في "خطة الحسم"(4)، عام 2017.

وترتبط جذور هذه البنية بالحركة الصهيونية الدينية المبكرة التي ظهرت في أوائل القرن العشرين رَدَّ فعلٍ على الطابع العلماني للحركة الصهيونية، وسَعَتْ إلى دمج الدين اليهودي في المشروع القومي. وقد تجسد ذلك في تأسيس حزب المتدينين الوطنيين (المفدال) الذي مثَّل الإطار السياسي لهذا التيار، قبل أن تتطور منه لاحقًا الأحزاب المعاصرة للصهيونية الدينية(5).

وإلى جانب هذا التيار، برزت أحزاب أكثر راديكالية مثل حزب العظمة اليهودية (عوتسما يهوديت) الذي يتبنى رؤية إثنية حصرية للدولة ويربطها بالاعتبارات الأمنية، ويدفع باتجاه فرض وقائع ميدانية على الأرض. كما تسهم التيارات الحريدية في دعم المشروع الاستيطاني بصورة غير مباشرة من خلال تعزيز الحضور الديمغرافي في بعض المستوطنات، مدفوعة بدوافع اجتماعية واقتصادية(6).

  1. المجالس الإقليمية والمحلية: بلغ عددها في إسرائيل حتى عام 2022[1] 54 مجلسًا وهي تدير المناطق الريفية داخل إسرائيل(7). إلا أن المستوطنات في الضفة الغربية تدار من قبل ستة مجالس إقليمية استيطانية تشكِّل الإطار الإداري للمستوطنات الكبرى(8)، وتعمل وفق آلية المجالس المحلية داخل إسرائيل، أي إن اسرائيل تعد المستوطنات في الضفة جزءًا من نظام الحكم المحلي.

وتُصنَّف هذه المجالس على أنها أحد أبرز أذرع الصهيونية الدينية والمسؤولة عن إدارة شؤون المستوطنات إداريًّا وماليًّا ضمن هيكل يدمج السلطة المحلية والإدارة الذاتية. فهي تقدم الخدمات البلدية والمالية، وتحصل الضرائب لتمويل احتياجات المستوطنين، وتشرف على سياسات التخطيط والبناء والسيطرة على الأرض(9). وتدفع هذه المجالس باتجاه تنفيذ المخططات الاستيطانية الرامية إلى التوسع والسيطرة في الضفة الغربية، وقد ازدادت علاقتها عمقًا بالوزارات خلال فترة تولي الحكومة السابعة والثلاثين مهامها في إسرائيل، بما عزَّز الروابط بين الأحزاب الدينية والوزارات والإدارة المدنية والمجالس المحلية وصولًا إلى المستوطنين على الأرض.

  1. منظمات ضغط قانونية وإعلامية: تعمل على تقنين البؤر الاستيطانية والدفاع عنها قانونيًّا وسياسيًّا، وتقوم بدور مركزي في تحويل البؤر الاستيطانية "غير القانونية" -وفق القانون الإسرائيلي- إلى كيانات معترف بها رسميًّا داخل المنظومة الإسرائيلية. وتنشط هذه المنظمات داخل المسار السياسي لتحقيق أهدافها، عبر التنسيق المباشر مع وزراء ونواب من أحزاب الصهيونية الدينية.

وأبرز هذه المنظمات: ريغافيم Regavim(10)، التي تأسست عام 2006 على يد بتسلئيل سموتريتش ويهودا إلياهو وتعمل على دعم الاستيطان. وتتمثل أنشطتها في مراقبة التوسع العمراني والبناء الفلسطيني ومحاربته في المناطق المصنَّفة (ج)، كما تنفذ نشاطها ميدانيًّا من خلال موظفين يجوبون الضفة الغربية لرصد ما تصفه المنظمة بالمحميات الطبيعية و"المناطق التوراتية" و"الآثار اليهودية". وتضم المنظمة عدة دوائر وظيفية، من أبرزها دائرة الإعلام التي تنتج الأفلام الوثائقية وتنشر الأبحاث والتقارير الخاصة بالمنظمة، تليها الدائرة القانونية التي تتابع أعمال البناء وتضغط على الإدارة المدنية لهدم المباني الفلسطينية، كما تعمل دائرة السياسات والبحوث على اقتراح القوانين وتعديلاتها وتضغط على الكنيست لإقرارها. أما قسم العلاقات الدولية فيسعى إلى الترويج لبرنامج عمل المنظمة لدى الإعلام الدولي، والعمل على تشكيل لوبي ضاغط للحد من التمويل الأوروبي الموجه للفلسطينيين في المناطق المصنفة (ج)(11).

كما تنشط منظمة حونينو Honenu(12) التي تقدم الدعم القانوني للمستوطنين من خلال تقديم التماسات مضادة أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، والدفاع عن المستوطنين والحد من مساءلتهم القانونية في القضايا المتعلقة بالاعتداء على الفلسطينيين أو في النزاعات القانونية مع السلطات الإسرائيلية.

إضافة إلى ذلك، تعمل منظمة أمانا Amana الاستيطانية المنبثقة عن حركة "غوش أمونيم"، على تأسيس مستوطنات جديدة وتطوير المستوطنات القائمة، إلى جانب جذب المهاجرين وتقديم المساعدة المالية والرعاية الاجتماعية لهم. وتنشط أيضًا في مجال البناء الاستيطاني وتدريب المناطق الاستيطانية على الإدارة الذاتية(13).

وهناك أيضًا منظمة نحالا (Nachala)، أسسها الحاخام "موشيه ليفينغر"، أحد أبرز قادة حركة غوش أمونيم الاستيطانية. تدعم المنظمة مجموعات الأزواج الشباب وتشجعهم على الاستيطان في تلال الضفة الغربية، وتقوم بجمع التبرعات من أجل تحقيق هذه الغاية(14). وفي المجال الإعلامي تطلق حملات إعلامية تهدف إلى إضفاء صبغة أيديولوجية أو دينية على البؤر الاستيطانية، وتوظف خطاب الأمن لتبرير استمرار البؤر وشرعنتها، وتستفيد من المنصات المقربة من التيار الديني القومي مثل القناة السابعة الإسرائيلية(15) وبعض مراكز الأبحاث المرتبطة بالصهيونية الدينية في الترويج لخطاب يدعم الاستيطان ويدعو لتوسيع نطاقه.

  1. المدارس الدينية والمعاهد التوراتية: تشمل هذه المؤسسات مدارس اليشيفوت (Yeshivot)(16) والمعاهد النسائية المدرشوت (Midrashot)(17)، التي تلعب دورًا أساسيًّا في تعزيز المشروع الاستيطاني للصهيونية الدينية، كونها تشكِّل مركزًا للأيديولوجيا الصهيونية الدينية القائمة على مبدأ "إقامة دولة على جميع أرض إسرائيل". تعمل هذه المؤسسات على غرس قيم الالتزام الديني والقومي لدى طلابها، وتعزيز فكرة ترابط الأرض باليهودية، كما تؤهلهم للمشاركة في النشاط الميداني والاستيطاني والخدمة العسكرية. وتُعد هذه المعاهد أيضًا مصدرًا مهمًّا لإعداد القيادات المستقبلية التي تنضم إلى الحركات الشبابية مثل "بني عكيفا" Bnei Akiva وشبيبة التلال، أو تشارك في إقامة بؤر استيطانية جديدة، بما يعزز البنية الاجتماعية والأيديولوجية للمستوطنات ويخلق شبكات دعم مجتمعية لها. ومن أبرز الأمثلة على هذه المؤسسات: يشيفات هار عتصيون (Yeshivat Har Etzion) في غوش عتصيون، ومدرشات ليندنباوم (Midreshet Lindenbaum) للمعهد النسائي؛ حيث تربط هذه المؤسسات بين التعليم الديني والأدوار العملية في المجتمع الاستيطاني. ومن الأمثلة العملية على دور المدارس الدينية إقامة "قرى الطلاب" التي تقام في قلب المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية لاستقطاب المستوطنين وتمنحهم فرص للسكن والعمل فيها(18).
  2. منظمات التمويل المحلية والدولية: تلعب منظومات التمويل المحلية والدولية دورًا مركزيًّا في ضمان استدامة المشروع الاستيطاني؛ إذ توفر الموارد المالية اللازمة لتوسيع المستوطنات، وإقامة بؤر جديدة، ودعم البنية التحتية والخدمات الاجتماعية فيها. على المستوى المحلي، يتم التمويل من خلال المجالس الإقليمية، وصناديق خيرية يهودية، وجمعيات دعم المستوطنين التي تجمع الأموال من داخل المجتمع الإسرائيلي لصالح مشاريع محددة. أما على المستوى الدولي، فتشمل الموارد تبرعات من مؤسسات ومنظمات يهودية في الولايات المتحدة وأوروبا، إضافة إلى شبكات دعم عبر مؤسسات دينية وصناديق خيرية متخصصة في "دعم استيطان أرض إسرائيل"، بما يضمن استمرارية النشاط الاستيطاني الميداني والسيطرة على الأرض حتى في حال تغير توجهات الحكومات الإسرائيلية. تعمل هذه الشبكات المالية بالتوازي مع المسارات الرسمية والميدانية؛ إذ يربط التمويل بين الأنشطة اليومية للمستوطنين وخطط التوسع الرسمية، ويشكِّل عنصرًا أساسيًّا في تعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي للمستوطنين داخل الدولة وخارجها(19).

المسار الثاني: الميداني: وهو المسار الذي تنشط فيه مجموعات المستوطنين التي تنفذ الأنشطة الاستيطانية مباشرة على الأرض، مثل الاستيطان الرعوي، والمسارات الميدانية الاستيطانية، وإنشاء مجموعات الحراسة المحلية، وشن الهجمات على القرى الفلسطينية المتاخمة للمستوطنات. ويهدف هذا النشاط إلى فرض وقائع جغرافية جديدة قبل صدور قرارات رسمية تدعم المشروع الاستيطاني. ويتشكل هذا المسار من عدة مكونات، من أبرزها:

الحركات الشبابية: تشكل الحركات الشبابية أحد أبرز روافد المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، وغالبًا ما تنتمي إلى التيار الديني القومي. ومن أبرز هذه الحركات بني عكيفا(20) (Bnei Akiva)؛ وهي أكبر حركة شبابية تابعة للصهيونية الدينية، تحمل شعار "التوراة والعمل"، وتلعب دورًا في تشجيع الاستيطان في الضفة الغربية عبر إقامة البؤر العشوائية والاعتداء المباشر على الفلسطينيين، وقد خرج من صفوفها عدد من قيادات المستوطنين.

كما تنشط حركة "شبيبة التلال"(21) (Noar HaGvaot)، التي تأسست عام 1998 بهدف إقامة بؤر استيطانية عشوائية في الضفة الغربية، وتنطلق أيديولوجيًا من فكرة "أرض إسرائيل الكاملة". وتعد هذه الحركة من أكثر المجموعات راديكالية داخل المشروع الاستيطاني، وتتميز بمرجعيتها الدينية القومية، وبعلاقاتها المتشابكة مع المؤسسة العسكرية نتيجة أداء كثير من أعضائها الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي.

وبرزت خلال السنوات الأخيرة مجموعات أكثر تطرفًا مثل "وحوش التلال" التي ظهرت عام 2025، وهي متناسلة من شبيبة التلال، وقد نفَّذت هجمات منظمة ضد قرى فلسطينية(22). كذلك ظهرت جماعات "تدفيع الثمن" (Price Tag) منذ عامي 2008–2009، وهي مجموعات من المستوطنين المتطرفين تنشط في تنفيذ اعتداءات ضد الفلسطينيين، مثل إحراق المساجد والمنازل وكتابة الشعارات التحريضية(23).

مجموعات الحراسة: تُشكِّل مجموعات الحراسة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية شبكات أمنية شبه عسكرية، وتعد إحدى الركائز الأساسية للمسار الميداني للمشروع الاستيطاني. وغالبًا ما تتألف هذه المجموعات من شباب المستوطنين وخريجي المعاهد الدينية، وتختص بحماية المستوطنات والبؤر الاستيطانية ورصد الأراضي المحيطة بها، والتدخل في حال حدوث احتكاك مع الفلسطينيين؛ مما يسهم في فرض وقائع ميدانية قبل صدور قرارات رسمية.

تعمل هذه الشبكات بشكل غير مباشر مع الجيش الإسرائيلي ووحدات الإدارة المدنية، خاصة في مناطق (ج)، لتسهيل حماية البؤر ومنع التدخل الفلسطيني أو الدولي، وتسعى للحصول على دعم قانوني أو سياسي من نواب يمينيين وحزب الصهيونية الدينية؛ الأمر الذي يمنحها صفة شبه رسمية ضمن منظومة الأمن الاستيطاني.

من الناحية الأيديولوجية والاجتماعية، تدرِّب هذه المجموعات شبان المستوطنين على المسؤولية الأمنية والميدانية، وتغرس القيم القومية والدينية المرتبطة بالسيطرة على الأرض، لتعزيز شعور الانتماء والقدرة على التأثير في المجتمعات الاستيطانية، مع ربطها بالمسار الرسمي عبر علاقات سياسية ومؤسساتية داخل الدولة(24). ومن أبرز هذه المنظمات "حارس يهودا والسامرة" (Hashomer Yosh) التي تأسست عام 2013، وهي توفر أفرادًا وجماعات للحراسة الليلية(25).

المسار الثالث: الرسمي المؤسسي الحكومي

شهدت السنوات الأخيرة انتقال قوى الاستيطان من موقع الضغط السياسي والاجتماعي إلى مركز السلطة التنفيذية والتشريعية في إسرائيل؛ إذ حصلت على تمثيل مباشر في الحكومة والكنيست، بتولي ممثلين عنها لحقائب وزارية هي المالية والأمن الداخلي والاستيطان والإدارة المدنية، استطاعت من خلالها زيادة توظيف المؤسسات الرسمية بشكل مباشر في خدمة المشروع الاستيطاني(26). وفيما يلي أبرز الوزارات والمؤسسات الرسمية التي تخضع لنفوذ الصهيونية الدينية، والآليات المتبعة لتوظيفها في خدمة المشروع الاستيطاني:

  1. وزارة المالية: يتولى حقيبة وزارة المالية "بتسلئيل سموتريتش"، أحد أبرز قادة الصهيونية الدينية. يستخدم موقعه داخل الحكومة لزيادة حصة الاستيطان في الموازنة العامة، بما يشمل بناء الوحدات الاستيطانية وتأسيس البؤر وشق الطرق الالتفافية. وفي عام 2023، أقرَّت الحكومة اليمينية تشريعات عزَّزت من صلاحياته في ملف الاستيطان؛ إذ منحته صلاحيات واسعة للمصادقة على البناء دون المرور بالمستوى السياسي(27). كما جرى نقل جزء من صلاحيات وزارة الدفاع المتعلقة بالإدارة المدنية في الضفة الغربية إليه، ومنحته الحكومة صلاحيات في تعيين منسق أعمال الحكومة في المناطق ومسؤولي الإدارة المدنية، إضافة إلى التأثير في الطواقم القانونية المعنية بالنظر في الالتماسات المرتبطة بالاستيطان(28).

وحصل سموتريتش على نفوذ واسع نتيجة سيطرته على منظومة التخطيط والبناء في الضفة الغربية، والاشراف على عمليات هدم المنشآت الفلسطينية ومصادرة الأراضي. كما حصل على صلاحيات تتعلق بتمويل الحراسة في المستوطنات وتوسيع شبكات الطرق الاستيطانية والبنية التحتية المرتبطة بها. وساهم بدعم مشاريع "قرى الشباب الاستيطانية"، وتقديم حوافز سكنية وقروض ميسرة عبر وزارة الإسكان لتشجيع انتقال الإسرائيليين إلى المستوطنات. وفي السياق ذاته، اتجهت الحكومة إلى إضفاء طابع مدني على إدارة المستوطنات من خلال نقل بعض الصلاحيات من الجيش إلى الإدارة المدنية، بما يعزز دمج المستوطنات تدريجيًا في البنية الإدارية للدولة الإسرائيلية.

  1. وزارة الأمن القومي: يتولى إيتمار بن غفير، زعيم حزب "عوتسما يهوديت" وزارة الأمن القومي. وقد سعى منذ توليه المنصب إلى توسيع صلاحيات الشرطة وتعزيز تسليح المستوطنين من خلال زيادة منح رخص حمل السلاح وتسهيلها. كما دعم إنشاء وحدات حراسة في المستوطنات والبؤر الاستيطانية، الأمر الذي يعزز قدرة المستوطنين على فرض الوقائع الميدانية في الضفة الغربية(29).
  2. وزارة الاستيطان: عين نتنياهو المستوطِنة أوريت ستروك من حزب الصهيونية الدينية وزيرة للاستيطان. وقد حافظت الوزارة على مخصصات الاستيطان رغم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. وخصصت مبالغ مالية كبيرة لدعم مشاريع البنية التحتية الاستيطانية، بما في ذلك شق الطرق الالتفافية وربط المستوطنات ببعضها البعض عبر وزارة النقل، وهو ما يسهم في تعزيز التكامل الجغرافي للمستوطنات داخل الضفة الغربية(30).
  3. السيطرة على الإدارة المدنية: بعدما حصل سموتريتش على رتبة عسكرية في وزارة الجيش، أجرى تغييرات بنيوية وهيكلية في الإدارة المدنية، حوَّلها تدريجيًّا من إدارة عسكرية مؤقتة إلى إدارة مدنية مرتبطة بالمستوطنين، ونقل صلاحياتها من الجيش إليه، ومنح نفسه سلطة لمتابعة معظم القضايا المدنية في الضفة الغربية ومنها إدارة الاستيطان(31) والتخطيط والبناء في المناطق المصنَّفة (ج). وأنشأ سموتريتش جهازًا خاصًّا بمتابعة قضايا الاستيطان، وسيطر على قرار بناء المستوطنات وتوسيعها دون الحاجة إلى موافقات وزير الجيش ورئيس الوزراء كما كان سابقًا(32). ونقل صلاحيات قانونية وتنظيمية من الجيش إلى موظفين مدنيين، منها إصدار تصاريح البناء وتسجيل الأراضي وإدارة مشاريع البنية التحتية، والإشراف على هدم المباني والمنشآت الفلسطينية وقرارات المصادرة(33).

وقد أدى نقل بعض الصلاحيات من الجيش إلى شخصيات مرتبطة بالتيار الاستيطاني إلى تعزيز قدرة المستوطنين على التأثير المباشر في القرارات المتعلقة بالأراضي والتخطيط العمراني، لاسيما أن حكومة نتنياهو أزالت القيود عن اليهود لشراء الأراضي في الضفة الغربية، وإعادة فتح سجلاتها(34).

  1. التغلغل في المؤسسة العسكرية

شهدت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية توسعًا لنفوذ التيار الديني القومي (الصهيونية الدينية) خلال العقود الأخيرة، فقد ارتفعت نسبة الجنود والضباط المنتمين إلى هذا التيار داخل الوحدات القتالية مقارنةً بحجمهم في المجتمع الإسرائيلي. تشير الإحصائيات إلى أنهم يشكِّلون نحو 16–17% من السكان اليهود في إسرائيل، إلا أن نسبة تمثيلهم داخل المؤسسة العسكرية تفوق وزنهم الديمغرافي؛ إذ تتراوح بين 30 و40% من الضباط في الوحدات القتالية(35).

ويرتبط هذا التحول بدور المدارس الدينية التي تربط تعليم التوراة بالخدمة العسكرية؛ فقد أسهمت هذه المدارس في رفع نسبة المنتمين إلى صفوف الجيش في التيار الديني من 2.5% عام 1990 إلى حوالي 40% في السنوات الأخيرة(36). وقد أسهم هذا التحول في تعزيز التقارب بين المؤسسة العسكرية والمجتمع الاستيطاني، مع حضور أكبر للخطاب الأيديولوجي المرتبط بفكرة "أرض إسرائيل الكاملة" داخل بعض الأوساط العسكرية.

  1. التأثير في الجهاز القضائي

سعت قوى الصهيونية الدينية منذ دخولها الحكومة إلى إعادة تشكيل العلاقة بين السلطتين، التنفيذية والقضائية، عبر طرح مشاريع تهدف إلى تقليص دور المحكمة العليا في مراجعة القرارات الحكومية والتشريعات. وترتبط هذه التوجهات بمحاولات تقليل القيود القانونية على الاستيطان، بما يسهِّل تمرير تشريعات تتعلق بتوسيع المستوطنات أو ضم أجزاء من الضفة الغربية دون الاصطدام بالقضاء.

ومن الآليات المتبعة للتحكم في القضاء، العمل على تغيير آلية تعيين القضاة من خلال منح الحكومة والكنيست نفوذًا أكبر في لجنة اختيار القضاة، ومنح الكنيست القدرة على تجاوز قرارات المحكمة العليا أو الحد من سلطتها في مراجعة القوانين(37).

ومن ضمن الإصلاحات القضائية لحكومة نتنياهو اليمينية، الحد من استخدام المحكمة لمعيار "المعقولية" الذي كان يتيح للقضاة إلغاء القرارات الحكومية التي يرونها غير مبررة قانونيًّا(38).

  1. مجلس يشع

يعد مجلس يشع(39) أهم الأطر التنظيمية التي تمثل المستوطنين في الضفة الغربية، فهو يعمل كهيئة تنسيق بين المجالس الإقليمية(40) للمستوطنات والحكومة الإسرائيلية. يضطلع المجلس بدور سياسي وإعلامي بارز في الدفاع عن مصالح المستوطنين، والضغط على الحكومات الإسرائيلية لتوسيع الاستيطان وشرعنة البؤر القائمة والدفاع عن المشروع الاستيطاني بما فيه ضَمُّ الضفة الغربية، ويعارض أي مبادرة لإقامة دولة فلسطينية. كما يسهم المجلس في صياغة الخطاب العام للحركة(41)، ويعمل على تنسيق الجهود مع الحكومة الإسرائيلية، إضافة إلى قيادته حملات لتأمين التمويل لمشاريع البنية التحتية في المستوطنات، ومعارضته للقرارات الحكومية التي قد تعرقل النشاط الاستيطاني.

أفضت هذه التحولات إلى تغلغل المستوطنين في المؤسسات الرسمية، وأصبحت هذه الأحزاب بعقيدتها الدينية المستمَدَّة من التوراة تتمركز داخل الدولة، وبهذا تشكلت شبكة سلطوية متداخلة بين الحركة الاستيطانية وأجهزة الدولة؛ ما أتاح للمستوطنين امتلاك أدوات تأثير مؤسسية وسياسية مباشرة. وبذلك لم يعد المشروع الاستيطاني مسارًا يخضع فقط لإرادة الحكومات المتعاقبة بل أصبح يتحرك ضمن منظومة مزدوجة تجمع بين المسارات الرسمية والمؤسسية والميدانية.

مآلات التشكلات الاستيطانية الجارية

يمكن تقسيم المآلات المتوقَّعة للتشكلات الاستيطانية الجارية إلى ثلاثة مستويات رئيسة:

الأول يتعلق بالضفة الغربية، والثاني بالداخل الإسرائيلي، والثالث بالإقليم.

أولًا: المآلات على مستوى الضفة الغربية

  1. يشهد المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية تحولًا يتجاوز فكرة التوسع عبر زيادة عدد الوحدات الاستيطانية أو شرعنة بؤر قائمة، ليصل إلى إعادة هندسة الفضاء الجغرافي، وتثبيت بنية سيادية إسرائيلية في المناطق المصنَّفة (ج)، استكمالًا لمشروع الضم الزاحف الذي طرحه سموتريتش منذ عام 2017. ويجري ذلك عبر دمج المستوطنات في منظومات التخطيط والإدارة والميزانيات، ومنحها قدرًا أكبر من الاستقلال الإداري والاتصالي. وتؤكد ذلك قرارات عام 2025 المتعلقة بالاعتراف بمستوطنات جديدة وفصل بعضها إداريًّا عن التجمعات الأم.
  2. يتسارع مسار شرعنة البؤر الاستيطانية وتحويلها إلى أدوات للسيطرة الجغرافية على التجمعات الفلسطينية. فبعد أن أصبحت القوى اليمينية في الحكومة راعية لعمليات الاعتراف القانوني بالبؤر، لم تعد البؤرة الاستيطانية مجرد أداة ضغط على الحكومة، بل أصبحت جزءًا من المشروع الاستيطاني الذي تتبنَّاه الحكومة بصورة مباشرة.

ويعني ذلك أن المسار الميداني الذي كان يسلكه المستوطنون لفرض الأمر الواقع بات اليوم رسميًّا مدعومًا من الحكومة ذاتها؛ الأمر الذي يزيد احتمالات توسع الاستيطان الرعوي، وتكثيف مصادرة الأراضي، وتشديد الخناق على التجمعات الفلسطينية.

  1. ارتفاع معدلات اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وازدياد وتيرة الهجمات على القرى الفلسطينية، بما يشمل التصريح بقتل الفلسطينيين بالسلاح الناري والاعتداء على الممتلكات داخل القرى الفلسطينية.
  2. تقليص فرص أي تواصل جغرافي لدولة فلسطينية مستقبلية في ظل تكثيف الاستيطان وتقطيع أوصال الضفة الغربية، ويترافق ذلك مع سياسات إسرائيلية لبسط السيادة على الضفة الغربية عبر زيادة أعداد البوابات المنتشرة في كل الضفة الغربية والفصل بين المحافظات بالحواجز الدائمة.

ثانيًا: المآلات داخل إسرائيل

  1. ترسيخ المجال القانوني والسياسي لمصلحة قوى الاستيطان. فالنفوذ الذي وصلت له قوى الصهيونية الدينية لا يقتصر على فرض سياسات الاستيطان في الضفة الغربية فقط بل يمتد إلى إعادة تشكيل العلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بما يسمح بتمرير تشريعات تقلِّل القيود القانونية على الاستيطان.
  2.  تعميق هيمنة الصهيونية الدينية على الوزارات والمؤسسات الحكومية، ليس فقط عبر تولي الحقائب الوزارية بل أيضًا عبر إعادة تشكيل الهياكل الإدارية والتشريعية وفرض رؤيتها الأيديولوجية داخل المؤسسة العسكرية والمؤسسات التعليمية. وبذلك تحولت الصهيونية الدينية إلى نخبة حاكمة ذات مشروع سياسي شامل ومستدام.
  3.  بروز حالة من الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي وأحزابه فيما يتعلق بطبيعة الدولة وحدودها ومكانة المشروع الاستيطاني على جدول أعمالها بالنظر إلى الملفات الأخرى.

ثالثًا: المآلات الإقليمية

إقليميًّا، قد تؤدي هذه التحولات إلى سلوك إسرائيلي أكثر اندفاعًا وأقل التزامًا بالقيود السياسية التقليدية؛ إذ يعيد صعود التيار الاستيطاني تعريف مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي من منظور ديني قومي يتجاوز حدود عام 1967، مع إعطاء الأولوية لإضعاف الكيان الفلسطيني بدل البحث عن تسوية سياسية. كما أن التوسع الاستيطاني يزيد من الاحتكاك مع الدول التي تَعُدُّ المستوطنات غير شرعية، وقد أدى بالفعل إلى إدانات دولية متزايدة بعد قرارات الاستيطان عام 2025.

وفي الوقت نفسه، قد يمنح هذا المسار إسرائيل قدرة أكبر على فرض وقائع جغرافية نهائية قبل أي تسوية إقليمية أو دولية محتملة تتعلق بالقضية الفلسطينية، مع تحول الضفة الغربية تدريجيًّا إلى ساحة حسم جغرافي وسيادي بفعل الضم الزاحف بدل الاحتلال المؤقت. ومن زاوية أخرى قد يدفع نجاح قوى الاستيطان في مشروعها بالضفة الغربية إلى التفكير بتوسعته إلى مناطق أخرى وربما في أراضي دول عربية مجاورة، انطلاقًا من فكرة "إسرائيل الكبرى".

سيناريوهات مستقبلية

يتوقف مستقبل التشكلات الاستيطانية الراهنة على طبيعة العلاقة بين المستوطنين والدولة الإسرائيلية. وفي هذا السياق، يمكن تصور سيناريوهين رئيسيين:

السيناريو الأول: دولة مستوطنين مؤقتة: يقوم هذا السيناريو على فرضية أن التقدم الذي أحرزته قوى الاستيطان في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، رغم عمقه، يظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بالائتلاف الحكومي اليميني الحالي، وبالظرف السياسي الذي أتاح لأحزاب الصهيونية الدينية التغلغل في مؤسسات صنع القرار. ووفق هذا التصور، فإن المستوطنين نجحوا في بناء نفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة، لكنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة الاستقلال البنيوي الكامل عنها أو إلى تأسيس بنية موازية قادرة على الاستمرار مستقبلًا إذا ما خرجت الأحزاب الدينية من دوائر صنع القرار. وبناءً على ذلك، فإن استمرار هذا النفوذ يظل مرهونًا ببقاء الائتلاف الحكومي الحالي بصيغته الراهنة وقدرته على الفوز في الانتخابات المقبلة.

وتزداد احتمالات نجاح هذا السيناريو بتراجع الائتلاف اليميني الحالي الذي شكَّله نتنياهو أو تفككه، وصعود ائتلافات معارضة أكثر براغماتية وأقل ارتهانًا للتحالف مع الأحزاب الدينية. وقد يُفضي ذلك إلى عودة المؤسسات الرقابية داخل الدولة الإسرائيلية إلى ممارسة أدوارها في كبح بعض الاندفاعات الاستيطانية في الضفة الغربية، سواء لاعتبارات تتعلق بمصالح الدولة نفسها أو استجابةً لضغوط خارجية.

كما قد يؤدي هذا التحول إلى تقليص الموازنات المرتبطة بالاستيطان وتوجيهها إلى برامج حكومية أخرى بما يحد من قدرة المشروع الاستيطاني على التوسع. وفي هذه الحالة، يظل النفوذ الاستيطاني مرتبطًا بالأشخاص الفاعلين داخل الحكومة وأصحاب النفوذ السياسي، من دون أن يتحول إلى تغييرات بنيوية راسخة في سياسات المؤسسات والوزارات نفسها.

ويترتب على تحقق هذا السيناريو فقدان الأحزاب الدينية لمواقعها الوزارية والمؤسسية داخل مراكز صنع القرار؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى تباطؤ عمليات شرعنة البؤر الاستيطانية أو وقف بعضها، وتقليص المخصصات المالية الموجهة للاستيطان.

كما قد يفتح ذلك المجال لعودة التوتر بين الحكومة والمستوطنين على بعض القضايا، خاصة في المجالس الإقليمية للمستوطنات، وقد يؤدي هذا إلى تراجع سطوة المستوطنين على الإدارة المدنية والجيش والقضاء. ويجعل هذا السيناريو الضفة الغربية ساحة مفتوحة للضَّمِّ لكنه يقلِّل من عجلة الاستيطان ويطيل أمد الوضع الجيوسياسي الراهن للضفة الغربية، ويعيد المستوطنين إلى موقع جماعات الضغط على الدولة بدل كونهم جزءًا من مركز السلطة فيها.

السيناريو الثاني: دولة مستوطنين دائمة:

يرى هذا السيناريو أن التحولات التي أحدثها المستوطنون تعكس تحولًا بنيويًّا طويل الأمد في تركيبة إسرائيل وتوجهاتها. وقد يكون هذا التحول ثابتًا ودائمًا نتيجة ما أحدثه من تغييرات في الهياكل المؤسسية والصلاحيات داخل الدولة، وما ترتب على ذلك من تسريع وتيرة المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وتثبيت وقائع جديدة على الأرض.

وبناءً على هذا التصور، أصبحت قوى الاستيطان جزءًا عضويًّا من بنية الحكم وسلوك الدولة، ولم تعد مجرد قوى استغلت مواقعها داخل مؤسسات الدولة لفترة مؤقتة. وقد يترتب على ذلك استمرار دور المستوطنين في الحكم ونفوذهم في المؤسسات والموازنة العامة وغيرها من عناصر القوة، أو استمرار تأثيرهم، حتى لو لم يدخلوا بشكل مباشر في الحكومة بفعل قدرتهم على إحداث فارق يرجِّح كفة المشروع الاستيطاني مستقبلًا نتيجة قوتهم على الأرض وتغلغلهم في قواعد المؤسسات وهياكلها. ويعني ذلك أن قوى الاستيطان لم تعد تعتمد فقط على الحكومة الحالية، بل نجحت في تأسيس بنية متشابكة داخل الدولة والمجتمع تجعل نفوذها قابلًا للاستمرار حتى مع تغير الحكومات.

إن نجاح هذا السيناريو يشير إلى أن نفوذ المستوطنين لم يعد مرتبطًا فقط بالسيطرة على مفاصل الحكومة بل أصبح متجذرًا داخل منظومة الحكم بما يشمل الحكومة والمجالس الإقليمية والإدارة المدنية. ويعود ذلك إلى قدرتهم على إحداث تغييرات عميقة بنيوية وتشريعية ومستمرة داخل الدولة لصالح مشروعهم الاستيطاني. كما يعكس هذا السيناريو قدرة المستوطنين على كسب الوقت وإجراء تغييرات جغرافية متسارعة في الضفة الغربية عبر تسريع خطوات الضم وتوسيع الاستيطان بما يعزز حضورهم الميداني والسياسي مستقبلًا.

وفي الوقت نفسه، تسهم هذه التحولات في خلق مساحة أوسع أمامهم للانضمام إلى الحكومات القادمة أو التأثير في سياساتها بما يحافظ على حضورهم قوةً سياسية واجتماعية مؤثرة داخل النظام الإسرائيلي.

ويسهم نجاح هذا السيناريو في استمرار نفوذ الأحزاب الدينية وتعمُّق تغلغلها بما ينعكس على المشروع الاستيطاني وتُوسُّعه، وتعزيز قوة وسطوة المستوطنين بما يقود إلى إعادة مأسسة إسرائيل وفق منطق المشروع الاستيطاني. ومن أبرز المؤشرات الدالَّة على مأسسة النفوذ الاستيطاني قدرة المستوطنين على بناء شبكات أمنية ومجموعات حراسة مسلحة، وتعزيز التنظيم المؤسسي للقوى الاستيطانية، إضافة إلى إيجاد أرضية تشريعية داعمة للاستيطان وإجراء تغييرات بنيوية في مؤسسات مثل الإدارة المدنية وغيرها من الأجهزة المرتبطة بإدارة الضفة الغربية.

بدي احط نقطة مهمة عن التجييش اللي سواه نتنياهو والأحزاب الدينية بفعل ملفات ايران والحرب على غزة وغيرها بدي احط نقطة مهمة عن التجييش اللي سواه نتنياهو والأحزاب الدينية بفعل ملفات ايران والحرب على غزة وغيرهابدي احط نقطة مهمة عن التجييش اللي سواه نتنياهو والأحزاب الدينية بفعل ملفات ايران والحرب على غزة وغيرها Top of FormBottom of Formخاتمة

شهدت قوى الاستيطان تحولات بنيوية في مواقعها السياسية وعلاقتها بالدولة وأدوات التأثير التي تستخدمها، وفقًا للمسارات الثلاثة الفاعلة. حتى نهاية العقد الأخير، كان المسار الميداني يتقدم على المسار الرسمي المؤسسي، وكانت القوى الاستيطانية ممثلة بشكل محدود في الحكومة، وتعتمد على التحالفات مع اليمين التقليدي لتعزيز نفوذها. كما ظلت علاقتها بالدولة قائمة على الضغط والتفاوض وفرض الوقائع على الأرض دون امتلاك أدوات تنفيذية مباشرة. في المرحلة الحالية، حدث تحول نوعي في تموضع المستوطنين داخل الدولة؛ حيث أصبح المسار الرسمي والمؤسسي يمهد للنشاط الميداني ويدعمه نتيجة التحالف الذي شكَّله بنيامين نتنياهو مع أحزاب الصهيونية الدينية للحفاظ على السلطة.

تميل المؤشرات الراهنة في ظل الظروف والمستجدات الميدانية والإقليمية إلى أن قوى الاستيطان قد أوجدت لنفسها نفوذًا يتجاوز الظرف المؤقت ويتعداه إلى أبعد من ذلك بنيويًّا؛ فقد شكَّلت الظروف الميدانية في حرب إسرائيل ضد غزة ولبنان وإيران وتصعيدها في الضفة أرضيةً لتعميق أيديولوجية الأحزاب الدينية في الأوساط المجتمعية والسياسية، وأعطت غطاء لتكثيف النشاط الميداني لمجموعات المستوطنين الذين استغلوا عامل الوقت لتحقيق نقاط تجاه حسم الصراع بضم الضفة الغربية، وكلها عوامل تساعد في تعميق البنية السلطوية للمستوطنين وتثبيت دعائمها للمستقبل.

نبذة عن الكاتب

مراجع
  1. قُسِّمت الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وفق اتفاقية طابا عام 1996 الملحقة باتفاقية أوسلو، إلى ثلاثة مناطق، (أ، ب، ج)؛ حيث تمثِّل الأراضي المصنفة (أ) ما يقارب 20% من مساحة الضفة الغربية وتتبع مدنيًّا وأمنيًّا للسلطة الفلسطينية، و(ب) مساحة 19% من الضفة الغربية وتتبع أمنيًّا لإسرائيل ومدنيًّا للسلطة الفلسطينية، فيما تمثل المناطق المصنفة (ج) ما يقارب 61% من مساحة الضفة الغربية وتتبع أمنيًّا ومدنيًّا لإسرائيل. "اتفاقية طابا (الاتفاقية الفلسطينية–الإسرائيلية المرحلية بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة)"، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني-وكالة وفا، 28 سبتمبر/أيلول 1995 (تاريخ الدخول: 5 مارس/آذار 2026)،
    https://info.wafa.ps/pages/details/30268.)
  2. حمدي علي حسين، "سياسات الاستيطان واتجاهات المجتمع السياسي الإسرائيلي"، مركز الجزيرة للدراسات، 1 ديسمبر/كانون الأول 2024 (تاريخ الدخول: 1 مارس/آذار 2026)، https://studies.aljazeera.net/ar/article/6087.
  3. Evan Gottesman, “Israel’s Ultra-Orthodox Parties Explained,” Israel Policy Forum, February 21, 2019, Accessed March 5, 2026, https://israelpolicyforum.org/2019/02/21/israels-ultra-orthodox-parties-explained/.
  4. أشرف بدر، "خطة الحسم لحزب الصهيونية الدينية"، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2023، (تاريخ الدخول: 1 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/4s4wERZ.
  5. الشريف، ماهر، "كيف أصبحت الصهيونية الدينية قوة سياسية رئيسية؟"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 19 يونيو/حزيران 2024 (تاريخ الدخول: 2 مارس/آذار 2026)، https://www.palestine-studies.org/ar/node/1655743.
  6. حمدي علي حسين، مرجع سبق ذكره.
  7. Hajaj, Shai, “Chairman of the Regional Government: ‘Land Prices in Israel Are Excessive and Wild.’” Globes, May 10, 2022, Accessed March 2, 2026, https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001411239.
  8. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية: التقرير الإحصائي السنوي 2023"، رام الله-فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2024، ص27، (تاريخ الدخول: 2 مارس/آذار 2026)، https://www.pcbs.gov.ps/Downloads/book2708.pdf.
  9. عبد العليم أحمد، جهاد جمال عبد العليم، "العلاقة بين المجالس المحلية والدولة المركزية في إسرائيل"، المركز الديمقراطي العربي، 28 أبريل/نيسان 2016 (تاريخ الدخول: 3 مارس/آذار 2026)، https://www.democraticac.de/?p=30940.
  10. حركة ريجافيم (Regavim)، “About Us”، (تاريخ الدخول: 3 مارس/آذار 2026)، https://www.regavim.org/about-us/.
  11. وليد حباس، "ريغافيم: من منظمة استيطانية إلى العقل المخطط في الأراضي ج"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، 13 مايو/أيار 2024 (تاريخ الدخول: 4 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/40tMtFE.
  12. Honenu, “About Us,” Honenu, Accessed March 5, 2026, https://honenu.org/about-us/.
  13. Amana, “About,” Amana, Accessed March 5, 2026, https://amana.co.il/about-2/.
  14. Nachala Movement, “About,” Nachala Movement, Accessed March 5, 2026, https://www.nachalaisrael.org/about.
  15. Israel National News (Arutz Sheva), “Home,” Israel National News, Accessed March 5, 2026, https://www.israelnationalnews.com/.
  16. Yeshivat Har Etzion, “About the Yeshiva and its Institutions,” Torat Har Etzion, Accessed March 5, 2026, https://etzion.org.il/en/about/yeshiva-institutions.
  17. Midreshet Lindenbaum, “About Masa,” Midreshet Lindenbaum, Accessed March 5, 2026, https://www.midreshet-lindenbaum.org.il/about-us/aboutmasa.
  18. دينا أحمد، ومؤمن مقداد، "قرى الطلاب.. مشروع استيطاني للاحتلال"، الجزيرة نت، 31 أغسطس/آب 2025 (تاريخ الدخول: 6 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/4sy86R6.  
  19. خالد يوسف، وإبراهيم سيباهي، "الاستيطان الإسرائيلي بالضفة.. من يمول جرائمه؟" (تقرير)، وكالة الأناضول، 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 6 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/4umlGJ1.
  20. World Bnei Akiva, “Who We Are,” World Bnei Akiva, Accessed March 6, 2026, https://www.worldbneiakiva.org/who-we-are
  21. الجزيرة نت، "شبيبة التلال: مجموعات شبابية يهودية"، موسوعة الجزيرة، 17 أبريل/نيسان 2024 (تاريخ الدخول: 6 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/4bib1pU.
  22. محمد وتد، "وحوش التلال.. جماعة إرهابية ترعب الفلسطينيين وتقلق إسرائيل"، الجزيرة نت، 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 6 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/4rnlJ4A.
  23. وديع عواودة، "جماعات 'تدفيع الثمن'.. سيف الاستيطان الإسرائيلي"، الجزيرة نت، 20 أكتوبر/تشرين الأول 2014 (تاريخ الدخول: 6 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/3P41xY3.
  24. المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية-مدار، "تقرير جديد لمنظمة 'يش دين' عن أعمال الحراسة وحفظ الأمن في المستوطنات"، 15 أكتوبر/تشرين الأول 2014 (تاريخ الدخول: 6 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/4bkhVuS.
  25. وليد حباس، وأنمار رفيدي، "بنية الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية: مراحل المشروع ومكوناته ومؤسساته"، مجلة عمران للعلوم الاجتماعية (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ع 54–55، شتاء 2026)، ص36.
  26. حمدي علي حسين، مرجع سبق ذكره.
  27. حمدي علي حسين، "تسارع الاستيطان في الضفة الغربية: دلالات الفعل وانعكاساته على الجغرافيا السياسية"، مركز رؤية للتنمية السياسية، 15 مايو/أيار 2024 (تاريخ الدخول: 1 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/4rlCInR.
  28. حمدي علي حسين، سياسات الاستيطان..، مرجع سبق ذكره.
  29. ياسر مناع، "ما بعد 7/10/2023: كيف يتم تسليح المستوطنين في الضفة الغربية؟"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية-مدار، 19 مايو/أيار 2025 (تاريخ الدخول: 7 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/3Pgzip7.
  30. حمدي علي حسين، سياسات الاستيطان..، مرجع سبق ذكره.
  31. “Agreement Detailing Smotrich’s Authority in the Defense Ministry Grants Powers Intended to Expand Settlement Enterprise,” Adalah – The Legal Center for Arab Minority Rights in Israel, April 17, 2024, Accessed March 7, 2026, https://www.adalah.org/en/content/view/11096.
  32. “Israel Transfers West Bank Settlements Planning Responsibility to Minister Smotrich, Cancels Defense Minister’s Involvement,” Peace Now, June 18, 2023, Accessed March 7, 2026, https://bit.ly/4dedx35
  33.   “IDF transfers powers in occupied West Bank to pro-settler civil servants,” The Guardian, June 20, 2024, Accessed March 7, 2026, https://bit.ly/4bkqRAH.
  34. نعومي نيومان، "الضم الممنهج: كيف تعيد سياسات إسرائيل الجديدة في الضفة الغربية تشكيل الصراع وتختبر الإستراتيجية الأميركية"، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (The Washington Institute for Near East Policy)، 2 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 7 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/4b4LGkI.
  35. “Annual Assessment of the Jewish People 2025 | 5785,” Jewish People Policy Institute (JPPI), September 15, 2025, Accessed March 7, 2026, https://bit.ly/40JC0Gp.
  36. “National religious recruits challenge values of IDF once dominated by secular elite,” The Guardian, July 18, 2024, Accessed March 7, 2026, https://bit.ly/40Y1Rdy.
  37. محمود جرابعة، "صراع التعديلات القضائية وتداعياته على الإسرائيليين والفلسطينيين"، مركز الجزيرة للدراسات، 26 مارس/آذار 2023 (تاريخ الدخول: 8 مارس/آذار 2026)،
    https://studies.aljazeera.net/ar/article/5584..
  38. “What is Israel’s new judicial law and why is it causing upheaval?”, Reuters, July 25, 2023, Accessed March 8, 2026, https://bit.ly/4sbhwlY.
  39. "مجلس يشع"، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية-مدار، موسوعة المصطلحات، (تاريخ الدخول: 8 مارس/آذار 2026)، https://bit.ly/3Pw8Ac4.
  40. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية: التقرير الإحصائي السنوي 2022"، رام الله-فلسطين: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2023، ص27، (تاريخ الدخول: 8 مارس/آذار 2026)، https://www.pcbs.gov.ps/Downloads/book2683.pdf.
  41.   وليد حباس وأنمار رفيدي، مرجع سبق ذكره، ص 34-35.